النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سُورَة التجريبي (٦، ٨)
00000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وَأَهْلِكُمْ نَارًا﴾ يقول: أدبوهم وعلموهم(١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُوَأْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِكُمْ نَارًا﴾ يقول: اعملوا بطاعة الله،
واتقوا معاصي الله، وأمروا أهلكم بالذكر ينجيكم الله من النار(٢).
وقال مجاهد: ﴿قُوَأْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُزْ نَارًا﴾ قال: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله(٣).
وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به
وتساعدهم عليه، فإذا رأيت الله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها. وهكذا قال الضحاك ومقاتل:
حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه (٤).
وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي من حديث عبد الملك بن
الربيع بن سبرة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَله: ((مُروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع
سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها)) هذا لفظ أبي داود.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن(٥).
وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله ◌َّ مثل
ذلك (٦).
قال الفقهاء: وهكذا في الصوم ليكون ذلك تمريناً له على العبادة لكي يبلغ وهو مستمر على
العبادة والطاعة ومجانبة المعاصي وترك المنكر، والله الموفق.
وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ﴾ وقودها: أي حطبها الذي يلقى فيه جئت بني آدم ﴿ وَالْحِجَارَةُ﴾
قيل: المراد بها: الأصنام التي كانت تعبد لقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ (٣)﴾ [الأنبياء] وقال ابن مسعود ومجاهد وأبو جعفر الباقر والسدي:
هي ججارة من كبريت(٧)، زاد مجاهد: أنتن من الجيفة.
[وروى ذلك ابن أبي حاتم كَّتُهُ قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن سنان المنقري](٨)،
حدثنا عبد العزيز يعني: ابن أبي رواد قال: بلغني أن رسول الله وَ ﴿ تلا هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ قُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وعنده بعض أصحابه وفيهم شيخ فقال الشيخ:
يا رسول الله حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ◌َلو: ((والذي نفسي بيده لصخرة من صخر
(١) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن علي ظه، وقد أخرجه الحاكم
موصولاً من طريق ربعي عن علي وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٩٤/٢).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد عن زيد بن الحباب عن عبد الملك بن الربيع به وحسنه محققوه. (المسند ٥٦/٢٤
ح١٥٣٣٩) وأخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة ح ٤٩٤) والترمذي (السنن،
الصلاة، باب متى يؤمر الصبي بالصلاة ح ٤٠٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٦٥).
(٦) المصدر السابق (ح٤٩٥).
(٨) زيادة من (ح) و(حم).
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٤.

٣٢٢
• سُورَةِ التَّجَرنة (٦، ٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جهنم أعظم من جبال الدنيا كلها)). قال: فوقع الشيخ مغشياً عليه، فوضع النبي وَّر يده على
فؤاده فإذا هو حي فناداه قال: يا شيخ قل: لا إله إلا الله، فقالها فبشره بالجنة قال: فقال
أصحابه: يا رسول الله أمن بيننا؟ قال: ((نعم يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ
وَعِيدٍ﴾(١) [إبراهيم: ١٤])) هذا حديث مرسل غريب. وقوله: ﴿عَلَيّهَا مَلَكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي:
طباعهم غليظة قد نزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، ﴿شِدَادٌ﴾ أي: تركيبهم في غاية
الشدة والكثافة والمنظر المزعج كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن شبيب،
حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى
النار وجدوا على الباب أربع مئة ألف من خزنة جهنم سود وجوههم كالحة أنيابهم قد نزع الله من
قلوبهم الرحمة، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة لو طير الطير من منكب أحدهم
الطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم
سبعون خريفاً ثم يهوون من باب إلى باب خمس مئة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما
وجدوا على الباب الأول حتى ينتهوا إلى آخرها (٢).
وقوله: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: مهما أمرهم به تعالى يبادرون إليه لا
يتأخرون عنه طرفة عين وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية عياذاً بالله
منهم.
وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعْنَذِرُواْ أَلْيَوْمٌّ إِنََّا تُجُزَوّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: يقال للكفرة يوم
القيامة لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون وإنما تجزون اليوم
بأعمالکم.
ثم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ أي: توبة صادقة جازمة تمحو ما
قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات.
قال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت
نَّ اللَّهُ يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ
النعمان بن بشير يخطب، سمعت عمر بن الخطاب
تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ قال: يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه(٣) .
وقال الثوري: عن سماك، عن النعمان، عن عمر قال: التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم
لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه (٤) .
وقال أبو الأحوص وغيره، عن سماك، عن النعمان سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: أن
يتوب الرجل من العمل السيئ ثم لا يعود إليه أبداً (٥).
(١) سنده ضعيف لأنه معضل.
(٢) سنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان. (التقريب ص٨٩).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن ويشهد له ما ثبت عن ابن مسعود ظ
.
(٤) أخرجه الطبري والحاكم من طريق الثوري به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٩٥/٢).
(٥) أخرجه الطبري من طريق أبي الأحوص به وسنده حسن.

٣٢٣
سُورَةُ التَّجرني (٨،٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿تَوْبَةُ نَّصُومًا﴾ قال:
يتوب ثم لا يعود(١).
وقد روي هذا مرفوعاً فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن إبراهيم الهجري، عن
أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((التوبة من الذنب يتوب منه ثم
لا يعود فيه))(٢). تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف والموقوف
أصح، والله أعلم.
ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف
منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي ردّه إليه بطريقه.
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عبد الكريم أخبرني زياد بن أبي مريم عن [عبد الله بن
معقل](٣) قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت النبي وَّ يقول: ((الندم
توبة؟)) قال: نعم. وقال مرة: نعم سمعته يقول: ((الندمة توبة))(٤). ورواه ابن ماجه عن هشام بن
عمار، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الكريم وهو ابن مالك الجزري به (٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الوليد بن بُكير أبو خباب، عن عبد الله بن
محمد العدوي، عن أبي سنان البصري، عن أبي قلابة، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب
قال: قيل: لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة منها: نكاح الرجل امرأته أو
أمته في دبرها وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح الرجل الرجل
وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، ومنها نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرم الله
ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله، وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة
نصوحاً. قال زرٌّ: فقلت: لأُبي بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت رسول الله وَ لجرد عن
ذلك فقال: ((هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا
تعود إليه أبداً))(٦)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو، حدثنا أبو
عمرو بن العلاء، سمعت الحسن يقول: التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه
إذا ذكرته(٧)، فأما إذا حزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجبُّ ما قبلها من الخطيئات كما ثبت في
(١) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده صحيح. وأخرجه الحاكم من طريق عباية الأسدي عن ابن
مسعود وصححه، قال الذهبي: عباية لا ذكر له في الكتب الستة (المستدرك ٤٩٥/٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٩/٧ ح٤٢٦٤) وقال محققوه: إسناده ضعيف وقد روي مرفوعاً
وموقوفاً، والصحيح وقفه.
(٣) كذا في المسند و(ح)، وفي الأصل صحف إلى: ((عبد الله بن مغفل)).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/٦ ح٣٥٦٨) وحسن سنده محققوه.
(٥) سنن ابن ماجه (الزهد، باب ذكر التوبة ح٤٢٥٢) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٤٢٩)،
وصحح سنده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣٠٨/٣).
(٦) ذكره الحافظ ابن حجر وقال: سنده ضعيف جداً.
(٧) يشهد له ما ثبت من الروايات الصحيحة قبل السابقة.

٣٢٤
سُورَةُ التجربة (٨،٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الصحيح: ((الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها))(١).
وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات كما تقدم في الحديث وفي
الأثر: ((ثم لا يعود فيه أبداً)) أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه
ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضاراً في تكفير ما تقدم لعموم قوله تظل *: ((التوبة تجب ما
قبلها؟)) وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضاً: ((من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل
في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر)) (٢) فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو
أقوى من التوبة فالتوبة بطريق الأولى والله أعلم.
وقوله: ﴿عَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَائِكُمْ وَيُدِْلَكُمْ جَثَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ وعسى
من الله موجبة ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَةٌ﴾ أي: ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة
﴿نُؤُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ﴾ كما تقدم في سورة الحديد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُرَنَا وَأَغْفِرْ
لَأَّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم: [هذا يقوله](٣)
المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ(٤).
وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا
ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذرِّ وأبا
الدرداء قالا: قال رسول الله وَلجر: ((أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن
له برفع رأسه، فأنظر بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من
بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم. فقال رجل يا رسول الله كيف تعرف
أمتك من بين الأمم؟ قال: ((غرٌّ محجلون من آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك
غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجهوههم من أثر السجود
وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم))(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن
حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف رسول الله و 18 عام الفتح فسمعته يقول:
((اللَّهم لا تخزني يوم القيامة)) (٦).
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٣٨.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٣٨.
(٣) زيادة من (ح) و(حم).
(٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الحاكم والطبري
من طريق مجاهد عن يزيد بن شجرة الرهاوي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٩٤/٣).
(٥) أخرجه المروزي بسنده ومتنه (تعظيم قدر الصلاة رقم ٢٦١) وسنده حسن لأن الراوي عن ابن لهيعة هو أحد
العبادلة الذين رووا عن ابن لهيعة قبل احتراق كتبه. وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة به دون ذكر
أبي ذرِّ. (المسند ٦٥/٣٦ ح ٢١٧٣٧) قال محققوه: حسن لغيره دون قوله: ((وأعرفهم أنهم يؤتون
كتبهم ... ).اهـ.
وأخرجه الحاكم من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك
٤٧٨/٢).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٩٦/٢٩ ح١٨٠٥٦) وصحح سنده محققوه.

٣٢٥
• سُورَةِ التَّجَرِيَة (١٠،٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿ ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغُْظْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَهُمْ جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ
فَخَاتَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّاسِينَ
يقول تعالى آمراً رسوله و * بجهاد الكفار والمنافقين هؤلاء بالسلاح والقتال، وهؤلاء بإقامة
الحدود عليهم: ﴿وَأَغُْطْ عَلَهِمْ﴾ أي: في الدنيا ﴿وَمَأْوَهُمْ جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: في الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم
أن ذلك لا يجدي عنهم شيئاً ولا ينفعهم عند الله إن لم يكن الإيمان حاصلاً في قلوبهم، ثم ذكر
المثل فقال: ﴿ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنٍ﴾ أي: نبيين رسولين
عندهما في صحبتهما ليلاً ونهاراً يؤاكلانهما ويضاجعانهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط
﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في الإيمان لم يوافقاهما على الإيمان ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يجد ذلك
كله شيئاً، ولا دفع عنهما محذوراً، ولهذا قال: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لكفرهما
﴿وَقِيلَ﴾ أي: للمرأتين: ﴿أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّارِينَ﴾ وليس المراد بقوله: ﴿فَخَنَتَاهُمَا﴾ في
فاحشة بل في الدين فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء كما قدمنا
في سورة النور.
قال سفيان الثوري: عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتَّة سمعت ابن عباس يقول في
هذه الآية: ﴿فَخَنَتَاهُمَا﴾ قال: ما زنتا، أما خيانة امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة
امرأة لوط فكات تدلُّ قومها على أضيافه(١).
وقال العوفي، عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على عَورتيهما فكانت امرأة نوح
تطلع على سرِّ نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط
فكانت إذا أضاف لوط أحداً أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء(٢).
وقال الضحاك، عن ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط إنما كانت خيانتهما في الدين(٣)،
وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك(٤) وغيرهم.
وقد استدل بهذه الآية الكريمة بعض العلماء على ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس:
((من أكل مع مغفور له غفر له)) وهذا الحديث لا أصل له، وإنما يروى هذا عن بعض الصالحين
أنه رأى النبي﴾ في المنام فقال: يا رسول الله أنت قلت: ((من أكل مع مغفور له غفر له؟))
قال: لا ولكني الآن أقوله(٥) .
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود آية ٤٦.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك به، والضحاك لم يلق ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسندين عن عكرمة يقوي أحدهما الآخر، وأخرجه أيضاً الطبري بسند جيد من طريق أبي
معاوية البجلي عن سعيد بن جبير.
(٥) ذكره ابن القيم وقال: موضوع (المنار المنيف ص ١٤٠) وأيده الألباني في السلسلة الضعيفة ٣٢٦/١ (ح٣١٥).

٣٢٦
سُورَةُ التَّجْرِيَةِ (١٢،١١)
- ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِىِ الْجَنَّةِ
وَِّي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَمَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَِّى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا
فِيهِ مِن رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَلِينَ
وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم كما
قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ
إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾ [آل عمران: ٢٨].
قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأبعده، فوالله ما ضرَّ امرأته كفر زوجها حين
أطاعت ربها ليعلموا أن الله تعالى حكم عدل لا يؤاخذ أحداً إلا بذنبه(١).
وقال جرير: حدثنا إسماعيل بن حفص الأُبلّيّ، حدثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيمي،
عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذب في الشمس، فإذا انصرف
عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة(٢). ثم رواه عن عبيد بن محمد
المحاربي، عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي به(٣). ثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن
إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة
فرعون تسأل من غلب فيقال: غلب موسى وهارون فتقول: آمنت بربِّ موسى وهارون، فأرسل
إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن
رجعت عن قولها فإنها امرأتي، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة
فمضت على قولها وانتزعت روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح (٤) فقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ
لِ عِندَكَ بَيْنًا فِى الْجَنَّةِ﴾ قالت العلماء: اختارت الجار قبل الدار، وقد ورد شيء من ذلك في
حديث مرفوع: ((ونجني من فرعون وعمله)) أي: خلصني منه، فإني أبرأ إليك من عمله ﴿وَِّ مِن
فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَنَجِنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم بينا.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمان امرأة فرعون من
قبل إيمان امرأة خازن فرعون، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون فوقع المشط من يدها
فقالت: تعس من كفر بالله فقالت لها بنت فرعون: ولك ربِّ غير أبي؟ قالت: نعم ربي ورب
أبيك ورب كل شيء الله. فلطمتها بنت فرعون وضربتها وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون
فقال: تعبدين رباً غيري؟ قالت: نعم ربي وربك ورب كل شيء الله وإياه أعبد، فعذبها فرعون
وأوتد لها أوتاداً فشد يديها ورجليها وأرسل عليها الحيات، فكانت كذلك، فأتى عليها يوماً
فقال: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك ورب كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في
فيك إن لم تفعلي. فقالت له: اقضٍ ما أنت قاضٍ، فذبح ابنها في فيها وإن روح ابنها بشرها
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي به وصححه
ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٩٦/٢).
(٣) أخرجه الطبري عن عبيد به.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله.

٣٢٧
سُورَةُ التَّجَرِيمِ (١١، ١٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فقال لها: أبشري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت ثم أتى عليها فرعون
يوماً آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر في فيها فبشرها روحه أيضاً،
وقال لها: اصبري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، قال: وسمعت امرأة فرعون
كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر فآمنت امرأة فرعون وقبض الله روح امرأة خازن فرعون،
وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت فازدادت إيماناً
ويقيناً وتصديقاً، فأطلع الله فرعون على إيمانها فقال للملأ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟
فأثنوا عليها. فقال لهم: إنها تعبد غيري! فقالوا له: اقتلها فأوتد لها أوتاداً فشد يديها ورجليها
فدعت آسية ربها فقالت: ﴿رَبِّ أَبْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِىِ الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون
فضحكت حين رأيت بيتها في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي
تضحك، فقبض الله روحها في الجنة رپتا.
وقوله تعالى: ﴿وَمََّمَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ الَِّيَّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ أي: حفظته وصانته والإحصان هو العفاف
والحرية فنفخنا فيه من روحنا أي: بواسطة الملك وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في
صورة بشر سوي وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في
فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ظلَّ﴾(١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ
بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَكُتُبِهِ﴾ أي: بقدره وشرعه ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن
عباس قال: خطّ رسول الله وَ ﴿ في الأرض أربعة خطوط، وقال: ((أتدرون ما هذا؟)). قالوا: الله
ورسوله أعلم. فقال رسول الله ويثيقول: ((أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت
محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون))(٢).
وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة بن عمرو بن مرة، عن مرة الهمداني، عن أبي موسى
الأشعري، عن النبيِ وَّه قال: ((كَمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة
فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد
على سائر الطعام))(٣).
وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم بالتّاه في
كتابنا البداية والنهاية (٤)، ولله الحمد والمنة وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية
بنت مزاحم من أزواجه لعلّله في الجنة عند قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾(٥).
آخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد.
(١) سنده ضعيف لإرساله.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠٩/٤ ح٢٦٦٨) وصحح سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من
طريق داود بن أبي الفرات به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٩٧).
(٣) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]
(ح٣٤١١) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﴿قا (ح ٢٤٣١).
(٥) آية ٥ من هذه السورة الكريمة.
(٤) ٥٥/٢ - ٥٨.

٣٢٨
سُورَةُ المِلكِ
0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
POD
٥١٢
سُورَةُ المِلكِ
وهي مكية
قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر؛ قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن
عياش الجشمي، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَّير قال: ((إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت
لصاحبها حتى غُفر له: ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلُْ﴾))(١). ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة
به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن(٢).
وقد روى الطبراني والحافظ الضياء المقدسي من طريق سلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس
قال: قال رسول الله وسلم: ((سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: ﴿تَبَرَكَ
الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾)»(٣).
وقال الترمذي: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك
النكري، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي ◌َّ خباءه
على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي ◌َليّة
فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك
﴿تَبَرَكَ﴾ حتى ختمها، فقال رسول الله رَّر: ((هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب القبر))،
ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي هريرة (٤).
ثم روى الترمذي أيضاً من طريق ليث بن أبي سُليم، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله وَيه
كان لا ينام حتى يقرأ ﴿الّ ﴾ تَزِلُ﴾ [السجدة: ١، ٢] و﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾(٥).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨/١٤ ح ٨٢٧٦) وقال محققوه: حسن لغيره. اهـ. وصححه أحمد
شاكر (المسند ح٨٢٥٩).
(٢) سنن أبي داود، الصلاة، باب في عد الآي (ح ١٤٠٠)؛ وسنن الترمذي، ثواب القرآن، باب ما جاء في
فضل سورة الملك (ح٢٨٩٣)؛ والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب سورة الملك (ح١٦١١٢)؛ وسنن
ابن ماجه، الأدب، باب ثواب القرآن (ح٣٧٨٦)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٥٣)؛
وأخرجه الحاكم من طريق قتادة به؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٩٧/٢).
(٣) أخرجه الطبراني (المعجم الصغير ١٧٦/١)؛ والمقدسي من طريق سلام به (المختارة ١١٤/٥ ح ١٧٣٨)
وحسنه محققه. وقال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٢٧/٧).
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الملك ح٢٨٩٠).
(٥) أخرجه الترمذي ثم ضعفه بقوله: وروى زهير قال: قلت لأبي الزبير: سمعت من جابر، فذكر هذا
الحديث. فقال أبو الزبير: إنما أخبرنيه صفوان أو ابن صفوان، وكأن زهيراً أنكر أن يكون هذا الحديث عن
أبي الزبير عن جابر. (المصدر السابق ح ٢٨٩٢).

٣٢٩
• سُوَرَّةُ المِلكِ
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ليث: عن طاوس يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة(١).
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسين بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب،
حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله:
(لوددت أنها في قلب كل إنسان من أُمتي)) يعني: ﴿تَبَّكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾(٢)، هذا حديث غريب
وإبراهیم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة يس.
وقد روى هذا الحديث عَبْدُ بن حميد في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا إبراهيم ابن
الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال:
بلى. قال: اقرأ ﴿تَبَرَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك،
فإنها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له [أن تُنِجيه](٣)
من عذاب النار، وينجى بها صاحبها من عذاب القبر. قال رسول الله وَ له: (لوددت أنها في قلب
كل إنسان من أمتي)).
وقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد أبي عبد الله القرشي
النيسابوري المقريء الزاهد الفقيه أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم لكن في غير
الصحيحين، وروى عنه الترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وعليه تفقه في مذهب أبي عبيد بن حربويه
وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب، عن الزهري، عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله وَّر: ((إن رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا ((تبارك))،
فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه، فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره
مساءتك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً، فإن أردتِ هذا به فانطلقي إلى الربِّ
تبارك وتعالى فاشفعي له، فتنطلق إلى الربِّ فتقول: يا ربِّ إن فلاناً عمد إليّ ما بين كتابك،
فتعلمني وتلاني أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه، فإن كنت فاعلاً ذاك به فامحني من
كتابك، فيقول: ألا أراك غضبت فتقول: وحُقَّ لي أن أغضب. فيقول: اذهبي فقد وهبته لك
وشفعتك فيه، قال: فتجيء الملك فيخرج خاسف البال لم يحلّ منه بشيء قال: فتجيء فتضع فاها
على فيه، فتقول مرحباً بهذا الفم فربما تلاني، ومرحباً بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحباً بهاتين
القدمين فربما قامتا بي وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه)). قال: فلما حدث بهذا رسول الله وَل
لم يبق صغير ولا كبير ولا حرّ ولا عبد إلا تعلمها وسمَّاها رسول الله وَله: المنجية(٤).
قلت: وهذا حديث منكر جداً وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين
والبخاري وأبو حاتم والدارقطني وغير واحد. وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري من
(١) أخرجه الترمذي، وسنده مرسل. (المصدر السابق بعد ح ٢٨٩٢).
(٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٢٤١/١١ ح١١٦١٦) وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم بن أبان كما
في التقريب وانظر: (مجمع الزوائد ٧/ ١٣٠).
(٣) كذا في (ح)، وفي الأصل بياض.
(٤) أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٢/ ٢٥٦) وسنده ضعيف لضعف فرات بن السائب كما قرر ونقل الحافظ
ابن كثير.

٣٣٠
• سُورَّةُ المَلِ (١، ٥)
قوله مختصراً وروى البيهقي في كتاب ((إثبات عذاب القبر))(١) عن ابن مسعود موقوفاً ومرفوعاً ما
يشهد لهذا، وقد كتبناه في كتاب الجنائز من الأحكام الكبرى ولله الحمد والمنة.
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَرَكَ اَلَّذِىِ بِيَدِهِ الْمُلُْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُر ﴿ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ لَحْسَنُ
عَمَلاَ وَهُوَ اٌلْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍّ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَُتِّ فَارْجِعِ الْبَصَرَ
هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ (٣ ثُمَّ أَرْجِعِ الْصَرَ كََّنٍ يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَسِنًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَلَةَ
٥
اُلُّنْيَا بِعَصَبِيحَ وَجَعَلْنَهَا رُجُومًا لشَّيَطِيْنِّ وَأَعْتَدْنَا لَمُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ
يمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك؛ أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات
بما يشاء؛ لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرً﴾ .
ثم قال: ﴿الَّذِىِ خَلَقَ الْمَوْتَ وَاَلْخَيَوَةَ﴾ واستدل بهذه الآية من قال: إن الموت أمر وجودي؛ لأنه
مخلوق، ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم؛ أي: يختبرهم أيهم أحسن عملاً كما
قال: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فسمى الحال الأول وهو العدم
موتاً، وسمى هذه النشأة حياة، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خُليد، عن قتادة
في قوله: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَّوْتَ وَالْخَيََّةَ﴾ قال: كان رسول الله وَّه يقول: ((إن الله أذلَّ بني آدم بالموت،
وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء)) (٢). ورواه معمر، عن
قتادة(٣) .
وقوله: ﴿لِبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَلًا﴾ أي: خير عملاً؛ كما قال محمد بن عجلان: ولم يقل أكثر
عملاً.
ثم قال: ﴿وَهُوَ أَلْعَزِزُ الْغَفُورُ﴾ أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن
تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره وإن كان تعالى عزيزاً هو مع ذلك يغفر ويرحم
ويصفح ويتجاوز.
ثم قال: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍّ ◌ِبَاقًا﴾ أي: طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن
علويات بعضهن على بعض أو متفاصلات بينهن خلاء؟
فيه قولان: أصحهما الثاني كما دلَّ على ذلك حديث الإسراء وغيره.
وقوله: ﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوْتٍ﴾ أي: بل هو مصطحب مستو ليس فيه اختلاف ولا
(١) أخرجه الحاكم من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود موقوفاً مختصراً؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٤٩٨/٢)؛ وأخرجه البيهقي من طريق مسروق عن ابن مسعود مختصراً (إثبات عذاب القبر رقم ٩٩).
(٢) سنده ضعيف لإرساله.
(٣) أخرجه الطبري من طريق معمر به، وسنده كسابقه.

٣٣١
سُورَةُ المِلك (١، ٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تنافر ولا مخالفة ولا نقص ولا عيب ولا خلل؛ ولهذا قال: ﴿فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ أي:
انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيباً أو نقصاً أو خللاً أو فطوراً؟
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى: ﴿فَأَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن
قُطُورٍ﴾: أي شقوق(١).
وعن السدي: ﴿هَلْ تَرَى مِن قُطُورٍ﴾ أي: من خروق.
وقال ابن عباس في رواية: ﴿مِن فُطُورٍ﴾ أي: من وهاء(٢).
وقال قتادة: ﴿هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ أي: هل ترى خللاً يا ابن آدم(٣)؟
وقوله: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ اٌلْصَرَ كَرََّنِ﴾ قال قتادة: مرتین.
﴿يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنًا﴾ قال ابن عباس: ذليلاً(٤).
وقال مجاهد وقتادة: صاغراً(٥).
﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس يعني: وهو كليل.
وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير: المنقطع من الإعياء(٦).
ومعنى الآية: أنك لو كررت البصر مهما كررت لانقلب إليك؛ أي: لرجع إليك البصر خاسئاً
عن أن يرى عيباً أو خللاً، وهو حسير أي: كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر، ولا يرى
نقصاً.
ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَةَ الدُّنْيَا بِمَصَنِيحَ﴾
وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت.
وقوله: ﴿وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِينِ﴾ عاد الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَهَا﴾ على جنس المصابيح لا على
عينها؛ لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها، وقد تكون مستمدة منها والله
أعلم.
وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا وأعتدنا لهم
عذاب السعير في الآخرة كما قال تعالى في أول الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الذُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ
وَحِفْظًا مِّنِ كُلِّ شَيْطَانِ مَارِدٍ ﴿﴿ لَّا يَسَّمَّعُونَ إلَى الْعَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَائِبٍ ﴿ دُخُورًا وَهُمْ عَذَابٌ
١٠)﴾ [الصافات] قال قتادة: إنما خلقت هذه
وَاصِبُ ﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَلُمِ شِهَابٌ ثَاقِبٌ
النجوم لثلاث خصال: خلقها الله زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول
(١) عزاه السيوطي إلى الطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس، ولكن لم أجده في الطبري.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
بلفظ: الوهيُّ. والوهي هو: الشق.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق سعيد بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((مُعْىٍ)).

٣٣٢
• سُورَةُ الذِّكَ (٦، ١١)
0000000000000000000000000000000 000 000 000 000 000 000 000000000000000000000000000000000
فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به.
رواه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم.
٧
﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمٌّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ إِذَا أُلْقُواْ فَِهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ
تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوٌْ سَهُمْ خَُهَا أَ يَأْتِّكُمْ نَذِيْرٌ ﴿ قَالُواْ بَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَّبْنَا وَقُلْنَاً
مَا نَزَّلَ اللهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلِ كَبِيرٍ ﴿﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَتْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَمْخَبِ السَّعِيرِ
فَأَعْتَقُواْ بِذَئِبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ
١٠
يقول تعالى ﴿و﴾ أعتدنا للذين ﴿كَفَرُواْ بِرَبِهِمْ عَذَابٌ جَهَنَّمٌّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: بئس المآل
والمنقلب. ﴿إِذَا أُلْقُواْ فِيَهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا﴾ قال ابن جرير: يعني الصياح.
﴿وَهِىَ تَفُورُ﴾ قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحَبُّ القليل في الماء الكثير.
وقوله: ﴿تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْفَيْظِ﴾ أي: تكاد ينفصل بعضها من بعض من شدة غيظها عليهم
وحنقها بهم ﴿كُلَّمَّا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَهُمْ خَُهَا أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَذِيْرٌ ﴿ قَالُواْ بَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا
نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلِ كَبِيرٍ ﴾﴾ يذكر تعالى عدله في خلقه؛ وأنه لا يعذب
أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِِّينَ حَّ نَبْعَثَ
رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿حََّ إِذَا جَهُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ
رُسُلُ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَيْكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ اٌلْعَذَابِ
عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث لا تنفعهم الندامة
فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَتْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَمْخَبِ السَّعِيرِ﴾ أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو
نسمع ما أنزله الله من الحق لما كنا على ما نحن عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم
يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم؛ قال الله
تعالى: ﴿فَأَعْتَفُواْ بِذَئِبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ (١).
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري
الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله ◌َ و أنه قال: ((لن يهلك الناس حتى يعذروا من
أنفسهم))(٢).
وفي حديث آخر: ((لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة))(٣).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٢/٣٠ ح١٨٢٨٩) وصحح سنده محققوه؛ وأخرجه أبو داود من
طريق شعبة به (السنن، الملاحم، باب الأمر والنهي ح ٤٣٤٧)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
٨٢٠/٣؛ وحسنه البغوي (مشكاة المصابيح ١٤٢٤/٣ ح ٥١٤٦)؛ وحسنه السيوطي (الجامع الصغير ٣٠٤/٥
ح ٧٣٩٧).
(٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة به مرفوعاً بلفظ: ((لا يدخل أحد الجنة إلا أُرى مقعده من النار لو
أساء)» (الصحيح، الرقاق، باب صفة الجنة والنار ح٦٥٦٩).

٣٣٣
سُورَةُ الخَلِ (١٢، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّ إِنَّهُ
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِلْغَيْبٍ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
عَلِطْ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ ﴿ هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ
فِى مَنَاكِهَا وَكُواْ مِن رِّزْقِّ وَإِلَيْهِ اُلُّنُورُ (@)﴾.
يقول تعالى مخبراً عمّن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائباً عن الناس فينكف عن
المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى بأن له مغفرة وأجر كبير أن تكفَّر عنه
ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل كما ثبت في الصحيحين ((سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم
لا ظل إلا ظله، فذكر منهم رجلاً دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلاً
تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))(١).
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عُبيد، عن
ثابت، عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره!
قال: ((كيف أنتم وربكم؟)) قالوا: الله ربنا في السر والعلانية. قال: ((ليس ذلكم النفاق)). قال
البزار: لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن ◌ُبيد فيما نعلمه(٢).
ثم قال تعالى منبهاً على أنه مطلع على الضمائر والسرائر: ﴿وَأَسِرُواْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُواْ بِّةٌ إِنَّهُ عَلٌِّ
بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣)﴾ أي: بما يخطر في القلوب ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ أي: ألا يعلم الخالق وقيل:
معناه ألا يعلم الله مخلوقه. والأول أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ .
ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم بأن جعلها قارة ساكنة لا
تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك من السبل، وهيأ فيها
من المنافع ومواضع الزروع والثمار فقال: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِىِ مَنَاكِهَا﴾ أي:
فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات،
واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئاً إلا أن ييسره الله لكم ولهذا قال تعالى: ﴿وَكُواْ مِن
رِزْقٌِّ﴾ فالسعي في السبب لا ينافي التوكل كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا
حيوة، أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبد الله بن مُبيرة يقول أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول أنه
سمع عمر بن الخطاب يقول أنه سمع رسول الله وَ ه يقول ((لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله
لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً))(٣). رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من
حديث ابن هبيرة. وقال الترمذي: حسن صحيح(٤).
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٧١.
(٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه وقال الحافظ ابن حجر: والحارث له مناكير وإن أخرج له في الصحيح
(مختصر زوائد مسند البزار ٦٦/١، ٦٧ ح ١٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٢/١ ح ٢٠٥) قال محققوه: إسناده قوي.
(٤) سنن الترمذي، الزهد، باب في التوكل على الله (ح٢٣٤٥)؛ وسنن ابن ماجه، الزهد، باب التوكل واليقين
(ح٤ ٤١٦)؛ وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٣٥٩).

٣٣٤
• سُورَّةُ الخَلقِ (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فأثبت لها رواحاً وغدواً لطلب الرزق مع توكلها على الله رَ، وهو المسخِّر المسيِّر المسبّب
﴿وَإِلَيْهِ النُُّورُ﴾ أي: المرجع يوم القيامة.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة: ﴿مَنَاكِهَا﴾: أطرافها وفجاجها ونواحيها(١).
مَنَاكِبِهَا﴾: الجبال(٢).
وقال ابن عباس وقتادة أيضاً:
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام الأزدي، حدثنا شعبة، عن قتادة،
عن يونس بن جبير، عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية ﴿فَمَشُواْ فِى مَنَاكِها﴾ فقال: لأُم ولد
له: إن علمت ما مناكبها؟ فأنت عتيقة. فقالت: هي الجبال، فسأل أبا الدرداء فقال: هي
الجبال(٣) .
﴿وَأَمِثُم مَنْ فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَهُورُ (٨٧) أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَلِ أَن يُرْسِلَ
عَلَيْكُمْ حَاصِبَأْ فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَفَ كَانَ تَكِيرِ ﴿٣َ أَوَلَمْ يَرَوّا إِلَى
.(@
اُلَّيْرِ فَوقَهُمْ صَغَّتٍ وَيَقْبِضِنَّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ الرَّحْمَنُّ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرُ
وهذا أيضاً من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم، بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه
غيره وهو مع هذا يحلم ويصفح ويؤجل ولا يعجل كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ
مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَنَّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَ اللَّهَ كَانَ
بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا ﴾﴾ [فاطر].
وقال ههنا: ﴿َأَمِثُم مَّنْ فِ السَّمَاءِ أَنْ يَخِْفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ﴾﴾ أي: تذهب وتجيء
وتضطرب ﴿أَمْ أَمِنْتُم مَّن فِ السَّمَلِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ أي: ريحاً فيها حصباء تدمغكم كما
قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخِْفَ بِكُمْ جَاِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلًا
[الإسراء] وهكذا توعدهم ههنا بقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرٍ﴾ أي: كيف يكون إنذاري وعاقبة من
تخلف عنه وكذب به.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن ◌َّلِهِمْ﴾ أي: من الأمم السالفة والقرون الخالية ﴿فَكَفَ كَانَ
تَكِيرٍ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؛ أي: عظيماً شديداً أليماً.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوّا إِلَى الَّيْرِ فَوقَهُمْ صَفَّتٍ وَيَقْبِضَنَّ﴾ أي: تارة يصففِن أجنحتهن في الهواء
وتارة تجمع جناحاً وتنشر جناحاً ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ أي: في الجو ﴿إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ أي: بما سخر لهن
من الهواء من رحمته ولطفه ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ بَصِيرُ﴾ أي: بما يصلح كل شيءٍ من مخلوقاته، وهذه
كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى اَلَيْرِ مُسَخَّرَتٍ فِى جَوِّ السَّمَِّ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّ اللَّهُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ (٢)﴾ [النحل].
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس؛ ويتقوى بما أخرجه آدم والطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري وعبد الرزاق بسند
صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٣) سنده ضعيف لضعف عمرو بن حكام (لسان الميزان ٣٦٠/٤). والتفسير يتقوى بسابقه.

٣٣٥
• سُؤَدَّةُ المُلكِ (٢٠، ٢٧)
0000000000000000000000000000000000000 00000 0000000000000000000000 00000000000000 0 0 0 0
أَمَّنْ هَذَا أَلَّذِى
﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنِدٌ لَّكُمْ يَنْصُرُكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِ غُرُورٍ
يَرْزُقُّكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُمْ بَل لَّجُواْ فِى عُثُرٍ وَنُفُورٍ ﴿ أَفَ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهٍِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَطٍ
قُلٌ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ (٣) قُلْ هُوَ اَلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِي
◌ُسْتَقِيم
اُلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ مُخْشَرُونَ
(٢٤)
وَقُولُونَ مَتَى هَذَا اُلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
٢٥
قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ
◌ُبِينٌّ ◌َ فَلَّا رَأَوْهُ زُلْفَةُ سِيَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُنتُم بِن تَدَّعُونَ
يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا معه غيره يبتغون عندهم نصراً ورزقاً منكراً عليهم فيما
اعتقدوه ومخبراً لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه فقال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَّكُمْ يَصُرُّكُ مِنْ دُونِ
الرَّحْمَنَّ﴾ أي: ليس من دونه من ولي ولا واقٍ ولا ناصر لكم غيره ولهذا قال: ﴿إِنِ الْكَفِرُونَ إِلَّا فِى
غُرُورٍ﴾ .
ثم قال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى يَرْزُقُّكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي: من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه
يرزقكم بعده؟ أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا الله رَّك وحده لا شريك له؛
أي: وهم يعلمون ذلك ومع هذا يعبدون غيره ولهذا قال: ﴿بَل لَّجُواْ﴾ أي: استمروا في طغيانهم
وإفكهم وضلالهم ﴿فِ عُنٍُّ وَتُقُورٍ﴾ أي: في معاندة واستكبار ونفور على أدبارهم عن الحق لا
يسمعون له ولا يتبعونه.
ثم قال: ﴿أَفَ يَمْشِى مُكِبَّا عَلَى وَجْهِهٍِ أَهْدَىَ أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِ (®) وهذا مثل
ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكباً على وجهه؛ أي:
يمشي منحنياً لا مستوياً على وجهه؛ أي: لا يدري أين يسلك؟ ولا كيف يذهب؟ بل تائه حائر
ضالٌ أهذا أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّ﴾ أي: منتصب القامة ﴿عَلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق
واضح بيِّن، وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في
الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سوياً على صراط مستقيم مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما
الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم ﴿﴿ أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونٌّ
وَقِفُوُّ لِنَّهُم ◌َسْئُولُونَ ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٣٥) بَلْ هُ
مِن دُونِ اللَّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ الْجَسِ بـ
(٣)﴾ [الصافات].
اَلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ
قال الإمام أحمد كلّتُهُ: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن نفيع قال: سمعت أنس ابن
مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: ((أليس الذي أمشاهم
على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم))(١)؟ وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من
طريق [يونس بن محمد، عن شيبان، عن قتادة، عن أنس به نحوه](٢).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣١/٢٠ ح ١٢٧٠٨) وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد
ضعيف جداً! ولو قالوا: متنه صحيح، أو له شواهد لكان أحسن.
(٢) في الأصول الخطية بياض واستدرك من الصحيحين فقد أخرجه الشيخان من طريق يونس بن محمد به.
(صحيح البخاري، التفسير، سورة الفرقان باب ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ... ﴾ [الفرقان: ٢٤]
(ح ٤٧٦٠)؛ وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب يحشر الكافر على وجهه ح٢٨٠٦).

٣٣٦
• سُورَةُ الذلك (٣٠،٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِىّ أَنشَأَكُمْ﴾ أي: ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً ﴿وَجَعَلَ لَكُرُ
السَّمْعَ وَالْأَبْصَ وَالْأَفْدَةَ﴾ أي: العقول والإدراك ﴿قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: قلما تستعملون هذه القوى
التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره.
﴿قُلْ هُوَ اَلَِّى ذَرَكُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها مع اختلاف
ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم وحلاكم وأشكالكم وصوركم ﴿وَإِلَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون بعد هذا
التفرق والشتات، يجمعكم كما فرقكم ويعيدكم كما بدأكم.
ثم قال مخبراً عن الكفار المنكرين للمعاد المستبعدين وقوعه: ﴿وَيَقُولُونَ مَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنُ
صَدِقِينَ ﴾﴾ أي: متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق؟ ﴿قُلّ إِنَّمَا الْعِلْمُ
عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله وم، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن
وواقع لا محالة فاحذروه ﴿ وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: وإنما علي البلاغ وقد أديته إليكم.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ زُلْفَةُ سِيَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: لما قامت القيامة وشاهدها
الكفار ورأوا أن الأمر كان قريباً لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه، فلما وقع ما كذبوا به
ساءهم ذلك لما يعلمون ما لهم هناك من الشر أي: فأحاط بهم ذلك وجاءهم من أمر الله ما لم
يكن لهم في بال ولا حساب ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴿﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَبِّئَاتُ مَا
كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾﴾ [الزمر] ولهذا يقال لهم على وجه التقريع
والتوبيخ: ﴿هَذَا الَّذِى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي: تستعجلون.
] ﴿قُلْ أََّيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَتِىَ اللَّهُ وَمَن ◌َّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿ قُلْ هُوَ
الرَّحْمَنُ ءَامَنَا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَوَكَّنَّا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴿٨َ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيَكُرْ
بٍِّ مَّعِينٍ (٥)).
يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه ﴿أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكِىَ اللَّهُ وَمَن
مَّعِىَ أَوْ رَيْمَنَا فَمَن يُّجِيرُ الْكَفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: خلِّصوا أنفسكم، فإنه لا منقذ لكم من الله إلا
التوبة والإنابة والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء
عذبنا الله أو رحمنا فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم.
ثم قال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَا بِهِ، وَعَلَيْهِ تَكَّنً﴾ أي: آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم، وعليه
توكلنا في جميع أمورنا كما قال: ﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ﴾ [هود: ١٢٣] ولهذا قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ
هُوَ فِ ضَلٍ مُبِينٍ﴾ أي: منا ومنكم ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة؟
ثم قال: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا﴾ أي: ذاهباً في الأرض إلى أسفل فلا يُنال بالفؤوس
الحِداد ولا السواعد الشداد. والغائر: عكس النابع ولهذا قال: ﴿فَنْ يَأْتِكُم بِمَكَمٍ مَّعِينٍ﴾ أي: نابع
سائح جار على وجه الأرض؛ أي: لا يقدر على ذلك إلا الله مت، فمن فضله وكرمه أن أنبع
لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة.
فله الحمد والمنة. آخر تفسير سورة الملك.

٣٣٧
سُورَةُ القَلْ (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000
47 00000
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ
مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
﴿تَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
٣
بِأَبِّكُمُ الْمَفْتُونُ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ فَسَنُبْصِرُ وَيُصِرُونَ (@)
سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ
قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة وأن قوله تعالى: ﴿تٍ﴾ كقوله:
٤﴾ ﴿فَّ﴾ ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما
أغنى عن إعادته ههنا .
وقيل: المراد بقوله: ﴿ت﴾ حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط وهو حامل للأرضين
السبع كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان هو:
الثوري، حدثنا سليمان هو: الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله
القلم قال: اكتب. قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى
قيام الساعة، ثم خلق النون ورفع بخار الماء، ففتقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر
النون، فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض(١). وكذا رواه
ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن أبي معاوية، عن الأعمش به(٢). وهكذا رواه شعبة
ومحمد بن فضيل ووكيع، عن الأعمش به. وزاد شعبة في روايته ثم قرأ: ﴿تَ وَالْقَلِمِ وَمَا يَسْطُرُونَ
(@)(٣) وقد رواه شريك، عن الأعمش، عن أبي ظبيان أو مجاهد، عن ابن عباس فذكر
نحوه (٤). ورواه معمر، عن الأعمش أن ابن عباس قال: فذكره ثم قرأ: ﴿تَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْظُرُونَ
ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن
(٥)
ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي ◌َك القلم، ثم قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه؛ وأخرجه الحاكم من طريق جرير عن الأعمش به؛ وصححه ووافقه الذهبي.
(المستدرك ٤٩٨/٢). وفيه غرائب وخصوصاً في آخره، ولعله من أخبار أهل الكتاب المسكوت عنها.
(٢) سنده ومتنه كسابقه.
(٣) أخرجه الطبري من هذه الطرق وبهذه الزيادة عن شعبة.
(٤) أخرجه الطبري وسنده ومتنه كسابقه.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن ثور عن معمر به، وسنده ضعيف لأن الأعمش لم يسمع من ابن عباس.

٣٣٨
• سُورَةُ القَلَِّ (٧،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء ثم كبس الأرض عليه(١).
وقد روى الطبراني ذلك مرفوعاً فقال: حدثنا أبو حبيب [زيد بن](٢) المهدي المروذي، حدثنا
سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن
السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صُبيح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ له: ((إن أول ما
خلق الله القلم والحوت. قال للقلم: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة
ثم قرأ ﴿تَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْظُرُونَ ﴾﴾ فالنون الحوت، والقلم القلم))(٣).
حديث آخر في ذلك رواه ابن عساكر، عن أبي عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن أول شيء خلقه الله القلم، ثم خلق النون وهي:
الدواة ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون أو ما هو كائن من عمل أو رزق
أو أثر أو أجل، فكتب ذلك إلى يوم القيامة فذلك قوله: ﴿تْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾﴾ ثم ختم
على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، وقال: وعزتي لأكملنَّك [فيمن أحببت،
ولأنقصنَّك ممن أبغضت])»(٤).
وقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال: كان يقال: النون الحوت
العظيم الذي تحت الأرض السابعة(٥).
وقد ذكر البغوي تَّتُ وجماعة من المفسرين أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ
السماوات والأرض وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن
وما بينهن(٦). والله أعلم.
ومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا
إسماعيل، حدثنا حميد، عن أنس أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم رسول الله صل ﴿ المدينة، فأتاه
فسأله عن أشياء قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما
أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ وما بال الولد ينزع إلى أمه؟ قال:
أخبرني بهنَّ جبريل آنفاً، قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: أما أول أشراط
الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت،
وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت(٧).
(١) أخرجه الطبري بسند ومتنه؛ وأخرجه آدم بن أبي إياس من طريق ورقاء عن عطاء بن السائب به؛ وأخرجه
عبد الله بن الإمام أحمد من طريق جرير به (السنة رقم ٨٧١). وسنده حسن، ويتقوى بسابقه.
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٤٣٣/١١ ح ١٢٢٢٧) في سنده مؤمل وعطاء وكلاهما فيهما مقال. قال
الهيثمي: ومؤمل كثير الخطأ. (مجمع الزوائد ١٣١/٧).
(٤) في الأصل بياض والزيادة من رواية ابن عساكر (تاريخ دمشق ١٧/ ٤٩٢) وهو حديث ضعيف قال ابن
القيم: أحاديث العقل كلها كذب. (المنار المنيف ٩٦).
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده ضعيف لإرساله، وهو من الإسرائيليات.
(٦) ذكره البغوي (معالم التنزيل ٣٧٤/٤) والخبر من الإسرائيليات الغريبة.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٩/٣) وسنده صحيح.

٣٣٩
• سُوَّرَةُ القَلَةِ (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ورواه البخاري من طرق عن حميد (١). ورواه مسلم أيضاً وله من حديث ثوبان مولى رسول الله وَ ل
نحو هذا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان أن حبراً سأل رسول الله وَله
عن مسائل، فكان منها أن قال: فما تحفتهم؟ - يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة - قال: زيادة
كبد الحوت. قال: فما غذاؤهم على أثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من
أطرافها. قال: فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلاً (٢). وقيل: المراد بقوله:
﴿تْ﴾ لوح من نور.
قال ابن جرير: حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن
أبي الفرات، عن معاوية بن قرة، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ﴿نَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْظُرُونَ
T
لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة(٣). وهذا مرسل غريب.
وقال ابن جريج: أُخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مئة عام(٤).
وقيل: المراد بقوله: ﴿تٍ﴾ دواة ﴿وَالْقَلَّمِ﴾ القلم.
قال ابن جرير: حدثنا عبد الأعلى، حدثنا أبو ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله:
﴿ت﴾ قالا: هي الدواة(٥) .
وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جداً فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن
خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة قال: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((خلق الله النون وهي: الدواة)) (٦).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله، حدثنا ثابت
الثمالي، عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون، وهي الدواة، وخلق القلم فقال: اكتب. قال:
وما اكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول به بر أو فجور أو رزق
مقسوم حلال أو حرام، ثم الزم كل شيء من ذلك من شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم؟
وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العباد حفظة وللكتاب خزاناً، فالحفظة ينسخون كل يوم من
الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزانة
يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيء. فترجع الحفظة
فيجدونهم قد ماتوا(٧) قال: فقال ابن عباس ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا
نَسْتَفْسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟
(١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح٣٣٢٩).
(٢) أخرجه مسلم من طريق أبي سلام عن أبي أسماء الرحبي به مطولاً. (الصحيح، الحيض، باب بيان صفة
مني الرجل. ح٣١٥).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعف الحافظ ابن كثير لإرساله.
(٤) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يصرح بسنده.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) استغربه الحافظ ابن كثير جداً، وذكره بصيغة التمريض لضعفه.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ثابت الثمالي. (التقريب ص١٣٢).

٣٤٠
سُوَدَّةُ القَلَيِ (٧،١)
9000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَلَّمِ ﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ جَ الَّذِى
عَلَّمْ بِلْقَلَمِ جَ عَّمَ اُلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمَ ﴾﴾ [العلق] فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به
عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم ولهذا قال: ﴿وَمَا يَسْظُرُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد
وقتادة يعني: وما يكتبون(١).
وقال أبو الضحى، عن ابن عباس ﴿وَمَا يَسْظُرُونَ﴾ أي: وما يعملون.
وقال السدي: ﴿يَسْظُرُونَ﴾ يعني: الملائكة وما تكتب من أعمال العباد(٢).
وقال آخرون: بل المراد ههنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن
يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف عام.
وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد
يحيى بن يحيى بن سعيد القطان ويونس بن حبيب قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا
عبد الواحد بن سليم السلمي، عن عطاء هو: ابن أبي رباح، حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت
قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله وَّ﴿ يقول: ((إن أول ما خلق الله
القلم فقال له: اكتب. قال: يا ربِّ وما أكتب؟ قال: اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد))(٣).
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة، عن أبيه به (٤). وأخرجه
الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به وقال: حسن صحيح غريب، ورواه أبو داود في كتاب
السنة من سننه عن جعفر بن مسافر، عن يحيى بن حسان، عن أبي رباح، عن إبراهيم بن أبي
عبلة، عن أبي حفصة واسمه حُنيش بنُ شريح الحبشي الشامي، عن عبادة فذكره(٥).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق، أنبأنا
عبد الله بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بزة، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله و * قال: إن أول شيء خلقه الله
القلم، فأمره فكتب كل شيء (٦). غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالْقَلِمِ﴾ يعني: الذي كتب به الذكر(٧).
(١) أخرجه الحاكم من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس؛ وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٩٩/٢)؛ وأخرجه
الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي
نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الطيالسي عن عبد الواحد بن سليم به (المسند ص٧٩ رقم ٥٧٧)؛ وأخرجه الإمام أحمد والترمذي
من طرق أخرى ترقى إلى تحسين الإسناد كما سيأتي.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق أيوب بن زياد عن عبادة بن الوليد بن عبادة به (المسند ٣٨٠/٣٧، ٣٨١
ح ٢٢٧٠٦) وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد حسن.
(٥) سنن الترمذي، القدر، باب رقم (١٧) (ح ١٥٥)؛ وسنن أبي داود، السنة، باب في القدر (ح ٤٧٠٠)؛ وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٩٣٣)؛ وصححه الحافظ ابن حجر (ينظر كشف الخفاء ٢٦٣/١).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وشيخ الطبري لم أجد له ترجمة لكن يشهد له سابقه.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.