النص المفهرس

صفحات 161-180

وقد سكت عنه الحافظ في ((التلخيص)» وقد عُلِمَ من سنة اصطلاح
الحافظ فيه: أن ما سكت عنه في ((التلخيص)) فهو حديث حسن. كما
أوضحه السيوطي في ((الحاوي ٢/ ٢١٢)).
كما اشترط في ((الفتح)) أنه لا يورد فيه إلاَّ ما شَرْطُهُ الصحة
أو الحسن. أوضح ذلك في صدر مقدمته، والله أعلم.
خامساً - حدیث ثالث لوائل بن حجر، رضي الله عنه :
عن وائل رضي الله عنه أن النبي وَلو كان إذا قام اتكأ على إحدى
يديه .
ذكره السيوطي في: الجامع الصغير برقم / ٦٧٦٨، ورمز له
بالطبراني، كما رمز لضعفه. وفي فيض القدير ١٥٤/٥ لم يفصح عنه
بشيء .
وهو في: المعجم الكبير للطبراني ٣٩/٢٢ برقم/ ٩٥ قال:
حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أحمد بن يحيى
الصوفي، حدثنا علي بن قادم، حدثنا سفيان، عن عاصم بن كليب، عن
أبيه، عن وائل بن حُجر رضي الله عنه قال:
(رأيت النبي وتل إذا قام اتكأ على إحدى يديه) اهـ.
سادساً - حديث علي، رضي الله عنه :
ولفظه: (من السنَّة في الصلاة المكتوبة: إذا نهض الرجل في
١٦١

الركعتين الأوليين أن لا يعتمد على الأرض إلاَّ أن يكون شيخاً كبيراً
لا يستطيع).
رواه ابن أبي شيبة في: المصنف ٣٩٥/١، والبيهقي في: السنن
الكبرى ١٣٦/٢، والضياء في: المختارة ٢٦٠/١.
وانظر ((الضعيفة ٢ / ٣٩٣ برقم / ٩٦٨.
وهذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده: عبد الرحمن بن إسحاق
الكوفي: ضعيف، كما في ((التقريب)). وهذا اصطلاح الحافظ فيمن لم
يوجد فيه توثيق لمعتبر، وأطلق فيه الضعف ولو لم يفسر.
وعليه: فليس ضعفه من قبل عدالته. والله أعلم.
وفي سنده أيضاً: شيخه: زياد السوائي، وهو مجهول، كما في
((التقریب)).
فهذا الحديث إذن مما يصلح شاهداً لحديث وائل بمعناه. والله
أعلم.
سابعاً - حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال :
(نهى رسول الله * أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في
الصلاة).
رواه أبو داود وترجمه بقوله: (باب كراهية الاعتماد على اليد في
الصلاة). ٣٧٦/١ - ٣٧٧، والبيهقي في: السنن ١٣٥/٢ .
١٦٢

وقد وقع في: حاشية أحمد شاكر - رحمه الله تعالى - على
المسند ١٥٦/٩ - ١٥٩ بلفظ ((يديه)» والذي بين أيدينا في أبي داود،
والبيهقي بلفظ (ايده)» فليحرر.
واعلم أن هذا الحديث موطن جدل بين الحنفية والشافعية؛ لأن
هذه الرواية تؤيد مذهب الحنفية من كراهية الاعتماد على اليدين على
الأرض في الصلاة عند النهوض. والشافعية ينفون صحته؛ لأنه یناهض
مذهبهم في مشروعية ذلك.
ونجد نقائض المذهبين في السنن الكبرى للإِمام البيهقي الشافعي
رحمه الله تعالى ١٣٥/٢، وفي تعقبات ابن التركماني عليه المسماة
((بالجوهر النقي)) والمطبوعة بحاشيته.
كما نجد البحث مستفيضاً في حاشية الشيخ أحمد شاكر رحمه الله
تعالى على المسند ١٥٧/٩ - ١٦٢ برقم / ٦٣٤٧.
وترى بحثه مختصراً في ((الضعيفة)) للعلامة الألباني ٣٨٩/٢ -
٣٩١.
وجنح هذان الشيخان الجليلان إلى ما قرره البيهقي رحمه الله
تعالى من أن الحديث واحد؛ ورد بألفاظ لا يثبت منها إلاَّ لفظ: (نهى أن
يجلس الرجل في الصلاة وهو يعتمد على يديه). وأيد الشيخ أحمد
شاكر رحمه الله تعالى هذا؛ لأن الأدلة وهي حديث مالك بن الحويرث،
وحديث ابن عمر عند البيهقي تنفي هذا اللفظ: (نهى رسول الله وَالل أن
يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة).
١٦٣

وتابعه على ذلك العلامة الألباني في ((الضعيفة)) ولو لم يصرح
بذلك.
وصدّر الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى هذا الترجيح بقوله:
(وهذا الذي ذهب إليه ابن التركماني قد يكون وجهاً جيداً لو لم
تكن الأدلة تنفیه ... ) اهـ.
يريد حديث مالك بن الحويرث، وحديث ابن عمر في العجن.
وإذ أنت قريب العهد بألفاظ حديثي المرجح - مالك بن الحويرث،
وابن عمر رضي الله عنهم، من أن حديث مالك محتمل الدلالة، وحديث
ابن عمر حدیث العجن - لا يصح.
فإن ما قرره ابن التركماني من إعمال هذه الألفاظ وأنه لا تعارض
بينها: وَجْهُ وجِيْءٌ جِدًّاً، وليس هناك ما يعارضه؛ بل ثمة ما يعضده من
وجوه، وهي:
١ - حديث وائل، رضي الله عنه.
٢ - حديث علي، رضي الله عنه.
٣ - عمل الصحابة رضي الله عنهم ومنهم ابن عمر، رضي الله.
عنهما .
٤ - وجود ما يعضد ألفاظه الأخرى من النهي عن الاعتماد في
الصلاة وهو جالس - وذلك بورود أحاديث بهذا المعنى، كما في:
المسند ٢٢٤/٨ برقم/ ٥٩٧٢ عن ابن عمر رضي الله عنهما أن
١٦٤

رسول الله وَل# رأى رجلاً ساقطاً يده في الصلاة، فقال: ((لا تجلس
هكذا، إنما هذه جلسة الذين يُعَذِّبُون)). ورواه أبو داود موقوفاً ٣٧٧/١،
وفي: تهذيب السنن ١/ ٤٥٨ فالشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى أيَّدَ ما
ذهب إليه البيهقي؛ لأدلة خارجة عن ذات الرواية لحديث ابن عمر،
لا لعلل قادحة في ذات الأسانيد، وقد علمت أن التأييد غير متأيد، وأنه
كما ثبتت نظافة هذه الأسانيد وعدالة نَقَلَتِها فإن ما أدت إليه من الرواية
قد دلت السنن الأخرى على معناها بالنهي عن الجميع، والله أعلم.
إذا تقرر هذا فاعلم أن أبا داود رحمه الله تعالى روى في ((سننه))
حديث ابن عمر رضي الله عنهما - هذا عن أربعة من شيوخه، وهم:
١ - أحمد بن حنبل.
٢ - وابن شتُّويه: أحمد بن محمد بن ثابت الخزاعي المروزي.
٣ - وابن رافع: محمد بن رافع النيسابوري.
٤ - والغزال: محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي.
جمیعهم قالوا :
حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: وألفاظ رواياتهم على ترتيبهم كالآتي:
١ - نهى رسول الله وقال: أن يجلس الرجل في الصلاة وهو
یعتمد على يديه.
٢ - نهى رسول الله رسله: أن يعتمد الرجل على يده في الصلاة.
١٦٥

٣ - نهى رسول الله ◌َّطه: أن يصلي الرجل وهو معتمد على يده.
٤ - نهى رسول الله صلهو: أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في
الصلاة .
فاللفظان الثاني والثالث يحتمل حمل النهي فيهما على الاعتماد
على اليد حال النهوض، كما في اللفظ الرابع، وقد دل على هذا
أحاديث أخر في النهي عن الاعتماد باليدين على الأرض حال النهوض،
كما في حديث علي رضي الله عنه، الشاهد لحديث وائل رضي الله عنه،
المتأيد بفعل الصحابة، رضي الله عنهم.
ويحتمل حمل النهي فيهما على: النهي عن اعتماده على يده حال
جلوسه في الصلاة للتشهد أو بين السجدتين، کما وردت أحاديث أخرى
في النهي عن ذلك كما في المسند برقم ٥٩٧٢، والمستدرك ٢٧٢/١
وغيرهما .
وعليه فمورد النهيين: ثابت في السنّة بأحاديث أخر خارجة عن
هذا الحديث: سنداً ومتناً.
يبقى إشكال واحد بين اللفظين الأول والرابع؟
كيف يختلفان: أحمد بن حنبل، والغزَّال، في: مورد النهي،
والحديث واحد؟
والانفصال عن هذا: بنفي الجزئية الثانية وهي قولنا: ((والحديث
واحد)» بل هما حديثان، ولهذا فإن أبا داود رحمه الله تعالى كان دقيقاً
١٦٦

حين قال في الترجمة لهذه الروايات بقوله: ((باب كراهية الاعتماد على
اليد في الصلاة)).
ولم یقید في ((جلوس) أو ((نهوض)).
فصح إعمال موردهما بما تأيد به كل منهما. وهذا الذي قررته
يوافق ما فعَّده وأصَّله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في: النكت
٧٩١/٢ قال:
(إذا اختلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه، أو كان سياق
الحديث في حكاية واقعةٍ يظهر تعددها، فالذي يتعين القول به أن يجعلا
حديثين مستقلين) اهـ. والله أعلم.
ثامناً - حديث أبي هريرة، رضي الله عنه :
رواه: الترمذي ٢/ ٨٠ برقم/ ٢١٤، وابن عدي في: الكامل
٨٧٩/٣، وسعيد بن منصور في : سننه، كما في : فتح الباري
٣٠٣/٢.
ومدار إسناده عندهم على: خالد بن إلياس أو: إياس، إمام
المسجد النبوي، متروك الحديث، كما في ((التقريب))، روى له
الترمذي، وابن ماجه، وفي: التلخيص ٨٦/١ قال فيه: (منكر
الحديث) اهـ. وشيخه فيه: مولى التوأمة: صالح بن نبهان، صدوق
مختلط بأخرة.
ولفظه عند من أخرجه: (كان النبي وَلّ ينهض في الصلاة على
صدور قدمیه).
١٦٧

قال الترمذي بعده:
(قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة عليه العمل عند أهل العلم،
يختارون أن ينهض الرجل في الصلاة على صدور قدميه. وخالد بن
إلياس: هو ضعيف عند أهل الحديث. ويقال: خالد بن إياس
أيضاً) اهـ.
ولم يعزه الزيلعي في: نصب الراية، لسعيد بن منصور.
ولهذا الحديث لفظان آخران عند ابن عدي، وهذا سياقه:
(أنا القاسم، ثنا أبو مصعب، ثنا أبو معاوية محمد بن خازم، ثنا
خالد بن إلياس، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، أن
النبي وَلل: كان ينهض على صدور قدميه في الصلاة.
أنا القاسم، ثنا أبو مصعب، وأخبرنا ابن قتيبة، ثنا هشام بن
عمار، قالا: ثنا عيسى بن يونس، عن خالد بن إلياس، عن سعيد
المقبري، عن أبي هريرة: كان رسول الله ◌َلو إذا نهض من الركعتين
وضع یدیه علی فخذيه.
وقال أبو مصعب: كان النبي ◌َليل إذا قام من الركعتين يعتمد بيديه
على ركبتيه.
قال الشيخ: وهذا الحديث، وحديث صالح مولى التوأمة:
یرویھما خالد بن إلیاس) اهـ.
فحصلت بهذا متابعة المقبري لصالح مولى التوأمة، والمقبري
١٦٨

هو: سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري أبو سعد المدني، ثقة، تَغَيَّرَ
قبل موته بأربع سنين، على ما في ((التقريب)»، وحديثه مخرج في الكتب
الستة .
فبقي مداره على: خالد بن إلياس، وحاله كما تقدم، ولا يقبل
اعتذار الزيلعي في ((نصب الراية))، والله أعلم.
الحديث التاسع - حديث معاذ رضي الله عنه قال :
كان ◌َّه يُمَكِّنُ جبهته وأنفه من الأرض، ثم يقوم كأنه السهم
لا يعتمد على يديه. رواه الطبراني في: المعجم الكبير، كما في: مجمع
الهيثمي ١٣٥/٢ وقال :
(فيه الخصيب بن جحدر وهو كذاب)، اهـ. وانظر ((الضعيفة))
٣٨/٢ رقم / ٥٦٢، والتلخيص الحبير ٢٥٩/١ برقم/٣٨٨.
فهذا إنما يذكر لجمع ما في الباب لا للاعتبار، والله أعلم.
عاشراً - فعل ابن عمر رضي الله عنهما:
وقد جاء عنه على نحوین:
■ الأول: الاعتماد على يديه، رواه عبد الرزاق في مصنفه
برقم/ ٢٩٦٤، ٢٦٦٩. وفيه: العمري وهو ضعيف.
وعند البيهقي في: السنن ١٣٥/٢ : اعتماده على الأرض بيديه.
قال الألباني: إسناده جيد. رجاله كلهم ثقات. كما في ((الضعيفة))
٣٩٢/٢.
١٦٩

■ الثاني: نهوضه على صدور قدميه، وهذا ثابت بسند صحيح
من فعله رضي الله عنه، وعن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم :
ابن مسعود رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه، بأسانيد صحيحة، وكما
قرره العلامة الألباني في ((الإِرواء)) ٨٤/٢.
ويأتي سياق ما ذكر في آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى لا سيما
أثر: النعمان بن أبي عياش. والله أعلم.
الحديث الحادي عشر - حديث شَنْتَم، رضي الله عنه :
كما في ترجمته من ((الإصابة)): (٣٦٢/٣) قال ابن حجر رحمه الله
تعالی :
(وروى البغوي، وابن السكن، وابن قانع، من طريق همام، عن
شقيق بن ليث، عن عاصم بن شنتم، عن أبيه، أن النبي وَ *و كان إذا سجد.
وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل كفيه، وإذا قام يصلي الركعتين اعتمد على
فخذیه، ونهض على ركبتيه.
قال البغوي، وابن السكن: ليس له غيره، قال: وَرَوَى شَريك، عن
عاصم بن کُلیب، عن أبيه، عن وائل بن حُجر بَعْضَهُ.
قلت: وروى أبو داود من طريق همام، عن محمد بن جُحادة، عن
عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال همام: حدثنا شقيق، حدثني عاصم بن
كُلیب، عن أبيه، فذكر الحديث، وفيه:
قال أبو داود: وفي حديث أحدهما قال: وأكثر علمي أنه في حديث
محمد بن جحادة: (وإذا نهض نهض علی رکبتیه) انتهى.
١٧٠

وهذه الزيادة إنما هي في رواية عاصم بن شَنْتَم، فيغلب على الظن
أنه إذا کتبه من حفظه وقع له فیه وهم.
وقال البغوي: لا أعلم حَدَّث به عن شريك إلاّ يزيد بن هارون،
ولم أسمع شنتم يُذكر إلاّ في هذا الحدیث.
وقال ابن السكن: (لم يثبت، وهو غير مشهور في الصحابة، ولم
أسمع به إلاّ في هذه الرواية، فالله أعلم) انتهى.
١٧١

المبحث الثاني
في سياق حديث العجن،
وتخريجه والتعريف برجاله
أخرج الإِمام، المحدِّث، الفقيه، اللغوي، أبو إسحاق إبراهيم بن
إسحاق، البغدادي، الحربي، الحنبلي، المولود سنة ١٩٨هـ،
والمتوفى سنة ٢٨٥هـ - في كتابه ((غريب الحديث)) في باب عجن، ما
يأتي بسنده ومتنه، مبيناً معناه، فقال: (حدثنا عبد الله بن عمر، حدثنا
يُونس بن بكير، عن الهيثم، عن عطية بن قيس، عن الأزرق بن قيس :
رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة؛ يعتمد على يديه إذا قام، فقلت له؛
فقال: رأيت رسول الله ﴿ لا يفعله.
قوله: رأيت ابن عمر يعجن، أي يضع يديه على الأرض كما
يصنع الذي یعجن) اهـ.
وهذا الحديث بهذا اللفظ قد تَنَكَّبَهُ الأئمةُ، فلا يعرف له إسناد
عند غير الحربي، ولا من أخرجه بهذا اللفظ سواه، كما تدل عليه كلمة
:
الألباني في: كتابيه، المذكورين في المقدمة قريباً. وهو من أهل
الاستقراء .
١٧٢

وتجده بغير إسناد في: كتب اللغة، وغريب الحديث، في: مادة
(عجن) منها .
وفي بعض الفقهيات لدى الشافعية، ولعلّ أول من ذكره منهم
الغزالي، م سنة ٥٠٨هـ. في كتابيه: الوسيط، ثم الوجيز، ثم مختصره:
الغاية القصوى، للبيضاوي، م سنة ٦٨٥هـ. كما سيأتي بسطه إن شاء الله
تعالى في: المبحث الثالث.
وفي تخاريجها الحديثية مثل: خلاصة البدر المنير، وأصله: البدر
المنير، كلاهما لابن الملقن، م سنة ٨٠٤هـ. وعنه الحافظ ابن حجر
م سنة ٨٥٢هـ في: التلخيص الحبير، وجميعها في تخريج أحاديث
الرافعي الكبير.
وفي بعض الفقهيات أيضاً لدى الحنفية تعقباً للشافعية، كما في
المبسوط السرخسي م سنة ٤٨٣هـ. وهذا مما يدل على تقدم القول
بالعجن لدى الشافعية قبل الغزالي، المتوفى سنة ٥٠٨هـ.
فكان فضل التنبيه عليه مسنداً للعلامة الألباني ولهذا قال في
فهرست كتابه: ((صفة صلاة النبي ◌َّ﴾)) ص ١٩٦ :
(حديث عزيز في ((العجن في الصلاة)) فات المؤلفين جميعاً
إسناده) اهـ.
وقد علم أن كتب الغريب ليس المقصود بها رواية السنن وتمييز
صحيحها من سقيمها، وإنما المقصود التعريف بغريب المتون، ولهذا
فهي تجمع غرائب السنن، وتكثر فيها رواية الأحاديث الضعيفة.
١٧٣

تنبيه: هذا الحديث مما ثبتت للعلامة الألباني دعواه من فوات
إسناده على المؤلفين، لكنه لا يثبت صناعة فكان ماذا؟.
وأما حديث ((اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في
زمرة المساكين)) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وغيرهما، مما تجده
مفصلاً في: إرواء الغليل ٣٥٨/٣ - ٣٦٣، رقم ٨٦١. فإنه أثابه الله،
كان قد ذكر في ((الصحيحة)) ١٠/٣/١ رقم ٣٠٨. طريقاً لهذا الحديث
عند: عبد بن حميد في مسنده، كما في ((منتخب مسند عبد بن حميد)
وحسّنها، وأن هذا سند عزيز فات جميع المؤلفين إسناده.
ثم أشار في ((الإِرواء)) ٣٦٣/٣، إلى أن نظره طفح إلى سند لمتن
حديث آخر قبله، كما نبهه عليه الشيخ عبد الرحيم صديق، صاحب
المكتبة الصديقية في خيف منى الشمالي الغربي، وعليه: فيصبح هذا
السند غير متدارك على أهل العلم، والسند لحديث العجن غير متدارك
أيضاً في محيط الحديث الثابت عن النبي وَلغز، والله أعلم.
التعريف برجال الإِسناد:
١ - شيخ المؤلف:
الذي في: مخطوطة الظاهرية، وهي النسخة الفريدة لهذا الجزء
من كتاب الغريب للحربي - أنه ((عبد الله بن عمر)).
ويصححه الألباني بأنه ((عبيد الله)) وأن ((عبد الله)) خطأ من الناسخ
كما في ((السلسلة الضعيفة ٣٩٢/٢)).
١٧٤

وهذا الجزء المخطوط قد حقق في ((جامعة أم القرى))، وفي
١/ ٤٢٠ ساق محققها الأستاذ (سليمان العائد) الإسناد برسم ((عبيد الله))
مصغراً، ولم يشر إلى تصحيحه في الحواشي، وقد فاتحته في هذا فأفاد
أن الأصل ((عبد الله)) مكبراً، وأنه صححه لتصحيح الألباني له بعبيد الله
فحسب .
وكان الأولى أن يفعل مثل صنيع العلامة الألباني بإثبات ما في
الأصل، والإِشارة إلى التصحيح، كما عليه أهل العلم سلفاً وخلفاً.
إذا علم ذلك فإن للحربي في العبادلة شيخين:
أحدهما: أبو معمر المقعد: الإِمام الحافظ عبد الله بن عمرو بن
أبي الحجاج ميسرة المنقري، مولاهم البصري المقعد، مات سنة
٢٢٤ هـ. قال الذهبي في السير ١٠/ ٦٢٢ :
(وليس هو بالمكثر، لكنه متقن لعلمه، وكان عدلاً ضابطاً، إلاّ أنه
قدريٌ من غلمان عبد الوارث في ذلك) اهـ.
وقال الحافظ في ((التقريب)): (ثقة ثبت، رمي بالقدر، من
العاشرة) اهـ.
ورمزا بكونه من رجال الستة.
وثانيهما: الإِمام الحافظ محدث الإِسلام: عبيد الله بن عمر بن
ميسرة الجشمي، مولاهم البصري، القواريري الزجاج، نزيل بغداد،
مات سنة ٢٣٥ هـ، اهـ. من السير للذهبي ٤٤٢/١١ .
١٧٥

وقال ابن حجر في ((التقريب)): (ثقة ثبت من العاشرة) اهـ.
ورمزا بكونه من رجال الشيخين وأبي داود والنسائي.
فهذان الشيخان: بصريان، اتفقا في اسم الجد ((ميسرة»، ولم
يفرق بينهما في اسم الأب إلاَّ واو عمرو، وفي اسمهما: ياء التصغير.
وكل منهما ثقة ثبت من طبقة واحدة.
وأبو معمر المقعد، عصري القواريري، وبلديه، فهما بصريان،
والمقعد توفي سنة ٢٢٤هـ، والقواريري المولود سنة ١٥٢هـ. توفي سنة
٢٣٥هـ. وقد اشتركا في عدد من الشيوخ، منهم:
عبد الوارث بن سعيد، لكنَّ المقعد به أقعد، والقواريري بالشيوخ
أكثر، والمقعد وإن كان غير مكثر لكنه أتقن، مع تلبّسه ببدعة القدر ...
فإذا وجدنا في أسانيد الحربي أنه قال: حدثنا أبو معمر؛ تعيّن أنه
المقعد كما في ٣٧/١ في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبي وَليّ
عَقَّ عن الحسن كبشاً وعن الحسين كبشاً.
أو قال: حدثنا عبد الله، عن عبد الوارث؛ تعيّن أنه المقعد
كذلك، لكن لا يسوغ لنا أن نقول: صوابه ((عبيد الله)) أي: القواريري.
فهذا مجرد تحكّم بلا دليل، والأصل سلامة الكتاب والخطأ هو
الطارىء؛ فلا نُخَطِّىء إلَّ بدليل واضح، أو نَدَع.
كما في روايته عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الوارث، في أثر ابن
عباس: أنه كره للمحرم النظر في المرآة؛ فلا يسوغ أن نقول: صوابه
(عبد الله بن عمرو)) المقعد. وإن كان المقعد بعبد الوارث ألزم؟
١٧٦

وعليه: فيونس بن بكير، م سنة ١٩٩هـ. عصري المقعد
والقواريري، وهو من إقليمهما العراق، فالكل عراقيون، والمعاصرة
موجودة. ويونس، وإن صُرِّح بأن من الآخذين عنه: القواريري؛ لكنه
في طبقة شيوخ المقعد، نعم التنصيصُ على أن يونس من شيوخ
القواريري، قرينةٌ على أنه هو في هذا الحديث، لكن الذي في رسم
السند ((عبد الله)) لا ((عبيد الله))، ولم يكن يونس من الشيوخ المختصين
للقواريري، ولم نرَ للحربي عن أحدهما عن يونس في هذه المجلدة من
((الغريب)) سوى هذا الحديث، مع كثرة ما حدث به الحربي عن
القواريري، إذبلغت نحواً من سبعين حديثاً في هذه المجلدة، أما عن
المقعد فنحواً من سبعة أحاديث. فيكون التصحيح بأنه عبيد الله بن عمر
القواريري إلى التحكم أقرب.
على أن الاختلاف في أيهما لا يضر؛ لأن كل واحد منهما ثقة.
ولله الحمد .
وهذا النوع متركب من أنواع: المتفق والمفترق، والمتشابه في
علم الاصطلاح، كما في النخبة لابن حجر.
وتجد الحفاظ الناقدين، كابن حجر في ((الفتح)) وغيره، يعيب
الغالطين في هذا المسلك، ففيه ٢٨٢/٥ ذكر نقد الطحاوي لحديث
اليمين مع الشاهد بقوله :
(وقيس بن سعد لا نعرف له رواية عن عمرو بن دينار) فقال ابن
حجر في هذا التعليل: (إنه لا يقدح في صحة هذا الحديث؛ لأنهما
١٧٧

تابعیان، ثقتان، مكيان، وقد سمع قيس من أقدم من عمرو، وبمثل هذا
لا ترد الأخبار الصحیحة) اهـ.
وانظر مبحثاً نفيساً في: السير للذهبي ٧/ ٤٦٤ - ٤٦٦ في كيفية
تعيين المهمل، لولا طوله لَسُقْتُهُ؛ لنفاسته.
والمهمل إذا قال: عن سفيان، أو عن حماد، فيشكل على الناظر:
أي السفيانين، أو أي الحمادين؟ وقاعدته: حمل من أهمل نسبته على
من يكون له به خصوصية من إكثار ونحوه، وهكذا في متفقي الاسم
المشتركين في التلامذة والشيوخ، والله أعلم.
وإنه لو ارتضي مثل ذلكم المسلك التحكمي في تصحيح الأعلام
من غير تدليل قائم؛ لمسخت كتب السلف عن مكانتها، ولا تسعت دائرة
ذلك، لاسيما فيما يكون التصحيح له يترتب عليه حكم إسنادي صحة
وضعفاً، كما صنع السبكي في ((شفاء السقام)) فيما يروى عن ابن عمر
مرفوعاً: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)) فإنه قال كما في: ((الصارم
المنکي» لابن عبد الهادي ص ٢٩ :
(إنه من رواية عبيد الله بن عمر العمري المصغّر الثقة، لا من
رواية: عبد الله المكبّر الضعيف، وقد نقض دعواه ابن عبد الهادي،
وحقق أنه ((عبد الله)) المكبّر المضعّف، لا ((عبيد الله)) المصغّر الثقة؛
فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة، ولما شرحه مطولاً . والحمد لله ربا
العالمين.
ثم ليعلم أن شيخ الحربي تفرّد بهذه الرواية عن يونس بن بكير
١٧٨

دون أصحاب يونس المشهورين بملازمته وحفظ حديثه وضبطه، وهذا
من الدليل على نكارته وأنه غير محفوظ. والله أعلم.
٢ - يونس بن بکیر :
هو راوي السيرة عن ابن إسحاق: يونس بن بكير بن واصل
الشيباني أبو بكر الحمال الكوفي، م سنة ١٩٩ هـ.
جماع كلمة النقاد فيه أنه ((صدوق يخطىء)) كما في: التقريب لابن
حجر، من التاسعة، ورمز بكونه من رجال: البخاري تعليقاً، ومسلم
وأبي داود، وابن ماجه.
ووقع تطبيع في طبعة التقريب المصرية؛ فسقط منها لفظ
((صدوق))، فلیتنبه.
ووصفه الذهبي في: السير ٢٤٨/٩ بقوله:
(الإمام الحافظ الصدوق، صاحب المغازي والسير، ورمز له
بالبخاري تعليقاً ومسلم والأربعة، وقال ص ٢٤٨ :
(وقد روى له مسلم في الشواهد لا في الأصول) اهـ.
وفي الكاشف ٣٠٣/٣ رمز له بأبي داود والترمذي وابن ماجه
ومسلم تبعاً، ومثله في: المغني ٢/ ٧٦٥.
وأوعب في السير كلمة النقاد فيه جرحاً وتعديلاً، وأن ابن معين
رماه بالإِرجاء. وقال ابن شاهين في تاريخه ص ٢٥٩: (ثقة إلاّ أنه
يتشبع).
١٧٩

ولما ذكره البخاري في: الكبير ٤١١/٨ سكت عنه. وفي الجنائز
من المستدرك للحاكم ٣٤٤/١ عند حديث: (إن الرجل تكون له المنزلة
عند الله ... ). قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال الذهبي في
تلخيصه: (ليس يونس بحجة) اهـ.
وكلمة الذهبي هذه هي لأبي داود، كما نقلها هو في ترجمته من
الكاشف، فقال :
(قال ابن معين: صدوق، وقال: ليس بحجة، يوصل كلام
ابن إسحاق بالأحاديث) اهـ. ونقلها في: السير ٩/ ٢٤٧.
ولما ترجمه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦٣٣ - ٢٦٣٥ ساق له
أحاديث غرائب، ثم قال:
(وليونس بن بكير غير ما ذكرت من الغرائب، وغيره، وقد وثقه
الأئمة مثل ابن معين، وابن نمير، وغيرهما) اهـ.
وانظر: الميزان، ومقدمة فتح الباري، والعبر، والشذرات.
وحاصل كلمة الحفاظ فيه: أن يونسَ مع إمامته في المغازي
والسير فمنزلته في الرواية أنه: صدوق يخطىء مع نوع بدعة في التشيع
والإِرجاء، لكن لم يكن بداعية؛ فحديثه إذن: (يُضعف إن لم يتابع
أو يحصل له شاهد). كما في: مقدمة الفتح ص ٣٨٤، ومقدمة
التقريب والنكت ١/ ٤٣٨ - ٤٤٠ جميعها للحافظ ابن حجر.
ولهذا لم يروٍ له الشيخان في الأصول، وإنما روى له البخاري :
تعليقاً، ومسلم في الشواهد.
١٨٠