النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
سُورَةُ الشّمسِّ، (١١، ١٥)
بأشقى الناس؟)) قال: بلى. قال: ((رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي
على هذا - يعني: قرنه - حتى تبتل منه هذه)) يعني: لحيته(١).
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الَّهِ﴾ يعني: صالحاً عَلَّهُ ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ أي: احذروا ناقة الله أن
تمسوها بسوء ﴿وَسُقْيَهَا﴾ أي: لا تعتدوا عليها في سقياها فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم
معلوم، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَفَرُوهَا﴾ أي: كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا
الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم ﴿فَدَمْدَمَ عَلَّهِمْ رَبُّهُم بِذَنِهِمْ﴾ أي:
غضب عليهم فدمر عليهم ﴿فَسَوَّنَهَا﴾ أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء.
قال قتادة: بلغنا أن أحيمر ثمود لم يعقر الناقة حتى بايعه صغيرهم وكبيرهم وأنثاهم، فلما
اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم فسواها(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ﴾ وقرئ: ((فلا يخاف))(٣) ﴿عُقْبَهَا﴾ قال ابن عباس: لا يخاف الله من
أحد تَبِعِهُ(٤)، وكذا قال مجاهد والحسن وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم(٥).
وقال الضحاك والسدي: ﴿وَلَا يَخَفُ عُقْبَهَا ﴾﴾ أي: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع (٦)،
والقول الأول أولى لدلالة السياق عليه، والله أعلم.
آخر تفسير سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾﴾ [الشمس].
(١) في سنده محمد بن خثيم أبو يزيد وهو مقبول. (التقريب ص٤٧٦).
(٢) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة مقطّعاً لكن روايته بلاغاً.
(٣) القراءتان متواترتان.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق أبي رجاء، عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق رزين بن سليمان عن بكر بن عبد الله
المزني، ویشهد له ما سبق.
(٦) أخرجه الطبري من طريق جابر بن نوح عن أبي روق عن الضحاك، وجابر بن نوح ضعيف. (التقريب
ص١٣٦) ومعناه صحيح؛ وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم - كما في الدر المنثور - بسند حسن من طريق
سفيان عن السدي.

٥٨٢
• سُوَرَّةُ الليلِ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
POD:
حس 00
00000
سُورَةُ اللَّيَِّ
تقدم قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ: ((فهلّا صلَّيت بـ﴿َسَيْحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ
وَضُحَنَهَا (٣)﴾، ﴿وَأَيْلِ إِذَا يَفْتَفىِ (﴾))(١).
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَلَّلِ إِذَا يَفْشَى ﴿ وَلَنَّهَارِ إِذَا تَجَلَى
(٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىّ
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَقَّ (®
فَأَمَّا مَنْ
فَسَنْيَسِرُ
وَكَذَبَ بِالْمُسْفَى
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى
فَسَنْيَسُِّ لِلْيُسْرَى ◌َ
﴿﴿ وَصَدَقَ بِالْحُسْنَى
أَعْطَى وَأَنََّى
لِلْمُسْرَى ﴿ وَمَا يُغْنِ عَنْهُ مَالُهُمْ إِذَا تَرََّ ﴿1﴾ .
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة
أنه قدم الشام، فدخل مسجد دمشق فصلى فيه ركعتين وقال: اللَّهم ارزقني جليساً صالحاً قال:
فجلس له أبو الدرداء فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: كيف سمعت
ابن أُم عبد يقرأ: ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْثَىِ ﴿ وَالتََّارِ إِذَا تَّ ﴾﴾؟ قال علقمة: (والذكر والأنثى)(٢) فقال
أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله* فما زال هؤلاء حتى شككوني ثم قال: ألم يكن فيكم
صاحب الوساد وصاحب السرّ الذي لا يعلمه أحد غيره، والذي أجير من الشيطان على لسان
محمد وَلِ﴾؟ (٣).
وقد رواه البخاري لهُهنا ومسلم من طريق الأعمش عن إبراهيم قال: قدم أصحاب عبد الله
على أبي الدرداء فطلبهم فوجدهم فقال: أيكم يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال:
أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة فقال: كيف سمعته يقرأ: ﴿وَلَِّلِ إِذَا يَغْشَى ﴾﴾؟ قال:
(والذكر والأنثى) قال: أشهد أني سمعت رسول الله وَله يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدون أن
أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُنثَ ﴾﴾ واللهِ لا أتابعهم(٤). هذا لفظ البخاري. وهكذا قرأ ذلك
ابن مسعود وأبو الدرداء ورفعه أبو الدرداء، وأما الجمهور فقرأوا ذلك كما هو المثبت في
المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَ ﴾﴾ فأقسم تعالى بـ﴿ وَلَلِ إِذَا
(١) ينظر مطلع سورة الانشقاق ومطلع سورة الأعلى.
(٢) هذه القراءة شاذة قال الحافظ ابن حجر: ولعل هذا مما نسخت تلاوته ولم يبلغ النسخ أبا الدرداء ومن ذكر
معه. (فتح الباري ٨/ ٧٠٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤٤٩/٦) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا خَلَقَ الذُّكَرَ وَالْأُمََّ ﴾﴾ [الليل] (ح٤٩٤٤)؛ وصحيح مسلم، صلاة
المسافرين، باب ما يتعلق بالقرآن (ح٨٢٤).

٥٨٣
سُورَةُ اللَيَّكَ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يَغْشَى ﴾﴾ أي: إذا غشى الخليقة بظلامه ﴿وَالتَّهَارِ إِذَا تَجَّ ﴾﴾ أي: بضيائه وإشراقه.
﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُنثَّ (٣)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقْتَكُمْ أَزْوَجًا ﴾﴾ [النبأ] وكقوله: ﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ
خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم عليه أيضاً
متضاداً، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَّ ﴾﴾ أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضاً
ومتخالفة فمن فاعل خيراً ومن فاعل شراً.
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى ﴾﴾ أي: أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى الله في أموره
﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾﴾ أي: بالمجازاة على ذلك قاله قتادة(١).
وقال خُصيف: بالثواب.
وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو صالح وزيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾﴾ أي:
بالخَلَف(٢).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾﴾ أي: بلا إله إلا الله(٣).
وفي رواية عن عكرمة: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾﴾ أي: بما أنعم الله عليه.
وفي رواية عن زيد بن أسلم: ﴿وَصَدَقَ بِالْمُتْنَى ﴾﴾ قال: الصلاة والزكاة والصوم، وقال مرة:
وصدقة الفطر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن
مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني من سمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال:
سألت رسول الله وَله عن الحسنى قال: ((الحسنى: الجنة))(٤).
(٢)﴾ قال ابن عباس: يعني للخير.
وقوله تعالى: ﴿فَسَنْيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى
وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، وقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن
جزاء السيئة السيئة بعدها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي: بما عنده ﴿ وَأَسْتَغْنَى﴾.
قال عكرمة، عن ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه ربك(8). رواه ابن أبي حاتم
﴿وَكَذَّبَ بِالْمُسْنَى ﴾﴾ أي: بالجزاء في الدار الآخرة ﴿فَسَنُيَسِرُهُ لِلْمُسْرَى ﴾﴾ أي: لطريق الشر كما
قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
[الأنعام] والآيات فى هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله مت يجازي من قصد الخير بالتوفيق له،
ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر والأحاديث الدالّة على هذا المعنى كثيرة.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد فيه
ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف؛ وأخرجه الطبري بسند حسن صحيح من طريق نضر بن
عربي عن عكرمة.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي حصين عن أبي عبد الرحمن؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من
طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٢٦.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عكرمة به.

٥٨٤
سُودَةُ الليك (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رواية أبي بكر الصديق رضيه: قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن [عياش](١)، حدثني
العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت
لرسول الله وَ *: يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: ((بل على أمر قد
فرغ منه)) قال: ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: ((كل ميسر لما خلق له))(٢).
رواية علي ه: قال البخاري: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بن
عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب ◌َظُه قال: كنا مع رسول الله إِليه
في بقيع الغرقد في جنازة فقال: ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من
النار)) فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) ثم قرأ: ﴿فَمَّا مَنْ
١ فَسَنْيَسِرُؤُ لِلْسُرَى ﴾﴾ إلى قوله: ﴿لِلْمُشْرَى﴾(٣). وكذا رواه من طريق
أَعْطَى وَنََّى ﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُنْفَى
شعبة (٤)، ووكيع(٥) عن الأعمش بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن
منصور، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب ظبه قال: كنا في
جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله وَله، فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس، فجعل ينكت
بمخصرته ثم قال: ((ما منكم من أحد - أو ما من نفس منفوسة - إلا كتب مكانها من الجنة والنار
وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة)) فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن
كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى
أهل الشقاء؟ فقال: ((أما أهل السعادة فيُيسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فيُيسرون إلى
(١) فَسَيَسُِّ لِلْيُسْرَى ﴾ وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ
وَصَدَّقَ بِالْحُسْفَ
عمل أهل الشقاء))، ثم قرأ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّ
وَأَسْتَغْنَى فِيَ)
. وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن
(٦)
(١) فَسَيَسِرُ لِلْعُسْرَى ﴾﴾
وَكَذَّبَ بِالْمُنْنَى
سعید بن عبيدة به.
رواية عبد الله بن عمر: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن عاصم بن
عبيد الله، قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت
ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: ((فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب،
فإن كلّاً ميسر، أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه
يعمل للشقاء)»(٧). ورواه الترمذي في القدر عن بُندار، عن ابن مهدي به، وقال: حسن صحيح(٨).
(١) كذا في (ح)؛ ومسند الإمام أحمد، وفي الأصل صُحف إلى: ((عباس)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢٠٠/١ ح١٩) وقال محققوه: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف
لجهالة الراوي عن طلحة بن عبد الله. اهـ. ويشهد له الحديث التالي.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَفَى ﴾﴾ [الليل] (ح٤٩٤٥).
(٥) المصدر السابق (ح ٤٩٤٧).
(٤) المصدر السابق (ح ٤٩٤٦).
(٦) المصدر السابق (ح ٤٩٤٨).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٤٠/٨ ح ٥١٤٠). قال محققوه: حسن لغيره، وهو إسناد
ضعيف لضعف عاصم بن عبيد الله.
(٨) سنن الترمذي، القدر، باب ما جاء في الشقاء والسعادة (ح٢١٣٦).

٥٨٥
• سُوَرَّةُ اللّيَّكَ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حديث آخر من رواية جابر: قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني
عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد
فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: ((لأمر قد فرغ منه)) فقال سراقة: ففيم العمل إذاً؟ فقال
رسول الله وَل: ((كل عامل ميسر لعمله)) (١). ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب به (٢).
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن
حبيب، عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي ◌َّ فقالا: يا رسول الله أنعمل
فيما جفت الأقلام وجرت به المقادير أو في شيء يستأنف؟ فقال: ((بل فيما جفَّت به الأقلام
وجرت به المقادير)) قالا: ففيم العمل إذاً؟ قال: ((اعملوا فكل عامل مُيسر لعمله الذي خلق له))
قالا : نجد ونعمل(٣).
رواية أبي الدرداء: قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن
عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا يا
رسول الله أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: ((بل أمر قد فرغ منه)) فقالوا:
فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: ((كل امرء مهيأ لما خلق له))(٤). تفرد به أحمد من هذا الوجه.
حديث آخر: قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن
عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خُليد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال
رسول الله وَّل: ((ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم
إلا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً)) وأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى
وَانَقى
فَسَنْيَسِرُعُ لِلْمُسْرَى
﴿﴿ فَسَيَسِرُ لِلْيُسْرَى ٣ وَأَمَّا مَنْ بَحِلَ وَأَسْتَغْفَى ﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْفَى
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
(٥)(٥). ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله.
حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني،
حدثني الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلاً كان له نخيل، ومنها نخلة فرعها
في دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره فيأخذ التمرة من نخلته فتسقط
التمرة، فيأخذها صبيان الرجل الفقير، فينزل من نخلته فينزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل
أحدهم التمرة في فمه أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع التمرة من حلقه، فشكا ذلك الرجل إلى
النبي ◌َ﴿ وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة فقال له النبي ◌َّر: ((اذهب)) ولقي النبي ◌َل
صاحب النخلة فقال له: ((أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة)) فقال
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه .. (ح ٢٦٤٨).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ويشهد له ما سبق.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره. (المسند ٤٥/ ٤٨٠ ح ٢٧٤٨٧).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عباد بن راشد صدوق له أوهام. (التقريب ص ٢٩٠) وأظنه هو
الذي زاد ذكر نزول الآية؛ لأن الحديث بدون ذكر نزول الآية صحيح قد تقدم تخريجه في تفسير سورة
الإسراء آية ٢٩.

٥٨٦
• سُورَةُ اللَّيَّكَ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
له: لقد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها وإن لي لنخلاً كثيراً ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من
ثمرها، فذهب النبي ◌ّر فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله وَل ومن صاحب النخلة
فقال الرجل: يا رسول الله إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتك إياها، أتعطيني ما
أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: ((نعم)).
ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة ولكلاهما نخل، فقال له: أخبرك أن محمداً أعطاني بنخلتي
المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له: قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها، فسكت عنه
الرجل فقال له: أراك إذا بعتها، قال: لا إلا أن أعطى بها شيئاً ولا أظنني أعطاه، قال: وما
مُناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟
ثم سكتا وأنشآ في كلام آخر، ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة، فقال: أَشهِد لي إن كنت
صادقاً، فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا إني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي
فرعها في دار فلان بن فلان، ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت، ثم قال بعد:
ليس بيني وبينك بيع لم نفترق، فقال له: قد أقالك الله ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة
بنخلتك المائلة، فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد، قال:
تعطينيها على ساق، ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق، وأوقف له شهوداً وعد له أربعين
نخلة على ساق، فتفرقا، فذهب الرجل إلى رسول الله و 8﴿ فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في
دار فلان قد صارت لي فهي لك، فذهب رسول الله ولو إلى الرجل صاحب الدار فقال له: ((النخلة
لك ولعيالك)) قال عكرمة: قال ابن عباس فأنزل الله وجل: ﴿وَأَّلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ
أَعْطَى وَنََّى جَ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىِ ﴿﴿ فَسَيَسِرُ لِلْيُسْرَى
فَسَنْيَسِرُ
وَكَذَّبَ بِالْمُنْفَ
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأُسْتَغْنَى
لِلْمُسْرَى ﴾﴾ إلى آخر السورة(١). هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جداً.
قال ابن جرير: وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق حظه: حدثنا هارون بن إدريس
الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ظه، عن عامر بن عبد الله بن الزبير
قال: كان أبو بكر ◌ُبه يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له
أبوه: أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء فلو أنك تعتق رجالاً جلداء يقومون معك ويمنعونك
ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد - أظنه قال - ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي
(٢)
٧
فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى
أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى (® وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُو إِذَا تَرََّ ﴾﴾ قال مجاهد: أي إذا مات(٣).
(١) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني كما في التقريب.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
وهو مقبول. (التقريب ص٤٩٠) ومحمد بن إسحاق لم يصرح بالسماع ولكن الحاكم أخرجه من طريق
محمد بن إسحاق وقد صرح بالسماع وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥٢٥/٢)؛ وأخرجه ابن عساكر
من طريق ابن إسحاق به. (تاريخ دمشق ٦٩/٣٠).
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٥٨٧
سُورَةُ اللَيَّة (١٢، ٢١)
وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿إِذَا تَرََّ﴾ في النار(١).
لَا يَصْلَنَهَا إِلَّا الْأَشْقَى
فَنَذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظّى
2- ﴿إِنَّ عَيْنَا لِلْهُدَى ﴿ وَإِنَّ لَنَا لِلْآَخِرَةَ وَالْأُولَ (بَ)
١٥
﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تَجْرَى
الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿﴿ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى (٣) الَّذِى يُؤْتِى مَالَمُ يَتَزََّى
إِلَّا أَبْشِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىَ ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى
١٩
قال قتادة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ أي: نبين الحلال والحرام(٢)، وقال غيره: من سلك طريق
الهدى وصل إلى الله(٣)، وجعله كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] حكاه ابن
جرير.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَاَ للَّخِرَةَ وَالْأُولَ (٣)﴾ أي: الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَّى ﴾﴾ قال مجاهد: أي توهج (٤).
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت
النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله وَلؤ يخطب يقول: ((أنذرتكم النار [أنذرتكم
النار](٥))) حتى لو أن رجلاً كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت
على عاتقة عند رجليه(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثني شعبة، حدثني أبو إسحاق، سمعت
النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((إن أهون أهل النار عذاباً يوم
القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه))(٧). رواه البخاري(٨).
وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي إسحاق،
عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وسلم: ((إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان
من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم
عذاباً))(٩). وقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَنَّهَا إِلَّا الْأَثْقَى (٣)﴾ أي: لا يدخلها دخولاً يحيط به من جميع
جوانبه إلا الأشقى ثم فسره فقال: ﴿الَّذِى كَذَّبَ﴾ أي: بقلبه ﴿وَتَوَ﴾ أي: عن العمل بجوارحه
وأركانه.
(١) أخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) ذكره الفراء (معاني القرآن ٢٧١/٣) والطبري.
(٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) زيادة من المسند.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٤٨/٣٠ ح ١٨٣٩٨) وحسن سنده محققوه.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٦٢/٣٠ ح ١٨٤١٣) وصحح سنده محققوه.
(٨) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح ٦٥٦١).
(٩) أخرجه مسلم بسنده ومتنه. (الصحيح، الإيمان، باب أهون أهل النار عذاباً ح ٣٦٤/٢١٣).

٥٨٨
• سُورَةُ اللَيَّكَ (١٢، ٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه بن سعيد، عن
المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وسلم: ((لا يدخل النار إلا شقي)) قيل: ومن الشقي؟
قال: ((الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية))(١) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن
يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى))
قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: ((من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى))(٢). رواه
البخاري، عن محمد بن سنان، عن فلیح به(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْفَى (٣)﴾ أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي ثم فسره بقوله:
﴿الَّذِى يُؤْتِ مَالَمُ يَتَزََّى ﴾﴾ أي: يصرف ماله في طاعة ربه ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من
دين ودنيا ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ (4)﴾ أي: ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه
معروفاً، فهو يعطي في مقابلة ذلك وإنما دفعه ذلك ﴿إِلَّا أَبِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعَ ﴾ أي: طمعاً في
أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات قال الله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَرْضَى
أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق مظلته، حتى إن
بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها وأولى الأمة بعمومها فإن
لفظها العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا الْأَنْقَى ﴿ الَّذِى يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزََّى ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن
نِعْمَةٍ تُجْزَ ﴾﴾ ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة،
فإنه كان صديقاً تقياً كريماً جواداً بذالاً لأمواله في طاعة مولاه ونصرة رسول الله وَلثقة، فكم من
دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن
يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له
عروة بن مسعود وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية: وأما واللهِ لولا يد لك عندي لم أجزك بها
لأجبتك، وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإن كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء
القبائل فكيف بمن عداهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْرَ ﴿٨َ إِلَّا أَبِْغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ
اُلْأَعْلَى (٥َ وَلَسَوْفَ يَرْضَى
وفي الصحيحين أن رسول الله وَ * قال: ((من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة يا
عبد الله هذا خير)) فقال أبو بكر: يا رسول الله ما على من يدعى منها ضرورة فهل يدعى منها
كلها أحد؟ قال: ((نعم وأرجو أن تكون منهم)) (٤).
آخر تفسير سورة الليل، ولله الحمد والمنة.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢٥٢/١٤ ح٨٥٩٤) وضعف سنده محققوه، وأعلوه بابن لهيعة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٣٤٢/١٤ ح ٨٧٢٨).
(٣) صحيح البخاري، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله يا و (ح ٧٢٨٠).
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الزمر آية ٧٣.

٥٨٩
سُورَةُ الضَّعَى (١، ١١)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
00000
00000
سُورَةُ الضّعى
وهي مكية
رُوِّينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقريء قال: قرأت على
عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما بلغت ﴿وَالضُّحَى
قالا لي: كبرِّ حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير، فأمرنا بذلك، وأخبرنا
أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك. وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن
عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أُبي أنه قرأ على رسول الله وَّ فأمره بذلك(١).
فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة،
وكان إماماً في القراءات، فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه،
وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث، لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في
((شرح الشاطبية)) عن الشافعي أنه سمع رجلاً يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال: أحسنت وأصبت
السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث.
ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته فقال بعضهم: يكبر من آخر ﴿وَلَّلِ إِذَا يَغْشَى
(6) وقال آخرون: من آخر ﴿وَالضُّحَى ﴾﴾ وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر.
ويقتصر، ومنهم من يقول: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر. وذكر القراء في مناسبة التكبير من
أول سورة الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله وَ* وفتر تلك المدة ثم جاء الملك فأوحى
إليه: ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَلَيْلِ إِذَا سَجَى ﴾﴾ السورة بتمامها كبر فرحاً وسروراً، ولم يرو ذلك بإسناد
يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم (٢).
بير هه الرحمن الرحيم
وَيْلِ إِذَا سَجَى ﴿﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىِ ﴿ وَلَلَخِرَةُ خَرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى
﴿وَالضُّحَى
وَوَجَدَكَ عَآَبِلًا
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ جَ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى ﴾ وَوَجَدَكَ ضَاَلًّا فَهَدَى (4)
فَأَغْفَِ ﴿ فَمَّا الْبَغِيَمَ فَلَ نَقْهَرْ جَ وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ ﴾ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندباً
(١) أخرجه البغوي من طريق المفسر أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف بالنقاش، عن أبي
ربيعة محمد بن إسحاق الريعي، عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقريء به.
(معالم التنزيل ٤/ ٥٠٠، ٥٠١).
(٢) هذا الحديث ضعيف عند النقاد المحدثين، ومعتبر عند كثير من القراء، ويعملون به.

٥٩٠
سُورَةُ الصَّعَى (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يقول: اشتكى النبي ◌َّه فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا
١) وَلَِّلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾﴾(١). رواه
قد تركك، فأنزل الله ريت: ﴿وَالضَّحَى
البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق عن الأسود بن قيس،
عن جُندب، هو ابن عبد الله البجلي، ثم العلقي به (٢)، وفي رواية سفيان بن عيينة، عن الأسود بن
قيس سمع جُندباً قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﴿ ﴿ فقال المشركون: وذَّع محمداً ربه؛
فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِضُّحَى ﴾ وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، قالا: حدثنا أبو
أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس أنه سمع جُندباً يقول: رُمي رسول الله وَّهُ بحجر
في أصبعه فقال:
((هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت؟))
قال: فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم، فقالت له امرأة ما أرى شيطانك إلا قد تركك فنزلت
﴿وَلِضُّحَى ﴿ وَأَّلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾﴾ والسياق لأبي سعيد(٣).
قيل: إن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن أصبعه علَّهُ دُميت، وقوله هذا
الكلام الذي اتفق أنه موزون ثابت في الصحيحين ولكن الغريب لههنا جعله سبباً لتركه القيام
ونزول هذه السورة.
فأما ما رواه ابن جرير: حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان
الشيباني، عن عبد الله بن شداد، أن خديجة قالت للنبي وَله: ما أرى ربك إلا قد قلاك،
فأنزل الله ﴿ وَالضُّحَىِ ﴿ وَلَيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (@)﴾(٤).
وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أبطأ جبريل
على النبي ◌َّه فجزع جزعاً شديداً فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما نرى من جزعك،
® ... ﴾ إلى آخرها (٥). فإنه
قال: فنزلت ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَاَلَيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا فَلَى
حديث مرسل من [هذين الوجهين](٦) ولعلّ ذكر خديجة ليس محفوظاً أو قالته على وجه التأسف
والحزن، والله أعلم.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٢/٤) وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، التهجد، باب ترك القيام للمريض (ح١١٢٤)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب ما
لقي النبي * من أذى المشركين (ح١٧٩٧)؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الضحى
(ح٣٣٤٢)؛ والسنن الكبرى، التفسير، سورة الضحى (ح ١١٦٨١).
(٣) سنده صحيح ورجاله ثقات.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وما أظن عبد الله بن شداد سمع من خديجة ينا، وما أظن خديجة عينا تقول
ذلك بل كانت تشجعه وتؤازره.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مرسل؛ وأخرجه الحاكم من طريق هشام بن عروة به؛
وصححه الحاكم وقال الذهبي: صحيح مرسل (المستدرك ٦١٠/٢)؛ وأخرجه البيهقي من الطريق نفسه
وقال: في هذا الإسناد انقطاع (دلائل النبوة ٧/ ٦٠).
(٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.

٥٩١
سُودَةُ الضحى (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد ذكر بعض السلف منهم ابن إسحاق أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى
رسول الله وَ ﴿ حين تبدَّى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطاً عليه وهو
بالأبطح ﴿فَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى (3)
وَأَلَيْلِ إِذَا
[النجم] قال: قال له هذه السورة ﴿وَالضُّحى
سَجَ (﴾﴾.
قال العوفي، عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله وَ له القرآن أبطأ عنه جبريل أياماً فتغير
بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه فأنزل الله ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾﴾(١).
وهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء ﴿وَأَِّلِ إِذَا سَجَى ﴾﴾ أي: سكن فأظلم
وادلهم. قاله مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم(٢)، وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق
هذا وهذا كما قال تعالى: ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْثَى ﴾ وَلَّهَارِ إِذَا تَجَلَى ﴾﴾ [الليل] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ
اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اُلَيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْغَيِزِ الْعَلِيمِ ﴾﴾ [الأنعام].
وقوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ أي: ما تركك ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك.
﴿ وَلَآَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى ﴾﴾ أي: وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان
رسول الله ﴿ أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها اطراحاً كما هو معلوم بالضرورة من سيرته،
ولما خُيِّر لظَّا في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة وبين الصيرورة إلى الله ربك،
اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم النخعي،
عن علقمة، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: اضطجع رسول الله وَّر على حصير فأثر في جنبه،
فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً؟
فقال رسول الله : ((ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح
وتركها)»(٣). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث المسعودي به وقال الترمذي: حسن صحيح (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴾﴾ أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في
أمته، وفيما أعده له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف،
وطينه مِسك أذفر كما سيأتي(٥).
وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر المخزومي، عن
علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: عُرِض على رسول الله وَلّ ما هو مفتوح على أمته من
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما سبق.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح
من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: (إذا استوى))؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب
عن ابن زيد.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٢/٦ ح٣٧٠٩) وصحح سنده محققوه.
(٤) سنن الترمذي، الزهد، باب ما أنا في الدنيا إلا راكب (ح٢٣٧٧)؛ وسنن ابن ماجه، الزهد، باب مثل الدنيا
(ح٤١٠٩)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣١٧).
(٥) سيأتي في تفسير سورة الكوثر.

٥٩٢
• سورةالضحى (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بعده كنزاً كنزاً فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ ﴾﴾ فأعطاه في الجنة ألف
ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم(١)، رواه ابن جرير من طرقه، وهذا إسناد
صحيح إلى ابن عباس ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف.
وقال السدي، عن ابن عباس من رضاء محمد # أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار، رواه
ابن جرير وابن أبي حاتم (٢).
وقال الحسن: يعني بذلك الشفاعة(٣)، وهكذا قال أبو جعفر الباقر.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا معاوية بن هشام، عن علي بن صالح، عن يزيد بن أبي
زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّا أهل بيتٍ اختار الله
(٤)
لنا الآخرة على الدنيا، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
ثم قال تعالى يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَلَمَّ يَجِدْكَ يَِّيمًا
فَشَاوَى ﴾﴾ وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولدظلّ ثم توفيت أمه آمنة
بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر
ثمان سنين، فكفله عمّه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره، ويكفّ عنه
أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من
عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم
عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس
والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه
وقاتلوا بين يديه رضي الله عنهم أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَّلَّا فَهَدَى ﴾﴾ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَاً إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَّأْ مَا كُنْتَ تَدْرِى
مَا اُلْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [الشورى: ٥٢].
ومنهم من قال: إن المراد بهذا أن النبي ◌َ﴿ ضلَّ في شِعاب مكة وهو صغير ثم رجع.
وقيل: إنه ضلَّ وهو مع عمِّه في طريق الشام، وكان راكباً ناقة في الليل، فجاء إبليس فعدل
بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى
الطريق حكاهما البغوي(٥).
(١) أخرجه الطبري من طريق عمرو بن هاشم عن الأوزاعي به؛ وصحح سنده الحافظ ابن كثير؛ وأخرجه
الطبراني من طريق الأوزاعي به، (المعجم الكبير ٣٣٧/١٠ ح ١٠٦٥٠)؛ وحسن سنده الهيثمي (مجمع
الزوائد ١٣٨/٧).
(٢) أخرجه الطبري من طريق الحكم بن ظهير به، وسنده ضعيف جداً لأن السدي لم يسمع من ابن عباس،
والحكم بن ظهير متروك ورمي بالرفض (التقريب ص١٧٥) وكذلك السدي فيه تشيع.
(٣) عزاه البغوي إلى الحسن (معالم التنزيل ٤٩٨/٤).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة مطولاً دون ذكر الآية. (المصنف ٢٣٦/١٥) وسنده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد
وتشيعه (التقريب ص٦٠١).
(٥) معالم التنزيل ٤٩٩/٤.

٥٩٣
سُودَةُ الضع (١، ١١)
0000000000000000000000 000 000 000 000 000 000 000 000000000000000000000000000000 000000000
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْفَ ﴾﴾ أي: كنت فقيراً ذا عيال فأغناك الله عمن سواه فجمع
له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر صلوات الله وسلامه عليه.
وقال قتادة في قوله: ﴿أَمَّ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى ﴾ وَوَجَدَكَ ضَلَّا فَهَدَى ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْفَ
﴾ قال: كانت هذه منازل رسول الله ﴿ قبل أن يبعثه الله ك. رواه ابن جرير(١) وابن أبي
حاتم.
وفي الصحيحين من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو
هريرة قال: قال رسول الله وله: [((ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس))(٢).
وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَلقر:](٣) ((قد أفلح من أسلم
ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه))(٤)
ثم قال تعالى: ﴿فَمَّا الْنِيَمَ فَلَ نَفْهَرْ ج﴾ أي: كما كنت يتيماً فآواك الله فلا تقهر اليتيم؛ أي:
لا تذله وتنهره وتهنه ولكن أحسن إليه وتلطف به.
قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم(٥).
﴿وَمَّا السَّآيِلَ فَلَ نَنْهَرْ ﴾﴾ أي: وكما كنت ضالاً فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم
المسترشد.
قال ابن إسحاق: ﴿وَمَّا السَّيِلَ فَلَ نَنْهَرْ ﴾﴾ أي: فلا تكن جباراً ولا متكبراً ولا فخَّاشاً ولا
فظاً على الضعفاء من عباد الله.
وقال قتادة: يعني: ردّ المسكين برحمة ولين ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾﴾ أي: وكما كنت
عائلاً فقيراً فأغناك الله فحدث بنعمة الله عليك كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: ((واجعلنا
شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا)).
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد بن [إياس الجريري] (٦)، عن
أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها(٧).
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مليح، عن
أبي عبد الرحمن، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَّر على المنبر: ((من
لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الشيخان من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ظه. (صحيح البخاري، الرقاق، باب غنى النفس
ح٦٤٤٦)؛ وصحيح مسلم، الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض (ح١٠٥١).
(٣) زيادة من (ح) و(حم).
(٤) صحيح مسلم، الزكاة، باب في الكفاف والقناعة (ح١٠٥٤).
(٥) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة
عن قتادة بلفظ: ((لا تظلم)).
(٦) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: ((المربري)). ولم يذكر: إياس.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.

٥٩٤
• سُورَةُ الضّعَى (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وتركها كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب))(١). وإسناده ضعيف.
وفي الصحيحين عن أنس أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله ذهب الأنصار بالأجر كله، قال:
((لا ما دعوتم الله لهم وأثنیتم عليهم))(٢) .
وقال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي
هريرة، عن النبي وَ ◌ّ قال: ((لا يشكر الله من لا يشكر الناس)) (٣). ورواه الترمذي عن أحمد بن
محمد، عن ابن المبارك، عن الربيع بن مسلم. وقال: صحيح(٤).
وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن الجراح، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن
جابر، عن النبي ◌َّ﴿ قال: ((من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره))(٥). تفرد به أبو
داود. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا بشر، حدثنا عمارة بن غزية، حدثني رجل من قومي،
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد
فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره)) قال أبو داود: ورواه يحيى بن أيوب،
عن عمارة بن غزية، عن شرحبيل، عن جابر، كرهوه فلم يسموه(٦)، تفرد به أبو داود.
وقال مجاهد: يعني: النبوة(٧) التي أعطاك ربك، وفي رواية عنه: القرآن.
(١)﴾ قال: ما عملت من
وقال ليث، عن رجل، عن الحسن بن علي ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
خير فحدث إخوانك(٨).
وقال محمد بن إسحاق، ما جاءك من الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها وادع
إليها، قال: فجعل رسول الله * يذكر ما أنعم به عليه من النبوة سراً إلى من يطمئن إليه من
أهله، وافترضت عليه الصلاة فصلى.
آخر تفسير سورة الضحى.
(١) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند بسنده ومتنه. (المسند ٢٨٤/٤) وضعف سنده الحافظ
ابن کثیر.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٦٠/٢٠، ٣٦١ ح ١٣٠٧٥) وصحح سنده محققوه؛ وأخرجه البخاري في
الأدب المفرد؛ وصحح سنده الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح١٥٩).
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الأدب، باب في شكر المعروف ح ٤٨١١)؛ وصححه الألباني في
صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٢٦).
(٤) سنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك (ح١٩٥٤).
(٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الأدب، باب في شكر المعروف ح٤٨١٤)؛ وصححه الألباني في
صحيح سنن أبي داود (ح٤٠٢٩).
(٦) المصدر السابق (ح٤٨١٣) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٢٨).
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن مجاهد.
(٨) سنده ضعيف الإبهام شيخ ليث.

سُورَة الشرح (١، ٨)
٥٩٥
00000900000000000000000000000000000 000000 000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
POD
090
00000
سُورَةُ الشرح
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
2] ﴿أَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ
﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
٤
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُمْرًّاً ®َ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ
وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب
يقول تعالى: ﴿أَمَّ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾﴾ يعني: أما شرحنا لك صدرك؛ أي: نورناه وجعلناه
فسيحاً رحيباً واسعاً كقوله: ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] وكما
شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً واسعاً سمحاً سهلاً لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق.
وقيل: المراد بقوله: ﴿أَلَّمَّ نَشْرَعْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾﴾ شرح صدره ليلة الإسراء كما تقدم من رواية
مالك بن صعصعة(١)، وقد أورده الترمذي لههنا، وهذا وإن كان واقعاً ليلة الإسراء كما رواه
مالك بن صعصعة(٢)، ولكن لا منافاة فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء
وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضاً، فالله أعلم.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز، حدثنا يونس بن
محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبو محمد بن معاذ،
عن معاذ، عن محمد، عن أبي بن كعب، أن أبا هريرة كان جريئاً على أن يسأل رسول الله وَيه
عن أشياء لا يسأله عنها غيره فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى
رسول الله وسجل جالساً وقال: ((لقد سألت يا أبا هريرة، إني لفي الصحراء ابن عشر سنين وأشهر
وإذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل أهو هو؟ قال: نعم فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط
وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط فأقبلا إليَّ يمشيان حتى أخذ كل
واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسّاً، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فأضجعاني بلا قصر
ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم
ولا وجع، فقال له: أخرج الغلّ والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له:
أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هزَّ إبهام رجلي اليمنى فقال: أغد
واسلم، فرجعت بها أعدو رقة على الصغير ورحمة للكبير))(٣).
(١) تقدم في مطلع تفسير سورة الإسراء.
(٢) أي: أورده في سننه، التفسير، باب ومن سورة ألم نشرح (ح ٣٣٤٦).
(٣) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ١٨٠/٣٥ - ١٨٢ ح ٢١٢٦١)
وضعف سنده محققوه.

٥٩٦
• سُورَةُ الشرح (١، ٨)
﴾ بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾
[وقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ
[الفتح: ٢] ﴿الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ الإنقاض الصوت، وقال غير واحد من السلف في قوله:
﴿الَّذِىّ أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾: أي أثقلك حمله](١).
وقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴿1﴾ قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمداً رسول الله(٢).
وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا
ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله(٣).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن درّاج، عن
أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك
يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي))(٤). وكذا رواه ابن أبي
حاتم، عن يونس، عن عبد الأعلى به. ورواه أبو يعلى من طريق ابن لهيعة، عن دراج(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا
عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلجر: ((سألت ربي
مسألة وددت أني لم أسأله، قلت: قد كان قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من يحيي
الموتى، قال: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ قلت: بلى يا ربِّ، قال: ألم أجدك ضالاً
فهديتك؟ قلت: بلى يا ربِّ، قال: ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ قلت: بلى يا ربِّ، قال ألم أشرح
لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا ربِّ))(٦).
وقال أبو نعيم في دلائل النبوة: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجويني،
حدثنا أحمد بن القاسم بن بهزان الهيتي: حدثنا نصر بن حماد، عن عثمان بن عطاء، عن الزهري،
عن أنس قال: قال رسول الله وسلم: ((لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السموات والأرض قلت: يا
ربِّ إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته جعلت إبراهيم خليلاً وموسى كليماً، وسخرت لداود الجبال،
ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي؟ قال: أوليس قد أعطيتك أفضل
من ذلك كله؟ أني لا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت صدور أُمتك [أناجيل](٧) يقرؤون القرآن ظاهراً
ولم أعطها أُمة، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))(٨).
(١) زيادة من (ح) و(حم).
(٢) أخرجه الإمام الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد (الرسالة ص١٦)، وأخرجه
عبد الرزاق والطبري من طريق ابن عيينة به، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.
(٥) سنده كسابقه.
(٦) أخرجه الحاكم من طريق حماد بن زيد به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥٢٦/٢) وفي سنده عطاء بن
السائب وقد اختلط وقد أشار الهيثمي إلى ذلك. (مجمع الزوائد ٢٥٧/٨).
(٧) في الأصل بياض، واستدرك من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي.
(٨) سنده ضعيف لضعف عثمان بن عطاء وهو الخراساني.

٥٩٧
• سُورَةُ الشرح (١، ٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعني ذكره فيه وأورد من شعر
حسان بن ثابت :
من الله نور يلوح ويشهد
أغرُّ عليه للنبوة خاتم
إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وضمّ الإله اسم النبي إلى اسمه
فذو العرش محمود وهذا محمد (١)
وشقَّ له من اسمه ليجله
وقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين ونوه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيين
أن يؤمنوا به، وأن یأمروا أُممهم بالإيمان به، ثم شهد ذكره في أُمته فلا یذکر الله إلا ذکر معه،
وما أحسن ما قال الصرصري كَُّ :
لا يصح الأذان في الفرض إلا باسمه العذب في الفم المرضي
وقال أيضاً :
[ألم ترأنا لا يصح أذاننا ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما](٢)
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُبْرًا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾﴾ أخبر تعالى أن مع العسر يوجد
اليسر ثم أكدّ هذا الخبر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حميد بن حماد بن أبي
خوار أبو الجهم، حدثنا عائذ بن شريح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي وَلّ جالساً
وحياله حجر، فقال: ((لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه))
فأنزل الله وَك: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بِبْرًا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾﴾(٣). ورواه أبو بكر البزار في مسنده
عن محمد بن معمر، عن حميد بن حماد ولفظه: ((لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء
اليسر حتى يخرجه)) ثم قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُتْرًا ﴾﴾ ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا
عائذ بن شریح(٤).
قلت: وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة، عن معاوية بن
قرة، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود موقوفاً(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو قطن، حدثنا المبارك بن
(١) ذكر البغوي هذه الأبيات الشعرية، وذكر القول الذي قبله عن مجاهد دون ذكر ابن عباس. (معالم التنزيل
٥٠٢/٤) وهذه الأبيات في دیوان حسان څبه ص٤٧.
(٢) زيادة من (ح) و(حم).
(٣) سنده ضعيف لضعف عائذ بن شريح. (لسان الميزان ٢٢٦/٣)؛ وأخرجه الحاكم من طريق حميد بن حماد
به؛ وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: تفرد به حميد بن حماد عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ.
(المستدرك ٢٥٥/٢).
(٤) أخرجه البزار بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن حجر. (مختصر زوائد مسند البزار ١١٩/٢ ح ١٥٣٤).
(٥) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مسعود؛ وأخرجه عبد الرزاق من
طريق إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود. ومعناه صحيح، ويشهد له ما
یلیه.

٥٩٨
• سُورَةُ الشرح (٨،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فضالة، عن الحسن قال: كانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين(١).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن، قال: خرج
النبي ◌َل# يوماً مسروراً فرحاً وهو يضحك وهو يقول: (لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر
يسرين، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُتْرًا ﴾ إِنَّ مَعَ الْعُرِ يُسْرًا ﴾﴾)) (٢). وكذا رواه من حديث عوف الأعرابي
ويونس بن عبيد، عن الحسن مرسلاً .
وقال سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله وَلهيبشر أصحابه بهذه الآية فقال: (لن يغلب
عسر يسرين))(٣). ومعنى هذا أن العسر معرّف في الحالتين فهو مفرد واليسر منكر، فتعدد ولهذا
قال: (لن يغلب عسر يسرين)) يعني قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ بُثْرًا ﴿٤﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًّا ﴾﴾ فالعسر
الأول عين الثاني واليسر تعدد.
وقال الحسن بن سفيان: حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا خارجة، عن عباد بن كثير، عن أبي
الزناد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله وَالر قال: «نزلت المعونة من السماء على
قدر المؤونة، ونزل الصبر على قدر المصيبة))(٤).
ومما يروى عن الشافعي أنه قال:
من راقب الله في الأمور نجا
ومن رجاه يكون حيث رجا (٥)
صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا
من صدق الله لم ينله أذى
وقال ابن دُريد: أنشدني أبو حاتم السجستاني:
إذا اشتملت على اليأس القلوب
وضاق لما به الصدر الرحيب
وأرست في أماكنها الخطوب
وأوطأت المكاره واطمأنت
ولم تر لانكشاف الضر وجهاً
أتاك على قنوط منك غوث
وكل الحادثات إذا تناهت
وقال آخر:
ولا أغنى بحيلته الأريب
يمن به اللطيف المستجيب
فموصول بها الفرج القريب
ذرعاً وعند الله منها المخرج
ولربَّ نازلة يضيق بها الفتى
فُرجت وكان يظنها لا تفرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ ﴿ وَإِلَى رَبِّكَ فَرْغَبِ ﴿3﴾ أي: إذا فرغت من أمور الدنيا
وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة وقم إليها نشيطاً فارغ البال وأخلص لربك النية
(١) سنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل.
(٤) أخرجه ابن عدي من طريق عباد بن كثير به (الكامل ١١٥/٤) وسنده ضعيف لضعف عباد بن كثير قال ابن
أبي حاتم عن أبي زرعة ليس بالقوي. (العلل ١٣٣/٢)؛ وضعفه الحافظ ابن حجر. (التقريب ص٢٩٠).
(٥) ذكر البيهقي هذين البيتين. (مناقب الشافعي ٣٦٢/٢).

٥٩٩
• سُورَةُ التَّيْنَ (١، ٨)
70000000000000000000000000000000000000000000000000000
00000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
والرغبة، ومن هذا القبيل قوله وَلّ في الحديث المتفق على صحته: ((لا صلاة بحضرة الطعام ولا
وهو يدافعه الأخبثان))(١)، وقوله وَلي: ((إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء))(٢).
قال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك(٣)، وفي
رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض
فانصب في قيام الليل(٤)، وعن ابن عياض نحوه، وفي رواية عن ابن مسعود: ﴿فَأَنْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ
فَأَرْغَب ®﴾ بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فإذا فرغت فانصب، يعني: في الدعاء(٥).
وقال زيد بن أسلم والضحاك: ﴿فَإِذَا فَرَفْتَ﴾ أي: من الجهاد ﴿فَأَنْصَبْ﴾ أي: في العبادة(٦).
﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب
وقال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله رَكَ(٧).
آخر تفسير سورة ﴿أَلَّمْ نَشْرَحْ﴾، ولله الحمد والمنّة.
(١) أخرجه مسلم من حديث عائشة ين. (الصحيح، المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة بحضرة
الطعام الذي يريد أكله في الحال ح ٥٦٠).
(٢) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﴿هنا. (صحيح البخاري، الأطعمة، باب إذا حضر العشاء فلا يعجل عن
عشائه ح٥٤٦٥) والمصدر السابق (ح٥٥٧).
(٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي
عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق وكيع عن سفيان، ويرويه سفيان عن منصور عن مجاهد. وسنده
صحیح.

٦٠٠
• سُورَةُ التّن (١، ٨)
#7 00000
سُؤْرَةُ ﴿وَالِنِّيْنِ وَالزَّيْتُونِ﴾
وهي مكية
قال مالك وشعبة: عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: كان النبي وَير يقرأ في سفره في إحدى
الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه (١)، أخرجه الجماعة في كتبهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَأَلِنِّيْنِ وَالزَّْتُونِ
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
وَهَذَا اَلْبَلَدِ اَلْأَمِينِ
وَطُورٍ سِينِنَ
(١) ثُمَّ رَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (هـ
أَ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ
إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرُ غَيْرُ مَمِنُونٍ
﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْكَمِ الْحَكِمِينَ
بِآلِدِينِ
اختلف المفسرون لههنا على أقوال كثيرة:
فقيل: المراد بالتين مسجد دمشق(٢)، وقيل: هي نفسها، وقيل: الجبل الذي عندها (٣).
وقال القرظي: هو مسجد أصحاب الكهف(٤).
وروى العوفي، عن ابن عباس: أنه مسجد نوح الذي على الجودي(٥).
وقال مجاهد: هو تينكم هذا(٢).
(٧)
﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ قال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس"
.
وقال مجاهد وعكرمة: هو هذا الزيتون الذي تعصرون(٨).
(١) أخرجه مالك من طريق عدي به بلفظه: ((صليت مع رسول الله وَل﴿ العشاء فقرأ فيها بالتين والزيتون)). (الموطأ،
الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء ح٢٧)؛ وأخرجه الشيخان من طريق شعبة به. (صحيح البخاري،
الأذان، باب الجهر في العشاء ح ٧٦٧)؛ وصحيح مسلم، الصلاة، باب القراءة في العشاء (ح ٤٦٤).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد، وهذا قول غريب.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وهو غريب أيضاً.
(٤) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب وهو غريب أيضاً.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وهو غريب أيضاً.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خُصيف عن مجاهد، ويتقوى بما أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح
من طريق ابن أبي نجيح أنه التين الذي يؤكل.
(٧) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن قتادة وابن زيد كما تقدم، وهو غريب.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن أبي رجاء عن عكرمة.