النص المفهرس

صفحات 181-200

وبهذا يُعْلَمُ أن قول الألباني في: السلسلة الضعيفة ٢/ ٣٩٢ إن
يونسَ ثقة من رجال مسلم: غير ملاق في جزئيتيه؛ الأولى من حيث
منزلة يونس، وقد علمت كلمة النقاد الجامعين فيه كالذهبي والحافظ
ابن حجر، والثانية إطلاق كونه من رجال مسلم.
فليس هو من رجال مسلم فقط بل من رجال البخاري ومسلم،
لكن لا في العمد والأصول وإنما عند البخاري تعليقاً، ومسلم في
الشواهد، وقد عُلم الفرقان بين ذلك، وقد غلَّط الأئمةُ مَنْ أطلق في
موضع التقييد. ولهذا فإن الشيخ نفسه عفا الله عنه، قد نقض على
الحاكم، ومن بعده الذهبي: الإِطلاقَ في مثل هذا. في كلام له نفيس
في مواضع من كتبه، منها ما في: السلسلة الضعيفة ٣٢٩/٢، ٣٣٠،
وإرواء الغليل ٧٦/٢. فصار هذا من المتدارك عليه، والله أعلم. وفي
الفتاوى ١٨ / ٤٢ مبحث نفيس في رواة الصحيحين.
فائدة: في فيض القدير للمناوي ٤٢٠/٦ على حديث:
لا تكرهوا مرضاكم على الصدقة، الحدیث.
ذكر الخلاف في سنده وهل هو من رواية: بكر بن يونس بن بكير
أم من رواية والده: يونس، وهو في الكامل لابن عدي ٢/ ٤٦٤ من
رواية بكر لا من رواية أبيه. فَشَبَتَ ضَعْفُهُ، والله أعلم.
٣ - الهيثم:
هو: الهيثم بن عمران العبسي. ترجمه ابن حبان في: الثقات
٧/ ٥٧٧ فقال:
١٨١

(من أهل دمشق يروي عن عطية بن قيس، روى عنه الهيثم بن
خارجة، حدثنا الهيثم بن عمران، قال: رأيت عطية بن قيس الكلابي
يصلي على مرققة محشوة بالريش جالساً متربعاً) اهـ.
وأورده ابن أبي حاتم في: الجرح والتعديل ٨٢/٢/٤، ٨٣،
وسكت عنه فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقال:
(روى عنه محمد بن وهب بن عطية، وهشام بن عمار،
وسلیمان بن شرحبیل) اهـ.
وفي كتاب المعرفة والتاريخ ٤٠٣/٢ قال:
(حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا الهيثم عن _ صوابه ابن -
عمران، قال: كان رأس المسجد بدمشق في زمان الوليد بن عبد الملك
وبعده: عبد الله بن عامر اليحصبي، وكان يزعم أنه من حمير، وكان
يغمز في نسبه) اهـ.
فالمتحصل لنا معرفة عين الهيثم بن عمران برواية خمسة عنه،
وهم :
١ - محمد بن وهب بن عطية .
٢ - هشام بن عمار.
٣ - سليمان بن شرحبيل.
٤ - الهيثم بن خارجة .
٥ - يونس بن بکیر .
١٨٢

فجهالة عينه مرتفعة إذن، وأما حاله فإن مترجميه سكتوا عنها، فلم
یذکروا فیه جر حاً ولا تعدیلاً، فیکون إذن مجهول الحال.
وقد علم من سنة الاصطلاح عند الجمهور: أن ارتفاع جهالة العين
لا يعني زوال جهالة الحال، ولهذا عيب على ابن حبان مذهبه في ذلك،
كما ذكره ابن حجر في: اللسان ١٤/١ عما قرره ابن حبان في الثقات
١٣/١ - فقال ابن حجر:
(وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت عنه جهالة
عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه: مذهب عجيب، والجمهور على
خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتابه: الثقات، الذي ألَّفه؛ فإنه یذکر
فيه خلقاً ممن نص عليهم أبو حاتم وغيره: أنهم مجهولون، وكأن عند ابن
حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن
خزيمة، لكن جهالة حاله باقية عند غيره) اهـ.
وقال أيضاً في ترجمة : أيوب الراوي: من اللسان:
(ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عنه مهدي بن ميمون،
لا أدري من هو؟ وهذا القول من ابن حبان؛ يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه یذکر
في كتاب الثقات كل مجهولٍ روى عنه ثقة ولم يجرح، ولم يكن الحديث
الذي يرويه منكراً، هذه قاعدته، وقد نبه على ذلك الحافظ صلاح الدين
العلائي، والحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي، وغيرهما، رحمهما الله
تعالی) اهـ.
١٨٣

وكلام ابن عبد الهادي في ((الصارم المنكي)» ص/ ١٣٩ بطوله وهو
مهم. وللسخاوي تلميذ ابن حجر كلام نحو كلام شيخه في ((فتح
المغيث)) ٣١٥/٣. وهو مبحث مستوفى على هذا المنحى في عامة كتب
الاصطلاح، وفي تضاعيف الشروح في مجال نقد الأسانيد.
ومنه ما قرره الألباني كان الله له في ((الضعيفة)) ٣٢٨/٢، ٣٢٩
رقم/ ٩٢٩ عن أبي بن كعب: (كان ◌َ﴿ يخر على ركبتيه ولا يتكىء) قال
بشأن رواته :
(قلت: وأما ابن حبان فأوردهم في ((الثقات)) على قاعدته في
توثيق المجهولين، ثم أخرج حديثهم في صحيحه كما ترى، فلا تغتر .
بذلك، فإنه قد شذ في ذلك عن التعريف الذي اتفق عليه جماهير
المحدثين في الحديث الصحيح وهو: ((ما رواه عدل ضابط عن مثله))،
فأين العدالة، وأين الضبط في مثل هؤلاء المجهولين؟، لاسيما وقد
رووا منكراً من الحديث خالفوا به الصحيح الثابت عنه ◌َ من غير
طریق. کما سيأتي بيانه.
ولقد بدا لي شيء جديد يؤكد شذوذ ابن حبان المذكور، ذلك
أنني حصلت نسخة من كتابه القيم ((المجروحين)) في موسم حج السنَّة
الماضية ١٣٩٦هـ. فلم أرَ له فيها راوياً واحداً جرحه بالجهالة حتى
الآن. فهذا يؤكد أن الجهالة عنده ليست جرحاً) اهـ.
ونحوه في مواضع من كتبه كما في ((الضعيفة)) أيضاً ١٤٥/٢،
٣٥٦، وفي ((الإِرواء)) ٣٦٠/٣.
١٨٤

وهذا من الوضوح بمكان أن الألباني كان الله له، مع الجمهور في
نقد مذهب ابن حبان في توثيقه المجهولين بمجرد الرواية عنهم.
إذا علم ذلك فإنه في نفس هذا الكتاب: السلسلة الضعيفة ٣٨٩/٢
عند كلامه على الحديث رقم/ ٩٦٧ قرر ما ينقض ذلك التقعيد، إذ قال
في حال: الهيثم بن عمران، في حديث العجن ص ٣٩٢ :
(والهيثم هو ابن عمران الدمشقي، أورده ابن حبان في: الثقات
٢٩٦/٢ وقال:
(يروي عن عطية بن قيس، روى عنه الهيثم بن خارجة) اهـ.
وأورده ابن أبي حاتم في: الجرح والتعديل ٨٢/٢/٤، ٨٣
وقال :
(روى عنه: محمد بن وهب بن عطية، وهشام بن عمار،
وسلیمان بن شرحبیل) اهـ.
قلت: ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، لكن رواية هؤلاء الثقات
الثلاثة عنه، ويضم إليهم رابع وهو: الهيثم بن خارجة، وخامس وهو:
يونس بن بكير، مما يجعل النفس تطمئن لحديثه؛ لأنه لو كان فيه شيء
من الضعف لتبين في رواية أحد هؤلاء الثقات عنه، ولعرفه أهل
الحديث، كابن حبان، وأبي حاتم، زد على ذلك أنه قد توبع على
روايته هذه، كما تقدم قريباً من حديث حماد بن سلمة نحوه، والله
أعلم) اهـ.
وهذا السياق من كلامه متعقب بأمور :
١٨٥

■ أولاً: أنه هنا جارى ابن حبان في مذهبه المذكور، والذي
انتقده ص ٣٢٨ من نفس الكتاب، ووصفه بأنه مذهب شاذ. فهذا تناقض
ظاهر، والحق ما قرره أولاً تبعاً للجمهور من شذوذ مذهب ابن حبان،
وأن جهالة الحال لا ترتفع بارتفاع جهالة العين.
إذن فجهالة حال: الهيثم بن عمران لم ترتفع، فيكون في هذا راوٍ
مجهول الحال هو: ((الهيثم بن عمران العبسي الدمشقي، رحمه الله
تعالى))، وحديثه يلقب بالمستور عند أهل الاصطلاح، والذي حققه
الحافظ ابن حجر في: شرح نخبة الفكر ص ٢٤ بعد أن بين الخلاف بأن
جماعة قبلوا روايته بغير قيد، وردها الجمهور قال: والتحقيق أن رواية
المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل
يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين، ونحوه
قول ابن الصلاح فيمن جرح بجرح غير مفسر) اهـ. والشيخ كان الله له
لما ذكر حديث معاذ رضي الله عنه في القضاء من السلسلة الضعيفة برقم
(٨٨١)، وحكم بنكارته؛ عَلَّلَ ذلك بأمور، منها: جهالة الحارث بن
عمرو أخو المغيرة بن شعبة، فبحث مستفيضاً من ص ٢٧٣ - ٢٨٦.
ومما قاله ص ٢٧٩: تردد حال الحارث هذا أن يكون من كبار التابعين
أو صغارهم، ثم جزم بكونه من صغارهم، ثم قال بشأن ارتفاع الجهالة
ص ٢٨٦: (ولعله قد وضح لك أنه لا فرق بين التابعي الكبير، ومن
دونه، في أنه لا تقبل روايتهم ما لم تثبت عدالتهم، وتثبت العدالة
بتنصيص عدلين عليها أو بالاستفاضة كما هو معلوم) اهـ.
١٨٦

فأين شرطي العدالة والضبط في حال ((الهيثم)) هذا، مع أن الهيثم
ليس من التابعين لا من كبارهم ولا من صغارهم، وإنما هو من أتباع
التابعين، كما أوضحه ابن حبان في الثقات ٧/ ٥٧٧. وفي ٢٦٦/١ من
((الضعيفة)) له ذكر حديث أنس رضي الله عنه برقم ٣٦٤: (من صلى في
مسجدي أربعين صلاة ... ) الحديث رواه أحمد ١٥٥/٣، والطبراني في
الأوسط، ثم حكم بضعفه؛ لأن في سنده نبيط بن عمرو، لا يعرف إلاّ في
هذا الحديث، وقد وثقه ابن حبان في الثقات على قاعدته في توثيق
المجهولين . اهـ.
فلماذا لا ينسحب هذا الحكم على حديث العجن وفيه الهيثم وهو
مجهول الحال؟
■ ثانياً: أنه جعل رواية أولئك النفر الخمسة عنه سبباً لاطمئنان
النفس لحديثه، والأحاديث لا تصحح بالوجدان؛ كالشأن بعد في الرؤيا
لا تثبت بها الأحكام. مع أن هؤلاء الخمسة ليس من بينهم من اشترط أنه
لا يروي إلاَّ عن ثقة، كشعبة ومالك.
■ ثالثاً: قوله بأنه قد توبع على روايته من حديث حماد بن سلمة
نحوه، كما تقدم.
يشير إلى ما أخرجه البيهقي موقوفاً في السنن ١٣٥/٢ بسنده، عن
حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، قال:
(رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه،
١٨٧

فقلت لولده ولجلسائه: لعله يفعل هذا من الكِبَرِ قالوا: (لا، ولكن هكذا
يكون). قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات كلهم، فقوله (هكذا
يكون) صريح في أن ابن عمر كان يفعل ذلك اتباعاً لسنَّة الصلاة وليس
لِسِنَّ أو ضُعْفٍ) اهـ.
وحديث البيهقي هذا يفيد الاعتماد فحسب، وهذا قد أفاده ما هو
أكثر منه مخرجاً وأوسع رواية وهو حديث مالك بن الحويرث في وصفه
لصلاة النبي ولو، والمسألة ليست في مشروعية الاعتماد على الأرض،
ولكن في هيئته وصفته ((العجن)) وهذا ما لا تفيده رواية البيهقي بحال،
فبقي حديث أبي إسحاق في: غريبه، من غير هذه المتابعة، غريباً.
والله أعلم.
هذا وقد أثار بعض الطلبة في حال المباحثة أن البخاري رحمه الله
تعالى يروي عن مجهول الحال مثل: أحمد بن عاصم البلخي، وأسباط
أبو اليسع البصري، فأبنت له أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في
مقدمة الفتح قد أبان عن هذا بما محصله: أن البخاري رحمه الله تعالى
لا يروي عمن هذا سبيله في العمد والأصول من صحيحه، ولكن في
المتابعات والشواهد. فلأسباط عنده حديث واحد متابعة، كما في
التقريب، أو في الرقاق، كما في روايته عن أحمد بن عاصم، والله
أعلم. وانظر ترجمة مالك بن خير المصري من الميزان ٤٢٦/٣ وخاتمة
الديوان في الضعفاء له. والقواعد ص ٢٠٥ .
ومن وراء جميع ما تقدم بشأن الهيثم هذا فإنه رحمه الله تعالى
١٨٨

ليس من التابعين، وإنما هو من: تبع التابعين، والخلاف بين الحنفية
والجمهور بشأن رواية مجهول الحال قبولاً ورداً إنما هي فيمن فوقهم،
أما من كان بعدهم فمحل اتفاق عندهم، كما تجده بسطاً في كتب
الاصطلاح وأحكام الرواية. والهيثم هذا ترجمه ابن حبان في: الثقات
٥٦٦/٧. تحت قوله: (باب الهاء: ومن أتباع التابعين الذين رووا عن
التابعين ممن ابتدأ اسمه على الهاء).
ولعل هذا مما فات على العلامة الألباني، والذي يظهر لنصرته
للسنة وجرأته بالحق: أنه لو تَنَبَّهَ؛ لما حكم على حال هذا الحديث
تارة بالحسن وأخرى بأنه صالح، والله أعلم.
٤ - عطية بن قيس :
هو الإِمام القانت مقرىء دمشق، مع ابن عامر، أبو يحيى الكلبي
الدمشقي المذبوح، وقيل: الحمصي، م سنة ١٢١ هـ. وقيل غيرها.
انتهى من السير ٣٢٤/٥ _ ٣٢٥ للذهبي، ورمز بكونه من رجال مسلم
والأربعة وفي التقريب قال ابن حجر: ((ثقة مقرىء))، ورمز بكون من
رجال مسلم، والأربعة، والبخاري تعليقاً.
وهو راوي حديث فاطمة رضي الله عنها في الأضاحي كما في
مجمع الزوائد ٤/ ١٧ ثم قال:
(رواه البزار، وفيه عطية بن قيس، وفیہ کلام کثیر وقد وثق) اهـ.
وهو لدى البخاري في سند حديث المعازف المشهور، كما في الفتح
٥١/١٠. وانظر: الإِصابة للحافظ ابن حجر.
١٨٩

٥ - الأزرق بن قيس :
هو: الأزرق بن قيس الحارثي، البصري، م بعد سنة ١٢٠ هـ .. قال
الحافظ في التقريب: (ثقة من الثالثة) ورمز بكونه من رجال البخاري
والنسائي وأبي داود.
قال الألباني في: السلسلة الضعيفة ٣٩٢/٢:
(قلت: وابنا قيس ثقتان من رجال الصحيح) اهـ. وقوله هذا فيه
تسامح من جهتين :
■ الأولى: أن ظاهر قوله: (وابنا قيس) يوهم أنهما ابنان لقيس
واحد، والظاهر اختلافهما في النسب والدار:
فعطية بن قيس الكلابي أو الكلاعي، مولاهم، وهو دمشقي
الدار، وقيل: حمصي. كما في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم
٢١٣١/٣٨٣/٦، والثقات ٢٦٠/٥، وتاريخ ابن عساكر ٣٤٣/٢/١١
وذكروا جميعهم: أنه مولى لأبي بكر بن كلاب.
وأما الأزرق بن قيس فھو حارثي النسب، بصري الدار کما هو عند
مترجميه .
■ الثانية: في قوله إنهما من رجال الصحيح.
أما الأزرق فنعم، وله عند البخاري حديثان في: كتاب العمل في
الصلاة ٣/ ٨١ مع الفتح، وفي الأدب ٥٢٥/١٠ مع الفتح.
١٩٠

وأما عطية فهو من رجال البخاري تعليقاً في حديث المعازف
المشهور ٥١/١٠ الفتح. لكنه من رجال مسلم، أما الأزرق فليس من
رجال صحيح مسلم.
وقد علم أنه إذا قيل في راوٍ: من رجال الصحيح؛ فالمراد: في
الأصول، لا في الشواهد والمتابعات، والله أعلم.
١٩١

المبحث الثالث
في بيان منزلته
تبعاً لخفاء هذا الحديث مسنداً عند أبي إسحاق - في غريبه - على
الحفاظ الناقدين، فإنه بواقع الحال لم يتم الوقوف على من أبان عن
حكم منزلته، وكلمات بعض الأئمة الحفاظ الشافعية - منهم: ابن
الصلاح، فالنووي، فابن الملقن، فتلميذه ابن حجر - إنما كانت بناءً
على ذكر الغزالي له في ((الوسيط)) ثم نسبته إلى ابن عباس في: شرح
الوجيز للرافعي، فلذا خفي عليهم تصحيح نسبته إلى ابن عمر، فكلامهم
عليه إذاً بأنه: باطل، لا يصح، ولا يعرف؛ هو بحكم حفظهم،
وجامعيتهم، لا بحكم وقوفهم عليه. فافهم.
وهذه كلماتهم بنصوصها حسب أقدمیتهم :
أما ابن الصلاح فلم نقف على شرحه للوسيط، لكن كلامه قد نقله
ابن الملقن، فابن حجر.
وأما النووي فيأتي في: المبحث الثالث.
١٩٢

وأما ابن الملقن فكلامه في كتابه ((خلاصة البدر المنير» وهذا
نصه :
الحديث الخامس عشر بعد التسعين:
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (أن رسول الله ولو كان إذا قام
في صلاته وضع يده على الأرض كما يضع العاجن).
هذا الحديث ذكره الرافعي بنقل الغزالي فإنه أورده كذلك في
وسيطه، والغزالي مع إمامته كذلك في نهايته، والحصري ممن خرجه
من هذا الوجه وهذا البحث عنده. وقال ابن الصلاح في كلامه على
الوسيط: هذا الحديث لا يعرف ولا يصح ولا يجوز أن يحتج به. وقال
النووي في شرح المهذب: هذا حديث ضعيف، أو باطل لا أصل له.
وقال في التنقيح: ضعيف باطل لا يعرف. وقال في النهاية لابن الأثير:
وفي حديث ابن عمر أنه كان يعجن في الصلاة، فقيل له: ما هذا؟ فقال:
رأيت رسول الله وَلهو يعجن في الصلاة - أي يعتمد على يديه إذا قام،
كما يفعل الذي يعجن العجين. انتهى.
وقال ابن الصلاح: قد صار هذا الحديث حديث ابن عباس في
الوسيط والوجيز مظنة الغلط، فمن غالط في لفظه بقوله: العاجز
بالزاي، وإنما هو بالنون، وقد جعله الغزالي فيما نقل عنه في درسه
بالزاي أحد الوجهين فيه، وليس كذلك. ومن غالط في معناه غير غالط
في لفظه هو ((عاجن)) بالنون، ولكنه عاجن عجين الخبز، فقبض أصابع
كفيه، وضمهما كما يفعله عاجن العجين، ويتكىء عليها ويرتفع،
١٩٣

ولا يضع راحتيه على الأرض، وهذا جعله الغزالي في درسه الوجه
الثاني فيه، وعمل به كثير من عامة العجم وغيرهم، وهو إثبات هيئة
شرعية في الصلاة لا عهد بها بحديث لم يثبت، ولو ثبت لم يكن ذلك
معناه، فإن العاجز [كذا في المخطوط، وفي التلخيص: العاجن] في
اللغة: الرجل المسن الكبير الذي إذا قام اعتمد بيديه على الأرض من
الكِبرِ، وأنشد:
وأصبحت كنتياً وأصبحت عاجناً وشر خصال المرء كنت وعاجن
قال ابن الصلاح: فإن كان وصف الكبر بذلك مأخوذاً من عاجن
العجين فالتشبيه في شدة الاعتماد عند وضع اليدين، لا في كيفية ضم
أصابعهما، قال: وأما الذي في كتاب (المحكم في اللغة) للمغربي
المتأخر الضرير، من قوله في العاجن: أنه المعتمد على الأرض، وجمُعُ
الكف ـ بضم الميم - هو أن تضمها كما ذكر؛ فغير مقبول منه، فإنه ممن
لا يقبل ما ينفرد به، فإنه كان يغلط، ويغالطونه كثيراً، وكأنه أضر به في
کتابه مع کېر حجمه ضرارته. هذا آخر كلامه.
وقال الرافعي في الكتاب نقلاً عن صاحب الجمل: إن العاجن هو
الذي إذا نهض اعتمد على يديه كأنه يعجن - أي الخبز - قال: ويجوز
أن يكون معنى الخبر: كما يصنع عاجن الخبز. قال الرافعي: وهما:
متقاربان. وقال النووي في شرح المهذب: العاجن - بالنون - قال:
ولو صح هذا الحديث لكان معناه: قام معتمداً ببطن يديه كما يعتمد
العاجز، وهو الشيخ الكبير - وليس المراد عاجن العجين - إذا قام اعتمد
١٩٤

بيده على الأرض، فهذا صوابه لو صح هذا اللفظ، قال: وأما ما نقل
عن الغزالي في درسه أنه قال:
بالنون والزاي، والنون أولى، وأنه الذي يقبض بيديه ويقوم معتمداً
عليهما، وعلّله. نقله فاسد، والصواب أن الحديث باطل لا يحتج به،
ويقوم ويداه مبسوطتان معتمداً على راحتيه وبطون أصابعه) اهـ.
وعنه الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) ٢٧٧/١ - ٢٧٨
وهذا نص نقله :
(حديث ابن عباس: (أن رسول الله وَ لير كان إذا قام في صلاته
وضع يده على الأرض كما يضع العاجن)، قال ابن الصلاح في كلامه
على الوسيط: هذا الحديث لا يصح ولا يعرف ولا يجوز أن يحتج به.
وقال النووي في شرح المهذب: هذا الحديث ضعيف، أو باطل لا أصل
له. وقال في التنقيح: ضعيف باطل. وقال في شرح المهذب: نقل عن
الغزالي أنه قال في درسه، هو بالزاي وبالنون أصح، وهو الذي يقبض
يديه ويقوم معتمداً عليهما. قال: ولو صح الحديث لكان معناه: قام
معتمداً ببطن يديه كما يعتمد العاجز، وهو الشيخ الكبير، وليس المراد
عاجن العجين. ثم قال يعني ما ذكره ابن الصلاح، أن الغزالي حكى
في درسه: هل هو العاجن بالنون، أو العاجز بالزاي -: فأما إذا قلنا إنه
بالنون؛ فهو عاجن الخبز يقبض أصابع كفيه ويضمها ويتكىء عليها،
ويرتفع، ولا يضع راحتيه على الأرض، قال ابن الصلاح: وعمل بهذا
كثير من العجم، وهو إثبات هيئة شرعية في الصلاة لا عهد بها، بحديث
١٩٥

لم يثبت، ولو ثبت لم يكن ذلك معناه، فإن العاجن في اللغة هو الرجل
المسن، قال الشاعر:
فشر خصال المرء كنت وعاجن
قال: فإن كان وصف الكبر بذلك مأخوذاً من عاجن العجين
فالتشبيه في شدة اعتماده عند وضع اليدين، لا في كيفية ضم
أصابعهما .. ، قال الغزالي: وإذا قلنا بالزاي، فهو المسن الذي إذا قام
اعتمد بيديه على الأرض من الكبر. قال ابن الصلاح: ووقع المغربي
الضرير المتأخر: العاجن هو المعتمد على الأرض وجمع الكف. وهذا
غير مقبول منه، فإنه لا يقبل ما ينفرد به؛ لأنه كان يغلط ويغالطونه كثيراً،
وكأنه أضر به مع كبر حجم الكتاب ضرارته. انتهى كلامه. وفي الطبراني
(الأوسط) عن الأزرق بن قيس: رأيت عبد الله بن عمر وهو يعجن في
الصلاة، يعتمد على يديه إذا قام كما يفعل الذي يعجن العجين) انتهى.
وقد نقله الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم
الدین)) ٣/ ٧٣ - ٧٤.
ولذا فقد قال الألباني في السلسلة الضعيفة ٣٩٣/٢ ما نصه:
(تنبيه: لقد خفي حديث ابن عمر هذا المرفوع على الحفاظ
الجامعين المصنفين، كابن الصلاح، والنووي، والعسقلاني، وغيرهم،
فقد جاء في التلخيص الحبير ٢٦٠/١ ما نصه:
(حديث ابن عباس: أن رسول الله ﴿ كان إذا قام في صلاته وضع
١٩٦

يده على الأرض كما يضع العاجن، قال ابن الصلاح في كلامه على
((الوسيط)): هذا الحديث لا يصح، ولا يعرف، ولا يجوز أن يحتج به.
وقال النووي في شرح المهذب: هذا حديث ضعيف، أو باطل لا أصل
له. وقال في ((التنقيح)): ضعيف باطل.
هذه هي كلماتهم كما نقلها الحافظ العسقلاني عنهم، دون أن
يتعقبهم بشيء، اللهم إلاّ بأثر ابن عمر الذي عزاه في ((الفتح))
لعبد الرزاق، فإنه عزاه هنا للطبراني في ((الأوسط)) فلم يقف على هذا
الحديث المرفوع صراحة، مصداقاً للقول المشهور: كم ترك الأول
للآخر. فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله) اهـ.
و كلامه هذا فيه تساهل من وجهين:
■ أن هذا ليس كلام ابن حجر في التلخيص الحبير - بنصه - كما
يعلم بالمقارنة بن نصه المتقدم، وبن سياق الألباني له، بل ما ذكره
مختصر له، وقد فاته نقل كلمات الغزالي، وابن سيده، وابن الصلاح،
في نقدهم للحديث في متنه، لا سيما كلمة ابن الصلاح. والله أعلم.
■ الثاني: قوله (هذه هي كلماتهم ... دون أن يتعقبهم بشيء،
اللهم إلاَّ بأثر ابن عمر ... ) إلخ.
فالحافظ ابن حجر عزاه من حديث ابن عمر إلى الطبراني في
الأوسط بلفظ العجن من فعله رضي الله عنه. وقد تتبعت مظنته من
مجمع البحرين في الجمع بن المعجمين الصغير والأوسط، الهيثمي
١٩٧

مخطوطته مصورة لديّ - فلم أره ولم يقدر لي الوقوف على المعجم
الأوسط، وقد طبع المجلد الأول منه وليس فيه.
أما الذي في: مصنف عبد الرزاق ٢/ ١٧٨ رقم ٢٩٦٤، ١٧٩ رقم
٦٩٦٩ مكرراً، وذكره الحافظ في: الفتح ٣٠٣/٢ فليس فيه ذكر للعجن
البتة، وهذا نصه بسنده :
قال عبد الرزاق: عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر:
أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمداً على يديه قبل أن
یرفعھما) اهـ.
فعبارة الألباني فيها تسامح ظاهر، فالله يغفر لنا وله.
وشيخ عبد الرزاق في هذا الأثر الموقوف هو: العمري الكبير،
وهو ضعيف الحديث، والله أعلم.
ومن مجموع ما تقدم يتنزل الحكم على هذا الحديث بالغرابة
والنكارة، فهو حديث: غريب منكر. أما الغرابة؛ فظاهرة فيه متناً
وإسناداً، وأما النكارة؛ فلتفرد الهيثم به وهو مجهول الحال، ولا
عاضد له، وحدیث هذا الضرب موصوف بالنكارة کما حرره ابن حجر
في: النكت ٤٧٥/٢. ولأن يونسَ تفرد به أيضاً عن الهيثم، ويونس
ليس عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، ولم
يحصل له متابع ولا شاهد فصار من حد الضعيف، كما رسمه
ابن حجر في: النكت ٢/ ٦٧٤ .
١٩٨

وقد علم أن الحكم على الحديث بالنكارة يدرك بعدة أمور، منها
ما هو جلي: مثل ركاكة اللفظ، والوعد الشديد على الأمر اليسير،
ونحوها مما تجده مفصلاً في ((المنار)) لابن القيم، رحمه الله تعالى.
وبسطه في كتب الاصطلاح، والموضوعات، لا سيما نكت العراقي على
كتاب ابن الصلاح، ومنها ما هو خفي، وهو في فرعين:
■ الأول: مخالفته للأصول وما ثبت من المنقول، ومن هذا
ألفاظ في مشاهير كتب السنّة، كأغلاط شَريك العشرة في حديث
الإِسراء، ونحوها، على خلاف مطول، وتجد مثاله مبسوطاً أشد البسط
في ((جلاء الأفهام)) لابن القيم، عند حديث أم حبيبة، رضي الله عنها.
■ الثاني: وهو أدقها وأخفاها؛ فهو أن يستقرىء الباحث
الطرق، ويفرغ الوسع في التتبع فيتحرر عنده تفرد الراوي المجهول
ظاهراً وباطناً، أو المجهول باطناً لا ظاهراً، وهو ((المستور))، أو من لم
يشتهر بحمل العلم وحفظه، مع أن ما رواه هو من السنن الظاهرة
المنتشرة .
فهذا الحديث تفرد به الهيثم وهو مجهول الحال، وتفرد به عنه
يونس وهو: صدوق يخطىء، وإسناده فرد؛ ليس لأحد من رجاله
متابع، وهو في سنَّة ظاهرة من سنن الصلاة التي تتكرر في اليوم والليلة
فرضاً ونفلاً، فاستبانت بهذا نكارته، ومن أراد أن يأنس ببحثه ففي مقدمة
مسلم مع شرحه ٥٦/١، ومقدمة ((الفتح)) ص ٤٣٧، ٤٩٢: ما يفتح
للناظر أفقاً.
١.٩٩

وأيضاً فابن قيس عاصر بعض الصحابة رضي الله عنهم غير ابن
عمر رضي الله عنهما وروى عنهم، وظاهر السياق على التسليم يفيد أنه
ما رأى هذا العجن إلاّ عند ابن عمر، فكيف ترك الناس والصحابة
الاستنان بها؟ وما هذا، والله أعلم، إلاَّ لأنها حال اضطرار، وحال ابن
عمر رضي الله عنهما البدنية تدل على هذا، وبمثل هذا عللت بعض
الأفعال، كما جنح ابن القيم إلى أنّ ما سُمَِّ بَعْدُ عند الفقهاء رحمهم الله
تعالى باسم ((جلسة الاستراحة)) إنما فعلها النبي ◌َله لما بدَّن، كما
أوضح ذلك في كتابيه :: (الصلاة» و «زاد المعاد». فكذلك الاعتماد هنا.
فبقي هذا الحديث غريباً وحيداً في لفظه، في : غريب أبي إسحاق،
وأنه لا تقوم به حجة على مشروعية هذه الهيئة؛ لوجود مجهول حال في
سنده هو: الهيثم بن عمران، ولتَنَكُّبِ الأئمةِ لروايته، ولعدم ذكره في
أحاديث واصفي صلاة النبي ◌ّ من التكبير إلى التسليم، مع أنه من
الهيئات الظاهرة التي لا تخفى، وأنَّ هذه الهيئة لا يعلم أنّها من الهيئات.
التي فعلت، إن كانت على وجه المشروعية والاستنان، وأن الذي تدل
عليه لغة العرب في مناحي كلامها أن ((العجنَ)) مِنْ صفاتٍ مَنْ كَبُرَ،
وتقادمت به السن، على وجه الاضطرار لا الاختيار، وقد عُلِمَ في
الاصطلاح مدى أثر القرائن في التصحيح، والتضعيف، وأن تركَ العملِ
بالحديث طيلةَ القرونِ عَلةٌ قادحةٌ فيه. والله أعلم.
٢٠٠