النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سُورَةُ القن (٢٨،٢٥)
جرير، وهو الأظهر لقوله بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَِ وَلَا أُشْرِكُ بِهِ- أَحَدًا (٣٥)﴾ أي: قال لهم الرسول
لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه ليبطلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته.
﴿إِنَّآ أَدْعُواْ رَبٍ﴾ أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له وأستجير به وأتوكل عليه ﴿وَلاَ أُثْرِكُ بِهِ.
أَحَدًا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَآَ أَمْلِكُ لَكُ ضَرَّا وَلَ رَشَدًا ﴾﴾ أي: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي
وعبد من عباد الله ليس إلي من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله
إلى الله رَك، ثم أخبر عن نفسه أيضاً أنه لا يجيره من الله أحد؛ أي: لو عصيته فإنه لا يقدر أحد
على إنقاذي من عذابه ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِ، مُلْتَحَدًا﴾ قال: مجاهد وقتادة والسدي: لا ملجأ(١).
وقال قتادة أيضاً: ﴿قُلْ إِنِّ لَن يُحِيْرَبِ مِنَ اَللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا (٣)﴾ أي: لا نصير
ولا ملجأ(٢). وفي رواية: لا ولي ولا موئل.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بَلَغَا مِنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهٍ،﴾ قال بعضهم: هو مستثنى من قوله: ﴿قُلْ إِنِّ لَآَ أَمْلِكُ لَكُ
ضَرََّ وَلَا رَشَدًا ﴿ إِلَّا بَغَا﴾ ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿لَن يُحِيَرَبِ مِنَ اَللَّهِ أَحَدٌ﴾ أي: لا
يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ
◌َلْغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِقٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسَِّ﴾ [المائدة: ٦٧].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًا﴾ أي: أنا أبلغكم
رسالة الله فمن يعصٍ بعد ذلك فله جزاءً على ذلك نار جهنم، خالدين فيها أبداً؛ أي: لا محيد
لهم عنها ولا خروج لهم منها .
وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (19)﴾ أي: حتى إذا
رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة، فسيعلمون يومئذٍ من أضعف
ناصراً وأقل عدداً، هم أم المؤمنون الموحدون الله تعالى؟ أي: بل المشركون لا ناصر لهم بالكلية
وهم أقل عدداً من جنود الله رَ .
. ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِىّ أَقَرِيبٌ مَا نُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِ أَمَدًا (٥ عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى
غَيْبِهِ: أَحَدًا ﴿ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا (٨) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ
أَبْلَغُوْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَتِهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَحْءٍ عَدَدًا ()
.
يقول تعالى آمراً رسوله ﴿ أن يقول للناس إنه لا علم له بوقت الساعة ولا يدري أقريب وقتها
أم بعيد؟ ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِىّ أَقَرِيبٌ مَّا نُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّ أَمَدًا (٥)﴾ أي: مدة طويلة، وفي هذه
الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه عليه الصلاة والسلام لا
يؤلف تحت الأرض(٣)، كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب، وقد كان ◌َليقول يسأل عن
وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تبدَّى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال: يا
(١) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) لا أصل له: انظر المقاصد الحسنة ص٤٤٣ والأسرار المرفوعة ص٣٥٣ وأجوبة الحافظ لتلاميذه ص٧٣.

٤٠٢
• سُورَةُ الخَّ (٢٨،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
محمد فأخبرني عن الساعة؟ قال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))(١)، ولما ناداه ذلك
الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: ((ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟))
قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله قال: ((فأنت مع من
أحببت)) قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مضاء، حدثنا محمد بن حمير، حدثني أبو
بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي بَّ قال: ((يا بني
آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت))(٣).
وقد قال أبو داود في آخر كتاب الملاحم: حدثنا موسى بن سهل، حدثنا حجاج بن
إبراهيم، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن
أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله وَله: ((لن يُعجز الله هذه الأُمة من نصف يوم)) (٤). انفرد
به أبو داود ثم قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان، عن
شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي و ﴿ أنه قال: ((إني لأرجو أن لا تعجز
أُمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم)) قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة عام(٥).
انفرد به أبو داود.
وقوله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٨ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ هذا كقوله
تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآءٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وهكذا قال ههنا إنه يعلم الغيب
والشهادة وأنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه، ولهذا قال:
﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٨) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ وهذا يعمُّ الرسول الملكي
والبشري. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَُّ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا﴾ أي: يخصه بمزيد معقبات من
الملائكة يحفظونه من أمر الله ويساوقونه على ما معه من وحي الله، ولهذا قال: ﴿لِيَعْلَ أَنْ قَدْ
٢٨
أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَتِهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا
وقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ إلى من يعود؟
فقيل: إنه عائد على النبي ◌َّ، وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن
جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٨ إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن
رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا (٣)﴾ قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أنس به (صحيح البخاري، الآداب، باب علامة الحب في الله ح ٦١٧١،
وصحيح مسلم، البر والصلة، باب المرء مع من أحب ح٢٦٣٩).
(٣) أخرجه أبو نعيم من طريق أبي بكر بن أبي مريم به (حلية الأولياء ٦/ ٩١) وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن
أبي مريم. (التقريب ص٦٢٣).
(٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الملاحم، باب قيام الساعة ح٤٣٤٩) وصححه الألباني في صحيح
سنن أبي داود (ح٣٦٥٥).
(٥) المصدر السابق (ح ٤٣٥٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٦٥٦).

٤٠٣
• سورةالآن (٢٨،٢٥)
﴿ لَبَعْلَمَ﴾ محمد نَّه ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾(١) ورواه ابن
أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به. وهكذا رواه الضحاك والسدي ويزيد بن أبي حبيب.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ قال: ليعلم نبي الله
أن الرسل قد بلغت عن الله وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها (٢)، وكذا رواه سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة(٣) واختاره ابن جرير.
وقيل غير ذلك كما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًا (4)﴾ قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي ◌َّ من الشيطان
حتى يتبين الذي أرسل به إليهم، وذلك حين يقول ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات
ربهم(٤). وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَلَتِ رَبِهِمْ﴾ قال: ليعلم من
كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم(٥)، وفي هذا نظر.
وقال البغوي: قرأ يعقوب ((ليُعلم)) بالضم؛ أي: ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا(٦).
ويحتمل أن يكون الضمير عائداً إلى الله ري، وهو قول حكاه ابن الجوزي في زاد المسير (٧)،
ويكون المعنى في ذلك أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته ويحفظ ما ينزله إليهم
من الوحي ليعلم أن قد أبلغوا رسالات بهم، ويكون ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِ
كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِعَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ﴾ [البقرة: ١٤٣] وكقوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ
اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَ اُلْمُنَفِقِينَ ﴾﴾ [العنكبوت] إلى أمثال ذلك من العلم بأنه تعالى يعلم
الأشياء قبل كونها قطعاً لا محالة، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَتِهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ .
آخر تفسير سورة الجن، ولله الحمد والمنة.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وزيادة: وما نزل جبريل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة حفظة من الملائكة.
وسنده ضعيف لإرساله.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٦) ذكره البغوي (معالم التنزيل ٤٠٦/٤).
(٧) ذكر ابن الجوزي (زاد المسير ٣٨٦/٨) وذكره أيضاً البغوي كما في المصدر السابق.

٤٠٤
سُورَةُ المُزَمَِّ (١، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
Soo
00000
00000
سُورَةُ المُنَمِِّ
وهي مكية
قال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا محمد بن موسى القطان الواسطي،
حدثنا معلى بن عبد الرحمن، حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال:
اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسماً يصدّ الناس عنه، فقالوا: كاهن.
قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون. قالوا: ساحر. قالوا: ليس بساحر،
فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبي وَ الل فتزمل في ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل ظلَّا
(٢﴾ [المدثر] ثم قال البزار: معلى بن عبد الرحمن قد
فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُؤَّعِّلُ ﴾﴾ ﴿فَأَيُّهَا الْمُدَّفِّرُ
حدّث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه لكنه تفرد بأحاديث لا يتابع عليها(١).
بسم الله الرحمن الحكم
أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتْلِ الْقُرْءَانَ
﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ ﴿ قُمِ الَِّلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ نِصِفَهُ أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
تَّرِلًا ﴿ إِنَّا سَنُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلًا تَقِيلًا ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٣) إِنَّ لَكَ فِ النََّرِ سَبْحًا
طَوِيلاً ﴾ وَأَذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْنِيلًا ﴿ رَبُّ الْشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَتَخِذْهُ وَّكِيلًا
يأمر تعالى رسوله * أن يترك التزمل وهو التغطي في الليل وينهض إلى القيام لربه رحمك كما
قال تعالى: ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ
[السجدة] وكذلك كان ﴿ ممتثلاً ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجباً عليه وحده
كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّيَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا (٣)﴾ [الإسراء]
وهُهنا بيّن له مقدار ما يقوم فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُؤَّقِلُ ﴿ قُمِ الَّْلَ إِلَّ قَلِيلًا ﴾﴾ قال ابن عباس
والضحاك والسدي: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ ﴾﴾ يعني: يا أيها النائم.
وقال قتادة: المزمل في ثيابه(٢).
وقال إبراهيم النخعي: نزلت وهو متزمل بقطيفة(٣).
وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ ﴾﴾ قال: يا محمد زملت القرآن(٤).
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ١١٣/٢ ح ١٥٢١) وسنده ضعيف جداً لأن معلى بن
عبد الرحمن متهم بالوضع (التقريب ص٥٤١) وينظر المصدر السابق فقد قال الحافظ ابن حجر: كذبوه.
وينظر: (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٠).
(٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٤) سنده حسن.

٤٠٥
• سُورَةُ المُزَمَِِّ (١، ٩)
0009000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000
وقوله تعالى: ﴿نِصْفَهُ﴾ بدل من الليل ﴿أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِلَا أَوْ زِدْ عَيْهِ﴾ أي: أمرناك أن تقوم نصف
الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل لا حرج عليك في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَرَقَّلِ الْقُرْءَانَ نَرِتِلًا﴾ أي: اقرأه على تمهل فإنه يكون عوناً على فهم القرآن
وتدبره. وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة ؤها: كان يقرأ السورة فيرتلها
حتى تكون أطول من أطول منها .
وفي صحيح البخاري، عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله وسلم فقال: كانت مدَّاً ثم قرأ
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمدُّ بسم الله، ويمدُّ الرحمن، ويمدُّ الرحيم(١).
وقال ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة ثّ أنها سُئلت عن قراءة رسول الله وَّه
فقالت: كانت يُقطّع قراءته آية آية ﴿يُسْمِ الَِّ الَرِ الرَّحَةِ ﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ ﴾ ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ [الفاتحة]. رواه أحمد وأبو داود والترمذي(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زرِّ، عن عبد الله بن
عمرو، عن النبي ◌َّ﴿ قال: ((يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق ورتِّل كما كنت ترتِّل في الدنيا، فإن
منزلتك عند آخر آية تقرؤها)»(٣). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سفيان الثوري به،
وقال الترمذي: حسن صحيح(٤).
وقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة
كما جاء في الحديث: ((زينوا القرآن بأصواتكم))(٥) و(ليس مِنَّا من لم يتغن بالقرآن))(٦) و((لقد أوتي
هذا مزماراً من مزامير آل داود)) يعني: أبا موسى، فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت
تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيراً (٧) .
وعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذُّوه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه،
وحركوا به القلوب، ولا يكن هُمُّ أحدكم آخر السورة. رواه البغوي(٨).
وقال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء
(١) تقدم تخريجه في تفسير البسملة.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير البسملة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠٤/١١ ح٦٧٩٩) وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب استحباب الترتيل في الصلاة (ح١٤٦٤)؛ وسنن الترمذي، ثواب القرآن، باب
الذي ليس في بيته قرآن كالبيت الخرب (ح٢٩١٥)؛ والسنن الكبرى، فضائل القرآن، باب الترتيل
(ح ٨٠٥٦)؛ وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ١٣٠٠).
(٥) أخرجه البخاري تعليقاً ووصله في كتاب ((خلق أفعال العباد ص٣٤)) من حديث البزار وه؛ وكذا وصله
أبو داود (السنن، الصلاة، باب استحباب الترتيل في القراءة ح ١٤٦٨)؛ وكذا وصله الحاكم من طرق
كثيرة عن البراء؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٧٢)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي
داود (ح١٣٠٣)؛ وأخرجه الدارقطني في الأفراد بسند حسن من حديث ابن عباس. (ينظر فتح الباري
٥١٩/١٣).
(٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحجر آية ٨٧.
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة سبأ آية ١٠.
(٨) أخرجه البغوي من طريق إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. (معالم التنزيل ٤ / ٤٠٧) ويشهد له حديث
البخاري التالي.

٤٠٦
سُوَرَّةُ الْمُنَفِِّ (١، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصّل الليلة في ركعة. فقال هذَّاً كهذِّ (١) الشعر لقد عرفت
النظائر التي كان رسول الله وَّيقر يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في ركعة(٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾﴾ قال الحسن وقتادة: أي العمل به(٣).
وقيل: ثقيل وقت نزوله من عظمته(٤)، كما قال زيد بن ثابت ظه: أنزل على رسول الله العقل
وفخذه على فخذي، فكادت ترضُّ فخذي(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن
الوليد، عن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي وَله فقلت: يا رسول الله هل تحسُّ بالوحي؟
فقال رسول الله وَلجر: ((أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليَّ إلا ظننت أن
نفسي تقبض))(٦). تفرد به أحمد.
وفي أول صحيح البخاري، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن
عائشة ◌ّا: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله وَله: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: ((أحياناً يأتي
في مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي
الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول)) قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي وَّر في اليوم
الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً (٧)، هذا لفظه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عائشة ◌ُنا قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله وَّله وهو على راحلته فتضرب
بجرانها (٨)(٩).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن
أبيه أن النبي ◌َّ و كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فما تستطيع أن تحرك حتى
يسرى عنه(١٠). وهذا مرسل، الجِران هو باطن العنق، واختار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معاً،
كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين(١١).
(١) الهذّ: سرعة القراءة.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وزيادة (الصحيح، الأذان، باب الجمع بين السورتين في الركعة ح ٧٧٥) ولقد
ذكر الحافظ ابن حجر عدة روايات تفصح عن السور النظائر (فتح الباري ٢٥٩/٢).
(٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
أبي رجاء عن الحسن.
(٤) ورد بذلك عدة أحاديث ثابتة (ينظر: المسند ٣٦٢/٤١ ح ٢٤٨٦٨) مع الحاشية.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٩٥.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه. (المسند ٦٤٢/١١ ح٧٠٧١).
(٨) بكسر الجيم أي: باطن العنق.
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الشورى آية (٥).
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٢/٤١ ح ٢٤٨٦٨) وحسن سنده محققوه؛ وأخرجه الحاكم
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٠٥/٢).
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له سابقه.
(١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.

٤٠٧
سُوَدَّةُ المُنَمِِّ (١، ٩)
0000000000000000000000000000000 000000 000 000000000000000000 000 000 000 000 000 000 000000
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَحْنَا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾﴾ قال أبو إسحاق: عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس: نشأ، قام بالحبشية (١).
وقال عمر وابن عباس وابن الزبير: الليل كله ناشئة(٢)، وكذا قال مجاهد(٣) وغير واحد، يقال
نشأ إذا قام من الليل وفي رواية عن مجاهد: بعد العشاء، وكذا قال أبو مِجلز وقتادة وسالم وأبو
حازم ومحمد بن المنكدر(٤).
والغرض أن ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته وكل ساعة منه تسمى ناشئة وهي الآنات،
والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة، ولهذا قال
تعالى: ﴿هِىَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوُ قِيلًا﴾ أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنه
وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا
الأعمش، أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَظْئاً وَأَصْوَبُ قِيلاً﴾ فقال له
رجل: إنما نقرؤها ﴿وَأَقْوُ قِيلًا﴾، فقال له: إن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد(٥).
ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِى النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴾﴾ قال ابن عباس وعكرمة وعطاء بن أبي
مسلم: الفراغ والنوم(٦).
وقال أبو العالية ومجاهد وأبو مالك والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وسفيان
الثوري: فراغاً طويلاً(٧).
وقال قتادة: فراغاً وبغية ومتقلباً(٨).
وقال السدي: ﴿سَبْكَا طَوِيلًا﴾ تطوعاً كثيراً.
(٧)﴾ قال:
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِ النََّارِ سَبْحًا طَوِيلاً
لحوائجك فأفرغ لدينك الليل، قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة ثم إن الله تبارك وتعالى
منّ على عباده فخففها ووضعها وقرأ: ﴿قُرِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ إلى آخر الآية، ثم قرأ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَغْلَمُ
(١) أخرجه الطبري بعدة أسانيد صحيحة من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من
عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود (المصنف ١٥٩/٧).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ٢٠/٣) بسند حسن من طريق سليمان التيمي عن أبي مِجلز،
وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن البصري.
(٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٨٨/٧ ح٤٠٢٢)؛ وسنده ضعيف لأن الأعمش لم يسمع من أنس؛
(جامع التحصل ص٢٢٨) وضعفه محقق مسند أبي يعلى، والقراءة بلفظ ((وأصوب)) شاذة تفسيرية.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن
مجاهد.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

٤٠٨
سُورَةُ المُنَمِِّلَ (١، ٩)
00000000000000000000000000000000000 000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن تُلُنِى الَّلِ وَنِصْفَهُ﴾ حتى بلغ ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَسَرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ
الَّتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا (٣٦)﴾ [الإسراء] (١) وهذا الذي قاله كما
قاله.
والدليل عليه ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا سعيد وهو: ابن
أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام أنه طلَّق امرأته ثم ارتحل إلى
المدينة ليبيع عقاراً له بها، ويجعله في الكراع والسلاح ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطاً
من قومه فحدثوه أن رهطاً من قومه ستة أرادوا ذلك على عهد رسول الله وَالر فقال: ((أليس لكم
فيّ أسوة حسنة؟)) فنهاهم عن ذلك فأشهدهم على رجعتها، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن
عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله والر؟ قال: نعم، قال:
ائت عائشة فسلها ثم ارجع إليّ فأخبرني بردِّها عليك. قال: فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته
إليها فقال: ما أنا بقاربها إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئاً فأبت فيها إلا مضياً،
فأقسمتُ عليه، فجاء معي فدخلنا عليها فقالت: حكيم؟ وعرفته. قال: نعم. قالت: من هذا الذي
معك؟ قال: سعيد بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر: قالت: فترحمت عليه وقالت:
نعم المرء كان عامراً. قلت: يا أُم المؤمنين أنبئيني عن خلُق رسول الله وَّ؟ قالت: ألست تقرأ
القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلُق رسول الله وَير كان القرآن، فهممت أن أقوم ثم بدا لي قيام
رسول الله ◌َ﴿، قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن قيام رسول الله وَله. قالت: ألست تقرأ هذه
السورة ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ ﴾﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة،
فقام رسول الله وَيهو وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني
عشر شهراً، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعاً من بعد فريضة.
فهممت أن أقوم ثم بدا لي وتر رسول الله وَ ﴿ فقلت: يا أُم المؤمنين أنبئيني عن وتر
رسول الله 18 قالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ثم
يتوضأ ثم يصلي ثمان ركعات ولا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه تعالى ويدعو
ثم ينهض وما يسلم، ثم يقول ليصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله وحده ثم يدعوه ثم يسلم تسليماً
يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسنَّ
رسول الله ﴿ وأخذه اللحم أوتر بسبع ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم فتلك تسع یا
بني، وكان رسول الله وَّر إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شغله عن قيام الليل
نوم أو وجع أو مرض صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله وَّه قرأ القرآن كله في
ليلة حتى أصبح، ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان. فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال:
صدقت أما لو كنت أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني مشافهة(٢)، هكذا رواه الإمام أحمد بتمامه،
وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه(٣).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٤/٤٠ - ٣١٦ ح٢٤٢٦٩) وقال محققوه: إسناده صحيح.
(٣) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (ح٧٤٦).

٤٠٩
• سُوَّرَّةُ الْمُزَمَِِّ (١، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
طريق أخرى عن عائشة ﴿يا في هذا المعنى:
قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، وحدثنا ابن حميد، حدثنا مهران قالا
جميعاً، واللفظ لابن وكيع، عن موسى بن عبيدة، حدثني محمد بن طحلاء، عن أبي سلمة، عن
عائشة ﴿ّا قالت: كنت أجعل لرسول الله وَلل حصيراً يصلي عليه من الليل فتسامع الناس به
فاجتمعوا فخرج كالمغضب، وكان بهم رحيماً، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل فقال: ((أيها
الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يملّ من الثواب حتى تملوا من العمل وخير
الأعمال ما ديم عليه)) ونزل القرآن ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ ﴿ قُمِ اَلَيْلَ إِلَّ قَلِيلًا ﴾ نِصْفَهُ، أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِلًا
أَوَ زِدْ عَلَيْهِ﴾ حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر فرأى الله ما يبتغون
من رضوانه فرحمهم فردَّهم إلى الفريضة وترك قيام الليل(١).
ورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، والحديث في الصحيح
بدون زيادة نزول هذه السورة، وهذا السياق قد يوهم أن نزول هذا السورة بالمدينة وليس كذلك،
وإنما هي مكية وقوله في هذا السياق إن بين نزول أولها وآخرها ثمانية أشهر. غريب، فقد تقدم
في رواية أحمد أنه كان بينهما سنة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن سماك
الحنفي، سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في
شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة(٢)، وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب،
عن أبي أسامة به(٣).
وقال الثوري ومحمد بن بشر العبدي، كلاهما عن مسعر، عن سماك، عن ابن عباس: كان
بينهما سنة (٤)، وروى ابن جرير، عن أبي كريب، عن وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن
عكرمة، عن ابن عباس مثله(٥) .
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن قيس بن وهب، عن أبي
عبد الرحمن قال: لما نزلت ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّقِلُ ﴾﴾ قاموا حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت
﴿فَقْرَهُوَأَ مَا تَسَرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] قال: فاستراح الناس(٦). وكذا قال الحسن البصري والسدي.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا معاذ بن
هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام قال: فقلت - يعني
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، كما قرر الحافظ ابن كثير في رواية
ابن أبي حاتم التالية، ويتقوى برواية الشيخين فقد أخرجاه مختصراً دون ذكر الآية. (صحيح البخاري،
الأذان، باب صلاة الليل ح ٧٣٠)؛ وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضيلة العمل الدائم ..
ح ٧٨٢).
(٢) سنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري عن أبي كريب به، وسنده صحيح. (٤) سنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له ما سبق.

٤١٠
سُورَةُ المُنَمَِّ (١، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لعائشة - أخبرينا عن قيام رسول الله وَّله. قالت: ألست تقرأ ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّلُ﴾؟ قلت: بلى، قالت:
فإنها كانت قيام رسول الله رَّ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم وحبس آخرها في السماء ستة عشر
شهراً ثم نزل(١).
وقال معمر، عن قتادة: ﴿قُِّ أَلَِّلَ إِلَّ فَلِيلًا﴾ قاموا حولاً أو حولين حتى انتفخت سوقهم
وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها بعد في آخر السورة(٢).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد - هو: ابن
جبير - قال: لما أنزل الله تعالى على نبيه وَّه ﴿يَيُّهَا الْمُزَِّلُ ﴾﴾ قال: مكث النبي ◌َّر على هذه
الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه فأنزل الله تعالى
عليه بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن قُلُنِى الَِّلِ وَنِصْفَهُ وَتُهُ وَطَاِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَّ﴾ إلى
قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [المزمل: ٢٠] فخفف الله تعالى عنهم بعد عشر سنين(٣)، ورواه ابن أبي
حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن رافع، عن يعقوب القمي به (٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قُ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ نِصِفَهُ، أَوِ أَنْقُصْ
مِنْهُ قَلِلَا ﴾﴾ فشق ذلك على المؤمنين ثم خفف الله تعالى عنهم ورحمهم فأنزل بعد هذا ﴿عَلِمَ أَن
سَيَكُونُ مِنْكُمْ فَرْضَىٌّ وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَقْرَءُواْ مَا تَبَتَرَ مِنْهُ﴾
[المزمل: ٢٠] فوسع الله تعالى وله الحمد ولم يضيِّق (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرِ أُسْتَمَ رَبِّكَ وَبَثَّلْ إِلَّهِ تَبْتِيلًا ﴾﴾ أي: أكثر من ذكره وانقطع إليه وتفرغ
لعبادته إذا فرغت من أشغالك وما تحتاج إليه من أمور دنياك كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ
[الشرح] أي: إذا فرغت من أشغالك فانصب في طاعته وعبادته لتكون فارغ البال، قاله ابن
زید بمعناه أو قريب منه.
قال ابن عباس ومجاهد وأبو صالح وعطية والضحاك والسدي: ﴿وَبَثَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي:
أخلص له العبادة(٦).
وقال الحسن: اجتهد وأبتل إليه نفسك(٧).
(١) أخرجه مسلم من طريق قتادة به بلفظ: ((حولاً. بدلاً من ستة عشر شهراً)) (الصحيح، صلاة المسافرين، باب
جامع صلاة الليل ح٧٤٦).
(٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل ويشهد لقوله: حولاً رواية مسلم السابقة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله وضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي، وقد
توبع كما سيأتي في رواية ابن أبي حاتم لكن تبقى علة الإرسال.
(٤) سنده ضعيف لإرساله.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر ويتقوى بما يليه، فقد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن
معمر عن قتادة، وأخرجه عبد بن حميد (كما في تغليق التعليق ٣٤٩/٤) وابن أبي شيبة (المصنف ١٣/
٥٦٩) بسند صحيح من طريق منصور عن مجاهد.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أشعث عن الحسن، وأشعث هو ابن سوار الكندي وهو ضعيف
(التقريب ص١١٣ وتهذيب التهذيب ٣٥٢/١، ٣٥٣).

٤١١
• سُورَةُ الْمُنَّمِِّ (١٨،١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جرير: يقال للعابد: متبتل، ومنه الحديث المروي: نهى عن التبتل(١) يعني:
الانقطاع إلى العبادة وترك التزوج.
وقوله تعالى: ﴿رَّبُّ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾﴾ أي: هو المالك المتصرف في
المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل فاتخذه وكيلاً كما
قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وكقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ
نَسْتَعِينُ (@)
: [الفاتحة] وآيات كثيرة في هذا المعنى فيها الأمر بإفراد العبادة والطاعة لله وتخصيصه
بالتوكل عليه.
﴿ وَذَرْنِ وَالْكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِلًا
2- ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا
إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا ﴿ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ٣ يَوْمَ تَرْجُفُ اُلْأَرْضُ وَاَلْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَتِبًا
مَّهِيلًا (﴿﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَآَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كآ أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
فَأَخَذْتَهُ أَخْذَا وَبِلًا ﴿ فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا ٤ السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهٍ، كَانَ وَعْدُمُ
مَفْعُولًا
يقول تعالى آمراً رسوله وَّه بالصبر على ما يقوله مَن كذَّبهِ من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجراً
جميلاً، وهو الذي لا عتاب معه، ثم قال له متهدداً لكفار قومه ومتوعداً، وهو العظيم الذي لا
يقوم لغضبه شيء ﴿وَذَرْنِ وَالْمُكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ﴾ أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال
فإنهم على الطاعة أقدر من غيرهم وهم يطالبون من الحقوق بما ليس عند غيرهم ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِلًا﴾
أي: رويداً كما قال: ﴿تُمِنِعُهُمْ قَلِلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَادٍ غَلِيظِ ﴾﴾ [لقمان]، ولهذا قال لههنا :
﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ وهي القيود. قاله ابن عباس وعكرمة وطاوس ومحمد بن كعب وعبد الله بن
بريدة وأبو عمران الجوني وأبو مجلز والضحاك وحماد بن أبي سليمان وقتادة والسدي وابن
المبارك والثوري وغير واحد(٢).
﴿وَيمًا﴾ وهي السعير المضطرمة ﴿وَطَعَامًا ذَا غُضَّةٍ﴾ قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا
يدخل ولا يخرج (٣).
﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَاَلْجِبَالُ﴾ أي: تزلزل ﴿وَكَانَتِ لِبَالُ كَتِيبًا مَّهِيلًا﴾ أي: تصير ككثبان
الرمل بعد ما كانت حجارة صماء ثم إنها تنسف نسفاً فلا يبقى منها شيء إلا ذهب حتى تصير
(١) ذكره الطبري بنحوه والحديث أخرجه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص ه (الصحيح، النكاح،
باب ما يكره من التبتل ح٥٠٧٤).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢٨٨/٨)؛ والطبري بسند جيد من طريق أبي عمرو الملائي عن عكرمة؛
وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند حسن من طريق مبارك، وهو ابن فضالة، عن الحسن البصري؛
وأخرجه أبو نعيم بسند حسن من طريق منصور عن مجاهد (حلية الأولياء ٢٩٨/٣)؛ وأخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق الثوري عن حماد؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري والحاكم بسند حسن من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس؛ وصححه الحاكم
وتعقبه الذهبي بقوله: شبيب ضعفوه. (المستدرك ٥٠٤/٢).

٤١٢
سُوَرَّة المُزَمَِّ (١٨،١٠)
الأرض قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً؛ أي: وادياً ولا أمتاً، أي: رابية، ومعناه: لا شيء
ينخفض ولا شيء يرتفع.
ثم قال تعالى مخاطباً لكفار قريش والمراد سائر الناس: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ﴾
أي: بأعمالكم ﴿كَا أَزْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِلَا (13)﴾ قال ابن
عباس ومجاهد وقتادة والسدي والثوري: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾ أي: شديداً (١)؛ أي: فاحذروا أنتم أن
تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى:
﴿وَذَهُ اللهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَ ﴾ [النازعات] وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم رسولكم؛ لأن
رسولکم أشرف وأعظم من موسى بن عمران، ویروی عن ابن عباس ومجاهد.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَنَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا ﴾﴾ يحتمل أن يكون يوماً
معمولاً لتتقون كما حكاه ابن جرير عن قراءة ابن مسعود ((فكيف تخافون أيها الناس يوماً
يجعل الولدان شيباً)) إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به(٢)؟ ويحتمل أن يكون معمولاً لكفرتم فعلى
الأول كيف يحصل لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟ وعلى الثاني كيف يحصل
لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟ وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله
أعلم.
ومعنى قوله: ﴿يَوْمَا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا﴾ أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين
يقول الله تعالى لآدم: ابعث بعث النار. فيقول: من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة.
قال الطبراني: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن [أبي مريم] (٣)، حدثنا نافع بن
يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس ظًا أن
رسول الله وَله قرأ ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا﴾ قال: ((ذلك يوم القيامة وذلك يوم يقول الله لآدم: قم
فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: من كم يا رب؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون
وينجو واحد)). فاشتد ذلك على المسلمين وعرف ذلك رسول الله وَ لقر ثم قال: حين أبصر ذلك
في وجوههم ((إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل
[حتى يُرى] (٤) لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جُنة لكم)) (٥). هذا حديث غريب وقد تقدم
في أول سورة الحج ذكر هذه [الأحاديث](٦).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) ذكره الطبري تعليقاً وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٣) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل صُحف إلى: ((هزيم)).
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٥) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٣٦٦/١١ ح١٢٠٣٤)، وسنده ضعيف لضعف عثمان بن عطاء الخراساني،
(ينظر مجمع الزوائد ٧/ ١٣٠)، والتقريب ص ٣٨٥ وعطاء الخراساني اختلط.
(٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.

٤١٣
سُورَةُ المُزَمِّل (١٩، ٢٠)
وقوله تعالى: ﴿السَّمَآءُ مُنْفَظِرٌ بِهٍء﴾ قال الحسن وقتادة: أي بسببه من شدته وهوله(١).
ومنهم من يعيد الضمير على الله تعالى: [ويروى عن ابن عباس ومجاهد](٢)(٣) وليس بقوي؛
لأنه لم يجر له ذکر ههنا .
وقوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُمُ مَفْعُولًا﴾ أي: كان وعد هذا اليوم مفعولاً؛ أي: واقعاً لا محالة
و كائناً لا محيد عنه.
﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَ مِن
﴿إِنَّ هَذِهِ، نَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِهِ سَبِيلًا
تُلُنَى الَِّلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اَلَيْلَ وَالنََّّ عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُخُصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُواْ مَا
يَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنْكُمْ فَرْضَىٌّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَتِلُونَ
فِى سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَهُوا مَا تَبَسَرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرَّْا حَسَنَّا وَمَا نُقَيِّئُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ
تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَبْرَّ وَأَسْتَغْفِرُواْ الله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ أي: السورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾ أي: يتذكر بها أولو الألباب، ولهذا قال
تعالى: ﴿فَمَنْ شَآءَ أَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: ممن شاء الله تعالى هدايته كما قيده في السورة
الأخرى ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا
﴾ [الإنسان].
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْفَ مِن تُلْنَى الَّلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَنْ﴾ أي: تارة هكذا
وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من
قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ الَّلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: تارة يعتدلان وتارة يأخذ
هذا من هذا وهذا من هذا .
﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ أي: الفرض الذي أوجبه عليكم ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ أي: من
غير تحديد بوقت؛ أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبَّر عن الصلاة بالقراءة كما قال
في سورة سبحان ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أي: بقراءتك ﴿ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾
[الإسراء: ١١٠].
وقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة تَّلُهُ بهذه الآية وهي قوله: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَبَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾
على أنه لا يجب تعين قراءة الفاتحة في الصلاة بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن ولو بآية،
أجزأه واعتضدوا بحديث المسيء صلاته الذي في الصحيحين: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من
القرآن)) (٤) وقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت وهو في الصحيحين أيضاً أن
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن بلفظ: ((موقرة مثقلة))؛ وأخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((مثقلة يوم القيامة)).
(٢) زيادة من (حم).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظ: ((تشقق السماء حين ينزل الرحمن جلَّ
وعزَّ))؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((مثقلة به)).
(٤) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه. (صحيح البخاري، باب أمر النبي ◌َّر الذي لا يتم ركوعه
بالإعادة ح ٧٩٣؛ وصحيح مسلم، الأذان، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ح٣٩٧).

٤١٤
• سُورَةُ المُزَمِّن (٢٠،١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وسلم قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب))(١)، وفي صحيح مسلم، عن أبي
هريرة أن رسول الله وسلم قال: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج فهي
خداج غير تمام)) (٢) وفي صحيح ابن خزيمة، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تجزئ صلاة من لم يقرأ
بأم القرآن»(٣) .
وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ فَرْضَىٌّ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَآخَرُونَ
يُقَلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل من مرضى
لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل الله في المكاسب والمتاجر، وآخرين
مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل الله، وهذه الآية بل السورة كلها مكية ولم
يكن القتال شرع بعد، فهي من أكبر دلائل النبوة لأنه من باب الإخبار بالمغيبات المستقبلة،
ولهذا قال تعالى: ﴿فَقْرَءُواْ مَا تَسَرَ مِنْهُ﴾ أي: قوموا بما تيسر عليكم منه.
قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء محمد، قال: قلت للحسن: يا
أبا سعيد ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه ولا يقوم به إنما يصلي المكتوبة؟
قال: يتوسد القرآن لعن الله ذاك، قال الله تعالى للعبد الصالح: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْتَهُ﴾
[يوسف: ٦٨] ﴿ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] قلت: يا أبا سعيد، قال الله
تعالى: ﴿فَأَقْرَءُواْ مَا تَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ قال: نعم ولو خمس آيات(٤).
وهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري أنه كان يرى حقاً واجباً على حملة القرآن أن يقوموا
ولو بشيء منه في الليل، ولهذا جاء في الحديث أن رسول الله وَلو سئل عن رجل نام حتى
أصبح، فقال: ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنه))(٥) فقيل معناه نام عن المكتوبة، وقيل: عن قيام
الليل، وفي السنن ((أوتروا يا أهل القرآن))(٦)، وفي الحديث الآخر: ((من لم يوتر فليس منا))(٧)
وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر بن عبد العزيز من الحنابلة من إيجابه قيام شهر رمضان،
فالله أعلم.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن سعيد فرقد [الجدي]، حدثنا أبو أحمد محمد بن يوسف
الزبيدي، حدثنا عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الله بن طاوس من ولد طاوس، عن أبيه، عن
(٢) تقدم تخريجه في فضل سورة الفاتحة.
(١) تقدم تخريجه في فضل سورة الفاتحة.
(٣) تقدم تخريجه في فضل سورة الفاتحة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده بلفظ: ((ولو خمسين آية)). وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود
(صحيح البخاري، التهجد، باب إذا نام ولم يصلِّ بال الشيطان في أُذنه ح١١٤٤)؛ وصحيح مسلم، صلاة
المسافرين، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح ح٧٧٤).
(٦) أخرجه أبو داود من حديث علي به، السنن، الصلاة، باب استحباب الوتر (ح١٤١٦)؛ وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح١٢٥٦).
(٧) أخرجه أبو داود من حديث بُريدة به (السنن، الصلاة، باب فيمن لم يوترح١٤١٩)؛ وضعفه الألباني في
ضعيف سنن أبي داود؛ وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بأن أبا المنيب العتكي عنده مناكير.
(المستدرك ٣٠٥/١).

٤١٥
• سُوَرَّةُ الْمُزَمِّل (١٩، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّهِ: ﴿فَقْرَهُوأَ مَا تَتَرَ مِنْهُ﴾ قال: ((مائة آية))(١). وهذا حديث
غريب جداً لم أره إلا في معجم الطبراني رحمه الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم وآتوا الزكاة
المفروضة، وهذا يدل لمن قال إن فرض الزكاة نزل بمكة لكن مقادير النصب والمخرج لم تبين
إلا بالمدينة والله أعلم.
وقد قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: إن هذه الآية
نَسخَت الذي كان الله قد أوجبه على المسلمين أولاً من قيام الليل(٢)، واختلفوا في المدة التي
بينهما على أقوال كما تقدم، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَلقد قال لذلك الرجل:
((خمس صلوات في اليوم والليلة)) قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا إلا أن تطوع))(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ قَرََّا حَسَنًا﴾ يعني: من الصدقات، فإن الله يجازي على ذلك أحسن
الجزاء وأوفره، كما قال تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾
[البقرة: ٢٤٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُقَيِعُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَبْ﴾ أي: جميع
ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم،
عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله وَالقول: ((أيكم ماله أحب إليه من مال
وارثه؟» قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه قال: ((اعلموا ما
تقولون)) قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله؟ قال: ((إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما
أخر)) (٤). ورواه البخاري من حديث حفص بن غياث والنسائي من طريق أبي معاوية كلاهما عن
(٥)
الأعمش به (٥).
ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم
کلها فإنه غفور رحيم لمن استغفره.
آخر تفسير سورة المزمل، ولله الحمد والمنة، وصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله
وصحبه .
(١) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٩/١١ ح ١٠٩٤٠) وقال الهيثمي فيه عبد الرحمن بن طاوس، ولم أعرفه
(مجمع الزوائد ١٣٣/٧).
(٢) أخرجه ابن الجوزي بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضاً بسند حسن من طريق
مبارك، وهو ابن فضالة، عن الحسن، وهو مرسل ويتقوى بسابقه (نواسخ القرآن ص٤٩٦ - ٤٩٨).
(٣) صحيح البخاري، الإيمان، باب الزكاة من الإسلام (ح٤٦)؛ وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الصلوات
التي هي أحد أركان الإسلام (ح١١).
(٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٩٧ ح ٥١٦٣) وسنده صحيح.
(٥) صحيح البخاري، الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له (ح ٦٤٤٢)؛ وسنن النسائي، الوصايا، باب الكراهية
في تأخير الوصية ٦/ ٢٣٧.

٤١٦
سُورَةُ المُزْرِ (١٠،١)
00000000000000000000000000000 000 000 000 000 000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000
00000
سُورَةُ المُدْرِ
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
ـج وَلَا تَعْنُنْ تَسْتَكْثِرُ
(١) وَالرُّجْزَ فَأَهْجُرْ
] ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَُِّّ ﴿﴿ قُرْ فَأَنْذِرْ ﴾ وَرَبَّكَ فَكَّتِ ﴾ وَثَابَكَ فَطَهِرْ
وَلِرَبِّكَ فَأَصْبِرِ ﴿ فَإِذَا يُقِرَ فِىِ النَّاقُورِ ﴾ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَبِيرٍ
ثبت في صحيح البخاري من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر أنه كان
يقول: أول شيء نزل من القرآن ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾. وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن
نزولاً قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِسْمِ رَيِّكَ اَلَّذِى خَلَقَ ﴾﴾ [العلق] كما سيأتي ذلك هنالك إن شاء الله
تعالی.
قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال:
سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾﴾ قلت: ﴿اقْرَأْ
بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾﴾؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما
قلت لي فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله وسلم قال: ((جاوزت بحراء فلما قضيت
جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت
أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة
فقلت: دثروني وصبوا عليّ ماء بارداً، قال: فدثروني وصبُّوا عليَّ ماء بارداً، قال: فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا
الْمُدَِّرُ ﴿ قُرْ فَذِرْ ﴿ وَرَبَّكَ فَكَِّ ﴾﴾))(١). هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم(٢) من
طريق عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله والقوى
يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: ((فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت
بصري قبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثثت
منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقلت: زملوني زملوني فزملوني، فأنزل الله تعالى:
﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿ قُرْ فَذِرْ ﴾﴾ إلى ﴿فَلَهْجُ﴾ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان. ثم حمي الوحي
وتتابع)) هذا لفظ البخاري(٣)، وهذا السياق هو المحفوظ وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة المدثر، باب رقم ١ (ح ٤٩٢٢).
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ◌َير (ح٢٥٦).
(٣) أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث عن عقيل به. (الصحيح، التفسير، باب ﴿ وَاُلُّجْزَ فَأَهْجُرْ
(@)) [المدثر] ح ٤٩٢٦).

٤١٧
• سُوَرَّةُ المُدْرِ (١، ١٠)
006000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000
لقوله: ((فإذا الملك الذي جاءني بحراء)) وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ
خَلَقَ الْإِنِسَنَ مِنْ عَلَقٍ ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ٣ الَّذِى عَلَّمَ بِلْقَلِ جَ عَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمَ ﴾﴾ [العلق]، ثم
إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا.
ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإمام أحمد(١): حدثنا
حجاج، حدثنا ليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول:
أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله وَ لير يقول: ((ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا أمشي
سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي
بين السماء والأرض فجثيت منه فرقاً حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم زملوني
زملوني فزملوني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ قُرْ نَذِرْ
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ
وَرَبَّكَ فَكِّرْ
وَاَلْرُّجْزَ فَأَهْجُزْ ﴾﴾ ثم حمي الوحي وتتابع)) أخرجاه من حديث الزهري به(٢).
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر البجلي، حدثنا
المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد: سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن
الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً، فلما أكلوا منه قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم:
ساحر، وقال بعضهم: ليس بساحر، وقال بعضهم: كاهن، وقال بعضهم: ليس بكاهن، وقال
بعضهم: شاعر، وقال بعضهم: ليس بشاعر، وقال بعضهم: بل سحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه
سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي ◌َّ﴿ فحزن وقنع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ ﴾ قُرْ فَأَذِرْ
وَرَبَّكَ فَكَّتِ ﴿ وَثَ فَطَهِّرْ ﴿ وَلُّجْزَ فَأَهْجُرْ جَ وَلَا تَعْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿ وَلِرَبِّكَ فَأَصِْ ﴾﴾(٣).
وقوله تعالى: ﴿قُرْ فَأَذِرْ ﴾﴾ أي: شمِّر عن ساق العزم وأنذر الناس، وبهذا حصل الإرسال
كما حصل بالأول النبوة.
﴿وَرَبَّكَ فَكَّتِزْ ﴾﴾ أي: عظم.
وقوله تعالى: ﴿وَثِيَكَ فَطَفِرْ ﴾﴾ قال الأجلح الكندي، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه أتاه
رجل فسأله عن هذه الآية ﴿وَثَبَكَ فَطَفِرْ ﴾﴾ قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة. ثم
قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي:
لبست ولا من غَدرة أتقنَّع(٤)
فإني بحمد اللّه لا ثوب فاجر
وقال [ابن جريج](٥): عن عطاء، عن ابن عباس في الآية ﴿وَثَابَكَ فَطْفِرْ ﴾﴾ قال: في
كلام العرب نقي الثياب وفي رواية بهذا الإسناد فطهر من الذنوب(٦)، وكذا قال إبراهيم
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٥/٣)، وسنده صحيح.
(٢) انظر المصدرين السابقين من الصحيحين.
(٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٢٥/١١ ح ١١٢٥٠)، وسنده ضعيف جداً لأن إبراهيم بن يزيد الخوزي
متروك. (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٤).
(٤) أخرجه الطبري بعدة أسانيد من طريق الأجلح به، وسنده حسن، وله شواهد تقويه كما يلي.
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ابن جرير.
(٦) أخرجه الطبري من طريق عن ابن جريج به، وسنده حسن.

٤١٨
سُورَةُ المقدورِ (١٠،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والشعبي وعطاء(١).
وقال الثوري، عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَّهِرْ ﴾﴾ قال:
من الإثم (٢)، وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال مجاهد: ﴿وَثِيَكَ فَطَفِرْ ﴾﴾ قال: نفسك ليس
ثيابك، وفي رواية عنه ﴿وَثِيَابَكَ فَطَفِرْ ﴾﴾ أي: عملك فأصلح(٣)، وكذا قال أبو رزين(٤)، وقال
في رواية أخرى: ﴿وَثَكَ فَطَّفِرْ ﴾﴾ أي: لست بكاهن ولا ساحر فأعرض عما قالوا(٥).
وقال قتادة: ﴿وَثِيَكَ فَطَفِرْ ﴾﴾ أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا
نكث ولم يفِ بعهد الله: إنه لدنس الثياب، وإذا وفَّى وأصلح إنه لمطهّرُ الثياب(٦).
وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية (٧). وقال الشاعر(٨):
فكل رداء يرتديه جميل
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَكَ فَطَفِرْ ﴾﴾ يعني: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب
غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية (٩).
وقال محمد بن سيرين: ﴿وَثَكَ فَطَعِرْ ﴾﴾ أي: اغسلها بالماء(١٠).
وقال ابن زيد: وكان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه (١١)، وهذا
القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب
عليه كما قال امرؤ القيس :
وإن كنت قد أزمعت هجري فأجملي
أفاطم مهلاً بعض هذا التدلل
فسلي ثيابي من ثيابك تنسل
إن تك قد ساءتك مني خليقة
(١٢)
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَثِيَكَ فَطَهِّرْ ﴾﴾ وقلبك ونيتك فطهره(١٣).
(١) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً من طريق مغيرة عن إبراهيم.
(٢) سنده ضعيف الإبهام الراوي عن عطاء، ويتقوى بما سبق وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن ابن جريج
عن عطاء به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٠٦/٢).
(٣) أخرجه الطبري بسند فيه شيخ الطبري وهو: يحيى بن طلحة اليربوعي: لين الحديث. (التقريب ص٥٩٢)
ولكنه قد توبع بواسطة سعيد بن منصور وعبد بن حميد إذا عزاه السيوطي إليهما، وهما من طبقة شيوخ
الطبري.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق منصور عن أبي رزين. (المصنف ٢١٧/٨).
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) أخرجه الطبري وابن عبد البر. (التمهيد ٢٣٦/٢٢) بسند حسن من طريق الأجلح الكندي عن عكرمة،
وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه.
(٨) هو: دكين بن رجاء، واستشهد به ابن قتيبة. (الشعر والشعراء ٢/ ٦١٢).
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. ويشهد له ما سبق.
(١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن عون عن محمد بن سيرين، وبعض رجاله لم أقف على ترجمة لهم.
(١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(١٢) ديوان امرئ القيس ص ٣٧.
(١٣) ذكره البغوي تعليقاً. (معالم التنزيل ٤١٣/٤).

٤١٩
سُورَةُ المُدُورِ (١، ١٠)
وقال محمد بن كعب القرظي والحسن البصري: وخلقك فحسن(١).
وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَأَهْجُزْ ﴾﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: والرجز وهو
الأصنام فاهجر(٢)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد: إنها الأوثان(٣).
وقال إبراهيم والضحاك: ﴿وَلُّجْزَ فَأَهْجُزْ ﴾﴾ أي: اترك المعصية(٤)، وعلى كل تقدير فلا يلزم
تلبسه بشيء من ذلك كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّقُّ أَتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينٌ﴾ [الأحزاب: ١]
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِى فِى قَوِْى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾﴾ قال ابن عباس: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها(٥)،
وكذا قال عكرمة ومجاهد وعطاء وطاوس وأبو الأحوص وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة
(٦)
والسدي وغيرهم
.
وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: ((ولا تمنن أن تستكثر))(٧).
وقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره(٨)، وكذا قال الربيع بن أنس(٩)،
واختاره ابن جرير.
وقال خصيف، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾﴾ قال: لا تَضعُف أن تستكثر
من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تَضعُف(١٠).
وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس تستكثرهم بها تأخذ عليه عوضاً من الدنيا(١١). فهذه
أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَأَصْبِرِ ﴾﴾ أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك رم. قاله مجاهد(١٢).
(١) ذكره البغوي تعليقاً. (معالم التنزيل ٤١٣/٤).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٤) أخرجه الطبري عن إبراهيم بسند فيه ابن حميد شيخ الطبري، وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف وقد
تابعه عبد بن حميد وسعيد بن منصور كما عزاه السيوطي إليهما، وهما من طبقة شيوخ الطبري، وأخرجه
الطبري بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق
منصور عن إبراهيم. (المصنف ٣١٩/٥). وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة - وهو ابن نبيط -
عن الضحاك، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) ذكره الطبري تعليقاً، وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق سفيان بن حسين عن الحسن البصري. (المصنف ٣١٩/٥).
(٩) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.
(١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خصيف عن مجاهد، وخُصيف: سيئ الحفظ.
(١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(١٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٤٢٠
• سُوَّةُ المُدُورِ (١١، ٣٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال إبراهيم النخعي: اصبر عطيتك الله رَ (١).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِىِ النَّاقُوَرِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَّ عَسِيُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾﴾ قال ابن
عباس ومجاهد والشعبي وزيد بن أسلم والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن
زيد: ﴿النَّقُورِ﴾ الصور(٢) .
قال مجاهد: وهو كهيئة القرن(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد، عن مطرف، عن عطية
العوفي، عن ابن عباس ﴿فَإِذَا تُقِرَ فِىِ النَّقُورِ ﴾﴾ فقال: قال رسول الله وَله: ((كيف أنعم وصاحب
القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟)) فقال: قال أصحاب رسول الله وليته:
فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: ((قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا)). وهكذا رواه
الإمام أحمد عن أسباط به، ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن ابن فضيل وأسباط كلاهما عن
مطرف به، ورواه من طريق أخرى عن العوفي عن ابن عباس به (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُّ عَبِيرٌ ﴾﴾ أي: شديد ﴿عَلَى الْكَفِرِينَ غيّرُ يَبِيرٍ ﴾﴾ أي: غير
سهل عليهم كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَبِيرٌ﴾ [القمر: ٨]، وقد روينا عن زرارة بن
أوفى قاضي البصرة أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا يُقِرَ
فِي النَّقُورِ ﴿﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَبِيرٍ ﴾﴾ شِهقَ شَهقة ثم خرَّ ميتاً فَظُّهُ(٥).
2] ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
(١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَا مَمْدُودًا
وَمَهَّدتُّ لَهُمْ تَمَهِيدًا
وَبَنِينَ شُهُودًا (45)
(١ إِنَّمُ فَكَّرَ وَقَدَرَ ﴿٣٠ فَقُئِلَ كَيْفَ
سَأُزهِقُُ صَعُودًا
كَلََّّ إِنَّهُ كَانَ لِأَيَئِنَا عَنِيدًا
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ @
ثُمَّ نَظَرَ ﴿٨َ ثُمَّ عَبَسَ وَبَرَ
ثُمَّ قُئِلَ كَيْفَ فَذَّرَ
قَدَّرَ
﴿فَ ثُمَّ أَذْبَرَ وَأَسْتَكْبَرَ ﴿ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّ ◌ِرٌ
سَأُصْلِيهِ سَقَّرَ ﴿ وَمَّ أَذْرَكَ مَا سَقَرُ ﴿ لَا نَبْقِى وَلَا نَذَرُ ﴿َ لَوَّامَةٌ
ؤْثَرُ ﴿ إِنْ هَذَآَ إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (@)
عَلَيْهَا تِسْعَةً عَشَرَ
لْبَشَرِ
يقول تعالى متوعداً لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفر بأنعم الله وبدلها كفراً
وقابلها بالجحود بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدَّد الله عليه نعمه حيث
قال تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾﴾ أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد ثم
رزقه الله تعالى: ﴿مَالَا مَّعْدُودًا﴾ أي: واسعاً كثيراً قيل: ألف دينار(٦)، وقيل: مائة ألف دينار،
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مغيرة عن إبراهيم.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن عكرمة، وأخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن
زيد، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.
(٣) أخرجه الطبري بالسند الصحيح المتقدم عن مجاهد.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٧٣.
(٥) أخرجه أبو نعيم (الحلية ٢٥٨/٢) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٥٠٦/٢).
(٦) أخرجه الطبري بسندين مرسلين عن مجاهد وسعيد بن جبير، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.
٠