النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
• سُؤْدَةُ الْفَجْزِ (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات ويطنزون بهم، والذي يجزم به أن في
الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزاً كثيرة من ظفر بشيء منها أمكنه تحويله، فأما على الصفة
التي زعموها فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولون إلا عن نقلهم أو نقل
من أخذ عنهم، والله ◌ُمَّ الهادي للصواب.
وقول ابن جرير يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ اَلْعِمَادِ ﴾﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد
تسكنها فلذلك لم تصرف، فيه نظر لأن المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال
بعده: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِلْوَادِ ﴾﴾ يعني: يقطعون الصخر بالوادي.
قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها(١)، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد(٢)، ومنه
يقال مجتابي النمار إذا خرقوها، واجتاب الثوب إذا فتحه، ومنه الجيب أيضاً وقال الله تعالى:
(19)﴾ [الشعراء]، وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم ههنا قول
﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُوْنَا فَِهِينَ
الشاعر :
ألا كل شيء ما خلا الله بائد كما بادحي من شنيف ومارد
بأيدٍ شدادٍ أيدات السواعد(٣)
هم ضربوا في كل صماء صعدة
وقال ابن إسحاق: كانوا عرباً وكان منزلهم بوادي القرى.
وقد ذكرنا قصة عاد مستقصاة في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَادِ ﴾﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الأوتاد الجنود الذين
يشدون له أمره، ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها(٥)،
وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد(٦)، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي.
قال السدي: كان يربط الرجل في كل قائمة من قوائمه في وتد ثم يرسل عليه صخرة عظيمة
فیشدخه(٧) .
وقال قتادة: بلغنا أنه كان له مظال وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد وحبال(٨).
وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم
جعل على ظهرها رحى(٩) عظيمة حتى ماتت(١٠).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((فخرقوها)).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى، وهو القتات، عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك؛
وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٣) استشهد به الطبري.
(٤) في الآيات رقم ٦٥ - ٧٢.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن السدي.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٩) أي: صخرة ضخمة.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن ثابت به.

٥٦٢
• سُوْرَةُ الْفَجْزِ (٢٠،١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(3)﴾ أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في
فَأَكْثَرُواْ فِيَهَا الْفَسَادَ
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ
الأرض بالإفساد والأذية للناس ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ﴾﴾ أي: أنزل عليهم رجزاً من
السماء وأحلّ بهم عقوبة، لا يردّها عن القوم المجرمين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِأَلْمِرْصَادِ ﴾﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى(١)؛ يعني: يرصد خلقه
فيما يعملون ويجازي كلاً بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه فيحكم فيهم
بعدله ويقابل كلا بما يستحقه، وهو المنزه عن الظلم والجور.
وقد ذكر ابن أبي حاتم لههنا حديثاً غريباً جداً وفي إسناده نظر وفي صحته، فقال: حدثنا أبي،
حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل،
قال: قال رسول الله (*): ((يا معاذ إن المؤمن لدى الحق أسير، يا معاذ إن المؤمن لا يسكن
روعه ولا يأمن اضطرابه حتى يخلف جسر جهنم خلف ظهره، يا معاذ إن المؤمن قيده القرآن عن
كثير من شهواته وعن أن يهلك فيها هو - بإذن الله رَك -، فالقرآن دليله، والخوف محجته،
والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره،
وربه مت من وراء ذلك كله بالمرصاد))(٢).
قال ابن أبي حاتم: يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان وأبو حمزة، عن معاذ مرسل. ولو كان
عن أبي حمزة لكان حسناً؛ أي: لو كان من كلامه لكان حسناً.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن
صفوان بن عمرو، عن أيفع، عن ابن عبد الكلاعي أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم
سبع قناطر قال: والصراط عليهنَّ، قال: فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى فيقول: ﴿وَقِفُونُمْ إِنَّهُم
(g)﴾ [الصافات] قال: فيحاسبون على الصلاة ويسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك
قَسْئُولُونَ
وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها وكيف خانوها؟ قال:
فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها وكيف
قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذٍ متدلية إلى الهوى في جهنم
تقول: اللَّهم من وصلني فصله، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله ريك: ﴿إِنَّ رَبَّكَ
لَبِاَ لْمِرْصَادِ ﴾﴾(٣). هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه.
﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا أَبْنَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ
﴿فَمَا أَلْإِنْسَنُ إِذَا مَا أَبْتَنْهُ رَبُّمُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبَِّ أَكْرَمَنِ
﴿ كَّ بَل لَّا تُكْرِمُونَ أَلْيَتِمَ ﴿ وَلَا تَُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ
رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَّنِ
وَتَأْكُلُونَ الثُّرَاثَ أَكْلًا لَّمَّا ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبََّ جَمًّاً (9)﴾.
يقول تعالى منكراً على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) سنده ضعيف لجهالة أبي حمزة وجهالة يونس الحذاء.
(٣) سنده ضعيف لضعف أيفع. (التقريب ص١١٧).

٥٦٣
سُورَةُ الفَجْزِ (٣٠،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك بل هو ابتلاء وامتحان كما قال تعالى:
[المؤمنون] وكذلك
تُشَارِعُ لَمْ فِ الْخَيْزَنَّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ
﴿أَيَخْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُرْ بِهِ، مِن قَالٍ وَبِنٌ (®
في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه وضيق عليه في الرزق يعتقد أن ذلك من الله إهانة له، كما
قال الله تعالى: ﴿كَلَّ﴾ أي: ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى
يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب، وإنما المدار في
ذلك على طاعة الله في كل من الحالين: إذا كان غنياً بأن يشكر الله على ذلك وإذا كان فقيراً
بأن يصبر.
وقوله تعالى: ﴿بَل لَّا تُكْرِمُونَ أَلْيَتِيمَ﴾ فيه أمر بالإكرام له؛ كما جاء في الحديث الذي رواه
عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، عن يزيد بن أبي
عتاب، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر: ((خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر
بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه))، ثم قال بأصبعه: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة
هكذا)»(١)
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز؛ يعني: ابن أبي
[حازم](٢)، حدثني أبي، عن سهل؛ يعني: ابن سعيد أن رسول الله وسلّم قال: ((أنا وكافل اليتيم
كهاتين في الجنة)) وقرن بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام(٣)، ﴿وَلَا تَمَّقُونَ عَلَى طَعَامِ
الْمِسْكِينِ ﴾﴾ يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين ويحث بعضهم على بعض في
ذلك ﴿وَتَأْكُلُونَ اُلُّاثَ﴾ يعني: الميراث ﴿أَكْلًا لَّمَّا﴾ أي: من أي جهة حصل لهم ذلك من
حلال أو حرام ﴿وَتُحِبُّونَ الْعَالَ حُبَّا جَمًّا ﴾﴾ أي: كثيراً، زاد بعضهم: فاحشاً.
﴿كَّ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دََّ دَنََّ
وَجَآءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
وَجِّْهَ يَوْمَيِ بِجَهَنَّمٌ
يَوْمَئِذٍ يَنَذَكَّرُ اُلْإِنسَانُ وَأَ لَهُ الذِّكْرَى
يَقُولُ يَلَيْتَنِ قَدَّمْتُ لِيَاتِ ﴿ فَؤْمَيِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ، أَحَدٌ
﴿٣َ أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةٌ تَرْضِيَّةٌ
يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ
وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُوَ أَحَدٌّ
٢٥٦
فَدْخُلِ فِ عِبَدِى
١٣٨
وَأَدْخُلِ جَِّى
٢٩
يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال تعالى: ﴿كلََّّ﴾ أي: حقاً ﴿إِذَا
دُكَّتِ الْأَرْضُ ذَكَّا دَهُ﴾ أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم
لربهم ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ يعني: لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على
الإطلاق محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحداً بعد
واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد و ﴿ فيقول: ((أنا لها أنا
(١) أخرجه ابن المبارك بسنده ومتنه (الزهد رقم ٦٥٤)؛ وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن المبارك به (السنن،
الأدب، باب حق اليتيم ح٣٦٧٩)؛ وضعفه البوصيري لضعف يحيى بن سليمان (مصباح الزجاجة ١٦٥/٣).
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((حاتم)).
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الأدب، باب من ضمّ اليتيم ح ٥١٥٠)؛ وصححه الألباني في صحيح
سنن أبي داود (ح٤٢٨٩).

٥٦٤
• سُورَةُ الْفَجْزِ (٣٠،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لها)) فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك.
وهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان(١)، فيجيء الربُّ
تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً.
وقوله تعالى: ﴿وَجِّهَ يَوْمَيْلِمٍ بِجَهَنَّمْ﴾ قال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عمر بن
حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله هو: ابن
مسعود قال: قال رسول الله وَالر: ((يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون
ألف ملك يجرونها))(٢). وهكذا رواه الترمذي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عمر بن
حفص به. ورواه أيضاً عن عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن
خالد، عن شقيق بن سلمة - وهو أبو وائل - عن عبد الله بن مسعود قوله ولم يرفعه، وكذا رواه
ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن مروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن
شقيق، عن عبد الله قوله(٣).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَنَذَكَّرُ الْإِنسَنُ﴾ أي: عمله وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه
﴿وَأَ لَّهُ الذِّكْرَى﴾ أي: وكيف تنفعه الذكرى ﴿يَقُولُ يَلَيْتَنِ قَدَّعْتُ لِيَتِ (٣)﴾ يعني: يندم على ما
كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصياً ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعاً؛ كما
قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله - يعني: ابن المبارك -، حدثنا
ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عميرة، وكان من
أصحاب رسول الله وَ ل﴿، قال: لو أن عبداً خرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في
طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه رُدَّ إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب(٤). وقد رواه
أيضاً عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبيد، عن رسول الله والي (٥).
قال الله تعالى: ﴿فَوَمَيِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابُ أَحَدٌ (٣)﴾ أي: ليس أحد أشد عذاباً من تعذيب الله من
عصاه ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾﴾ أي: وليس أحد أشد قبضاً ووثقاً من الزبانية لمن كفر
بربهم ، وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي
الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يَأَيَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ( أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ﴾ أي: إلى
جواره وثوابه وما أعدَّ لعباده في جنته ﴿رَاضِيَةٌ﴾ أي: في نفسها ﴿َّهِيَّةُ﴾ أي: قد رضيت عن الله
وهذا يقال لها
١٣٥
أي: في جملتهم ﴿ وَدْخُلِ جَنَّفِى
ورضي عنها وأرضاها ﴿فَادْخُلِ فِ عِبَدِى
عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضاً، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه
من قبره، فكذلك ههنا .
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٧٩.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الكهف آية ١٠٠.
(٣) أخرجه الطبري والترمذي بالأسانيد المذكورة. (سنن الترمذي، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة النار
ح ٢٥٧٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده صحيح. (المسند ١٩٧/٢٩ ح ١٧٦٥٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق بقية قال: حدثني بحير بن سعد عن خالد بن معدان به، وضعف سنده
محققوه لأن بقية خالف الرواية الموقوفة السابقة. (المسند ١٩٦/٢٩ ح١٧٦٤٩).
.

٥٦٥
• سُوَّرَّةُ الْفَجْزِ (٣٠،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في
عثمان بن عفان(١) .
، (٢)
عبه
وعن بريدة بن الحصيب: نزلت في حمزة بن عبد المطلب
وقال العوفي، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: ﴿يَأَيَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمِنَّةُ
أَرْجِيّ إِلَى رَبَّكِ﴾(٣) يعني: صاحبك وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا ﴿رَضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ وروي عنه
أنه كان يقرؤها ﴿فَادْخُلِي فِي عَبْدِى وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (٤) وكذا قال عكرمة(٥) والكلبي، واختاره ابن
جرير وهو غريب، والظاهر الأول لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]،
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٣] أي: إلى حكمه والوقوف بين يديه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله
الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في
قوله تعالى: ﴿يَأَيَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ( أَرْجِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةُ تَّهِيَّةُ (﴾﴾ قال: نزلت وأبو بكر
جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال: ((أما إنه سيقال لك هذا))(٦).
ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال:
قرئت عند النبي ◌َّ: ﴿يَأَيَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ( أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةُ تَرْضِيَّةُ (﴾﴾ فقال أبو
بكر ظه: إن هذا لحسن، فقال له النبي وَله: ((أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت)).
وكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن ابن يمان به(٧)، وهذا مرسل حسن.
ثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مروان بن شجاع الجزري، عن سالم
الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم يُرَ على خلقته، فدخل
نعشه ثم لم يُرَ خارجاً منه، فلما دفن تُليت هذه الآية على شفير القبر لا يُدرى من تلاها: ﴿يَأَيَّهاً
﴿ وَأَدْخُلِ جَّى (®)﴾(٨).
أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةُ تَرْضِيَّةُ ﴿﴾ فَادْخُلِ فِ عِبَدِى
النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَُّ لَّ
ورواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن مروان بن شجاع، عن سالم بن عجلان
الأفطس به فذكره(٦
"(٩) .
(١) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس ؤها، ونسبه السيوطي إلى ابن مردويه.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بُريدة.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف جداً فيه أبان بن أبي عياش وهو متروك. (التقريب ص٨٧) وقراءة: ((فادخلي
عبدي)) شاذة تفسيرية.
(٥) أي: كتفسير العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن
عكرمة.
(٦) سنده حسن.
(٧) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وهو مرسل ويتقوى بسابقه.
(٨) في سنده مروان بن شجاع الجزري: صدوق له أوهام. (التقريب ص٥٢٦).
(٩) أخرجه الطبراني عن عبد الله بن أحمد به (المعجم الكبير ٢٩٠/١٠ ح١٠٥٨١) وفي سنده أيضاً مروان بن
شجاع.

٥٦٦
سُورَةِ الفَجْزِ (٣٠،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي - المعروف بشكر - في كتاب ((العجائب)) بسنده عن
ثُباث بن رزين أبي هاشم قال: أُسرت في بلاد الروم، فجمعنا الملك وعرض علينا دينه على أن
من امتنع ضربت عنقه، فارتدَّ ثلاثة، وجاء الرابع فامتنع فضربت عنقه وألقي رأسه في نهر هناك
فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان ويا فلان ويا فلان
يناديهم بأسمائهم قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ ( أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً
فَدْخُلِ فِ عِبَدِى ﴿ وَأَدْخُلِ جَِّ ﴾﴾ ثم غاص في الماء، قال: فكادت النصارى أن يسلموا
٢٨
ووقع سرير الملك ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام، قال وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر
المنصور فخلصنا .
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي، عن أبيها، حدثني
سليمان بن حبيب المحاربي، حدثني أبو أمامة، أن رسول الله وَ ◌ّه قال الرجل: ((قل اللَّهم إني
أسألك نفساً بك مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك))(١). ثم روى عن أبي
سليمان بن زَبْر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمَه (٢).
آخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد [والمنّة](٣).
(١) أخرجه ابن عساكر من طريق عبد الرحمن بن عبد الغفار البيروتي عن رواحة به (تاريخ دمشق، قسم تراجم
النساء ص١٠٠) وعبد الرحمن ورواحة لم أجد لهم ترجمة وبقية رجاله ثقات؛ وأخرجه الطبراني من طريق
عبد الرحمن بن عبد الغفار عن رواحة به (المعجم الكبير ١١٨/٨ ح ٧٤٩٠)؛ قال الهيثمي: وفيه من لم
أعرفه. (مجمع الزوائد ١٠/ ١٨٠).
(٢) أخرجه ابن عساكر من طريق آخر عن عبد الرحمن بن عبد الغفار به ثم أتبعة بتعليق من طريق موسى
السمسار قال: قال أبو سليمان بن زبر: حديث رواحة هذا واحد أمَه. (تاريخ دمشق، قسم تراجم النساء
ص١٠١).
(٣) زيادة من (ح).

٥٦٧
سُورَةُ البلد (١٠،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000 000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000
PODS
7
٥١٢
00.00000
سُورَةُ الْبََّلَدَ
مكية
بير ه الرحمن الرحيم
- ﴿لَّ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴿ وَأَنْتَ حِلٌ بِهَذَا الْبَدِ ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَ ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ
أَيَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴿ أَحْسَبُ أَنْ لَّمْ يَهُدْ أَحَدُّ ﴿ أَمْ تَجْعَل
وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ
وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنٍ (٦)
عَيِّنَیْنِ
أَدُ
هذا قسم من الله تبارك وتعالى بمكة أُم القرى في حال كون الساكن فيها حالاً لينبه على عظمة
قدرها في حال إحرام أهلها .
قال خُصيف، عن مجاهد: ﴿لَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾﴾ ﴿لَا﴾ ردٌّ عليهم، ﴿أُقِْمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾(١).
وقال شبيب بن بشر: عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لَاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾﴾ يعني: مكة
﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَدِ ﴾﴾ قال: أنت يا محمد يحل لك أن تُقاتل به(٢)، وكذا روي عن سعيد بن
جبير وأبي صالح وعطية والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد(٣).
وقال مجاهد: ما أصبت فيه فهو حلال لك (٤).
وقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَدِ ﴾﴾ قال: أنت به من غير حرج ولا إثم(٥).
وقال الحسن البصري: أحلَّها الله له ساعة من نهار، وهذا المعنى الذي قالوه ورد به الحديث
المتفق على صحته: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله
إلى يوم القيامة لا يعضد شجره ولا يختلى خلاه، وإنما أُحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت
حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب))(٦).
وفي لفظ آخر: (فإن أحد ترخص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم))(٧).
(١) عزاه السيوطي إلى الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد.
(٢) سنده حسن، ويشهد له ما يليه من آثار.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح
من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٦.
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٦.

٥٦٨
سُورَةُ البلد (١٠،١)
٠
وقوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾﴾ قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، عن
شريك، عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾﴾ الوالد
الذي يلد وما ولد العاقر الذي لا يولد له (١). ورواه ابن أبي حاتم من حديث شريك وهو ابن
عبد الله القاضي به(٢).
وقال عكرمة: الوالد العاقر، وما ولد الذي يلد(٣). رواه ابن أبي حاتم.
وقال مجاهد وأبو صالح وقتادة والضحاك وسفيان الثوري وسعيد بن جبير والسدي والحسن
البصري وخُصيف وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد: آدم، وما ولد: ولده(٤).
وهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حسن قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأُم القرى وهي: أُم
المساكن أقسم بعده بالساكن وهو آدم أبو البشر وولده.
وقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته، رواه ابن جرير(٥) وابن أبي حاتم، واختار ابن
جرير أنه عام في كل والد وولده وهو محتمل أيضاً .
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ ﴾﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة
ومجاهد وإبراهيم النخعي وخيثمة والضحاك وغيرهم يعني: منتصباً، زاد ابن عباس في رواية
عنه: منتصباً في بطن أمه (٦)، والكبد الاستواء والاستقامة، ومعنى هذا القول لقد خلقناه سوياً
مستقيماً كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْإِسَنُ مَا غَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيِ ﴿ الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّكَ فَعَدَلَكَ ( فِىْ أَفِّ
صُورَةٍ مَا شَاءَ رَّكْبَكَ ﴾﴾ [الانفطار] وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَقْنَا اُلْإِنسَنَ فِيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾﴾ [التين].
وقال ابن جريج، [عن](٧) عطاء، عن ابن عباس: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ قال: في شدة خلق ألم ترَ إليه؟
وذكر مولده ونبات أسنانه (٨) .
وقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة يتكبد في الخلق، قال مجاهد: وهو كقوله
تعالى: ﴿حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُمَّاً﴾ وأرضعته كرهاً ومعيشته كره فهو يكابد ذلك.
وقال سعيد بن جبير: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ ﴾﴾ في شدة وطلب معيشة.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس عن شريك به، وفي سنده شريك وخصيف وكلاهما
سيء الحفظ.
(٢) سنده كسابقه.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق النضر بن عربي عن عكرمة.
(٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي بلفظ: ((في انتصاب، ويقال: في شدة))؛ وأخرجه الطبري
بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة بلفظ: في نصب، واللفظ الذي ذكره الحافظ ابن كثير عزاه السيوطي
إلى ابن أبي حاتم؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم.
(٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: (و) والتصويب كما في التخريج.
(٨) أخرجه الطبري والحاكم من طريق ابن جريج به؛ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥٢٣/٢).

٥٦٩
• سُورَةُ الْتََّّلَدَ (١، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000 000
وقال عكرمة: في شدة وطول(١).
وقال قتادة: في مشقة(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر،
سمعت محمد بن علي أبا جعفر الباقر سأل رجلاً من الأنصار عن قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا
اُلْإِنسَنَ فِى كَبَدٍ ﴾﴾ قال: في قيامه واعتداله فلم ينكر عليه أبو جعفر (٣). وروي من طريق أبي
مودود سمعت الحسن قرأ هذه الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنسَنَ فِى كَبَدٍ ﴾﴾ قال: يكابد أمراً من أمر
الدنيا وأمراً من أمر الآخرة، وفي رواية: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة (٤).
وقال ابن زيد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فِى كَبَدٍ ﴾﴾ قال: آدم خلق في السماء فسمي ذلك
الكبد(٥)، واختار ابن جرير أن المراد بذلك: مكابدة الأمور ومشاقها.
وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَن ◌َّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾﴾ [قال الحسن البصري: يعني: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّنْ
يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (@) يأخذ ماله](٦). وقال قتادة: ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾﴾ قال: ابن آدم
يظن أن لن يسأل عن هذا المال من أين اكتسبه، وأين أنفقه.
وقال السدي: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ﴾﴾ قال الله عَلَ(٧) .
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ﴾﴾ أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالاً لبداً؛ أي: كثيراً.
قاله مجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم(٨).
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَّمْ بَهُ أَحَدُّ ﴾﴾ قال مجاهد: أي: أيحسب أن لم يره الله وَك؟ وكذا قال غيره من
السلف(٩).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمَّ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ ﴾﴾ أي: يبصر بهما ﴿وَلِسَانًا﴾ أي: ينطق به فيعبر عما في
ضميره ﴿وَشَفَتَيْنٍ﴾ يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام وجمالاً لوجهه وفمه.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي عن مكحول قال: قال
النبي ◌َّيقول: ((يقول الله تعالى يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعماً عظاماً لا تحصي عددها ولا تطيق
شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما وجعلت لهما غطاء، فانظر
(١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق النضر بن عربي عن عكرمة بلفظ:
((في شدة)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بمعناه.
(٣) سنده ضعيف لضعف أحمد بن عصام. (لسان الميزان ٢٢٠/١).
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق علي بن علي بن رفاعة عن الحسن.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٦) زيادة من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي.
(٧) كذا في الأصول، وفيما عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن السدي أوضح إذ هو بلفظ: ((الكافر: يحسب أن
لن يقدر الله عليه ولم يره)).
(٨) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه.

٥٧٠
سُورَةُ البلد (١٠،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما، وجعلت لك
لساناً وجعلت له غلافاً فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عرض عليك ما حرمت عليك
فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجاً وجعلت لك ستراً، فأصب بفرجك ما أحللت لك،
فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأرخِ عليك سترك، ابن آدم إنك لا تحمل سخطي، ولا
تطيق انتقامي))(١).
﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴾﴾ الطريقين. قال سفيان الثوري: عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله هو:
ابن مسعود ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ (٣)﴾ قال: الخير والشر(٢)، وكذا روي عن علي وابن عباس
ومجاهد وعكرمة وأبي وائل وأبي صالح ومحمد بن كعب والضحاك وعطاء الخراساني في
آخرین(٣).
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن
أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَ له: ((هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد
الخير)) (٤). تفرد به سنان بن سعد، ويقال: سعد بن سنان، وقد وثقه ابن معين، وقال الإمام
أحمد والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث، وقال أحمد: تركتُ حديثه لاضطرابه، وروى
خمسة عشر حديثاً منكرة كلها ما أعرف منها حديثاً واحداً يشبه حديثه حديث الحسن - يعني
البصري - لا يشبه حديث أنس.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول:
﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ قال: ذُكر لنا أن نبي الله وَله كان يقول: ((يا أيها الناس إنهما النجدان نجد
الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير)) وكذا رواه حبيب بن الشهيد
ومعمر ويونس بن عبيد وأبو وهب، عن الحسن مرسلاً، وهكذا أرسله قتادة(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا
عيسى بن عقال، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ﴾﴾ قال: الثديين(٦)
وروي عن الربيع بن خُثيم وقتادة وأبي حازم مثل ذلك(٧)، ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن
وكيع، عن عيسى بن عقال به ثم قال: والصواب القول الأول، ونظير هذه الآية قوله تعالى؛ ﴿إِنَّا
(١) سنده ضعيف لأنه مرسل.
(٢) أخرجه الطبري والحاكم من طريق سفيان الثوري به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥٢٣/٢).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٤) أخرجه ابن عدي من طريق عبد الله بن وهب به (الكامل في الضعفاء ٣٥٦/٣) وسنده ضعيف لتفرد سنان بن
سعد به، وفيه مقال أيضاً كما نقل الحافظ ابن كثير عن كبار النقاد.
(٥) أخرجه الطبري بالأسانيد الثلاثة، وهي كلها مرسلة.
(٦) سنده ضعيف لضعف أحمد بن عصام كما في التقريب، وعيسى بن عقال سكت عنه البخاري وابن أبي
حاتم، وقد خالف ما ثبت عن ابن عباس أنه الهدى والضلالة؛ كما أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منذر الثوري عن الربيع بن خثيم بلفظ: ((ليسا بالثديين)).

٥٧١
سُورَةُ التَّلَدَ (٢٠،١١)
◌َلَقْنَا أَلْإِنسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَبْتَلِهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿﴿ إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا
(١)
[الإنسان].
(١) أوْ إِطْعَمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ
فَقُّ رَقَبَةٍ
(١) وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ
﴿فَلَا أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ
يَكِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ﴿ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَةٍ ﴿٨ ثُقَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْ بِالْمَرْحَةِ
١٤
وَاَلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَايَئِنَا هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْئَمَةِ لَ
أُوْلَئِكَ أَضْحَبُ اَلْيُعَنَّةِ (٣)
(١٧
١٢٠
عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ
قال ابن جرير: حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن
[عطية](٢)، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ﴾ أي: دخل ﴿اُلْعَقَبَةَ﴾ قال: جبل في جهنم(٣).
وقال كعب الأحبار: ﴿فَلَا أُقْنَحَمَ اُلْعَقَّبَةَ ﴾﴾ هو سبعون درجة في جهنم (٤).
وقال الحسن البصري: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ ﴾﴾ قال: عقبة في جهنم(٥).
وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى(٦).
وقال قتادة: ﴿وَمَآ أَدْرَنِكَ مَا الْعَقَبَةُ
﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿ أَوْ إِْعَمٌ﴾.
وقال ابن زيد: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ ﴾ أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير ثم بيَّنها
﴿ فَكُّ رَقََّةٍ ﴿ أَوْ إِْعَمٌ﴾(٧). قُرئ ﴿فَقُ رَقَبَةٍ ﴾﴾ بالإضافة،
فقال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا اُلْعَقَبَةُ
وقريء على أنه فعل وفيه ضمير الفاعل والرقبة مفعوله، وكلتا القراءتين معناهما متقارب(٨).
قال الإمام أحمد: حدثنا [مكي](٩) بن إبراهيم، حدثنا عبد الله - يعني: ابن سعيد بن أبي
هند -، عن إسماعيل بن أبي حكيم، مولى آل الزبير، عن سعيد بن مرجانة أنه سمع أبا هريرة
يقول: قال رسول الله وَلجر: ((من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب؛ - أي: عضوٍ - منها إرباً
منه من النار حتى إنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج)).
فقال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن
الحسين لغلام له أفره غلمانه: ادع مطرفاً، فلما قام بين يديه قال: اذهب فأنت حرٌّ لوجه الله(١٠).
(١) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وفي سنده عيسى بن عقال مسكوت عنه، وهو مخالف ما ثبت عن ابن
عباس.
(٢) كذا في (حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل و(ح): أبي عطية والتصويب من ترجمة عطية وهو العوفي، ومن
التخريج.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن إدريس به (المصنف ٣٠٧/١١).
وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.
(٤) أخرجه الطبري من طريق حنش عن كعب، وسنده ضعيف لأنه مثل المرسل.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٨) القراءتان متواترتان.
(٩) كذا في المسند، وفي الأصل صحف إلى: ((علي)).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٢٦٠/١٥، ٢٦١ ح ٩٤٤١).

٥٧٢
• سُورَةُ التََّلَد (٢٠،١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وقد رواه البخاري، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن مرجانة به، وعند مسلم أن
(١)
هذا الغلام الذي أعتقه علي بن الحسين زين العابدين كان قد أعطي فيه عشرة آلاف درهم"
.
وقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي نجيح قال: سمعت
رسول الله * يقول: ((أيّما مسلم أعتق رجلاً مسلماً فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه
عظماً من عظامه محرراً من النار، وأيما امرأة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء كل عظم
من عظامها عظماً من عظامها من النار)) رواه ابن جرير(٢) هكذا، وأبو نجيح هذا هو عمر بن
عبسة السلمي ټڅئه.
قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بجير بن سعد، عن خالد بن
معدان، عن كثير بن مرة، عن عمرو بن عبسة أنه حدثهم أن النبي والإ قال: ((من بنى مسجداً
ليذكر الله فيه بنى الله له بيتاً في الجنة. ومن أعتق نفساً مسلمة كانت فديته من جهنم، ومن شاب
شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة))(٣).
طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا جرير، عن سليم بن عامر، أن
شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عبسة: حدثنا حديثاً ليس فيه تزيد ولا نسيان. قال عمرو:
سمعت رسول الله * يقول: ((من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار عضواً بعضو، ومن
شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً يوم القيامة، ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ كان
كمعتق رقبة من بني إسماعيل))(٤). وروى أبو داود والنسائي بعضه(٥).
طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان، عن أبي
أمامة، عن عمرو بن عبسة، قال السلمي: قلت له: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله وَلاو ليس
فيه انتقاص ولا وهم، قال: سمعته يقول: ((من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن
يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نوراً
يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة، ومن
أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن
للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء منها))(٦). وهذه أسانيد جيدة قوية، ولله الحمد.
(١) صحيح البخاري، العتق، باب العتق وفضله (ح ٢٥١٧)؛ وصحيح مسلم، العتق، باب فضل العتق (ح١٥٠٩).
(٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وسنده صحيح، ويشهد له سابقه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه قال محققوه: حديث صحيح دون قوله: ((من بنى الله مسجداً ... )) فصحيح
لغيره، وهذا إسناد ضعيف فيه بقية، وهو ابن الوليد، يدلس تدليس التسوية وقد عنعن، وباقي رجال الإسناد
ثقات. (المسند ١٨٧/٣٢ ح ١٩٤٤٠) لكن بقية صرح بالسماع، فالإسناد حسن، ويكون بالشواهد صحيحاً
لغيره.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٣/٤) وسنده صحيح، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٥) أخرجه أبو داود من طريق سليم بن عامر به مختصراً. السنن، العتق، باب أي الرقاب أفضل (ح٣٩٦٦)؛
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٣٥٦)؛ وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، العتق، باب
فضل العتق (ح ٤٨٧٤).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، قال محققوه: حديث صحيح دون قوله: ((من وُلد له ... )) و((ومن انفق =

٥٧٣
سُورَةُ الْبَلَدِ (٢٠،١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حديث آخر: قال أبو داود: حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة، عن ابن أبي عبلة،
عن الغَريف بن عياش الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حدِّثنا حديثاً ليس فيه زيادة
ولا نقصان، فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا: إنما
أردنا حديثاً سمعته من رسول الله وَّله، قال: أتينا رسول الله وَّ في صاحب لنا قد أوجب يعني
النار بالقتل فقال: ((أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار))(١)، وكذا رواه النسائي من
حديث إبراهيم بن أبي عبلة، عن العريف بن عياش الديلمي، عن واثلة به (٢).
حديث آخر: قال أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام، عن قتادة، عن قيس الجذامي،
عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله و 8 قال: ((من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من
النار))(٣)، وحدثنا عبد الوهاب الخفاف، عن سعيد، عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن قيساً الجذامي
حدث عن عقبة بن عامر أن رسول الله وَ لي قال: ((من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار))(٤).
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: حدثنا عيسى بن
عبد الرحمن البجلي من بني بجيلة من بني سليم، عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن
عوسجة، عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله وَ ل * فقال: يا رسول الله علمني
عملاً يدخلني الجنة، فقال: ((لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك
الرقبة)) فقال: يا رسول الله أو ليستا بواحدة، قال: ((لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفكّ
الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحةُ الوكوف(٥)، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك
فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك
إلا من الخير))(٦).
وقوله: ﴿أَوْ إِطْعَمٌ فِ يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ ﴾﴾ قال ابن عباس: ذي مجاعة(٧)، وكذا قال عكرمة
ومجاهد والضحاك وقتادة وغير واحد(٨)، والسغب هو الجوع.
زوجين)) فصحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لضعف الفرج وهو ابن فضالة. (المسند ١٨٢/٣٢ ح ١٩٤٣٧).
=
والأحسن أن نقول: أن الإسناد يكون حسناً لغيره بالشواهد. ولهذا جوده الحافظ ابن كثير.
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، العتق، باب في ثواب العتق ح ٣٩٦٤) في سنده الغريف بن عياش
وهو مقبول (التقريب ص ٤٤٢).
(٢) السنن الكبرى، العتق، باب ذكر اسم هذا الولي (ح٤٨٩١) وسنده كسابقه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٠/٤) وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من قيس، ويشهد له
ما سبق فيكون حسناً لغيره.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٧/٤) وسنده ضعيف الإبهام شيخ قتادة، ويتقوى بالشواهد
السابقة، ولهذا جوَّد الحافظ ابن كثير هذه الأسانيد بمجموعها .
(٥) أي: الغزيرة اللبن.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٦٠٠/٣٠ ح ١٨٦٤٧).
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مجاهد عن ابن عباس.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن برقان عن عكرمة؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح =

٥٧٤
• سُوَدَّةُ التََّلَّد (٢٠،١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال إبراهيم النخعي: في يوم الطعام فيه عزيز.
وقال قتادة: في يوم [يُشتهى](١) فيه الطعام.
وقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا﴾ أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيماً ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي: ذا قرابة منه. قاله
ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك والسدي(٢)، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام
أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر قال: سمعت
رسول الله * يقول: ((الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة))(٣) وقد
رواه الترمذي والنسائي(٤). وهذا إسناد صحيح.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيْنًا ذَا مَتْرَةِ ﴾﴾ أي: فقيراً مدقعاً لاصقاً بالتراب، وهو الدقعاء أيضاً.
قال ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من
التراب(٥). وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة ليس له شيء. وفي رواية عنه:
.
هو البعيد التربة (٦)
قال ابن أبي حاتم: يعني: الغريب عن وطنه.
وقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج.
وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له(٧).
وقال ابن عباس وسعيد وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال(٨). وكل هذه قريبة المعنى.
وقوله تعالى: ﴿ثُقَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن
بقلبه محتسب ثواب ذلك عند الله وَك كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا (٨)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية [النحل: ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَصَوْ بِالصَّبْرِ وََوَاصَوْاْ بِلْمَرْهَمَةِ﴾ أي: كان من
= من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه عن الضحاك، ويتقوى
بما سبق.
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه، حفصة لم
تسمع من سلمان، (المسند ٤١٦/٢٩ ح١٧٨٨٤) وصححه الحافظ ابن كثير.
(٤) سنن الترمذي، الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة (ح٦٥٨)؛ وسنن النسائي، الزكاة، باب
الصدقة على الأقارب ٩٢/٥؛ وصححه الألباني من حديث الرباب عن عمها سلمان بن عامر (صحيح سنن
الترمذي ما بعد حديث ٥٣١).
(٥) أخرجه الطبري من طرق صحيحة عن مجاهد عن ابن عباس؛ وأخرجه الحاكم من طريق مجاهد عن ابن
عباس بنحوه وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٢٤).
(٦) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وهو تتمة لسابقه.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن
جبير .

٥٧٥
سُورَةُ التَّلد (٢٠،١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المؤمنين العاملين صالحاً، المتواصين بالصبر على أذى الناس وعلى الرحمة بهم كما جاء في
الحديث الشريف: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في
السماء))(١). وفي الحديث الآخر: ((لا يرحم الله من لا يرحم الناس))(٢).
وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن
عامر، عن عبد الله بن عمرو يرويه [عن النبي(وَل*](٣) قال: ((من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق
كبيرنا فليس مِنَّا))(٤).
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ أَضْحَبُ اَلْيَنَةِ ﴾﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين.
ثم قال: ﴿وَالَّذِيْنَ كَفَرُواْ بِثَايَيْنَا هُمْ أَصْحَبُ الْمَشْشَمَةِ (٣)﴾ أي: أصحاب الشمال ﴿عَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ
، أي: مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها!
قال أبو هريرة وابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي وعطية
العوفي والحسن وقتادة والسدي: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة(٥).
قال ابن عباس: مغلقة الأبواب، وقال مجاهد: أصد الباب بلغة [قريش](٦) أي: أغلقه(٧).
وسيأتي في ذلك حديث في سورة ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَقِ لُّمَرَةِ ﴾﴾ [الهمزة].
وقال الضحاك: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ حِيَط لا باب له.
وقال قتادة: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مطبقة فلا ضوء فيها ولا فُرِجَ ولا خروج منها آخر الأبد (٨).
وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان
يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا بالحديد ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم؛ أي:
أطبقوها، قال: فلا واللهِ لا تستقر أقدامهم على قرار أبداً، ولا واللهِ لا ينظرون فيها إلى أديم
سماء أبداً، ولا واللهِ لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبداً، ولا واللهِ لا يذوقون فيها بارد
شراب أبداً (٩)، رواه ابن أبي حاتم.
آخر تفسير سورة البلد، ولله الحمد والمنّة.
(١) تقدم في تفسير سورة محمد آية ٢٢.
(٢) أخرجه البخاري من حديث جرير بن عبد الله ظه (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ
أَوِ أَدْعُواْ الرَّمْنَّ ... ﴾ [الإسراء: ١١٠] ح ٧٣٧٦).
(٣) زيادة من سنن أبي داود.
(٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه وزيادة من طريق شيخه ابن السرح. (السنن، الأدب، باب في الرحمة
ح ٤٩٤٣)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤١٣٤)؛ وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٤ /١٧٨).
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن مجاهد.
(٨) تقدم تخريجه قبل الرواية السابقة.
(٩) سنده ضعيف حكمه كالمرسل.

٥٧٦
• سُورَةُ الْشَمْسَِّ (١، ١٠)
47 00000
سُورَةُ الشَّمْسِ
وهي مكية
تقدم حديث جابر الذي في الصحيحين أن رسول الله وسلم قال لمعاذ: ((هلَّا صليت بسَيِّجٍ أَسْمَ
رَبِّكَ اُلْأَعْلَى ﴾﴾ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنَهَا ﴾﴾، ﴿وَأَِّلِ إِذَا يَفْشَى (٣)﴾؟))(١).
بسم الله الرحمن الحكيم
2] ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَنْهَا
وَالْقَمَرِ إِذَا ثَلَهَا
وَآَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنهَا ﴿﴿ وَالسَّمَاءِ
وَاَلنَّهَارِ إِذَا جَلََّهَا
وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا
وَمَا بَنَهَا ﴿ وَاَلْأَرْضِ وَمَا ◌َنَّهَا
.
◌َ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكْنَهَا
فَأَلْهُمَهَا هُوَرَهَا وَتَقْوَنُهَا
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا
قال مجاهد: ﴿وَالشَّمْسِ وَصُحَنَهَا ﴾﴾ أي: وضوئها(٢).
وقال قتادة: ﴿وَضُحَنَهَا﴾ النهار كله(٣).
قال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها؛ لأن ضوء الشمس الظاهر هو
﴾ قال مجاهد: تبعها (٥).
النهار (٤). ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا نَهَا
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا نَا ﴾﴾ قال: يتلو النهار(٦).
وقال قتادة: إذا تلاها ليلة الهلال إذا سقطت الشمس رؤي الهلال(٧).
وقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر ثم هي تتلوه وهو يتقدمها في النصف
الأخير من الشهر(٨).
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر (٩)
وقوله تعالى: ﴿وَالنََّارِ إِذَا جَلَّهَا (٣)﴾ قال مجاهد: أضاء(١٠).
(١) ينظر مطلع سورة الانفطار، ومطلع سورة الفجر.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) ذكره الطبري بلفظه.
(٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٩) سنده صحيح.
(١٠) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق أبي نجيح عن مجاهد.
.00000

·
سُورَةُ الشَّمْسِ (١٠،١)
٥٧٧
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال قتادة: ﴿وَالنََّرِ إِذَا جََّا ﴾﴾ إذا غشيها النهار(١).
وقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلّا الظلمة، لدلالة
الكلام عليها(٢).
(قلت): ولو أن هذا القائل تأول ذلك بمعنى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَّهَا ﴾﴾ أي: البسيطة لكان أولى
ولصحَّ تأويله في قوله تعالى: ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنهَا ﴾﴾ فكان أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال
مجاهد: ﴿وَالنََّارِ إِذَا جََّهَا ﴾﴾ إنه كقوله تعالى: ﴿وَالتَّهَارِ إِذَا تَجَّ ﴾﴾ [الليل] وأما ابن جرير
فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس لجريان ذكرها، وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَأَلَيْلِ إِذَا
يَفْشَنْهَا ﴾﴾ يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق.
وقال بقية بن الوليد، عن صفوان: حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب
جلَّ جلاله غشي عبادي خلقي العظيم فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي
حاتم.
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا (@)﴾ يحتمل أن تكون ما لههنا مصدرية بمعنى والسماء وبنائها،
وهو قول قتادة(٣)، ويحتمل أن تكون بمعنى (مَنْ) يعني والسماء وبانيها، وهو قول مجاهد(٤)،
وكلاهما متلازم والبناء هو الرفع كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَةَ بَيَْهَا بِأَبَيْدٍ﴾ أي: بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
وَأَلْأَرْضَ فَرَشْنَهَا فَنِعْمَ الْمَهِدُونَ (٨)﴾ [الذاريات] وهكذا قوله تعالى: ﴿وَاُلْأَرْضِ وَمَا طَهَا (٣)﴾ قال
مجاهد: طحاها: دحاها(٥).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا لَهَا﴾ أي: خلق فيها(٦).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: طحاها قسمها(٧).
﴿فَحَهَا﴾ بسطها (٨)،
وقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي والثوري وأبو صالح وابن زيد:
وهذا أشهر الأقوال وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة.
قال الجوهري: طحوته مثل دحوته؛ أي: بسطته.
وقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَهَا ﴾﴾ أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال
تعالى: ﴿فَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ حَنِيفَأْ فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٣٠]
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة، عن قتادة.
(٢) ذكره الطبري بنحوه، ويقصد ببعض أهل العربية: الفراء فقد ذكره في معاني القرآن (٢٦٦/٣).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((وبناؤها خلقها)).
(٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. بلفظ: ((الله بنى السماء)).
(٥) أخرجه آدم والطبري بالسند المتقدم عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وأما قول مجاهد فقد تقدم قبل روايتين
بلفظ: ((دحاها)).

٥٧٨
• سُورَةُ الشَّمْسِ، (١٠،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال رسول الله وَله: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما
تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟)) أخرجاه من رواية أبي هريرة(١)، وفي
صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي عن رسول الله صلو قال: ((يقول الله ريك: إني
خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم))(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَتُهَا ﴾﴾ أي: فأرشدها إلى فجورها؛ أي: بيّن ذلك لها
وهداها إلى ما قدر لها .
بيَّن لها: الخير والشر(١)، وكذا قال مجاهد
قال ابن عباس: ﴿فَمَهَا هُجُورَهَا وَتَقْوَنُهَا
وقتادة والضحاك والثوري (٤).
وقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر(٥).
وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها(٦).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا صفوان بن عيسى وأبو عاصم النبيل قالا : حدثنا
عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي قال: قال لي
عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من
قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وّ ر وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء
قضي عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت منه فزعاً شديداً قال: قلت له: ليس
شيء إلا وهو خلقه وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال: سددك الله إنما سألتك
لأخبر عقلك، إن رجلاً من مزينة أو جهينة أتى رسول الله وَله فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل
الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق أم شيء مما يستقبلون
مما أتاهم به نبيهم ◌َّ﴿ وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: ((بل شيء قد قضي عليهم)) قال: [ففيم
نعمل]؟(٧) قال: ((من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه لها وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنَا ﴿ فَهَمَهَا بُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا (٣)﴾))(٨). رواه أحمد ومسلم من حديث [عزرة](٩) ابن ثابت
(١٠)
به (١٠) .
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١١٩.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١١٩.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي عروبة عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير بلفظ:
((الزمها)).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٧) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل بياض ثم كلمة: يعمل.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٩) كذا في (ح) و(حم)؛ وصحيح مسلم، وفي الأصل صحف إلى: عروة.
(١٠) المسند ٤٣٨/٤؛ وصحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه .. (ح ٢٦٥٠).

٥٧٩
• سُورَةُ الشَّمْسِّ﴾ (١، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴾ يحتمل أن يكون المعنى قد
(9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ زَگِّنْهَا
أفلح من زكى نفسه؛ أي: بطاعة الله كما قال قتادة وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل(١)،
ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير(٢). وكقوله تعالى: ﴿قَدْ أَقْلَحَ مَنْ تَزََّ ﴿ وَذَكَرَ
أَسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (﴾﴾ [الأعلى].
﴿َوَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنْهَا ﴾﴾ أي: دسسها؛ أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى
حتى ركب المعاصي وترك طاعة الله رم، وقد يحتمل أن يكون المعنى قد أفلح من زكى الله
نفسه، وقد خاب من دسى الله نفسه؛ كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي وأبو زرعة قالا: حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك
يعني: عمرو بن هشام، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله وَله
يقول في قول الله : ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ زَّكَّنَهَا ﴾﴾ قال النبي وَّر: ((أفلحت نفس زكاها الله رَات))
ورواه ابن أبي حاتم من حديث مالك به(٤)، وجويبر هذا هو ابن سعيد: متروك الحديث،
والضحاك لم يلق ابن عباس.
وقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن
دينار، عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَال ◌ٍ إذا مرَّ بهذه الآية:
( فَهَمَهَا ◌ُورَهَا
﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنھَا
وَتَّقْوَنِهَا (﴾﴾ وقف ثم قال: ((اللَّهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها))(٥).
حديث آخر: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا
عبد الله بن الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة
قال: سمعت رسول الله وَّ يقرأ: ((﴿فَهَمَهَا لُّرَهَا وَتَقْوَنَهَا (٨)))) قال: ((اللَّهم آتِ نفسي تقواها،
وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها))(٦). لم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن صالح بن سعيد، عن عائشة
أنها فقدت النبي ◌َّه من مضجعه فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول: ((ربِّ أعط
نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)»(٧). تفرد به.
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري من طريق خُصيف عن مجاهد وسعيد بن جبير عن عكرمة، وخُصيف سيئ الحفظ.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظه؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف من
طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: ((تكذيبها)) .
(٤) كلا الطريقين ضعيف كما فضَّل الحافظ ابن كثير.
(٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه. (المعجم الكبير ١٠٦/١١ ح١١٩١) وحسن سنده الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/
١٤١) وهذا الحكم يستقيم بالشواهد التالية، فإن فيه ابن لهيعة ولكن روي من طرق أخرى كما سيأتي.
(٦) أخرجه ابن أبي عاصم من طريق يعقوب بن حميد المزني به. (السنة ح٣١٨) وفي سنده عبد الله بن عبد الله
الأموي: لين الحديث. (التقريب ص ٣١٠)، ويتقوى بالرواية السابقة.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: رجاله ثقات. (المسند ٤٩٢/٤٢ ح ٢٥٧٥٧). ويشهد له
رواية الإمام أحمد ومسلم التالية.

٥٨٠
• سُوَّةُ الشَّمْسِّ)، (١١، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم
الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم، قال: كان رسول الله وَلجه يقول: ((اللَّهم
إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر. اللَّهم آتِ نفسي تقواها،
وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللَّهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن
نفس لا تشبع. وعلم لا ينفع ودعوة لا يستجاب لها)) قال زيد: كان رسول الله وَ ل﴿ يُعلمنا هنَّ
ونحن نُعلمكموهنَّ(١)، رواه مسلم من حديث أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن
الحارث وأبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم به(٢) .
] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا ﴿﴿ إِذِ الْبَعَثَ أَشْقَنهَا
فَكَذَّبُوهُ فَعَفَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنِهِمْ فَسَوَّنَهَا
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَهَا
وَلَا يَخَافُ عُقْبَهَا
١٤
١٣
يخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي.
وقال محمد بن كعب: ﴿يَطَغْوَئِهَا﴾ أي: بأجمعها(٣)، والأول أولى. قاله مجاهد وقتادة
وغيرهما(٤)، فأعقبهم ذلك تكذيباً في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم عليه الصلاة والسلام من
(٣)﴾ أي: أشقى القبيلة هو قدار بن سالف عاقر الناقة، وهو
الهدى واليقين ﴿إِذٍ أُنْبَعَثَ أَشْقَلُهَا
أحيمر ثمود، وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَدَوْاْ صَاِهُمْ فَعَاطَى فَقَرَ ﴿٨َ فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرٍ
٣٠
[القمر].
وكان هذا الرجل عزيزاً فيهم شريفاً في قومه نسيباً رئيساً مطاعاً، كما قال الإمام أحمد: حدثنا
ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله صل ﴿ فذكر الناقة
وذكر الذي عقرها فقال: ((إذا انبعث أشقاها انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي
زمعة))(٥). ورواه البخاري في التفسير ومسلم في صفة النار والترمذي والنسائي في التفسير من
سننيهما، وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن هشام بن عروة به (٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس،
حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خثيم، عن محمد بن كعب القرظي، عن
محمد بن خثيم [أبي يزيد](٧)، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله وَل و لعلي: ((ألا أحدثك
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه. (المسند ٦١/٣٢ ح ١٩٣٠٨).
(٢) صحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل (ح ٢٧٢٢).
(٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق محمد بن رفاعة القرظي عن محمد بن كعب.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((بالطغيان))؛ وأخرجه الطبري
وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((معصيتها)).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٧/٤) وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، التفسير، سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَشُحَهَا ﴾﴾ (ح٢٩٤٢)، وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها،
باب النار يدخلها الجبارون .. (ح ٢٨٥٥)؛ وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُعَنَهَا
(ح ٣٣٤٠)؛ والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، سورة الشمس (ح ١١٦٧٥).
(٧) كذا في (ح) و(حم) وترجمته، وفي الأصل صحف إلى: بن يزيد.