النص المفهرس

صفحات 101-120

تشريعية، وأن الأحاديث الفعلية قبلها لم يكشف لنا في حديث عمر في:
الاستسقاء عن إسناده حتى نعلم ضمه إلى حديث يزيد، فَيُقَوِّي أحدهما
الآخر، أو يكون طرده على نحو أحاديث المسألة هذه، فتعلم البراءة من
تشريع المسح قطعاً، والله أعلم.
المسح عند الصحابة، رضي الله عنهم:
وأما المسح في المأثور عنهم: فلم نحس له بأثر ولا أثارة، ويَبْعُدُ
انتشارُ سُنَّةٍ بينهم ثم لا يكون نقلها، لا سيما وهي من السنن الظاهرة،
وهذا يُقَوِّي جانب البراءة وعدم المشروعية.
المسح عند من بعدهم :
وأن المسح: صرح غير واحد من التابعين فمن بعدهم بعدم
مشروعيته، أو عدم ثبوت السنَّة به، منهم: مالك، وابن المبارك،
وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والعز بن عبد السلام، والنووي في
أحد قوليه، وابن تيمية، وابن عرفة، وابن مرزوق، والفيروزآبادي، وابن
عَلَّن؛ بل منهم من صرح بأنه بدعة، والله أعلم.
وفي مقابل هؤلاء جاءت رواية الفعل له عن بعض السلف منهم:
الحسن، وأبو كعب، ومعمر، وعبد الرزاق، وابن راهويه، وأحمد في
إحدى الروايتين عنه، والجويني أبو محمد، والله أعلم.
ومعلوم أن هذه هيئة تشريعية، الحاكمُ فيها نَصُّ المعصومِ
وحده. والله أعلم.
صَلى الله
١٠١

المسح في علم الخلافيات :
وأن المسح عند المالكية غير مشروع، وكذا عند الشافعية في
أصح الوجهين من مذهبهم، والحنابلة، في الرواية عن أحمد من قوله
وفعله، والله أعلم.
محل المسح :
وأنه لا خلاف أن محل المسح على القول بمشروعيته هو الوجه
لا غير. ولا خلاف أن المسح على القول بمشروعيته إنما يكون بعد رفع
اليدين للدعاء، أما مَسْحٌ لا يسبقه رَفْعٌ للدعاء؛ فليس محل خلاف من
أنه لا يشرع.
وأن النصوص الواردة في رفع الأيدي للدعاء كثيرة جداً، ولم تَرِدْ
واقعة المسح في شيء منها سوى ما تقدّم، وحالها كما عُلِمَ.
وأن المسح بعد الرفع للدعاء في القنوت داخل الصلاة لم يثبت به
سنَّة نبوية ولا فعل صحابي له. وأما خارج الصلاة فثبوته من السنّة
النبوية محل نظر؛ للوقف في حديث عمر في الاستسقاء، وعن الصحابة
رضي الله عنهم لم يحصل الوقوف على ما يؤثر. ومَنْ بَعْدَهُمْ: بين
الفعل، والترك، والنهي. وعليه: فلو فعله الداعي أحياناً خارج الصلاة
من غير ملازمة؛ لكان له وجه مما تقدم. وبه نعلم أن ما قرره الإِمام
البيهقي رحمه الله تعالى في السنن الكبرى ٢١٢/٢ هو كلام من درى
السنن وخبر الأثر، وقد تقدم سياقه بنصه في ثنايا الفصل الثالث من هذا
١٠٢

الجزء المبارك، فليُرْجع إليه فإنه مهم. وانتهى ما أردت تحريره، في
المدينة النبوية، في عام أربع وتسعين بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة
النبوية. ثم أعدت النظر فيه، وتم نسخه صباح الاثنين الموافق لليوم
السابع من الشهر الحادي عشر من عام ثلاثة بعد الأربعمائة والألف من
الهجرة، وذلك في منزلي العامر بحي الخادمية من بلد الطائف
المحروس. وصلَّى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه.
١٠٣

الإِخْرَاءِ الْقَدِّشِيَ
(٣)
جُزّء
في زيارة السَّاء للقبُور
١٠٥

بِسْمِاللهِ الرَّحْ الرَّحَيُّمِ
مُقَدّمَةُ الطّبعَةِ الثَانِيَّة
الحمد لله، وبعد: فهذا الجزء الحديثي الفقهي من أوائل ما كتبت
عام ١٣٨٥ هـ، وقد أَنِسْتُ بإعداده، وصياغته، ثم إنه مِن فَضْلِ الله
- سبحانه - عَلَيَّ، أن الأُنْسَ به لم يدفعني إلى تقديمه للطبع، ولا
تقديم غيره مِمَّا جَرَى إتمامه(١) إلَّا بعد أن أنهيت جميع مراحل الدراسة
النظامية حتى ((العالمية العالية)).
وقد كان من خبر هذا الجزء أني لم أطبعه إِلَّ بَعد عشرين عاماً
- تقريباً - من تأليفه، وبعد المذاكرة به مع بعض أهل العلم قبل طباعته
وفي دور كتابته(٢).
(١) مثل كتاب: ((التقنين والإلزام))، فقد تم تأليفه عام ١٣٩٢ هـ، ولم أدفعه للطبع إلاّ
عام ١٤٠٢ هـ، وقد نفع الله به في مناسبة مهمة، يأتي الحديث عنها بمشيئة الله في
مناسبة أخرى.
(٢) وقد كان لفضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري - أثابه الله - فَضْلٌ عَلَى نحو ما
ذكرت في مقدمة الطبعة الأولى عام ١٤٠٣ هـ، وقد نسخ صورة منه بقلمه في
(مجاميعه)) ومع طول المدة قَدَّمَهُ للنشر في بعض ((الدوريات)» بعنوان: ((كشف
الشُُّور عن حكم زيارة النساء للقبور» - الاسم الذي كنت سميته به أولاً - فلما
هاتفته في ذلك أبدى - أحسن الله إليه - أن ذلك وقع خطأً لعامل النسيان مع طول
١٠٧

وهذه لَفْتَةٌ أدعو إليها كُلَّ طالبٍ عِلمٍ؛ أن لا يسارع إلى التأليف
والنشر وهو في مراحل الطلب، وإن كتب؛ فلا يدفعه إلى الطبع والنشر
إلاّ بعد إتمام المراحل النظامية، ويأنس من نفسه التأهل والرَّشَد لنشر ما
كتب، مع إعادة النظر، بعد تركه غُفْلاً(١)، وإلحاح في سؤال الله تعالى
الخِيْرَةَ فیما يأتي ويذر.
وإعمال المشورة والعرض لما كتبه على من يثق بدينه وعلمه،
ويأنس برأيه، فإنه لن يعدم خيراً. والله - سبحانه - من وراء كل عبد
ومقصوده وقصده(٢)، والمقصود: كونه لله وحده، والقصد هنا: إبلاغ
من شاء الله من عباده ما دلّت عليه شريعته؛ ولهذا صار إعادة طبعه.
والحمد لله رب العالمين.
المؤلف
بكر بن عَبَ السّد أبوزيد
١٤١٤/١١/١ هـ
المدة، ثم بعث إِلَيَّ بخطاب - لدي ــ يعتذر فيه عن ذلك. وهذا يدل على نبله
=
وفضله، ووفور علمه وورعه. والأمر عندي سهل، والحمد لله رب العالمين ..
(١) انظر مبحثاً مهماً للجاحظ في: الحيوان ٨٨/١.
(٢) انظر مدارج السالكين ٢١٧/٣.
١٠٨

ـدِاللَّهِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :
فإنه في العشرين من شهر ذي القعدة عام أربعة وثمانين بعد
الثلاثمائة والألف استوطنت المدينة النبوية (١) على صاحبها أفضل
الصلاة والسلام، وقد شاهدت تكاثر النساء لزيارة قبره الشريف والله
وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وما يحف بذلك؟
فتطلعت إلى معرفة مكانة هذه الزيارة من الشريعة؛ لأنها تَعَبُّدٌ،
والعبادة لا تكون إلاَّ بدليل، وكنت أرتاد مكتبة العلامة الشيخ حماد بن
محمد الأنصاري وأستعلمه عما يشكل عَلَيَّ، فكان نِعْمَ العَون بعد الله
تعالى .
(١) هذا هو التعبير المنتشر عند الأخباريين والمؤرخين وأصحاب المغازي والسير،
وشراح السنة والأثر، وأما وصفها بالمنورة فلا أعلمه إلَّ في كتب المتأخرين.
وتاريخ الإِمام ابن شبة المطبوع هذا العام عام ١٤٠٣هـ. باسم «تاريخ المدينة
المنورة)) تَصَرُّفٌّ من الناشر، وإلاّ فإن هذا العنوان لم يكن عند من ذكره ولم يسمه به
مؤلفه كما حصل بالتتبع، وهذه المدينة هي بحق («المدينة النبوية المنورة)» وكيف
لا يكون كذلك وهي بلدة حلّها النبي وَل ◌ّ حياً وميتاً واستوطنها الصحابة، رضي الله
عنهم، وشاهدت الوحي والتنزيل، على أني قد وجدت لهذا الوصف تخريجاً في
قول حسان رضي الله عنه يرثي النبي ◌َّ# فيقول:
منير وقد تعفو الرسوم وتهمد
بطيبة رسم للرسول ومعهد
١٠٩

فتبين أن زيارة النساء للقبور من المسائل المختلف فيها بين
العلماء مَا بَيْنَ مُبيح، ومَانع، ومُفصل، والحاجة إلى معرفة حكمها تَهُمُّ
الجميع. فرأيت من الواجب عَلَيّ؛ أداءً للنصيحة للخاصة والعامة: بيانٌ
الحقِّ الذي يجب أن يدين به كل مسلم، بذكر النصوص الصحيحة
المانعة من زيارة النساء للقبور على الإطلاق، مبيناً أن الاستدلال على
الجواز برواية: ((لعن رسول الله ﴿ ﴿ زوارات القبور)» غير مسلّم به. كما
أن تضعيف رواية ((لعن رسول الله ◌َ ﴿ زائرات القبور)) ليس صحيحاً؛ لما
سأذكره عن أئمة الشأن الذين يجب الرجوع إليهم في مثل هذا. وقد
رتبت هذا الجزء في ((حكم زيارة النساء للقبور)) على العناوين التالية:
١ - اختلاف العلماء في هذه المسألة.
٢ - المخرجون لأحاديث اللعن إجمالاً.
٣ - تفصيل روايات المخرجين.
٤ - سند حديث ((زائرات)) بطريقيه.
٥ - الكلام على سَنَدي هذا الحديث.
٦ - ضبط زاي (زوارات).
٧ - تفصيل أدلة المنع.
٨ - أدلة المجيزين والجواب عنها.
٩ - نقل جملة من كلام أئمة التحقيق في هذه المسألة.
والآن: الشروع في المقصود، ومن الله المدد والمزيد:
١١٠

١ - اختلاف العلماء في هذه المسألة :
اختلف العلماء في زيارة النساء للقبور على ثلاثة أقوال: وهي
ثلاث روايات عن الإِمام أحمد، رحمه الله تعالى.
أولاً - الكراهة من غير تحريم، كما هو منصوص الإِمام أحمد
رحمه الله في إحدى الروايات عنه، واستدل له بحديث أم عطية المتفق
عليه: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا)، وإليه ذهب أكثر الشافعية
وبعض الحنفية .
ثانياً - أنها مباحة لهن غير مكروهة، وبه قال أكثر الحنفية
والمالكية، وهو الرواية الأخرى عن الإِمام أحمد، رحمه الله تعالى.
واستدل له بحديث مسلم: عن بريدة، عن النبي وَلو أنه قال: ((كنت
نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)). وبحديث عائشة في زيارة أخيها
عبد الرحمن، وبحديثها أيضاً عند مسلم: ((ما أقول لهم؟ قال: قولي .. ))
الحديث. وبحديث أنس رضي الله عنه: ((مر النبي صل بامرأة تبكي عند
قبر .. )) الحديث.
ثالثاً - التحريم؛ لأحاديث اللعن وغيرها مما يعضدها، وهو
مذهب بعض المالكية، والشافعية، والحنفية، وإليه ذهب أكثر أهل
الحديث، وهو الرواية الثالثة عن الإِمام أحمد رحمه الله. كما حكاها
العلامة علي بن سليمان المرداوي في كتابه: ((الإِنصاف في معرفة
الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل»، قال ما
نصه: (وعنه أي عن الإِمام أحمد رواية ثالثة: يحرم، كما لو علمت بأنه
١١١

يقع منها محرم. ذكره المجد، واختار هذه الرواية بعض الأصحاب،
وحکاها ابن تميم وجهاً) اهـ.
قلت: وهو اختيار شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية، وتلميذه
العلامة ابن القيم، والنووي في مجموعه، والشيخ المجدد محمد بن
عبد الوهاب، وكثير من أئمة التحقيق الآتي ذكر أقوالهم بَعْدُ، إن شاء الله.
تعالی.
واعلم أن القائل بالإِباحة مُقَيِّدٌ لها بما إذا لم تشتمل زيارة النساء
للقبور على ما يفعله كثير من نساء زماننا من المنكر قولاً وفعلاً، بل ما
يفعله كثير من جهلة الرجال أيضاً، فلا خلاف إذاً في الحرمة كما
لا يخفى على المطلع الخبير.
إذا حصل ما ذُكِرَ من بيان مذاهب العلماء في هذه المسألة، فقد
ذهب بعض أهل زماننا إلى جواز زيارة النساء للقبور ما لم تتكرر؛
محتجاً برواية: ((لعن رسول الله وَليل زوّارات القبور)) على أنها للمبالغة،
مُضَعِّفاً رواية: (لعن رسول الله بَّ﴿ زائرات القبور)) تقليداً لمن فهم ذلك
قبله، من غير تحقيق، وهو خلاف لا يُعتد به إذ ليس له حظ من نظرٍ،
وقد قيل :
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلَّ خلاف له حظ من النظر
أي: من نظر صحيح. وسيأتي الجواب عن أدلة الجميع إن شاء
الله تعالى غير منكرين ما صح عن رسول الله مثله، بل كما قال العلامة
شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: ندين الله بكل ما صح عن
١١٢

رسول الله ◌َّ﴾ ولا نجعل بعضه لنا وبعضه علينا، فَنُقِرُّ ما لنا على ظاهره،
ونتأول ما علينا على خلاف ظاهره، بل الكل لنا، لا نفرق بين شيء من
سننه، بل نتلقاها كلها بالقبول ونقابلها بالسمع والطاعة، ونتبعها أين
توجهت ركائبها، وننزل معها أين نزلت مضاربها، فليس الشأن في الأخذ
ببعض سنن رسول الله وق طر وترك بعضها، بل الشأن في الأخذ بجملتها،
وتنزيل كل شيء منها منزلته، ووضعه بموضعه. والله المستعان، وعليه
التكلان.
٢ - المخرجون لأحادیث اللعن إجمالاً:
١ - أخرج الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه: حديثَ النهي
عن زيارة النساء للقبور، من ثلاثة طرق:
أولاً: من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، رضي الله عنه.
ثانياً: من طريق أبي صالح عن ابن عباس، رضي الله عنهما.
ثالثاً: من طريق عبد الرحمن بن حسان عن أبيه، رضي الله عنهما.
٢ - وأخرجه أبو داود.
٣ - والنسائي.
٤ - وأبو داود الطيالسي، عن ابن عباس فقط.
٥ - وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة وابن عباس.
٦ - والحاكم عن حسان بن ثابت، رضي الله عنه.
١١٣

٣ - تفصيل روايات المخرجين:
أما الإِمام أحمد، فقد رواه بلفظين:
أولاً: رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: ((إن رسول الله وَل
لعن زوارات القبور)).
وأيضاً: عن حسان مثله.
ثانياً: عن ابن عباس بلفظ: ((لعن رسول الله مط زائرات القبور
والمتخذين عليها المساجد والسرج)).
وأما أبو داود والنسائي وأبو داود الطيالسي، فقد أخرجوه كلهم عن
ابن عباس مثل لفظ الإِمام أحمد المتقدم عنه. وكذلك ابن حبان فقد
رواه عن ابن عباس وأبي هريرة مثله. وأما الترمذي فقد رواه من طرق
الإِمام أحمد الثلاثة المتقدمة، ولفظه عن ابن عباس: ((أن رسول الله اليه
لعن زائرات القبور)) وعن أبي هريرة وحسان بلفظ: ((لعن رسول الله وليه
زوّارات القبور)). بعد أن ترجم لها بقوله: باب ما جاء في كراهية زيارة
القبور للنساء، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل
العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي ◌َ﴿ فلما رخّص؛ دخل في
رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء؛
لقلة صبرهن و کثرة جزعهن .
ورواه أيضاً ابن ماجه في سننه من الطرق الثلاثة المتقدمة عند
الإِمامين أحمد والترمذي، كلها بلفظ: ((لعن رسول الله وَ له زُوَّارات
١١٤

القبور)). بعد أن بوّب لها بقوله: باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء
للقبور. وقال في الزوائد: إسناد حديث حسان بن ثابت صحيح،
ورجاله ثقات.
فتبين من هذا أن لفظ: ((لعن رسول الله ( 18 زوارات القبور)) جاء
من الطرق الثلاثة المتقدمة؛ أعني: عن ابن عباس، وثانياً عن
أبي هريرة، وثالثاً عن حسان بن ثابت، رضي الله عنهم أجمعين.
وأن لفظ: ((لعن رسول الله وَ ل زائرات القبور)) جاء من طريقين:
أولاً: عن ابن عباس عند الإِمام أحمد، وأبي داود، والنسائي،
والترمذي، وابن حبان، وأبي داود الطيالسي.
وثانياً: عن أبي هريرة عند ابن حبان. والله أعلم.
٤ - سند حديث ((زائرات)) بطريقيه:
وسند الجميع عن ابن عباس ما يلي:
قال الإِمام أحمد في مسنده: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا
محمد بن جحادة، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكره.
ومثله بإسناده عند من تقدمت الإِشارة إليهم. إلاّ أن ابن حبان رواه
أيضاً بسند آخر عن أبي هريرة، رضي الله عنه، فقال: أخبرنا محمد بن
عبد الله بن الجنيد، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن
أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: ((لعن
رسول الله( 8 زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج))، فهذا
١١٥

الحديث رُوي عن كُلِّ من: أبي هريرة، وابن عباس رضي الله عنهما
بلفظ: ((لعن رسول الله ◌َّة زوارات القبور)) وبلفظ: ((لعن رسول الله وَل
زائرات القبور)). كما صرح به الترمذي في جامعه، وابن ماجه في سننه.
فلهذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح؛ لكثرة طرقه.
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، رحمه الله تعالى: هذا مع
أنه ليس في الإِسنادين من يتهم بالكذب، ومثل هذا حجة بلا ريب،
وهذا من أجود الحسن الذي شرطه الترمذي، فإنه جعل الحسن ما
تعددت طرقه ولم یکن شاذاً، وهذا الحديث تعددت طرقه وليس فيها
متهم ولا خالفه أحد من الثقات، هذا لو كان عن صاحب واحد، فكيف
إذا كان هذا رواه عن صاحب وذاك عن آخر؟ فهذا كله يبين أن الحديث
في الأصل معروف.
٥ - الكلام على سَنّدي هذا الحديث :
١ - وأما أبو صالح الراوي عن ابن عباس، فقد اختلف في اسمه
على قولين :
■ القول الأول: أنه ميزان البصري أبو صالح، وبهذا جزم ابن
حبان في الصحيح، في النوع السادس من الثاني، وفي التاسع والمائة من
الثاني أيضاً، بعد أن أورد هذا الحديث من رواية عبد الوارث، عن
محمد بن جحادة، وأقره ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود، وقوّی هذا
القول بأنه ((ميزان)) ولكن صُحِّفَ في طبعة مختصر سنن أبي داود بلفظ:
(مهران) والصحيح أنه (ميزان) كما في ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر.
١١٦

وميزان هذا قال فيه يحيى بن معين - وهو من أشد الناس مقالة في
الرجال -: إنه ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الحاكم
في الصحيح: هو ثقة. وقال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)):
إن أبا صالح ميزان: روى الترمذيُّ عن طريقه في كتاب الجنائز من طريق
عبد الوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن أبي صالح، عن ابن
عباس؛ يشير إلى هذا الحديث.
■ القول الثاني: إن أبا صالح هذا هو (باذام مولى أم هانىء)،
ويقال بالنون (باذان) وجزم بهذا الحاكمُ وعبد الحق الإِشبيلي في
((الأحكام))، وابن القطان، وابن عساكر والمنذري وابن دحية وغيرهم.
قاله في ((التهذیب)).
فعلى كلا القولين، فإن الحديث برواية: ((لعن رسول الله وَل
زائرات القبور)) حديث صحيح سواء كان من رواية (ميزان) أو من رواية
(باذام مولى أم هانىء). فقد قال أبو حاتم في ((الجرح والتعديل)): لم أرَ
أحداً من أصحابنا ترك أبا صالح مولى أم هانىء، وما سمعت أحداً من
الناس يقول فيه شيئاً، ولم يتركه سعيد ولا زائدة ولا عبد الله بن عثمان.
وقال يحيى بن معين: أبو صالح مولى أم هانىء ليس به بأس، فإذا روى
عنه الكلبي فليس بشيء، وإذا روى عنه الكلبي فليس به بأس؛ لأن
الكلبي يحدث به مَرَّة من رأيه، ومَرَّةً عن أبي صالح. اهـ.
وهذا والله أعلم هو أعدل الأقوال في أمر أبي صالح مولى
أم هانىء، كما أشار إلى ذلك العلامة المحقق الشيخ أحمد شاكر
١١٧

رحمه الله تعالى. قال في حاشيته على مسند الإمام أحمد: والحق أن أبا
صالح مولى أم هانىء ثقة، ليس لمن ضعّفه حجة، وإنما تكلموا فيه من
أجل التفسير الكثير المروي عنه، والحمل في ذلك على تلميذه محمد بن
السائب الكلبي، ودعوى ابن حبان أنه لم يسمع من ابن عباس، غلط
عجيب، فإن أبا صالح تابعي قدیم روی عمن هو أقدم من ابن عباس كأبي
هريرة، وعلي بن أبي طالب، وأم هانىء. والله أعلم.
٢ - الطريق الثاني: عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال ابن
حبان: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنید، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا
أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر
الحدیث.
وعمر هذا هو: عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف،
أخو مسلم، مديني الأصل. قال أبو حاتم: هو عندي صالح صدوق
يكتب حديثه، ولا يحتج به، يخالف في بعض الشيء. وقال الذهبي:
صَحَّحَ له الترمذي حديث: ((لعن رسول الله وَ ﴿ زوارات القبور)). فناقشه:
عبد الحق وقال: عمر ضعيف عندهم - فأسرف عبد الحق. وقال ابن.
معين في رواية أحمد بن أبي خيثمة عنه: ليس به بأس. وذكره ابن حبان :
في الثقات. وقال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يخطىء، مات سنة
١٣٢ هـ.
وبكلام الحافظ ابن حجر هذا عرفنا أن عمر المذكور وإن كان
يخطىء إذا انفرد كما يشير إليه كلام الحافظ، ولكن مع وجود طريق آخر
١١٨

لهذا الحديث عن (ميزان البصري) على الصحيح، وعن مولى أم هانىء
عَلَى قَوْل؛ يتبين أن عمر في هذا الحديث لم يخطىء، فَصَحَّ على هذا
تصحيحُ الترمذي لهذا الحديث، كما صرح بتصحيح الترمذي له الذهبيُّ
وبإسراف الإِشبيلي في تضعيفه. فتبين من هذا صحة هذا الحديث من
غير مدافعة، والله أعلم.
٦ - ضبط زاي (زوارات):
هذا مع أن رواية ((لعن رسول الله (َله زوارات القبور)) هي بمعنى
زائرات؛ لأن زُوَّارات بضم الزاي المعجمة، كما قاله الجلال المحلي
في ((شرح المنهاج)) والسيوطي، وأقره السندي، والمناوي، وصاحب
(تنقيح الرواة شرح المشكاة)) قال هؤلاء: الدائر على الألسنة ضم الزاي
من زُوارات، جمع زُوار، جمع زَائرة سماعاً، وزائر قياساً. وقيل:
زُوارات للمبالغة، فلا يقتضي وقوع اللعن على وقوع الزيارة إلاَّ نادراً.
ونوزع بأنه إنما قابل المقابلة بجميع القبور، ومن ثم جاء في رواية
أبي داود: (زائرات) بلا مبالغة. انتهى.
فعلى هذا الضبط فهي بمعنى زائرات، لا للمبالغة كما ظنه كثير من
طلبة العلم، فصيغة المبالغة بفتح الزاي لا بضمها، كما أن الصيغة الدالة
على النسب بالفتح أيضاً، كقوله عز وجل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ
لِلْعَبِيدِ﴾، وذلك معلوم عند أهل التصريف، قال ابن مالك في ألفيته:
بكثرة عن فاعلٍ بديل
فعَّال أو مِفعَال أو فعُول
١١٩

وقال في النسب:
في نسب أغنى عن اليا فقبل
ومع فاعل وفعَّال فعل
فيكون معنى زوارات القبور: ذوات زيارة القبور. على أن الصيغة
للنسب، فاتفقت الروايتان على منع النساء من زيارة القبور مطلقاً. فعلى
هذا ليس في هذه الرواية دليل على جواز زيارة النساء للقبور إن لم
تتكرر. كما يقول به بعض الناس، مع أن صحةً رواية ((زائرات)) كما
تقدم نَصُّ صريحٌ في أن زوارات ليس للمبالغة. بل إما أن تكون هذه
الصيغة على ما تقدم من أنها بالضم، وإما أن تكون للنسب؛ توفيقاً بين
الدليلين، فإن الجمع بين الدليلين متى أمكن فهو أولى من طرح أحدهما
أو دعوى التعارض بينهما.
قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، رحمه الله: وإذا كانت
زيارة النساء للقبور مظنةً وسبباً للأمور المحرمة والحكمة هنا غير
مضبوطة، فإنه لا يمكن أن يُحد المقدار الذي لا يفضي إلى ذلك ولا
التمييز بين نوع ونوع .. ، إلى آخر ما سيأتي من كلامه، إن شاء الله تعالی.
فإذا استقر وضوح دلالة هذا الحديث على المنع مطلقاً، وأنّ
اختلاف اللفظين لفظي ليس بينهما فارق على ما ذكر، فاعلم أن هناك
نصوصاً صحيحة تؤيد ما تقدم، دافعة لتأويل سنة رسول الله صل# إلى ما
لا يحتمله النص إلاَّ بتكلف ظاهر، مقررة لذلك المعنى العظيم، وتلك
القاعدة الشرعية الكبرى التي أجمعت عليها الأمة، وذلك أن سد الذرائع
١٢٠