النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
• سُورَةُ عَبَسَنَّ (١٧، ٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا هشام، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن
سعد بن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّا قالت: قال رسول الله وَلحجر: ((الذي يقرأ القرآن وهو
ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران))(١). أخرجه الجماعة
من طريق قتادة به(٢).
﴿قُلِلَ اَلْإِنسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ
مِنْ أَمِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ لَ
ثُمَّ السَّبِيلَ يَشَرَعُ
مِن نُطّفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ فَـ
فَلَْظُرِ اَلْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، (g) أَنَّا صَبَيْنَاً
ثُمَّ أَمَانَكُ فَقْبَهُ * ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَمُ ﴿٨َ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَةُ
اٌلْمَّمُ صَبَّا (٢٥) ثُمَّ شَفَقْنَا اَلْأَرْضَ شَقَّا ﴿َ فَأَثْبَّنَا فِيهَا حَبَّاً (َّ وَعِنَبًا وَقَضْبًا
وَحَدَآئِقَ غُلَا
وَزَيْتُونَا وَفَعْلَاً
٣٠
وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا (٦َ)
مَنَعًا لَكُمْ وَلِأَتْعَمِكُمْ (!)﴾.
يقول تعالى ذامّاً لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: ﴿قُئِلَ اُلْإِسَنُ مَآ أَكْفَرَمُ (﴾﴾ قال
الضحاك، عن ابن عباس: ﴿قُئِلَ الْإِسَنُ﴾ لعن الإنسان(٣)، وكذا قال أبو مالك، وهذا لجنس
الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه بلا مستند بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم.
قال [ابن جريج] (٤): ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ أي: ما أشد كفره(٥).
وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافراً؛ أي: ما حمله على التكذيب
بالمعاد (٦)، وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي (٧). وقال قتادة ﴿مَا أَكْفَمُ﴾ ما ألعنه(٨).
ثم بيَّن تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير؟ وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى:
مِن تُطْغَةٍ خَلَمُ فَقَدَّرَمُ ﴾﴾ أي: قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد:
مِنْ أَمِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ
﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ثم يسَّر عليه خروجه من بطن أُمه(٩)،
﴿ُثُمَّ السَّبِيلَ يَتَرَءُ
وكذا قال عكرمة والضحاك وأبو صالح وقتادة والسدي(١٠)، واختاره ابن جرير(١١).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٨/٦)، وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة عبس (ح ٤٩٣٧)؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل الماهر
بالقرآن والذي يتعتع فيه (ح٧٩٨).
(٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ابن جريج.
(٥) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن ابن جريج.
(٦) لم أجده في تفسير الطبري ولعله في النسخة التي اعتمدها الحافظ ابن كثير.
(٧) نسبه البغوي إليهما. (معالم التنزيل ٤٤٨/٤).
(٨) لم أجد من أخرجه.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. ويتقوى بما يليه.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسندين ضعيفين عن أبي صالح
والسدي، ويتقويان بما سبق.
(١١) رجحه الطبري حسب ظاهر الآية.

٤٨٢
◌ُوْرَةُ عَبَسَنَ (١٧، ٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: هذه كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان](١)
أي: بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه عمله، وكذا قال الحسن وابن زيد(٢)، وهذا هو الأرجح،
والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَانَهُ فَقْرَُ ﴾﴾ أي: أنه بعد خلقه له أماته فأقبره؛ أي: جعله ذا قبر
والعرب تقول: قبرت الرجل إذا ولى ذلك منه، وأقبره الله، وعضبت قرن الثور ، وأعضبه الله،
وبترت ذنب البعير، وأبتره الله، وطردت عني فلاناً، وأطرده الله؛ أي: جعله طريداً قال الأعشى:
لو أسندت ميتاً إلى صدرها عاش ولم ينقل إلى قابر(٣)
أي: بعثه بعد موته؛ ومنه يقال: البعث والنشور ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ،
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ (
(٥)﴾ [الروم]، ﴿وَأَنْظُزْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ
أَنْ خَلَقَكُمْ مِّنِ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُم بَشَرٌ تَنَشِرُونَ
نُنشِرُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن
الحارث، أن درَّاجاً أبا السمح أخبره، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي وَّ قال: ((يأكل
التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه)) قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((مثل حبة خردل
منه ينشأون))(٤). وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة بدون هذه الزيادة، ولفظه: ((كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب))(٥).
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَّ أَمَرُ ﴾﴾ قال ابن جرير: يقول: كلا ليس الأمر كما يقول هذا
الإنسان الكافر من أنه قد أدَّى حق الله عليه في نفسه وماله ﴿لَنَا يَقْضِ مَا أَمَهُ﴾ يقول: لم يؤد ما
فرض عليه مك من الفرائض لربه يمين(٦).
ثم روى هو وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَّ أَمََّمُ
(٣)﴾ قال: لا يقضي أحداً أبداً كل ما افترض عليه(٧)، وحكاه البغوي عن الحسن البصري بنحو
من هذا(٨)، ولم أجد للمتقدمين فيه كلاماً سوى هذا، والذي يقع لي في معنى ذلك، والله أعلم
أن المعنى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَمُ ﴾﴾ أي: بعثه ﴿كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَّ أَمَرَءُ ®)﴾ أي: لا يفعله الآن حتى
تنقضي المدة ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله أن سيوجد منهم ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر
به تعالى كوناً وقدراً، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.
وقد روى ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: قال عزير لعلّ *: قال الملك الذي جائني: فإن
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.
(٣) ديوان الأعشى ص١٣٩ واستشهد به الطبري، وذكر ما قيل عن العرب.
(٤) سنده ضعيف لضعف روايه دراج عن أبي الهيثم ويتقوى بالشواهد الصحيحة التالية دون آخره.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة النبأ آية ١٨.
(٦) ذكره الطبري بلفظه.
(٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٨) ذكره البغوي بنحوه عن الحسن. (معالم التنزيل ٤٤٨/٤).

٤٨٣
سُورَةُ عَبَسَنَ (١٧، ٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
القبور هي بطن الأرض وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه
القبور التي مدَّ الله لها انقطعت الدنيا، ومات من عليها ولفظت الأرض ما في جوفها وأخرجت
القبور ما فيها. وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية، والله ◌ُلَ أعلم بالصواب.
وقوله تعالى: ﴿فَلْتَظُرِ الْإِسَنُ إِلَ طَعَامِهِ ﴾ فيه امتنان، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض
الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاماً بالية وتراباً متمزقاً ﴿أَنَّا صَبَّنَاَ اَلْعَّةَ صَبًّاً ﴾﴾ أي:
أنزلناه من السماء على الأرض ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴾﴾ أي: أسكناه فيها فيدخل في تخومها
وتخلل في أجزاء الحب المودع فيها، فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض ﴿فَأَبْنَا فِيهَا حَبَّاً
وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٨)﴾ فالحب كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو: الفصفصة التي
تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها: القت أيضاً، قال ذلك ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي(١)،
وقال الحسن البصري: القضب: العلف(٢).
◌َ﴾ وهو معروف وهو أدم، وعصيره أدم ويستصبح به ويدهن به ﴿وَخْلَا﴾ يؤكل بلحاً بسراً
ورطباً وتمراً ونيئاً ومطبوخاً ويعتصر منه رُب وخلّ ﴿وَحَدَآَبِقَ غُلْبً (®)﴾ أي: بساتين، قال الحسن
وقتادة: ﴿عُلبَأَ﴾ نخل غلاظ كرام(٣).
وقال ابن عباس ومجاهد: الحدائق: كل ما التف واجتمع.
وقال ابن عباس أيضاً: ﴿قًُّ﴾(٤) الشجر الذي يستظل(٥) به.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَآَبِقَ غُبً ﴾﴾ أي: طوال(٦).
وقال عكرمة: ﴿غُلَا﴾ أي: غلاظ الأوساط (٧)، وفي رواية: غلاظ الرقاب، ألم تر إلى الرجل
إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب؟ رواه ابن أبي حاتم(٨).
وأنشد ابن جرير للفرزدق:
عوى فأثأر أغلب [ضيغميًّا)(٩)
فويل ابن المراغة ما استثار (١٠)
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((الغصغصة))؛ وأخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة مثله.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس - وهو ابن عبيد البصري - عن الحسن البصري.
(٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة بلفظ: ((النخل الكرام)). وعزاه السيوطي
إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس
والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة.
(٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة.
(٩) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ضيغما.
(١٠) استشهد به الطبري، والبيت في ديوان الفرزدق ص٤٤٣.

٤٨٤
• سُوََّةٌ عَبَسَنَّ (١٧، ٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله تعالى: ﴿وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا (٣)﴾ أما الفاكهة: فكل ما يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس:
الفاكهة: كل ما أُكل رطباً، والأب: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس(١)،
وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم(٢).
وقال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك: الأب: الكلا(٣).
وعن مجاهد والحسن وقتادة وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم.
وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب.
وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو الأب.
وقال ابن إدريس: عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: الأب نبت الأرض مما
تأكله الدواب ولا يأكله الناس (٤).
ورواه ابن جرير من ثلاث طرق عن ابن إدريس، ثم قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا :
حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: عدَّ(٥) ابن عباس وقال: الأب:
ما أنبتت الأرض للأنعام. وهذا لفظ حديث أبي كريب وقال أبو السائب في حديثه: ما أنبتت
الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام.
وقال العوفي، عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى(٦)، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة
وابن زيد وغير واحد(٧).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم
التيمي قال: سئل أبو بكر الصديق ظُبه عن قوله تعالى: ﴿وَفَكِهَةٌ وَأَبََّ ﴾﴾ فقال: أي سماء
تظلني؟ وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ (٨) وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي
والصديق
فأما ما رواه ابن جرير حيث قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد، عن
(١) تفسير الأب أخرجه ابن خزيمة والطبري بسند حسن من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس
(الصحيح ٣٣٢/٣ ح ٢١٧٢) وصححه محققه، وأخرجه الحاكم من طريق عاصم به وصححه ووافقه
الذهبي. (المستدرك ٤٣٧/١) وصحح سنده الحافظ ابن حجر، (فتح الباري ٢٧١/١٣).
(٢) عزاه الحافظ ابن حجر إلى ابن أبي حاتم. (تغليق التعليق ٣/ ٤٩٠) وكذا السيوطي.
(٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح
من طريق معمر عن الحسن.
(٤) تقدم تخريجه قبل ثلاث روايات.
(٥) أي: عدَّ سبعاً جعل رزقه في سبعة .. ثم ذكر الأب هكذا ورد في رواية الطبري بسند حسن من الطرق
الثلاثة التي أوردها الطبري.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه ولاحقه.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك عن الحسن؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي
نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد؛ وأخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٨) تقدم تخريجه في مقدمة التفسير.

٤٨٥
• سُوَرَةُ عَبَسَ) (٣٣، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب وظ الله: ﴿عَبَسَ وَتَوٌَّ ﴾﴾ فلما أتى على هذه الآية ﴿وَفَكِهَةً وَأَبَّاً
﴾ قال: قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟ فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف (١).
فهو إسناد صحيح وقد رواه غير واحد عن أنس به، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله
وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله: ﴿فَأَثْبَا فِيهَا حَبَّاً
وَعِنْبًا وَقَضْبًا ﴿١٨) وَزَيْتُنَا وَنَخْلاَ ﴿٨َ وَحَدَابِقَ غُلَ ﴿ وَفَكِهَةً وَأَبَّا (4) وقوله تعالى: ﴿مَّنَعًا لَّكُمْ
وَلِأَتْعَمِكُمْ (٣)﴾ أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.
لِكَلِ أمرِيٍ
: ﴿ وَصَحِبَتِهِ وَبَيْهِ
﴿ ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصَّلْنَّةُ (٣) يَؤْمَ يَفِرُّ الْمَرَّهُ مِنْ أَخِهِ ﴿٣َ وَأُمِّهِ، وَأَبِهِ
مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأَنٌ يُغِ (٤٨ وُجُوهٌ يَؤَمَيِذٍ مُسْفِرَةُ (4َ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبَشِرَةً (9َ وَوُجُوهُ يَوْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ جَ تَرْفَقُهَا
قَتْرَةُ ﴿﴿ أُوْلَيْكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
قال ابن عباس: ﴿الضَّلْنَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذَّره عباده(٢).
قال ابن جرير: لعله اسم للنفخة في الصور(٣).
وقال البغوي: ﴿الضَّنَّةُ﴾ يعني: صيحة يوم القيامة سميت بذلك لأنها تصُّ الأسماع؛ أي:
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِهِ
أي: يراهم ويفر منهم ويبتعد منهم،؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل(٤).
وَصَحِبَتِ وَبَيْهِ
قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل
كنت، وتثني بخير ما استطاعت فيقول لها: فإني أطلب إليكِ اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي
أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً أتخوف مثل الذي
تخاف قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به فيقول: يا بني أي والد كنت لك، فيثني بخير فيقول
له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت
ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً يقول الله تعالى:
﴿يَوَ يَفِرُّ الْمَّهُ مِنْ أَخِ ﴿َ وَأُمِّهِ، وَأَبِ ﴿ وَصَحَِتِهِ وَبِهِ (٣)﴾(٥). وفي الحديث الصحيح في أمر
الشفاعة أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي نفسي لا
أسألك اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم
وَصَحِبَتِهِ وَبَيْهِ
التي ولدتني(٦). ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغُّ الْرَّهُ مِنْ أَخِ ﴿ وَأُمِّهِ وَأَبِهِ (٢٥)
قال قتادة: الأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ آمْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُضِهِ (٣)﴾ أي: هو في شغل شاغل عن غيره.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت
(١) تقدم تخريجه في مقدمة التفسير، وهو صحيح بطرقه. (ينظر: مرويات ابن أبي شيبة في التفسير ص٥٩١).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) ذكره الطبري بنحوه وأوضح.
(٤) معالم التنزيل (٤٤٩/٤).
(٥) سنده ضعيف لأنه مرسل.
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء: آية ٧٩.

٤٨٦
سُورَةُ عَبَسَنَ (٣٣، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبو زيد العباداني، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله
صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: ((تحشرون حفاة عراة مشاة غرلاً)) قال: فقالت زوجته: يا
رسول الله ننظر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: ((لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه))، أو قال:
((ما أشغله عن النظر))(١).
وقد رواه النسائي منفرداً به عن أبي داود، عن عارم، عن ثابت بن يزيد وهو: أبو زيد الأحول
البصري أحد الثقات، عن هلال بن خباب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس(٢) به، وقد رواه
الترمذي، عن عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب،
عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي وَ لّ قال: ((تحشرون حفاة عراة غرلاً)) فقالت امرأة: أيبصر
أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: ((يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه)). ثم قال الترمذي:
(٣)
وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس
وقال النسائي: أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بَقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن
عروة، عن عائشة أن رسول الله وَالر قال: ((يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً))(٤) فقالت
عائشة: يا رسول الله فكيف بالعورات؟ فقال: ((لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه))(٥). انفرد به
النسائي من هذا الوجه.
ثم قال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن
عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك قال: سألت عائشة رسول الله وَ﴿ فقالت: يا رسول الله بأبي
أنت وأُمي إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنت به، قال: ((إن كان عندي منه علم)). قالت: يا
نبي الله كيف يحشر الرجال؟ قال: ((حفاة عراة)). ثم انتظرت ساعة فقالت: يا رسول الله كيف
يحشر النساء؟ قال: ((كذلك حفاة عراة)). قالت: واسوأتاه من يوم القيامة. قال: ((وعن أي ذلك
تسألين؟ إنه قد نزل عليَّ آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون)). قالت: أية آية هي يا
(٦)
نبي الله؟ قال: ﴿لِكُلِّ آمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِ
وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أحمد بن محمد بن إبراهيم
الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن
عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار،
عن سودة زوج النبي ◌َّه قالت: قال رسول الله وَله: ((يبعث الناس حفاة عراة غرلاً، قد ألجمهم
(١) حديث صحيح كما يلي.
(٢) السنن الكبرى، التفسير، سورة عبس (ح ١١٥٨٣).
(٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة عبس (ح٣٣٣٢)؛ وقال الألباني: حسن صحيح. (صحيح سنن
الترمذي ح٢٦٥٢).
(٤) أي: غير مختومين.
(٥) السنن الكبرى، التفسير، سورة عبس (ح١١٥٨٤). ويشهد له سابقه، وأخرجه الحاكم من طريق بقية به،
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤ /٥٦٤).
(٦) سنده ضعيف لضعف عائذ بن شريح. (الجرح والتعديل ١٦/٧) ويشهد له ما سبق.

٤٨٧
سُورَةُ عَبَسَ﴾ (٣٣، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
العرق وبلغ شحوم الآذان)) فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: ((قد شغل
الناس لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه))(١). هذا حديث غريب من هذا الوجه جداً، وهكذا رواه
ابن جرير عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى به (٢).
[ولكن](٣) قال أبو حاتم الرازي: عائذ بن شريح ضعيف، وفي حديثه ضعف (٤).
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةً (﴾﴾ أي: يكون الناس هنالك فريقين
وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ
وجوه مسفرة؛ أي: مستنيرة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ أي: مسرورة فرحة من السرور في قلوبهم قد
ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة.
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَيْدٍ عَيْهَا غَبَةٌ ﴿ تَرْفَتُهَا فَةُ ﴾﴾ أي: يعلوها وتغشاها قترة؛ أي: سواد.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى
جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَل ـ: (يلجم
الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم))، قال: فهو قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبْرَةٌ
(٥)
٤٠
.
وقال ابن عباس: ﴿تَرْفَقُهَا فَةُ ﴾﴾ أي: يغشاها سواد الوجوه(٦).
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكُفْرَةُ الْقَبْرَةُ ﴾﴾ أي: الكفرة قلوبهم الفجرة في أعمالهم كما قال
تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرً كَفَّارًا﴾ [انوح: ٢٧].
آخر تفسير سورة عبس، ولله والحمد والمنة.
(١) أخرجه البغوي بسنده ومتنه. (معالم التنزيل ٤٤٩/٤ - ٤٥٠) وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه الطبري عن أبي عمار الحسين المروزي به، وحكمه كسابقه.
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ومكر.
(٤) الجرح والتعديل ١٦/٧.
(٥) في سنده سهل بن عثمان العسكري له غرائب كثيرة. (تهذيب التهذيب ٢٥٥/٤ - ٢٥٦).
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((تغشاها ذلة)).

٤٨٨
سُؤَدَّةُ التَّكُورِ (١، ١٤)
00000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
POD
,00000
سُورَةُ التّكوبرِ
وهي مكية
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص، أن عبد الرحمن بن
يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله وَ له: ((من سرَّه أن ينظر إلى
يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴾﴾ و﴿إِذَا السَّمَآءُ أَنْفَطَرَتْ ﴾﴾ [الانفطار]
و﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴾﴾ [الانشقاق]))(١). وهكذا رواه الترمذي عن العباس بن عبد العظيم
العنبري، عن عبد الرزاق به(٢).
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِلَتْ
وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ
وَإِذَا النَّجُومُ أَنْكَدَرَتْ
گُوْرَتْ
- ﴿إِذَا الشَّمْسُ
وَإِذَا الْمَوْهُودَةُ سُبِلَتْ
وَإِذَا الْوُجُوْشُ حُشِرَتْ (جَ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
﴿﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ ﴿﴿ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ
بِأَتِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ () وَإِذَا أَلُُّفُ نُشِرَتْ ﴿ وَإِذَا اُلَّمَآءُ كُتِطَتْ
﴾.
عَلِمَتْ نَفْسُّ مَّآ أَحْضَرَتْ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا اُلَّمْسُ كُوْرَتْ ﴾﴾ يعني: أظلمت(٣).
وقال العوفي، عنه: ذهبت(٤) .
وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت(٥)، وكذا قال الضحاك(٦).
قال قتادة: ذهب ضوؤها(٧).
وقال سعيد بن جبير: ﴿كُوْرَتْ﴾: غورت(٨).
وقال الربيع بن خثيم: ﴿كُوْرَتْ﴾ يعني: رمي بها(٩).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه. (المسند ٤٢٤/٨ ح ٤٨٠٦). وأخرجه الحاكم من
طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥٧٦/٤).
(٢) أخرجه الترمذي عن العباس بن عبد العظيم به. (السنن، التفسير، باب ومن سورة عبس ح٣٣٣٣)؛
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٥٣).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه ولاحقه.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى - وهو القتات - عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف الإبهام شيخه.
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٨) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير.
(٩) أخرجه عبد الرزاق وهناد. (الزهد رقم ٣٦٦) بسند صحيح من طريق أبي يعلى عن الربيع بن خثيم.

٤٨٩
• سُورَةُ التَّكَوِيرِ (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 00
وقال أبو صالح: ﴿كُوْرَتْ﴾: ألقيت(١)، وعنه أيضاً: نُكست(٢).
وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.
قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه على بعض،
ومنه تكوير العمامة وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: ﴿ هُوَرَتْ﴾ جمع بعضها
إلى بعض ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة،
، قال: يُكور الله الشمس
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ
عن مجالد، عن شيخ من بجيلة، عن ابن عباس:
والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحاً دبوراً فتضرمها ناراً (٤). وكذا قال عامر
الشعبي .
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن
يزيد بن أبي مريم، عن أبيه، أن رسول الله وَل﴿ قال: في قول الله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴾﴾ قال:
(كُورت في جهنم))(٥) .
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن محمد بن حبان، حدثنا درست بن زياد،
حدثنا يزيد الرقاشي، حدثنا أنس قال: قال رسول الله وَلخير: ((الشمس والقمر نوران عقيران في
النار)) (٦). هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح
بدون هذه الزيادة.
ثم قال البخاري: حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني
أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي وَّير: ((الشمس والقمر يكوران يوم
القيامة))(٧) انفرد به البخاري، وهذا لفظه وإنما أخرجه في كتاب بدء الخلق وكان جديراً أن يذكره
لهُهنا أو يكرره كما هي عادته في أمثاله، وقد رواه البزار فجوَّد إيراده فقال: حدثنا إبراهيم بن
زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد الله الداناج قال:
سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة،
وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال: حدثنا أبو هريرة أن رسول الله وَلقر قال: ((إن الشمس
والقمر نوران في النار عقيران يوم القيامة))، فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن
رسول الله ص 84* وتقول : - أحسبه قال - وما ذنبهما(٨). ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه بدل بن المحبر. (٢) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٣) أخرجه الطبري بنحوه.
(٤) سنده ضعيف لضعف مجالد وإبهام شيخه.
(٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي مريم، وأظنه مرسلاً، وكتاب الديلمي وهو الفردوس
مشحون بالأحاديث الضعيفة.
(٦) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه، وضعفه محققه لضعف الرقاشي وضعف درست بن زياد. (المسند ١٤٨/٧
ح ٤١١٦).
(٧) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر ح ٣٢٠٠).
(٨) سنده ضعيف لانقطاعه فإن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة. (جامع التحصيل ص١٩٦ - ١٩٧).

٤٩٠
سُورَةُ التّكِوِيرِ (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هذا الوجه، ولم يروِ عبد الله الداناج، عن أبي سلمة سوى هذا الحديث.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ ﴾﴾ أي: انتثرت كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَتَرَتْ
[الانفطار] وأصل الانكدار الانصباب.
قال الربيع بن أنس: عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا
الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ
وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس
إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش فماجوا بعضهم في بعض.
﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ ﴾﴾ قال: اختلطت ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٣)﴾ قال: أهملها أهلها ﴿وَإِذَا
اَلْبِحَارُ سُجِرَتْ ﴾﴾ قال: قالت الجن نحن نأتيكم بالخبر، قال: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار
تتأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى
وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم(١). رواه ابن جرير
وهذا لفظه وابن أبي حاتم ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم والحسن البصري وأبو
صالح وحماد بن أبي سليمان والضحاك في قوله جلا وعلا: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ (٣)﴾ أي:
تناثرت(٢) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ ﴾﴾ أي: تغيرت(٣).
وقال يزيد بن أبي مريم، عن النبي وَلّهِ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ ﴾﴾ قال: ((انكدرت في جهنم
وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يعبدا
لدخلاها))(٤). رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُبِرَتْ ﴾﴾ أي: زالت عن أماكنها ونسفت فتركت الأرض قاعاً
صفصفا .
وقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطْلَتْ ﴾﴾ قال عكرمة ومجاهد: عشار الإبل(٥).
قال مجاهد: ﴿عُطِلَتْ﴾: تُركت وسُيبت(٦). وقال أُبي بن كعب والضحاك: أهملها أهلها(٧).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي الدنيا (الأهوال ص ٨٥) كلاهما بسند جيد من طريق الحسين بن واقد عن الربيع بن
أنس به.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي يعلى - وهو منذر بن يعلى - عن الربيع بن خثيم؛ وأخرجه
الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى - وهو القتات - عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند حسن من
طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة
عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) تقدم الكلام عن سنده قبل ست روايات.
(٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى - وهو القتات - عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عن قتادة.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي الدنيا (الأهوال ص ٨٥) بسند جيد من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب.

٤٩١
• سُورَةُ التَّكِّوِيرِ (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الربيع بن خثيم: لم تحلب ولم تصر تخلى منها أربابها(١).
وقال الضحاك: تُركت لا راعي لها(٢). والمعنى في هذا كله متقارب، والمقصود أن العشار
من الإبل وهي خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر - واحدتها
عشراء ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع - قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها بعدما
كانوا أرغب شيء فيها بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر يوم القيامة وانعقاد
أسبابها ووقوع مقدماتها، وقيل: بل يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك لا سبيل لهم
إليها، وقد قيل في العشار: إنها السحاب تعطل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا
وقيل: إنها الأرض التي تعشر، وقيل: إنها الديار التي كانت تسكن تعطلت لذهاب أهلها. حكى
هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه التذكرة، ورجح أنها الإبل، وعزاه إلى
أكثر الناس(٣).
(قلت): لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُجُوْشُ حُشِرَتْ ﴾﴾ أي: جمعت كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآَبَّةٍ فِ الْأَرْضِ
وَلَا طَيْرٍ يَطِيُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَّءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ
[الأنعام] قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب(٤). رواه ابن أبي حاتم، وكذا قال الربيع بن
خثيم والسدي وغير واحد(٥)، وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه الخلائق موافية
فيقضي الله فيها ما يشاء(٦).
وقال عكرمة: حشرها: موتها .
وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا عباد بن العوام، حدثنا حصين، عن
عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ ﴾﴾ قال: حشر البهائم موتها، وحشر كل
شيء الموت غير الجن والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة (٧).
حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم:
﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَةٌ ﴾﴾ قال: أتى عليها أمر الله، قال سفيان: قال أبي: فذكرته لعكرمة فقال:
قال ابن عباس: حشرها: موتها (٨).
وقد تقدم عن أُبي بن كعب أنه قال: ﴿وَإِذَا الْوُجُوشُ حُشِرَتْ ﴾﴾ اختلطت.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منذر الثوري عن الربيع بن خثيم. (المصنف ٣٠٤/٨).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.
(٣) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص٣١٢.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي يعلى عن الربيع بن خُثيم. بلفظ: ((أتى عليها أمر الله)).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق عباد بن العوام به، وصححه ووافقه
الذهبي. (المستدرك ٥١٥/٢).
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.

٤٩٢
• سُورَةُ التَّكِّوِيرِ (١، ١٤)
9000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000
قال ابن جرير: والأولى قول من قال: ﴿حُشِرَتْ﴾ جُمعت. قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيرَ مَحْشُورَةٌ﴾
[ص: ١٩] أي: مجموعة(١) .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَلْبِحَارُ سُجِرَتْ ﴾﴾ قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن
داود، عن سعيد بن المسيب قال: قال علي ظُه لرجل من اليهود أين جهنم؟ قال: البحر،
(٢)
فقال: ما أراه إلا صادقاً والبحر المسجور ﴿وَإِذَا الْحَارُ سُچِرَتْ
وقال ابن عباس وغير واحد: يرسل الله عليها الرياح الدبور، فتسعرها وتصير ناراً تأجج(٣)،
وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ المَسْجُورِ
H﴾ [الطور].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو طاهر، حدثني عبد الجبار بن
سليمان أبو سليمان النفاط - شيخ صالح يشبه مالك بن أنس - عن معاوية بن سعيد قال: إن هذا
البحر بركة؛ يعني: بحر الروم، وسط الأرض والأنهار كلها تصب فيه والبحر الكبير يصب فيه،
وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر(٤). وهذا أثر غريب عجيب.
وفي سنن أبي داود: ((لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غازٍ فإن تحت البحر ناراً وتحت
النار بحراً)) الحديث(٥). وقد تقدم الكلام عليه في سورة فاطر.
وقال مجاهد والحسن بن مسلم: ﴿سُجِرَتْ﴾ أوقدت(٦).
وقال الحسن: يبست(٧).
وقال الضحاك وقتادة: غاض ماؤها فذهب فلم يبق فيها قطرة (٨).
وقال الضحاك أيضاً: ﴿سُجِرَتْ﴾: فجرت(٩) .
وقال السدي: فتحت وصیرت.
وقال الربيع بن خثيم: ﴿سُجِرَتْ﴾: فاضت(١٠).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا اٌلْتُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾﴾ أي: جمع كل شكل إلى نظيره كقوله تعالى: ﴿أَخْشُرُواْ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور،
عن سماك، عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله وَ له: ((﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(١) ذكره الطبري بنحوه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه مجالد ضعيف وشيخه مبهم.
(٤) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن معاوية بن سعيد.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ٤٨ في آخرها.
(٦) معناه صحيح.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.
(٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة بلفظه.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.
(١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي يعلى - وهو منذر الثوري - عن الربيع بن خُثيم.

٤٩٣
• سُوَّرَةُ التَّكِيرِ (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
- قال : - الضرباء؛ كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله؛ وذلك بأن الله وم يقول:
أَزْوَجَا ثَثَةُ (٣) فَأَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ﴿ وَأَصْحَبُ المَشْعَةِ مَّا أَصْحَبُ الْمَشْشَمَةِ ﴿ وَالسَّبِقُونَ
[الواقعة] قال: هم الضرباء))(١). ثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أُخر عن سماك بن
السَِّقُونَ
حرب، عن النعمان بن بشير، أن عمر بن الخطاب خطب الناس فقرأ ﴿وَإِذَا التُّفُوسُ زُوِّجَتْ
٧
فقال: تزوجها: أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم (٢)، وفي رواية هما الرجلان يعملان العمل
فيدخلان به الجنة أو النار (٣)، وفي رواية عن النعمان قال: سئل عمر عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
التُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾﴾ قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء
مع الرجل السوء في النار(٤) فذلك تزويج الأنفس. وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس:
ما تقولون في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا الْتُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾﴾؟ فسكتوا. قال: ولكن أعلمه هو
الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار ثم قرأ: ﴿أَحْشُرُوا الَّذِينَ
ظَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ﴾ (٥) [الصافات: ٢٢].
(٢)) قال: ذلك حين يكون
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النَّفُوسُ زُوِّجَتْ
الناس أزواجاً ثلاثة(٦).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾﴾ قال: والأمثال من الناس جمع
بينهم(٧)، وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة(٨) واختاره ابن جرير، وهو الصحيح.
٠
قول آخر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا اٌلْنُّفُوسُ زُوِّجَتْ
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني
أبي، عن أبيه، عن أشعث بن سوار، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يسيل
وادٍ من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عاماً، فينبت منه كل
خلق بلي من الإنسان أو طير أو دابة، ولو مرَّ عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه
الأرض قد نبتوا، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا اُلُّفُوسُ زُوِّجَتْ
(@)(٩)، وكذا قال أبو العالية وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري أيضاً في قوله
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الواقعة: آية ٧ - ١٠.
(٢) أخرجه الطبري من طريق سماك بن حرب عن النعمان به، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري من طريق سماك بن حرب عن النعمان به، وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سماك بن حرب به. (المصنف ١٥٤/٨) وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من
طريق سماك به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥١٦/٢).
(٥) يشهد له ما سبق.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له قول عمر قبل ثلاث روايات.
(٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي يعلى - وهو منذر الثوري - عن الربيع، وأخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق عوف - وهو الأعرابي - عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة.
(٩) سنده ضعيف لضعف أشعث بن سوار كما في التقريب.

٤٩٤
سُوْرَةُ التّكِوبْرِ (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تعالى: ﴿وَإِذَا الْتُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾﴾ أي: زوجت بالأبدان(١).
وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في التذكرة(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ جَ بِأَتِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ﴾﴾ هكذا قراءة الجمهور ﴿سُئِلَتْ﴾ .
والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل
الموءودة على أي ذنب قتلت ليكون ذلك تهديداً لقاتلها، فإنه إذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذاً؟ .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ ﴾﴾ أي: سألت. وكذا قال
أبو الضحى: سألت؛ أي: طالبت بدمها(٣). وعن السدي وقتادة مثله.
وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة:
فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود
وهو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، عن جذامة بنت وهب أخت
عكاشة قالت: حضرت رسول الله و 18 في ناس وهو يقول: ((لقد هممت أن أنهى عن الغيلة،
فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم ولا يضر أولادهم ذلك شيئاً) ثم سألوه عن
العزل فقال رسول الله وَج: ((ذلك الوأد الخفي وهو الموءودة سئلت))(٤). ورواه مسلم من حديث
أبي عبد الرحمن المقري وهو: عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن أبي أيوب(٥) .
ورواه أيضاً ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن
يحيى بن أيوب، ورواه مسلم أيضاً وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك بن أنس
ثلاثتهم عن أبي الأسود به (٦) .
وقال الإمام أحمد(٧): حدثنا ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة،
عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله وَل﴿ فقلنا: يا رسول الله إن أمنا
مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟
قال: ((لا)) قلنا: فإنها كانت وأدت أختاً لنا في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: ((الوائدة
والموءودة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإسلام فيعفو الله عنها)) (٨). ورواه النسائي من حديث
(١) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً عن عكرمة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق داود
عن عامر الشعبي.
(٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص٢١٣.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأعمش عن مسلم، وهو أبو الضحى.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٤٣٤/٦)، وسنده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، النكاح، باب جواز الغيلة (ح١٤٤٢).
(٦) سنن ابن ماجه، النكاح، باب الغيل (ح ٢٠١١).
(٧) المصدر قبل السابق وسنن أبي داود، الطب، باب في الغيل (ح٣٨٨٢)؛ وسنن الترمذي، الطب، باب ما
جاء في الغيلة (ح ٢٠٧٨)؛ والسنن الكبرى، النكاح، باب الغيلة (ح٥٤٨٥).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٢٦٨/٢٥ ح١٥٩٢٣) وقال محققوه: رجاله ثقات .. لكن في
متنه نكارة.

٤٩٥
سُورَةُ التّكِوِيرِ (١، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
داود بن أبي هند به(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَليه :
((الوائدة والموءودة في النار))(٢).
وقال أحمد أيضاً: حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء ابنة معاوية الصريمية،
عن عمها قال: قلت يا رسول الله من في الجنة؟ قال: ((النبي في الجنة والشهيد في الجنة
والمولود في الجنة والموءودة في الجنة))(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهم، حدثنا قُرة قال: سمعت الحسن
يقول: قيل: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: ((الموءودة في الجنة))(٤). هذا حديث مرسل من
مراسيل الحسن، ومنهم من قبله. وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، حدثنا
حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين
في الجنة فمن زعم أنهم في النار فقد كذب يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ جَ بِأَِ ذَتْبٍ
قُئِلَتْ ﴾﴾(٥) قال ابن عباس: هي المدفونة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن
الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْدُودَةُ سُهِلَتْ ﴾﴾ قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله وَّل
فقال: يا رسول الله إني وأدت بناتٍ لي في الجاهلية قال: ((أعتق عن كل واحدة منهن رقبة)) قال:
يا رسول الله إني صاحب إبل، قال: ((فانحر عن كل واحدة منهن بدنة)). قال الحافظ أبو بكر
البزار: خولف فيه عبد الرزاق(٦)، ولم يكتبه إلا عن الحسين بن مهدي عنه.
وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني - فيما كتب إليَّ - قال: حدثنا
عبد الرزاق فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال: وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية، وقال في آخره:
((فأهدِ إن شئت عن كل واحدة بدنة))(٧)
ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح،
عن خليفة بن حصين قال: قدم قيس بن عاصم على رسول الله وَّله فقال: يا رسول الله إني وأدت
(١) أخرجه النسائي من طريق معتمر بن سليمان عن داود به. السنن الكبرى، التفسير، باب سورة التكوير
(ح ١١٥٨٥).
(٢) سنده حسن ولكن متنه كمتن رواية المسند السابقة. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء: آية ١٥.
(٤) سنده ضعيف لأنه مرسل ويشهد له ما تقدم في قصة الإسراء والمعراج وما رآه في السماء السابعة من
الأطفال المسلمين وأطفال غير المسلمين وأن مصيرهم في الجنة.
(٥) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني، ويشهد له الحديث المشار إليه في قصة الإسراء والمعراج.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه البزار عن الحسين بن مهدي عن عبد الرزاق به. (مختصر زوائد
مسند البزار ١١٥/٢ ح١٥٢٥) قال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح غير حسين بن مهدي الأيلي وهو
ثقة. (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٤) ولكن سماك بن حرب لم يسمع من النعمان.
(٧) سنده منقطع كسابقه.

٤٩٦
• سُوَدَّةُ التَّكِوير (٢٩،١٥)
اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية أو ثلاث عشرة قال: ((أعتق عددهن نسماً)) قال: فأعتق عددهن
نسماً، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة فقال: يا رسول الله هذه صدقة قومي على أثر ما
صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب: فكنا نريحها ونسميها القيسية(١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا اُلُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾﴾ قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو
بشماله.
وقال قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر الرجل
ماذا يملي في صحيفته(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا اُلتَمَءُ كُشِطَتْ ﴾﴾ قال مجاهد: اجتذبت(٣). وقال السدي: كشفت.
وقال الضحاك: تنكشط فتذهب. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ ﴾﴾ قال السدي: أُحميت.
وقال قتادة: أوقدت قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَّةُ أُزْلِفَتْ ®)﴾ قال الضحاك وأبو مالك وقتادة والربيع بن خثيم: أي
قربت إلى أهلها(٥).
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ ﴾﴾ هذا هو الجواب؛ أي: إذا وقعت هذه الأمور
حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ
خَيّرٍ تُضَرِّ وَمَا عَيِلَتْ مِن سُوْءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَّأَ بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وقال تعالى:
﴿يُّأْ الْإِنَنُ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَخَّرَ (®)﴾ [القيامة].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة، حدثنا ابن المبارك، حدثنا محمد بن مطرف،
عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: لما نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ ﴾﴾ قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ
نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ ﴾﴾ قال: لهذا أجرى الحديث(٦).
2] ﴿فَّ ◌ُقِيمُ بِْخُنَِّ ◌َ الْجَارِ الْكُنَّسِ ﴾ وَالَتْلِ إِذَا عَسْعَسَ
إِنَّهُ لَقَوْلُ
﴿ وَالضُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
ثَ قُطَاعِ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿ وَمَا صَاحِكُم بِمَجْنُونٍ
رَسُولٍ كِمٍ ﴿ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ
وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنِ زَّحِمٍ ﴿ فَأَنَ تَذْهَبُونَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا
﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
بِلْأُفِْ الْمُبِينِ
وَلَقَدْ رَءَاءُ
(PP)
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
لِمَنْ شَآَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيَمَ
ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
روى مسلم في صحيحه والنسائي في تفسيره عند هذه الآية من حديث مسعر بن كدام، عن
(١) في سنده قيس بن الربيع وهو صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. (التقريب
ص٤٥٧). وفيه مقال غير هذا. (ينظر: تهذيب التهذيب ٣٩٣/٨ - ٣٩٥).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) لم أجد من أخرجه ومعناه صحيح.
(٦) سنده مرسل لأن أسلم العدوى لم يدرك نزول الآية، ولكن إذا سمع خبر النزول من عمر يكون السند صحيحاً.

٤٩٧
سُورَةُ التَّكِوِيرِ (٢٩،١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي ◌َّ﴿ الصبح فسمعته يقرأ: ﴿فَلَآَ أُقِيمُ
◌ِلْنَ ﴿ الْجَارِ الْكُنَسِ ﴿ وَِّلِ إِذَا عَسْمَسَ ﴿ وَلْضُبْحِ إِذَا نَفَسَ ﴾﴾(١). ورواه النسائي، عن بندار،
عن غندر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حريث به نحوه(٢).
قال ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن
علي ﴿فَلّ أُقْسِمُ بِْنَسِ جَ الْجَوَارِ الْكُنَسِ ﴾﴾ قال: هي النجوم تخنس بالنهار وتظهر بالليل(٣).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن
الْجَوَارِ الْكُنَسِ
حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت علياً وسئل عن: ﴿فَلّ أُقْيِّمُ بُِْنَِّ
فقال: هي النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل (٤).
وحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد، عن علي قال: هي
النجوم(٥). وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة وهو: السهمي الكوفي. قال أبو حاتم
الرازي: روى عن علي وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً
فالله أعلم، وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنها النجوم(٦)، رواه ابن أبي
حاتم. وكذا روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وغيرهم أنها النجوم(٧).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن
عبد الله في قوله تعالى: ﴿فَلَآَ أُقِيمُ بِلْنَِّ جَ الْجَارِ الْكُنَسِ ﴾﴾ قال: هي النجوم الدراري التي
تجري تستقبل المشرق(٨). وقال بعض الأئمة، إنما قيل للنجوم: الخنس؛ أي: في حال
طلوعها، ثم هي جوار في فلكها وفي حال غيبوبتها يقال لها: كنس، من قول العرب: أوى
الظبي إلى كناسه، إذا تغيب فيه.
وقال الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: ﴿فَلَّ أُقْمُ بِلْخُنَِّ ﴾﴾ قال: بقر الوحش(٩)،
(١) أخرجه مسلم من طريق خلف بن خليفة الأشجعي عن الوليد بن سريع به. (الصحيح، الصلاة، باب متابعة
الإمام والعمل بعده (ح ٤٧٥).
(٢) السنن الكبرى، التفسير، سورة التكوير (ح ١١٥٨٧).
(٣) أخرجه الطبري من طريق الثوري به. وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن علي ويتقوى بما يليه إذا صُرِّح باسمه.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وقد أخرجه سعيد بن منصور، وحسن سنده الحافظ ابن حجر.
(فتح الباري ٨/ ٦٩٤) وانظر ما يليه.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به. وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/
٥١٦) وكذا صححه الحافظ ابن كثير.
(٦) في سنده الحارث وهو الأعور الهمداني وهو ضعيف وقد تابعه خالد بن عرعرة في الرواية السابقة.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الأعمش عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر
عن الحسن البصري، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٩) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، بدون ذكر عبد الله وهو ابن مسعود، وسنده صحيح، وسيأتي
موصولاً إلى ابن مسعود.

٤٩٨
• سُورَةُالتّكوبرِ (٢٩،١٥)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 00000000000000
الْجَوَارِ
وكذا قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله ﴿فَلَّ أُقِيمُ بِلْنَِّ (4)
الْكُنْسِ ﴾﴾ ما هي يا عمرو؟ قلت: البقر. قال: وأنا أرى ذلك(١)، وكذا روى يونس، عن أبي
إسحاق، عن أبيه.
وقال أبو داود الطيالسي، عن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿اَلْجَارِ
الْكُنَسِ ﴾﴾ قال: البقر تكنس إلى الظل(٢)، وكذا قال سعيد بن جبير.
وقال العوفي، عن ابن عباس هي الظباء(٣)، وكذا قال سعيد أيضاً ومجاهد والضحاك(٤).
وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: هي الظباء والبقر(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد أنهما تذاكرا
هذه الآية: ﴿فَلَآَ أُقِيمُ بِلْنَسِ ﴿ اَلْوَارِ الْكُنَِّ ﴾﴾ فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت،
قال: فقال مجاهد كنا نسمع فيها شيئاً وناس يقولون إنها النجوم، قال: فقال إبراهيم: قل فيها
بما سمعت، قال: فقال مجاهد كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، فقال إبراهيم
إنهم يكذبون على عليّ(٦)، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى والأعلى الأسفل،
وتوقف ابن جرير في المراد بقوله: ﴿بِلَِّْ ◌َ الَْوَارِ الْكَُِ ﴾﴾ هل هو النجوم أو الظباء وبقر
الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مراداً(٧).
وقوله تعالى: ﴿وَلَتْلِ إِذَا عَسْمَسَ ﴾﴾ فيه قولان:
أحدهما: إقباله بظلامه، وقال: مجاهد أظلم(٨).
وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ(٩).
وقال الحسن البصري: إذا غشي الناس(١٠)، وكذا قال عطية العوفي(١١).
وقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾ إذا أدبر(١٢)، وكذا قال
(١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق عن أبي ميسرة
به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥١٦/٢).
(٢) يشهد لقوله: البقر، الخبر السابق.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي
نجیح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.
(٥) أخرجه الطبري من طريق حجاج بن المنذر عن جابر بن زيد مقتصراً على ذكر البقر دون الظباء.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٧) ذكره الطبري بنحوه مطولاً .
(٨) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق جعفر ابن أبي المغيرة عن سعيد.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.
(١١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الفضيل عن عطية.
(١٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق
ابن عطية به ويتقوى بسابقه.

٤٩٩
• سُورَةُ التَّكِوبر (٢٩،١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مجاهد وقتادة والضحاك وكذا قال زيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن ﴿إِذَا عَسْمَسَ﴾ أي: إذا ذهب فتولى(١).
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري سمع أبا
عبد الرحمن السلمي قال: خرج علينا علي ◌َُّه حين ثوب المُثوِّب بصلاة الصبح فقال: أين
وَلُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ (®)﴾ هذا حين أدبر(٢). حسن.
السائلون عن الوتر؟ ﴿وَلَيْلِ إِذَا عَسْعَسَ
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْمَسَ﴾ إذا أدبر، قال: لقوله: ﴿وَلُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضاً (٣):
حتى إذا الصبح له تنفسا
وانجاب عنها ليلها وعسعسا
أي: أدبر، وعندي أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْمَسَ﴾ إذا أقبل وإن كان يصح استعماله في الإدبار
أيضاً لكن الإقبال ههنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل وبالفجر وضيائه إذا أشرق كما
قال تعالى: ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْشَىِ ﴿﴿ وَالتَّهَارِ إِذَا تَّ ﴾﴾ [الليل] وقال تعالى: ﴿وَالضُّحَى ﴾ وَأَلَيْلِ إِذَا سَجَى
﴾ [الضحى] وقال تعالى: ﴿فَالِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وغير ذلك من الآيات.
وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة ﴿عَسْعَسَ﴾ تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه
الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم.
وقال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن عسعس دنا من أوله وأظلم،
وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتاً .
عسعس حتى لو يشا أدنا
كان له من ضوئه مقبس
يريد لو يشاء إذ دنا أدغم الذال في الدال، قال الفراء: وكانوا يزعمون أن هذا البيت مصنوع(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلِضُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ ﴾﴾ قال الضحاك: إذا طلع.
وقال قتادة: إذ أضاء وأقبل.
وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ، وهو المروي عن علي ﴾(٥).
وقال ابن جرير: يعني ضوء النهار إذا أقبل وتبين(٦).
وقوله تعالى: ﴿إِنَُّ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كِ ®﴾ يعني: إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم؛ أي: ملك
شريف حسن الخلق بهي المنظر وهو: جبريل عليه الصلاة والسلام، قاله ابن عباس والشعبي
وميمون بن مهران والحسن وقتادة والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم(٧). ﴿ذِى قُوَّةٍ﴾ كقوله
(١) أخرجه الطبري بالأسانيد الصحيحة المتقدمة عن مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بلفظ: ((أدبر)).
(٢) أخرجه الطبري والحاكم من طريق أبي حصين عن أبي عبد الرحمن به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(المستدرك ٥١٦/٢).
(٣) هو علقمة بن قُرط كما صرح معمر بن المثنى. (مجاز القرآن ٢٨٨/٢) والطبري.
(٤) ذكره الفراء واستشهد به. (معاني القرآن ٢٤٢/٣) والطبري.
(٦) ذكره الطبري بلفظه.
(٥) تقدم تخريجه عنهم وبيان ألفاظهم.
(٧) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر
عن قتادة.

٥٠٠
سُورَةُ التَّكويرِ (٢٩،١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذُو مِرَّةِ﴾ [النجم] أي: شديد الخلق شديد البطش والفعل ﴿عِندَ ذِى
تعالى: ﴿عَلَمَّهُ شَدِيدُ اُلْقُوَى.
الْغَرَشِ مَكِينٍ﴾ أي: له مكانة عند الله رحمك ومنزلة رفيعة.
قال أبو صالح في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ ذِى الْعَشْ مَكِنٍ﴾ قال: جبريل يدخل في سبعين حجاباً من
نور بغير إذن(١) ﴿قُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: له وجاهة وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى.
قال قتادة: ﴿قُطَاعِ ثَمّ﴾ أي: في السموات(٢)؛ يعني: ليس هو من أفناد الملائكة بل هو من
السادة والأشراف معتنى به انتخب لهذه الرسالة العظيمة.
وقوله تعالى: ﴿أَمِينٍ﴾ صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جداً أن الربَّ ◌َ يزكي عبده ورسوله
الملكي جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشري محمداً وَ ل﴿ بقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُّكُ بِمَجْنُونٍ
﴾ قال الشعبي وميمون بن مهران وأبو صالح ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ
بِمَجْنُونٍ (49)﴾ يعني: محمداً وَلِ﴾(٣).
يعني: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاءُ بِلُفُقِّ الْمُِينِ
عن الله ◌َك على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح ﴿بِالْأُفُنِ اَلْبِينِ﴾ أي: البين، وهي
الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى جَ ذُو مِرَّةٍ فَأَسْتَوَى
﴿ فَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ
، وَهُوَ بِلْأُفُقِ اْأَعَْ * ثُمَّ دَنَا فَدَلَّ
(٥)﴾ [النجم] كما تقدم تفسير ذلك وتقريره، والدليل عليه أن المراد بذلك جبريل ظلّ*، والظاهر
والله أعلم أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤيا وهي الأولى،
وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ٣ عِندَ سِدْرَةِ الْنُنَغَىِ (١) عِندَهَا جَنَّةُ
(١)﴾ [النجم] فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد
الْوَ ﴿ إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى
سورة الإسراء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (*)﴾ أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين؛
أي: بمتهم ومنهم من قرأ ذلك بالضاد؛ أي: ببخيل بل يبذله لكل أحد (٤).
قال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء؛ أي: ما هو بكاذب وما هو بفاجر، والظنين المتهم،
والضنين البخيل(٥).
وقال قتادة: كان القرآن غيباً فأنزله الله على محمد فما ضن به على الناس بل نشره وبلغه(٦)
وبذله لكل من أراده، وكذا قال عكرمة وابن زيد وغير واحد (٧) واختار ابن جرير قراءة الضاد.
(١) أخرجه الطبري بسند فيه عمر بن شبيب المسلي وهو ضعيف. (التقريب ص٤١٤).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: مطاع عند الله ﴿ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١].
(٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق معقل بن عبيد الله الجزري عن ميمون بن مهران.
(٤) القراءتان متواترتان.
(٥) أخرجه الطبري من طريق مهران عن سفيان.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.