النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ • سُورَةُ المعززة (١٩، ٣٥) إِلَّا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا (٣٥) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِنَّ الْإِنِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا وَأَّذِينَ فِّ أَوَلِمْ حَقٌ مَعَلُومٌ () لِّلِسَّابِلِ وَالْمَحْرُومِ (٥) وَالَّذِينَ اٌلْمُصَلِينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَايِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ وَالَِّينَ هُم مِّنْ عَذَابٍ رَبِهِم مُشْفِقُونَ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ مَأْمُونِ (٦) يُصَدِّقُونَ بِيَّوْمِ الدِّنِ ◌ِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونَ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٥) فَنِ ابَ وَرَةَ ذَلِكَ فَأُوْلَّكَ هُمُ الْعَادُونَ ، وَلَّذِينَ هُمْ لِأَمَّتَئِهِمْ وَعَهْدِ زَعُونَ ﴿ وَالَّذِيْنَ هُمْ بِشَهَدَتِهِمْ قَابِعُونَ وَلَّذَِ هُ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ ٣٤ أُوْلَئِكَ فِي جَنَّتٍ مُّكَرَمُونَ يقول تعالى مخبراً عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة ﴿﴿ إِنَّ الْإِنِسَنَ خُلِقَ أي: إذا مسّه الضر فزع وجزع وانخلع هَلُوعًا (٨)﴾ ثم فسره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَرُوعًا قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُعًا (4)﴾ أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله تعالى فيها . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن علي بن رباح، سمعت أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله إليه: (شر ما في رجل: شح هالع وجبن خالع))(١). ورواه أبو داود، عن عبد الله بن الجراح، عن أبي عبد الرحمن المقري به(٢). وليس لعبد العزيز عنده [سواه](٣). ﴾ أي: الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم، إلا من ثم قال تعالى: ﴿إِلَّ الْمُصَلِينَ عصمه الله ووفقه وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه وهم المصلون. ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَأَبِعُونَ (٣)﴾ قيل: معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها، قال ابن مسعود ومسروق وإبراهيم النخعي(٤). وقيل: المراد بالدوام لهُهنا السكون والخشوع كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ ﴾﴾ [المؤمنون] قاله عقبة بن عامر(6): ومنه الماء الدائم وهو الساكن الراكد، وهذا يدل على وجوب الطمأنينة في الصلاة فإن الذي لا يطمئن في ركوعه وسجوده ليس بدائم على صلاته؛ لأنه لم يسكن فيها ولم يدم بل ينقرها نقر الغراب فلا يفلح في صلاته. وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملاً داوموا عليه وأثبتوه كما جاء في الصحيح عن عائشة ﴿ّا، عن رسول الله وَ ◌ّ أنه قال: ((أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ)(٦) وفي لفظ: (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥/١٤ ح ٨٢٦٣) وصحح سنده محققوه. (٢) سنن أبي داود، الجهاد باب في الجرأة والجبن (ح٢٥١١)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢١٩٢). (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عن ابن مسعود (المصنف ٣٥٠/١)؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم النخعي. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الخير، وهو مرثد، عن عقبة بن نافع الجهني. (٦) صحيح البخاري، اللباس، باب الجلوس على الحصير ونحوه (ح ٥٨٦١). ٣٨٢ سُودَةُ المُعَزِجْ (١٩، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ((ما دام عليه صاحبه)(١) قالت: وكان رسول الله و ﴿ إذا عمل عملاً داوم عليه(٢)، وفي لفظ أثبته ( ١) . وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿الَِّينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآئِعُونَ (٣)﴾: ذُكر لنا أن دانيال عظَلا نعتَ أُمة محمد وَخ﴿ فقال: يصلون صلاة لو صلّاها قوم نوح ما غرقوا، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة، فعليكم بالصلاة فإنها خلق للمؤمنين حسن(٤). وقوله: ﴿وَلَّذِينَ فِيَّ أَوَلِمْ حٌَّ مَعْلُومُ (٨) لِلِسَّآَيِلِ وَالْمَعْرُومِ ﴾ أي: في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الذاريات. وقوله: ﴿وَلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ اٌلِيِنِ ﴾﴾ أي: يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ مِّنْ عَذَابٍ رَبِّهِم ◌ُشْفِقُونَ أي: خائفون وجلون ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِهِمْ غَيْرُ مَآمُونٍ أي: لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا ﴾ بأمان من الله تبارك وتعالى. وقوله: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ ()﴾ أي: يكفُّوها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُمْ﴾ أي: من الإماء ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ فَنِ ابْتَغَى وَرَكَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣) وقد تقدم تفسير هذا في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (!)﴾ مَلُومِینَ [المؤمنون] بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله: ﴿وَِّنَ هُمْ لِأَمَئِمْ وَعَهْدِهِ زَعُونَ (®﴾ أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا، وهذه صفات المؤمنين وضدها صفات المنافقين كما ورد في الحديث الصحيح: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان)»(٥) وفي رواية: ((إذا حدَّث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))(٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ بِشَهَدَتِهِمْ قَبِعُونَ (٣)﴾ أي: محافظون عليها لا يزيدون فيها ولا ينقصون [البقرة: ٢٨٣]. قَلْبُهُ فَإِنَّهُرَ ءَائِمٌ منها ولا يكتمونها ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا ثم قال تعالى: ﴿وَلَِّنَ هُ عَلَى صَلَائِهِمْ يُحَافِظُونَ (49)﴾ أي: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها كما تقدم في أول سورة ﴿قَدّ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾﴾ سواء ولهذا قال هناك: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ ١٠ الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾﴾ [المؤمنون] وقال لههنا: ﴿أُوْلَئِكَ فِ جَنَّتٍ تُكْرَمُونَ (٣٥) أي: مكرمون بأنواع الملاذ والمسار. (١) صحيح البخاري، الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه (ح ٤٣). (٢) صحيح البخاري، الصوم، باب صوم شعبان (ح ١٩٧٠). (٣) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل (ح ٧٤٦/ ١٤١). (٤) صحيح الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل. (٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة المؤمنون آية ٨. (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الصف آية ٢. ٣٨٣ سُورَة المعززة (٣٦، ٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 ﴿فَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ أَيَطْمَعُ كُلُّ أَقْرِئٍ مِّنْهُمْ أَنْ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِينَ ﴿ عَلَى أَن فَلَّ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَبِ إِنَّا لَقَدِرُونَ كَلََّّ إِنَّا خَلَقْنَهُم مِّمَا يَعْلَمُونَ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمِ (َّ) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ تُبِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوِقِينَ ﴿﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَلْعَبُواْ حَ يُلَقُواْ يَوْمَهُ الَّذِى يُوعَدُونَ اُلْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴿٤ خَشِعَةً أَبَصَرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِ كَنُواْ يُعَدُونَ (®)﴾. يقول تعالى منكراً على الكفار الذين كانوا في زمن النبي ◌ّلله وهم مشاهدون له ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات، ثم هم مع هذا كله فارُّون منه متفرقون عنه، شاردون يميناً وشمالاً فِرقاً فِرقاً، وشِيعاً شِيعاً، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنِفِرَةٌ ﴾ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةِ ﴾﴾ الآية [المدثر] وهذه مثلها فإنه قال تعالى: ﴿فَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣)﴾ أي: فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد مهطعين؟ أي: مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: منطلقين(١). ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ اٌلِّمَالِ عِزِينَ (W)﴾ واحدها عزة؛ أي: متفرقين، وهو حال من مهطعين؛ أي: في حال تفرقهم واختلافهم كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء: فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب متفقون على مخالفة الكتاب. وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣)﴾، قال: قبلك ينظرون ﴿عَنِ الْيَمِينِ ﴾ قال: العزين: العِصب من الناس عن يمين وشمال معرضين يستهزئون بهُ . وَعَنِ اَلِشِّمَالِ عِزِينَ وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر، حدثنا قُرَّة، عن الحسن في قوله: ﴿عَنِ اَلْيَمِينِ وَعَنِ اٌلِثِّمَالِ عِينَ (®)﴾ أي: متفرقين يأخذون يميناً وشمالاً يقولون: ما قال هذا الرجل(٣)؟ وقال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ عامدين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ اٌلِثِّمَالِ عِينَ ()﴾ أي: فِرقاً حول النبي ◌َّو لا يرغبون في كتاب الله ولا في نبيه و ◌َلِ﴾(٤) . وقال الثوري وشعبة وعبثر بن القاسم وعيسى بن يونس ومحمد بن فضيل ووكيع ويحيى القطان وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة أن رسول الله وَّهُ خرج عليهم وهم حِلَق فقال: ((ما لي أراكم عزين؟)) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، وابن جرير من حديث الأعمش به(٥). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ◌َظُبه أن رسول الله وَّه خرج على أصحابه وهم حِلَق فقال: ((ما لي أراكم عزين؟)) (٦). وهذا إسناده جيد ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه. (١) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي عامر عن قرة عن الحسن. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٣) أخرجه الطبري عن ابن بشار به، وسنده جيد. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٥) المسند ٩٣/٥؛ وصحيح مسلم، الصلاة. (٦) في سنده مؤمل وفي روايته عن سفيان مقال ولكنه توبع في الرواية السابقة من طرق أخرى، فيتقوى ولهذا حکم علیه الحافظ ابن کثیر بأن إسناده جيد. ٣٨٤ سُورَةُ المعزة (٣٦، ٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: أيطمع هؤلاء والحالة هذه كَـ ٣٨ وقوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ أَقْرٍِ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيِمٍ من فرارهم عن رسول الله صل﴿ ونفارهم عن الحق أن يدخلوا جنات النعيم؟ كلَّ بل مأواهم جهنم. ثم قال تعالى مقرراً لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروا كونه واستبعدوا وجوده مستدلاً عليهم بالبداءة التي الإعادة أهون منها، وهم معترفون بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْتَهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي: من المني الضعيف، كما قال تعالى: ﴿أَ نَخْلُقُكُمْ مِّن ◌َِّ نَّهِينٍ (®]﴾ [المرسلات] وقال: إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَائِرٌ ﴿فَيْظُرِ أَلْإِسَنُ مَِّّ خُلِقَ (٥ خُلِقَ مِن مَِّ دَافِ ﴿٢٣ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْصُلْبِ وَالتََّآَيِ يَوْمَ تُبْلَى السََّآئُِ ج ◌َا لَهُ مِن قُوَّةِ وَلَ نَاصِرٍ ﴾﴾ [الطارق]. ثم قال تعالى: ﴿فَلَّ أُقِْمُ بِرَبِّ الْمَشَرِقِ وَالْغَبِ﴾ أي: الذي خلق السموات والأرض وجعل مشرقاً ومغرباً وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها. وتقدير الكلام: ليس الأمر كما تزعمون أن لا معاد ولا حساب ولا بعث ولا نشور، بل كل ذلك واقع وكائن لا محالة، ولهذا أتى بلا في ابتداء القسم ليدل على أن المقسم عليه نفي، وهو مضمون الكلام وهو الردُّ على زعمهم الفاسد في نفي يوم القيامة. وقد شاهدوا من عظيم قدرة الله تعالى ما هو أبلغ من إقامة القيامة، وهو خلق السموات والأرض وتسخير ما فيهما من المخلوقات من الحيوانات والجمادات وسائر صنوف الموجودات، ولهذا قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اُلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿@﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَتَّىَ بِخَلْقِهِنَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحِِّىَ الْمَوْقَ بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف] وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ﴾ إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ كُنْ فَيَكُونُ (9َ﴾﴾ [يس] ﴿ عَلَ أَنْ تُبُّدِّلَ خَيْرًا مِنْهُ﴾ أي: يوم القيامة نعيدهم وقال لههنا: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَرِقِ وَلْغَرِبِ إِنَّا لَقَدِرُونَ بأبدان خير من هذه فإن قدرته صالحة لذلك ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: بعاجزين كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنسَنُ أَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ جَ بَ قَدِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّىَ بَنَهُ ﴾﴾ [القيامة] وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا ﴾ [الواقعة] واختار عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْشَلَكُمْ وَنُنِشِتَكُمْ فِىِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ابن جرير ﴿عَلَ أَنْ تُبدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: أَمة تطيعنا ولا تعصينا وجعلها كقوله: ﴿وَإِن تَتَوَلَوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] والمعنى الأول أظهر لدلالة الآيات الأخرى عليه، والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: يا محمد ﴿يَخُوضُواْ وَلْعَبُواْ﴾ أي: دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم ﴿حَّى يُلَّقُواْ يَوْمَعُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾ أي: فسيعلمون غب ذلك ويذوقون وباله ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاءً كَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٣)﴾ أي: يقومون من القبور إذا دعاهم الربُّ تبارك وتعالى لموقف الحساب ينهضون سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إلى علم يسعون(١). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بالآثار التالية: فقد أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد . ٣٨٥ • سُورة المعزة (٣٦، ٤٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أبو العالية ويحيى بن أبي كثير: إلى غاية يسعون إليها(١). وقد قرأ الجمهور ((إلى نَصْب)) بفتح النون وإسكان الصاد وهو مصدر بمعنى المنصوب. وقرأ الحسن البصري («نُصُب)) بضم النون والصاد(٢) وهو الصنم؛ أي: كأنهم في إسراعهم إلى الموقف كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه، يوفضون يبتدرون أيهم يستلمه أول، وهذا مروي عن مجاهد ويحيى بن أبي كثير ومسلم البطين وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وأبي صالح وعاصم بن بهدلة وابن زيد وغيرهم(٣). وقوله تعالى: ﴿خَشِعَةٌ أَبْصَرُهُمْ﴾ أي: خاضعة ﴿تَرْهَفُهُمْ زِلَّةٌ﴾ أي: في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِ كَنُواْ يُوعَدُونَ﴾ . آخر تفسير سورة سأل سائل [ولله الحمد والمنة] (٤). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن أبي العالية؛ وأخرجه الطبري أيضاً بسند حسن من طريق أبي عمرو عن يحيى بن أبي كثير. (٢) القراءتان متواترتان. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن ابن زيد، وهو عبد الرحمن، وأخرجه أيضاً بسند جيد من طريق قرّة عن الحسن، وهو البصري. (٤) زيادة من (ح). ٣٨٦ سُورَلا نوع (١، ٤) doC سُؤَلا تورج وهي مكية بير هم الرحم الحكيم ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ إِّ لَكُنْ 1 نَذِيرٌ مُِّينُ ﴿ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴿٣ يَغْفِرْ لَكُ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزْكُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَنَّىَّ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَّةَ لَا يُؤَخَّرٌ لَوْ كُمْ تَعْلَمُونَ (7)﴾ . يقول تعالى مخبراً عن نوح فظالل أنه أرسله إلى قومه آمراً له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم. ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالَ يَقَوْمِ إِنِّ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِئُ ﴾﴾ أي: بين النذارة ظاهر الأمر واضحه، ﴿أَنِ أُعْبُدُواْ اللَّهَ وَتَّقُوهُ﴾ أي: اتركوا محارمه واجتنبوا مائمه ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به وأنهاكم عنه ﴿يَغْفِرْ لَكُ مِّن ذُنُوبِكُرْ﴾ أي: إذا فعلتم ما آمركم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم غفر الله لكم ذنوبكم، ومن - لهُهنا - قيل إنها زائدة، ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل، ومنه قول بعض العرب: قد كان من مطر، وقيل: إنها بمعنى عن تقديره يصفح لكم عن ذنوبكم، واختاره ابن جرير. وقيل: إنها للتبعيض؛ أي: يغفر لكم الذنوب العظيمة التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام ﴿وَيُؤَخِزْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّىَ﴾ أي: يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تجتنبوا ما نهاكم عنه أوقعه بکم. وقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم يزاد بها في العمر حقيقة كما ورد به الحديث: ((صلة الرحم تزيد في العمر))(١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَّةَ لَا يُؤَخَّ لَوْ كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة فإنه إذا أمر تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قد قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات. (١) أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة وأطول (المعجم الكبير ٣١٢/٨ ح٨٠١٤)؛ وحسنه المنذري (الترغيب والترهيب ٦٧٩/١)؛ وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ١١٨/٣) وله شاهد في الصحيحين بلفظ: ((من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُسأله في أجله فليصل رحمه)) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٦. ٣٨٧ سُورَلاَ نويٌ (٢٠،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وَإِ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلِىّ إِلَّا فِرَارً ــ ﴿قَالَ رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرًّاً لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَلِعَهُمْ فِيّ ءَذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِ دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِّ أَعْلَتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴿ فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (٣ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمُ وَقَدْ وَيُعْدِذَّكُمْ بِأَوَلٍ وَبِيِنَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا (٨٣) مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاً (®). مِدْرَارًا ﴿ أَ تَّرَوْا كَيَّفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا ﴿ وَجَعَلَ اُلْقَمَرَ فِهِنَّ نُرًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا سِرَاجًا (0) وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ وَاللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ نَبَانًا * ثُمَّ يُعِيذُكُمْ فِهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلَا فِجَاجًا بِسَاطًا يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح ظلّ أنه اشتكى إلى ربه ◌َك ما لقي من قومه، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما بيّن لقومه ووضّح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم، فقال: ﴿رَبِّ إِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهاًا﴾ أي: لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار امتثالاً لأمرك وابتغاءً لطاعتك ﴿فَمَّ يَزِدْهُمْ دُعَلِّىٌ إِلَّا فِرَارً ﴾﴾ أي: كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فرُّوا منه وحادوا عنه ﴿وَإِنِّ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَِعَهُمْ فِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْاْ نِيَابَهُمْ﴾ أي: سدُّوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَلْغَوْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٣)﴾ [فصلت]. ﴿وَأَسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ﴾ قال ابن جُريج عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم(١). وقال سعيد بن جبير والسدي: غطوا رؤوسهم لئلا يسمعوا ما يقول(٢). ﴿وَأَصَرُّواْ﴾ أي: استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع (٣) . جَ﴾ ﴿وَأَسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا﴾ أي: واستنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له ﴿ثُمَّ إِى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا أي: جهرة بين الناس ﴿ثُمَّ إِّ أَعْلَنَتُ لَمْ﴾ أي: كلاماً ظاهراً بصوت عالٍ ﴿وَأَسْرَرْتُ لَمْ إِسْرَارًا﴾ أي: فيما بيني وبينهم، فنوَّع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم. ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَُّ كَانَ غَفَّارًا ﴾﴾ أي: ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتوبوا إليه من قريب فإنه من تاب إليه تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشرك، ولهذا قال: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَُّ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾ أي: متواصلة الأمطار، ولهذا تستحب قراءة هذه السورة فى صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية، وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب به أنه صعد المنبر ليستسقي فلم يزد على الاستغفار وقراءة الآيات في الاستغفار ومنها هذه الآية ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمُ مِّدْرَارًا ﴾﴾ ثم قال: لقد طلبت الغيث [بمجادح](٤) السماء التي يستنزل بها المطر (٥). (١) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس. (٢) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٣) أخرجه الطبري بالسند المتقدم عن ابن زيد. (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: ((بمجارح))، ومعناها النجوم. (٥) أخرجه عبد الرزاق من طريق عامر الشعبي عن عمر (المصنف ٨٧/٣ رقم ٤٩٠٢) وسنده منقطع؛ لأن الشعبي لم يسمع من عمر. ٣٨٨ سورة نوح (٢٠،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن عباس وغيره: يتبع بعضه بعضاً (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُعْدِذَّكُمُ بِأَقْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل ◌َّكُرْ جَنَاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًّا (19)﴾ أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثر الرزق عليكم أسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض وأنبت لكم الزرع، وأَدَّر لكم الضرع وأمدكم بأموال وبنين؛ أي: أعطاكم الأموال والأولاد وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار وخللها بالأنهار الجارية بينها، هذا مقام الدعوة بالترغيب، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال: ﴿مَّا لَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (٣)﴾؟ أي: عظمة، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك(٢). وقال ابن عباس: لا تعظمون الله حق عظمته(٣)؛ أي: لا تخافون من بأسه ونقمته ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾﴾ قيل: معناه: من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة ويحيى بن رافع والسدي وابن زيد(٤). وقوله تعالى: ﴿أَلَمَ تَرَوْاْ كَيَّفَ خَلَقَ اَللَّهُ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا ﴾﴾؟ أي: واحدة فوق واحدة وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أو هو من الأمور المدركة بالحسِّ مما علم من التسيير والكسوفات؟ فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضاً فأدناها القمر في السماء الدنيا، وهو يكسف ما فوقه، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمرِّيخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزُحَل في السابعة، وأما بقية الكواكب وهي الثوابت ففي فلك ثامن يسمونه فلك الثوابت، والمتشرعون منهم يقولون هو: الكرسي، والفلك التاسع وهو الأطلس، والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك، وذلك أن حركته مبدأ الحركات وهي من المغرب إلى المشرق، وسائر الأفلاك عكسه من المشرق إلى المغرب ومعها يدور سائر الكواكب تبعاً، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها فإنها تسير من المغرب إلى المشرق، وكل يقطع فلكه بحسبه، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، وزُحل في كل ثلاثين سنة مرة، وذلك بحسب اتساع أفلاكها وإن كانت حركة الجميع في السرعة متناسبة. هذا ملخص ما يقولونه في هذا المقام على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة لسنا بصدد بيانها وإنما المقصود أن الله تَلَ: ﴿فَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا ﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَابًا أي: فاوت بينهما في الاستنارة فجعل كلا منهما أنموذجاً على حدة ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها، وقدر للقمر منازل وبروجاً وفاوت نوره فتارة يزداد حتى يتناهى، ثم يشرع في النقص حتى يستتر ليدل على مضي الشهور والأعوام، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَذَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ أُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَّ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِأَلْحَقّ يُفَصِّلُ الَْيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾﴾ [يونس]. (١) معناه صحيح. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه، ويتقوى بسابقه. (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٩٨/٨)؛ والطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحیح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. ٣٨٩ • سُورَةُ نوع (١٢، ٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِّنَ اْأَرْضِ نَبَاتًا ﴾﴾ هذا اسم مصدر والإتيان به لهُهنا أحسن ﴿ثُمَّ يُعِيذُكُمْ فِيَا﴾ أي: إذا متم ﴿وَيُخرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ أي: يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴾﴾ أي: بسطها ومهَّدها وقررها وثبتها بالجبال الراسيات الشُّمّ الشامخات ﴿لِتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُّلاً فِجَابًا ﴾﴾ أي: خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأراجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم به نوح ◌ُلِّل على قدرة الله وعظمته في خلق السموات والأرض ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرزاق جعل السماء بناء والأرض مهاداً وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يُعبدُ ويُوحد ولا يُشرك به أحد؛ لأنه لا نظير له ولا عديل ولا ندَّ ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد ولا وزير ولا مشير بل هو العلي الكبير. ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُواْ مَن ◌َّْ ◌َزِدَّهُ مَالُ وَوَلَدُهُ إِلَّ خَسَارًا * وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَارًا وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمُ وَلَ نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَ سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَتْرًّا ﴿ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا وَلَا نَزِدِ ٢٢ ء. الفََّلِينَ إِلَّ ضَلَلًا يقول تعالى مخبراً عن نوح علَّ إنه أنهى إليه، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء، أنه مع البيان المتقدم ذكره والدعوة المتنوّعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى أنهم عصوه وخالفوه وكذبوه، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله ومتع بمال وأولاد وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام ولهذا قال: ﴿وَتَّبَّعُواْ مَن ◌َّْ يَزِدْهُ مَالُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ قرئ ﴿وَوَلَدُهُ﴾ بالضم وبالفتح(١) وكلاهما متقارب. وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا )) قال مجاهد: كباراً؛ أي: عظيماً(٢). وقال ابن زيد: ﴿كُبَّارًا﴾؛ أي: كبيراً(٣)، والعرب تقول: أمر عجيب وعُجاب وعجّاب، ورجل حسان وحسّان، وجُمال وجُمّال بالتخفيف والتشديد(٤) بمعنى واحد، والمعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا (٣)﴾ أي: بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى كما يقولون لهم يوم القيامة ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَآ أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣] ولهذا قال لههنا: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا ﴿ وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ءَالِهَتَّكُمْ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُونَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (®﴾ وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. قال البخاري: حدثنا إبراهيم، حدثنا هشام، عن ابن جريج، وقال عطاء: عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل، (١) أي: بضم وفتح الواو الثانية، والقراءتان متواترتان. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٤) ذكره الطبري بلفظه. ٣٩٠ سؤرانوچ (١٢، ٢٤) وأما سُواع فكانت لهذيل، وأما يَغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجُرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نَسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح ظلّله، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسخ العلم عبدت(١)، وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا(٢) .. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح(٣). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: ﴿وَيَعُوقَ وَنَّرًا﴾ قال: كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال: أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوَّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوَّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقَون المطر فعبدوهم (٤). وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شيئ علا من طريق إسحاق بن بشر قال: أخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: ولد لآدم ظلَّ أربعون ولداً، عشرون غلاماً وعشرون جارية، فكان ممن عاش منهم هابيل وقابيل وصالح وعبد الرحمن الذي سماه: عبد الحارث(٥)، ووَدّ، وكان وَدّ يقال له: شيئ ويقال له: هبة الله، وكان إخوته قد سوَّدوه، وولد له سواع ويغوث ويعوق ونسر (٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عمرو الدوري، حدثني أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز، عن أبي حزرة، عن عروة بن الزبير قال: اشتكى آدم عظّ* وعنده بنوه ود ويغوث وسواع ونسر قال: وكان وَدّ أكبرهم وأبرَّهم به(٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يعقوب، عن أبي المطهر قال: ذُكروا عند أبي جعفر وهو قائم يصلي يزيد بن المهلب، قال: فلما انفتل من (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وبلفظ: وننسخ وهي رواية لجمهور رواة البخاري أما ما أثبته الحافظ ابن كثير فهو رواية أبي ذر الهروي والكشميهني (فتح الباري ٦٦٩/٨ مع صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوُثَ وَيَعُوقَ﴾ [نوح: ٢٣] ح ٤٩٢٠). (٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد مختصراً؛ وأخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه ويتقوى برواية البخاري السابقة. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله ويتقوى برواية البخاري السابقة. (٥) لم يسم آدم هذا الاسم، وهذه الروايات وغيرها كلها ضعيفة، وهي من الإسرائيليات المخالفة للقرآن والسنة؛ لأن هذه التسمية فيها شرك، وآدم عليه الصلاة والسلام موحّد ونبي مكلم. (٦) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع ابن عباس (٧) سنده ضعيف لإرساله. ٣٩١ سودانورچ (٢٨،٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل فى أول أرض عبد فيها غير الله، قال: ثم ذكروا رجلاً مسلماً وكان محبباً في قومه فلما مات اعتكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبّه في صورة إنسان، ثم قال: إني أرى جزعكم على هذا الرجل، فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصوَّر لهم مثله، قال: ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل رجل منكم تمثالاً مثله فيكون له في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم، قال: فمثَّل لكل أهل بيت تمثالاً مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به، قال: وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذه إلهاً يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد من دون الله: الصنم الذي سموه وَدَّاً (١). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُواْ كَثِيرًا﴾ يعني: الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقاً كثيراً، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم، وقد قال الخليل عليّ في دعائه: ﴿وَأَجْنُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ ثَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ٢٥ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا ضَلَلًا﴾ دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته بتکذیبهم لما جاءهم به. ] ﴿مِّمَّا خَطِيَِهِمْ أُغْرِفُواْ فَأُدْخِلُوْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٣٥) وَقَالَ نُحٌ رَّبِّ لَا نَذَرْ ◌َ زَّبِّ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِنَ دَيَّارًا ﴿٨َ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْنِىَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ الََّلِينَ إِلَّا نَبَارًا (٢٨) يقول تعالى: ((مما خطاياهم)) وقرئ ﴿خَطِيَِّمْ﴾(٢) ﴿أُغْرِقُوا﴾ أي: من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم ﴿أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَارًا﴾ أي: نُقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار ﴿فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ أي: لم يكن لهم مُعين ولا مُغيث ولا مُجير ينقذهم من عذاب الله كقوله تعالى: ﴿لَ عَاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَحِمَّ﴾ [هود: ٤٣]. ﴿وَقَالَ نُعٌ رَّبٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (٣)﴾ أي: لا تترك على وجه الأرض منهم أحداً ولا دياراً وهذه من صيغ تأكيد النفي. قال الضحاك: ﴿رَيَّارًا﴾ واحداً (٣) وقال السدي: الديّار: الذي يسكن الدار، فاستجاب الله له فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه، وقال: ﴿سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَلَّ (١) سنده ضعيف لإعضاله، ويشهد لبعضه ما تقدم في رواية البخاري السابقة. (٢) القراءتان متواترتان. (٣) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر. ٣٩٢ سودانورچ (٢٨،٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّ مَن زَحِرٍّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ◌ٌلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]. وقال ابن أبي حاتم: قُرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني شبيب بن سعيد، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ◌َّر: ((لو رحم الله من قوم نوح أحداً لرحم امرأة لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم هذه المرأة)). هذا حديث غريب ورجاله ثقات(١)، ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح عليهلا وهم الذين أمره الله بحملهم معه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرَّهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ﴾ أي: إنك إن أبقيت منهم أحداً أضلوا عبادك؛ أي: الذين تخلقهم بعدهم ﴿وَلَا يَلِدُوَاْ إِلَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ أي: فاجراً في الأعمال كافر القلب وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثم قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَلِدََّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْنِى مُؤْمِنًا﴾ قال الضحاك: يعني مسجدي(٢)، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن، وقد قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أنبأنا سالم بن غيلان، أن الوليد بن قيس التجيبيّ، أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري أو عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله وَلهم يقول: ((لا تصحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي)) (٣). ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح به، ثم قال الترمذي: إنما نعرفه من هذا الوجه(٤). وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات وذلك يعم الأحياء منهم والأموات، ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء اقتداء بنوح عليّ وبما جاء في الآثار والأدعية المشهورة المشروعة. وقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِدِ الَّلِينَ إِلَّا نَبَارًا﴾ قال السدي: إلا هلاكاً. وقال مجاهد: إلا خساراً (٥)؛ أي: في الدنيا والآخرة. آخر تفسير سورة نوح علا، [ولله الحمد والمنة] (٦). (١) لكن رواية ابن وهب عن شبيب بن سعيد فيها مقال (التقريب ص٢٦٣)؛ فقد حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير (تهذيب التهذيب ٣٠٧/٤)؛ وأخرجه الحاكم من طريق موسى بن يعقوب الزمعي عن فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة. فذكره وصححه، وتعقبه الذهبي بأن إسناده مظلم وموسى ليس بذاك. (المستدرك ٣٤٢/٢). (٢) أخرجه الطبري بسندين عن الضحاك، يقوي أحدهما الآخر. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١٧/ ٤٣٧ ح ١١٣٣٧) وحسن سنده محققوه. (٤) سنن أبي داود، الأدب، باب من يؤمر أن يجالس (ح٤٨٣٢)؛ وسنن الترمذي، الزهد، ما جاء في صحبة المؤمن (ح٢٣٩٧)؛ وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٠٤٥). (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) زيادة من (حم). ٣٩٣ سُورَةُ القَّْ (١، ٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 00C 00000 N7 00000 سُورَةُ الجِّر بسم الله الرحمن الرحيم ] ﴿قُلْ أُوْجِىَ إِلَّ ◌َنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبً ﴾ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ فَامَنًا بٌِّ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًّا ﴿﴿ وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَيْنَا مَا أَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا (٣) وَنَّهُ, كَانَ يَقُولُ سَفِيُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطَاَ ﴿ وَأَنَّا ظَنَا أَنْ لَّنْ نَقُولَ الْإِسُ وَلِنُّ عَلَى الَّهِ كَذِّبًا () وَأَنَُّر كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ اَلْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقَّا (١﴾ وَأَّهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَكُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ أَحَدًا (®)﴾. يقول تعالى آمراً رسوله و 8﴿ أن يخبر قومه: أن الجن استمعوا القرآن، فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له، فقال تعالى: ﴿قُلّ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَنَا عَجَبً ﴿ يَهْدِىّ إِلَى الرُّشْدِ﴾ أي: إلى السداد والنجاح ﴿فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِيَنَا أَحَدًا﴾ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] وقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادته ههنا . وقوله تعالى: ﴿وَأَنَُّ تَعَلَى جَدُّ رَيْنَا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾ أي: فعله وأمره وقدرته(١). وقال الضحاك، عن ابن عباس: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه(٢). وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا(٣). وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره(٤). وقال السدي: تعالى أمر ربنا. وعن أبي الدرداء ومجاهد أيضاً وابن جريج: تعالى ذكره(٥). وقال سعيد بن جبير: ﴿تَعَلَى جَدُّ رَيِّنَا﴾ أي: تعالى ربنا، فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: الجد أب، ولو علمت الجن أن في الإنس جَدَّاً ما قالوا: ﴿تَعَلَى جَلُّ رَبِنَا﴾. فهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط(٦) شيء، والله أعلم. (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٢) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ويتقوى بسابقه. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه عن عكرمة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أرى أنه لم يسقط شيء من التفسير، وأن هذا التفسير من ابن عباس ﴿ًا عَني بذلك: الجد الذي هو = ٣٩٤ سُورَةُ القَّ (١، ٧) · 00000000000000000000000000000000000 000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 وقوله تعالى: ﴿مَا أَتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًا﴾ أي: تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد؛ أي: قالت الجن: تنزه الربُّ جلَّ جلاله حين أسلموا وآمنوا بالقرآن عن اتخاذ الصاحبة والولد ثم قالوا: ﴿وَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا عَلَى اَللَّهِ شَطَطًا قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: ﴿سَفِيهُنَا﴾ يعنون: إبليس(١). ﴿شَطَطًا﴾ قال السدي عن أبي مالك: ﴿شَطَطًا﴾ أي: جوراً. وقال ابن زيد: أي ظلماً كبيراً(٢). ويحتمل أن يكون المراد بقولهم سفيهنا اسم جنس لكل من زعم أن الله صاحبة أو ولداً، ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّهُ, كَانَ يَقُولُ سَفِيُهُنَا﴾ أي: قبل إسلامه ﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ أي: باطلاً وزوراً، ولهذا قالوا: ﴿وَنَّا ظَّا أَنْ لَّنْ تَقُولَ اَلْإِسُ وَاَلِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِيًا ﴾﴾ أي: ما حسبنا أن الإنس والجنَّ يتمالؤون على الكذب على الله تعالى في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾﴾ أي: كنا نرى أن لنا فضلاً على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا إذا نزلوا وادياً أو مكاناً موحشاً من البراري وغيرها، كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان أن يصيبهم بشيء يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقاً؛ أي: خوفاً وإرهاباً وذعراً حتى بقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذاً بهم، كما قال قتادة: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: إثماً وازدادت الجن عليهم جراءة (٣) . وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من الجنّ أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال قتادة: فإذا عاذ بهم من دون الله رهقتهم الجنّ الأذى عند ذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان الجنُّ يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، فكان الإنس إذا نزلوا وادياً هرب الجنُّ، فيقول سيد القوم: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي، فقال الجنُّ: نراهم يفَرِقُون(٤) منا كما نفرق منهم، فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون، فذلك قول الله وَك: ﴿وَنَّكُرُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ آلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا ) = أبو الأب وهو من جهلة الجن كما ذكر الطبري عن بعض المفسرين. ولكن هذا التفسير الوارد عن ابن عباس خلاف ما ثبت عنه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: فعله وأمره وقدرته، وهو المناسب للسياق، وبه قال بعض التابعين كما تقدم، وهو الذي رجحه الإمام الطبري. (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري أيضاً بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أي: يخافون. ٣٩٥ سُورَةُ القَرْ (٨، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: إثماً(١). وقال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم: ﴿رَهَفَّ﴾ أي: خوفاً(٢). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: إثماً، وكذا قال قتادة(٣). وقال مجاهد: زاد الكفار طغياناً(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك - يعني: المزني - عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله وَّه بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه يقول: يا سرحان(٥) أرسله. فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة ﴿ وَنَُّ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًّا ﴾﴾(٦). ثم قال: وروي عن عبيد بن عمير ومجاهد وأبي العالية والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي نحوه (٧). وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل، وهو ولد الشاة، كان جنياً حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم ردّه عليه لما استجار به ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَهُمْ أَن لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ﴾﴾ أي: لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولاً، قاله الكلبي وابن جرير(٨). وَأَنَّا كُنَا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِّ فَمَن ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبَّا وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِىِ الْأَرْضِ أَنْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُهُمْ رَشَدًا يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابَا رَصَدًا فَـ يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمداً سل﴿ وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء مُلئت حرساً شديداً، وحُفَّت من سائر أرجائها، وطُردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئاً من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة فيلتبس الأمر ويختلط ولا يُدرى مَن الصادق، وهذا من لطف الله تعالى بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه (١) سنده مرسل. (٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، وأخرجه الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) أي: الذئب. (٦) أخرجه أبو الشيخ (العظمة ١٦٦٤/٥ رقم ١١٠٥) والطبراني (المعجم الكبير ١٩١/١٩ ح ٤٣٠)، والعقيلي (الضعفاء الكبير ١٠١/١) كلهم من طريق القاسم بن مالك المدني به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق كما في التقريب، ولضعف أبيه (المجروحين لابن حبان ١٣٣/١ وميزان الاعتدال ١٨٩/١). (٧) القائل هو ابن أبي حاتم فإن من منهجه أن يذكر الموافقين من التابعين بحذف السند. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الكلبي. ٣٩٦ سُورَةُ الَّ (١٠،٨) 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 العزيز، ولهذا قال الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِثَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًّا (جَ وَأَنَّا كُنَا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبًا رَّصَدًا ﴾﴾ أي: من يروم أن يسترق السمع يجد له شهاباً مرصداً له لا يتخطاه ولا يتعداه بل يمحقه اليوم ويهلكه. ﴿وَأَنَّا لَا نَّدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ اْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾﴾ أي: ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً؟ وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشرَّ إلى غير فاعل والخير أضافوه إلى الله رَك. وقد ورد في الصحيح: ((والشرُّ ليس إليك))(١) وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير بل في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث [ابن عباس](٢): بينما نحن جلوس مع رسول الله ◌َ﴿ إذا رُمي بنجم فاستنار فقال: ((ما كنتم تقولون في هذا؟)) فقلنا: كنا نقول يولد عظيم، يموت عظيم فقال: ((ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء))(٣) وذكر تمام الحديث وقد أوردناه في سورة سبأ بتمامه، وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله وهو يقرأ بأصحابه في الصلاة، فعرفوا أن هذا هو الذي حُفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم وتمَّرد في طغيانه من بقي كما تقدم حديث ابن عباس في ذلك عند قوله في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيَّكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ الآية [٢٩]. ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم، كما قال السدي: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين الله ظاهر، فكانت الشياطين قبل محمد وَال# قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر، فلما بعث الله محمداً وعليه نبياً رسولاً رجموا ليلة من الليالي ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشُّهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم، فقال لهم عبد ياليل بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف أمسكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني: محمداً بَّي، وإن نظرتم فلم تروها فقد هلك أهل السماء، فنظروا فرأوها فكفّوا عن أقوالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم فقال: ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمُّها، فأتوه فشمَّ فقال: صاحبكم بمكة، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين (٤) فقدموا مكة فوجدوا نبي الله وَي قائماً يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن، فدنوا منه حرصاً على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه، ثم أسلموا فأنزل الله تعالى أمرهم على رسوله وَلي(٥). (١) أخرجه مسلم من حديث أمير المؤمنين علي به مطولاً. (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ح٧٧١). (٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((العباس)). (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة سبأ آية ٢٣. (٤) تقع جنوب تركيا وشمال مدينة الموصل في العراق. (٥) رواية السدي ضعيفه لأنها مرسلة. ٣٩٧ سُورَةُ القَمَّ (١١، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من ((كتاب السيرة)) المطول، والله أعلم، ولله الحمد والمنة. ] ﴿وَأَنَا مِنَّا الصَِّحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكٌ كُنَّا طَرَبِقَ فِدَدًا ﴿ وَأَنَا ظَنَنَّا أَنْ لَّنْ تُعْجِزَ اللَّهَ فِى الْأَرْضِ وَلَنْ تُعْجِزَمُ هَرَبًا ﴿ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَىَ ءَامَنَّا بِهِ، فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَلَ يَخَافُ بَخْسًا وَلَ رَهَقًّا ﴿ وَأَنَا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَّ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَزَّوْاْ رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (جَ وَأَلَوٍ اسْتَقَمُواْ عَلَى الَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّةُ غَدَقًا (٨ لِنَفْئِنَهُ فِةٍ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ، يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ١٧ يقول تعالى مخبراً عن الجن أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم: ﴿وَأَنَا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَا دُونَ ذَلٌِ﴾ أي: غير ذلك ﴿كُنَّا طَرَبِقَ قِدَدًا﴾ أي: طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿كُنَا طَرَبِقَ قِدَدًا﴾ أي: منا المؤمن ومنا الكافر(١). وقال أحمد بن سليمان النجاد في أماليه: حدثنا أسلم بن سهل بحشل، حدثنا علي بن الحسن بن سليمان وهو: أبو الشعثاء الحضرمي شيخ مسلم، حدثنا أبو معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: تروَّح إلينا جني فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال الأرز، قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللُّقم ترفع ولا أرى أحداً، فقلت فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم. فقلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرُّنا(٢). عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي فقال: هذا إسناد صحيح إلى الأعمش. وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي قال: سمعت بعض الجنِّ وأنا في منزل لي بالليل ينشد: قلوبٌ بَراها الحبَّ حتى تعلقت مذاهبها في كل غرب وشارق معلقة بالله دون الخلائق تهيم بحب الله والله ربها وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَتَّا أَن لَّنْ تُّتَجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّتَجِزَهُ هَرَبًّا (13)﴾ أي: نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنا في الهرب فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا ﴿وَأَنَا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَىَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ يفتخرون بذلك وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة. وقولهم: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: فلا يخاف أن ينقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته(٤) كما قال تعالى: ﴿فَلَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ومعناه صحيح وله شواهد تقويه كالآثار التالية: فقد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٢) سنده صحيح كما قرر الإمام المزي. (٣) تاريخ دمشق (٨/ ل٨٨٧). (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. ٣٩٨ • سُورَةُ الجَنَّ (١١، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَسِطُونَ﴾ أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا﴾ أي: طلبوا لأنفسهم النجاة ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾﴾ أي: وقوداً تسعر بهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَِّ اُسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيفَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا (٨) لِتَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ﴾ اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: أحدهما: وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مَّةَ غَدَقًا﴾ أي: كثيراً، والمراد بذلك سعة الرزق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَاّ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن زَبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِرَّ﴾ [المائدة: ٦٦] وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِنَفْئِنَهُ فِيهٍ﴾ أي: لنختبرهم، كما قال مالك، عن زيد بن أسلم: لنفتنهم لنبتليهم من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية (١). ذكر من قال بهذا القول: قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلَّوِ اُسْتَقَامُواْ عَلَى الطَّرِيفَةِ﴾ يعني: بالاستقامة الطاعة(٢). وقال مجاهد: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ﴾ قال: الإسلام(٣). وكذا قال سعيد بن جبير (٤) وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي ومحمد بن كعب القرظي . وقال قتادة: ﴿وَأَلَّوِ اُسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ﴾ يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا (٥). وقال مجاهد: ﴿وَأَلَِّ اُسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيفَةِ﴾ أي: طريقة الحق(٦)، وكذا قال الضحاك واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما(٧)، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: ﴿لَنَفِْنَهُمْ فِيهٍ﴾ أي: لنبتلیهم به(٨). وقال مقاتل: نزلت في كفار قريش حين مُنعوا المطر سبع سنين (٩) والقول الثاني: ﴿وَأَلَّوِ اُسْتَقَدُواْ عَلَى الطَّرِيفَةِ﴾ الضلال ﴿لَأَسْقَيْنَهُم ◌َّةُ غَدَقًا﴾ أي: لأوسعنا عليهم الرزق استدراجاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبَوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَّةٌ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُونُواْ لَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ (٦)﴾ [الأنعام] وكقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُر ◌ِهِ، مِن مَالٍ (١) سنده صحيح. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ومعناه صحيح، ويشهد له ما يليه. (٣) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه رجل مبهم عن سعيد بن جبير. (٥) أخرجه عبد الرزاق الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد الله بن أبي زياد عن مجاهد، وعبيد الله ليس بالقوي (التقريب ص٣٧١) وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه عن الضحاك بلفظ: ((هذا مثل ضربه الله)) كقوله: ثم ذكر الآيتين السابقتين اللتين استشهد بهما الحافظ ابن كثير. (٨) هو تتمة للأثر السابق. (٩) سنده ضعيف لأنه معضل. ٣٩٩ سورة القلم (١٨، ٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [المؤمنون] وهذا قول أبي مِجلز لاحق بن حميد، ٥٦ وَبَيْنٌّ ﴿٥ ◌َُارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ فإنه قال في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَمُواْ عَلَى الطَّرِيفَةِ﴾ أي: طريقة الضلالة(١)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي، عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان وله اتجاه (٢)، ويتأيد بقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ . وقوله: ﴿وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ، يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: عذاباً مشقاً شديداً موجعاً مؤلماً، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد. ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: مشقة لا راحة معها(٣). وعن ابن عباس: جبل في جهنم(٤)، وعن سعيد بن جبير: [بئر](٥) فيها . ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًّا ﴿ وَأَنَُّ لَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلّ إِنََّا أَدْعُواْ رَبِي وَلاَ أُثْرِكُ بِ- أَحَدًا (٣٥) قُلْ إِنِّي لَآَ أَمْلِكُ لَكُ ضَرَّ وَلَ رَشَدًا ﴿﴿ قُلْ إِنّ ◌َنْ يُحِيَرَبِ ١٩ مِنَ اَللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا ﴿٨ إِلَّا بَلَغَا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ، وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِهَا أَبَدًا (٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْ مَا يُؤْعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ٢٤ يقول تعالى آمراً عباده أن يوحدوه في محال عبادته ولا يُدعى معه أحد ولا يشرك به، كما قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾﴾ قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه ويالقر أن يوحدوه وحده(٦). وقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا إسماعيل بن بنت السدي، أخبرنا رجل سماه عن السدي، عن أبي مالك أو أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾﴾ قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا بيت المقدس (٧) . وقال الأعمش: قالت الجنُّ: يا رسول الله ائذن لنا فنشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾﴾ يقول: صلوا لا تخالطوا الناس(٨). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن [محمود] (٩)، عن سعيد بن جبير ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾﴾ قال: قالت الجن لنبي الله * كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناؤون؟ أي: بعيدون عنك، وكيف نشهد (١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران بن حرير عن أبي مِجلز. (٢) ذكره البغوي (معالم التنزيل ٤٠٤/٤). (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه هناد (الزهد رقم ٢٨٠) والطبري والحاكم بسند حسن من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٥٠٤). (٥) زيادة من (ح) و(حم). (٧) سنده ضعيف لإبهام شيخ إسماعيل. (٦) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل. (٨) سنده ضعيف لأنه معضل. (٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((محمول)). ٤٠٠ سُورَةُ القَم (١٨، ٢٤) 0 0 0 00 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 (١) الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وقال سفيان: عن خُصيف، عن عكرمة: نزلت في المساجد كلها (٢). وقال سعيد بن جبير: نزلت في أعضاء السجود(٣)؛ أي: هي الله فلا تسجدوا بها لغيره. وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح من رواية عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿ها قال: قال رسول الله وَله: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة ـــ أشار بيده إلى أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين))(٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَا فَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾﴾ قال العوفي عن ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي ﴿ يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن ودنوا منه، فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ أَلْبِنِّ﴾(٥) [الجن: ١] يستمعون القرآن. هذا قول، وهو مروي عن الزبير بن العوام څته. وقال ابن جرير: حدثني محمد بن معمر، حدثنا أبو مسلم، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الجن لقومهم: ﴿لَّ قَمَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له قال: فقالوا لقومهم: ﴿لَّا فَمَ عَبْدُ اُللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾(٦). وهذا قول ثانٍ، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضاً (٧). وقال الحسن: لما قام رسول الله وَ ﴿ يقول: لا إله إلا الله، ويدعو الناس إلى ربهم كادت العرب تلبد عليه جميعاً (٨). وقال قتادة في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَا فَمَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُنُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (٣)﴾ قال: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه(٩). وهذا قول ثالث وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقول ابن زيد (١٠)، وهو اختيار ابن (١) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده ضعيف لأنه مرسل. (٢) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن مهران عن سفيان به، وفي سنده خُصيف سيء الحفظ، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح. (٣) فيه غرابة، والاستشهاد بالحديث الذي يليه لا يتناسب معه. (٤) أخرجه الشيخان من طريق عبد الله بن طاوس به (صحيح البخاري، الأذان، باب السجود على الأنف ح ٨١٢، وصحيح مسلم، الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب ح٤٩٠). (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة الجن ح٣٣٢٣) والضياء المقدسي (المختارة ٧٤/١٠) كلاهما من طريق أبي عوانة به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٦٤٧). (٧) أخرجه الطبري من طريق زياد عن سعيد بن جبير وسنده مرسل ويتقوى بسابقه. (٨) سنده مرسل ويشهد له ما سبق. (٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى بما سبق. (١٠) تقدمت رواية ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.