النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ سُورَةُ الصَّفْ 00000000000000000000000000 000000000 000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 0 MC.00000 07-00000 سُوْرَةُ الصَّفْ وهي مدنية قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وعن عطاء بن يسار، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله ﴾، فيسأله أي الأعمال أحبّ إلى الله؟ فلم يقم أحد منا، فأرسل رسول الله ﴿ إلينا رجلاً، فجمعنا، فقرأ علينا هذه السورة يعني: سورة الصف كلها(١). هكذا رواه الإمام أحمد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مَزْيد البيروتي قراءة، قال أخبرني أبي، سمعت الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني عبد الله بن سلام أن أناساً من أصحاب رسول الله و ﴿ قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحبُّ الأعمال إلى الله رَ، فلم يذهب إليه أحد منا وهبنا أن نسأله عن ذلك، قال: فدعا رسول الله ◌َ﴿ أولئك النفر رجلاً رجلاً حتى جمعهم، ونزلت فيهم هذه السورة ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ الصف. قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله وَل﴿ كلّها . قال أبو سلمة: وقرأها علينا عبد الله بن سلام كلها . قال يحيى بن أبي كثير: وقرأها علينا أبو سلمة كلها. قال الأوزاعي: وقرأها علينا يحيى بن أبي كثير كلها، قال أبي وقرأها علينا الأوزاعي كلها، وقد رواه الترمذي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفراً من أصحاب رسول الله وَ ﴿ فتذاكرنا فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحبّ إلى الله رَ لعملناه، فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ فَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله وَير. قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام، قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة، قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي، قال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير (٢). ثم قال الترمذي، وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي، فروى ابن المبارك عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام أو عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام(٣). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٥/٣٩ ح٢٣٧٨٨) وصحح سنده محققوه. (٢) سنده صحيح وأخرجه الإمام أحمد عن يعمر عن عبد الله بن المبارك عن الأوزاعي به. (المسند ٢٠٦/٣٩ ح٢٣٧٨٩) وصحح سنده محققوه. (٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الصف (ح ٣٣٠٦) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٦ ٢٦٣). ٢٦٢ • سُوَرَّةُ الْضَّفْ﴾ (١، ٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قلت: وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يَعمَر، عن ابن المبارك به(١)، قال الترمذي وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير. قلت: وكذا رواه الوليد بن يزيد، عن الأوزاعي كما رواه ابن كثير. قلتُ: وقد أخبرني بهذا الحديث الشيخ المسند أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار قراءة عليه، وأنا أسمع، أخبرنا أبو المُنَّجًا عبد الله بن عمر بن اللتي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبد الرحمن بن المظفر بن محمد بن داود الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا عيسى بن عمران السمرقندي. أخبرنا الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بجميع مسنده، أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي فذكر بإسناده مثله(٢)، وتسلسل لنا قراءتها إلى شيخنا أبي العباس الحجار ولم يقرأها لأنه كان أُمياً، وضاق الوقت عن تلقينها إياه ولكن أخبرني الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي تَُّ، أخبرنا القاضي تقي الدين بن سليمان بن الشيخ أبي عمر، أخبرنا أبو المُنَّجَا بن اللَتِّي، فذكره بإسناده وتسلسل لي من طريقه وقرأها عليَّ بكمالها، ولله الحمد والمنة. بسم الله الرحمن الرحيم 2] ﴿َبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيِمُ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ كَبُرَ مَقْنَا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنُ مَرْصُوصٌ (ج)﴾. قد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) غير مرة بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ إنكار على من يعد وعداً أو يقول قولاً لا يفى به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقاً، سواء ترتب عليه عزم الموعود أم لا ، واحتجوا أيضاً من السنة بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله و لو قال: «آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان))(٣). وفي الحديث الآخر في الصحيح: ((أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها)) فذكر منهن إخلاف الوعد (٤)، وقد استقصينا الكلام (١) تقدم تخريجه في الرواية قبل السابقة. (٢) أخرجه الدارمي عن محمد بن كثير عن الأوزاعي به. (السنن، الجهاد، باب الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال ٢٠٠/٢)، وأخرجه الحاكم من طريق الأوزاعي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٦٩/٢) قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع لنا سماع هذه السورة مسلسلاً في حديث ذكر في أوله سبب نزولها، وإسناده صحیح. (فتح الباري ٨/ ٦٤١). (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧. (٤) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا، (صحيح البخاري، الإيمان، باب علامة = ٢٦٣ • سُوْرَةِ الصَّفْ (١، ٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 على هذين الحديثين في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة، ولهذا أكَّد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ وقد روى الإمام أحمد وأبو داود، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله وجلاله وأنا صبي فذهبت لأخرج لألعب فقالت أُمي: يا عبد الله تعالَ أعطك. فقال لها رسول الله وَّةٍ: ((وما أردت أن تعطيه؟)) قالت: تمراً. فقال: ((أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة))(١). وذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إذا تعلق بالوعد غرم على الموعود وجب الوفاء به كما لو قال لغيره تزوج ولك علي كل يوم كذا فتزوج وجب عليه أن يعطيه ما دام كذلك؛ لأنه تعلق به حق آدمي وهو مبني على المضايقة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقاً، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فرض نكل عنه بعضهم كقوله تعالى: ﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَمْ كُفُواْ أَيِّدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفَِالُ إِذَا فَيْقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ عَلَيْنَا اٌلْفِنَالَ لَوْلَا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلِ قَرِبٍ قُلّ مَنَعُ الذُّنَّاَ قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَئِيلًا (٧َ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ اَلْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِىَ بُوِجْ تُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء]. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوَّلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم قَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيَكَ نَظَرَ الْمَغْشِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ﴾ الآية [محمد: ٢٠]. وهكذا هذه الآية معناها كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله وَّل: دلَّنا على أحبُّ الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحبَّ الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقرُّوا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشقَّ عليهم أمره فقال الله وَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۵﴾(٢) وهذا اختيار ابن جرير. وقال مقاتل بن حيان: قال المؤمنون: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملنا به، فدلَّهم الله على أحبُّ الأعمال إليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّ﴾ فبيَّن لهم فابتلوا يوم أُحد بذلك، فولوا عن النبي وََّ مدبرين، فأنزل الله في ذلك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وقال: أحبكم إلي من قاتل في سبيلي(٣). ومنهم من يقول: أنزلت في شأن القتال، يقول الرجل: قاتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر (٤). وقال قتادة والضحاك: نزلت توبيخاً لقوم كانوا يقولون قتلنا وضربنا وطعنا وفعلنا، ولم يكونوا = المنافق ح٣٤، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان خصال المنافق ح١٠٦). (١) أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب في التشديد في الكذب ح٤٩٩١) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤١٧٦)، وأخرجه الإمام أحمد (المسند ٤٧٠/٢٤ ح ١٥٧٠٢) وقال محققوه: حسن لغيره. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لإعضاله. (٤) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، ورجاله ثقات لكنه مرسل. ٢٦٤ • سُورَةِ الْضَفْ (١، ٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فعلوا ذلك(١). وقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المسلمين النصر ولا يفون لهم بذلك(٢). وقال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال: في الجهاد (٣). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ فما بين ذلك في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت فأنزل الله تعالى هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيساً في سبيل الله حتى أموت، فقُتل شهيداً (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي، عن أبيه قال: بعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه منهم ثلاثمائة رجل كلهم قد قرأ القرآن، فقال: أنتم قراء أهل البصرة وخيارهم. وقال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيناها غير أني قد حفظت منها ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة(٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ (٣)﴾ فهذا إخبار من الله تعالى بمحبته عباده المؤمنين إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد الخدري به قال: قال رسول الله وَير: ((ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال)) (٦). ورواه ابن ماجه من حديث مجالد، عن أبي الودَّاك جبر بن نوف به(٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا الأسود يعني: ابن شيبان، حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذرِّ حديث كنت أشتهي لقاءه فلقيته، فقلت: يا أبا ذرّ كان يبلغني عنك حديث فكنت أشتهي لقاءك، فقال: لله أبوك فقد لقيت فهات، فقلت: كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله وَلقر حدثكم أن الله يبغض ثلاثة ويحب ثلاثة، قال: أجل فلا إخالني أكذب على خليلي ◌َ و قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله رَق؟ فقال: رجل غزا في سبيل الله خرج محتسباً مجاهداً فلقي العدو فقتل وأنتم (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه، وأخرجه أيضاً بسند ضعيف عن الضحاك فيه إبهام شيخ الطبري. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه. (٣) سنده صحيح. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل. (٥) سنده صحيح. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٤/١٨ ح ١١٧٦١) وضعف سنده محققوه لضعف مجالد. (٧) سنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح ٢٠٠) وسنده كسابقه. ٢٦٥ ، سُورَةُ الصَّفَْ (١، ٤) تجدونه في كتاب الله المنزل ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ ﴾﴾(١). وذكر الحديث هكذا أورد هذا الحديث من هذا الوجه بهذا السياق، وهذا اللفظ واختصره، وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرِّ بأبسط من هذا السياق وأتم(٢)، وقد أوردناه في موضع آخر ولله الحمد. وعن كعب الأحبار أنه قال: يقول الله تعالى لمحمد وَله: ((عبدي المتوكل المختار ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطابة، وملكه الشام، وأمته الحمادون يحمدون الله على كل حال، وفي كل منزلة لهم دوي كدوي النحل في جو السماء بالسحر، يوضون أطرافهم ويأتزرون على أنصافهم صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة)) ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْكُ مَّرْصُوصٌ (Q)) (رعاة الشمس يصلون الصلاة حيث أدركتهم لو على ظهر دابة))(٣). رواه ابن أبي حاتم. وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِهِ، صَفًّا﴾ قال: كان رسول الله وَ﴿ لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم(٤)، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. قال: وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُم بُلْيَكُنُ مَّرْصُوصٌ﴾ أي: ملتصق بعضه في بعض من الصف في القتال. وقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى بعض(٥). وقال ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ﴾ مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض (٦). وقال قتادة: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه؟ فكذلك الله بك لا يحب أن يختلف أمره وإن الله صفَّ المؤمنين في قتالهم، وصفَّهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به(٧)، أورد ذلك كله ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن يحيى بن جابر الطائي، عن أبي بحرية قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل ويستحبون القتال على الأرض لقول الله عَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُمِ بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ ﴾﴾ قال: وكان أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني ألتفت في الصف فجئوا (٨) (٩) في لحيي (٩). (١) سنده صحيح. (٢) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ثلاثة يحبهم الله (ح ٥٧٠)، وقال الترمذي: والصحيح ما روي عن شعبة وغيره عن منصور عن ربعي بن خراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي و9َّ. وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح٤٧١). (٣) سنده ضعيف لإرساله ولأوله شواهد تقويه. (٥) معناه صحيح. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٨) أي: ادفعوا. (٤) سنده ضعيف لإرساله. (٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. (٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم. (التقريب ص٦٢٣). ٢٦٦ • سُورَةُ الصَّفْ (٦،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ ﴾ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِىّ إِسْرَّهِلَ إِنِّ رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُرُ ◌ُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ الثََّرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُ, أَخَذُّ فَمَّا جَآءَهُم ◌ِلْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ . يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران لل﴿ أنه قال لقومه: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمٌ﴾ أي: لم توصلون الأذى إلي وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة. وفي هذا تسلية لرسول الله و8َ# فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر ولهذا قال: ((رحمة الله على موسى: لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)(١) وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي و ﴿ أو يوصلوا إليه أذى كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ مَاذَوْا مُوسَى فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ()﴾ [الأحزاب] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ- أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى ◌ُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ اُلْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَلّمَتْ مَصِيرًا ()﴾ [النساء] ولهذا قال تعالى في هذه الآية ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَفِىّ إِسْرَِّيلَ إِى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُر ◌ُّصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَنَّ مِنَ الثَّرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ، أَخَذٌ﴾ يعني: التوراة قد بشرت بي وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد. فعيسى عليه هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشراً بمحمد وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة، وما أحسن ما أورد البخاري الحديث الذي قال فيه: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ◌َ﴿ يقول: ((إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب)). ورواه مسلم من حديث الزهري به نحوه(٢) . وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله و * نفسه أسماء منها ما حفظنا فقال: ((أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة والتوبة والملحمة))(٣). ورواه مسلم من حديث الأعمش، عن عمرو بن مرة به (٤)، وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِّ الْأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَ النَّيْنَ لَمَا ءَيْتُكُمْ مِنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية ٦٩. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية ٤٠. (٣) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه بدون نبي الرحمة (المسند ص٦٧ رقم ٤٩٢)، وسنده حسن. (٤) أخرجه مسلم من طريق الأعمش به وفيه ((نبي الرحمة)) بدلاً من ((نبي الملحمة)). (الصحيح، الفضائل، باب في أسمائه ێ ح٢٣٥٥). ٢٦٧ • سُورَةُ الصَّفْ (٦،٥) (٨)﴾ [آل عمران] قال ابن وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِنَ الشَِّهِدِينَ عباسٍ: ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو حي ليتبعنه وأخذ عليه أن يأخذ على أُمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه. وقال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله وَله أنهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال: ((دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بُصرى من أرض الشام))(١). وهذا إسناد جيد وروي له شواهد من وجوه أخر، فقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ◌ّله: ((إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أُمي التي رأت، وكذلك أُمهات النبيین یرین))(٢). وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر قال: سمعت أبا أمامة قال: قلت يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: ((دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام))(٣). وقال أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى، سمعت خُديجاً أخا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسول الله وَليّة إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلاً منهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن [عرفطة](٤) وعثمان بن مظعون وأبو موسى، فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفراً من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا قال: فأين هم؟ قالا: هم في أرضك فابعث إليهم فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك. قال: إنا لا نسجد إلا لله رب قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ريك وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفوك في عيسى ابن مريم، قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله ربك: هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يسمها بشر ولم يعترضها ولد، قال: فرفع عوداً من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين (١) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١٠٧/١) وجود سنده الحافظ ابن كثير وساق له بعض الشواهد، وأخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٢/ ٦٠٠). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٧/٤) وفي سنده سعيد بن سويد ونقل الحافظ ابن حجر عن البخاري إنه لم يصح حديثه، أي هذا الحديث، وعن ابن حبان والحاكم أنهما صححاه. (تعجيل المنفعة ص١٥٢). ويشهد ما يليه. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٩٥/٣٦ ح٢٢٢٦١) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف. اهـ. ولو قالوا: حسن لغيره لكان أحسن. وحسنه الهيثمي بالشواهد (مجمع الزوائد ٢٢٥/٨). (٤) كذا في المسند، وفي الأصل (ح) و(حم): بياض. ٢٦٨ • سُورَةُ الصَّفِ (٧، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله وأنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه، وأمر بهدية الآخرين فُردَّت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدراً، وزعم أن النبي ◌َّ استغفر له حين بلغه موته (١). قد رويت هذه القصة عن جعفر وأم سلمة ها وموضع ذلك كتاب السيرة والمقصد أن الأنبياء له* لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها وتأمرهم باتباعه ونصره وموازرته إذا بعث، وكان ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم، وكذا على لسان عيسى ابن مريم، ولهذا قالوا: أخبرنا عن بدء أمرك يعني في الأرض قال: ((دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ابن مريم ورؤيا أمي التي رأت))؛ أي: ظهر في أهل مكة أثر ذلك، [والإرهاص](٢) فذكره صلوات الله وسلامه عليه. وقوله تعالى: ﴿فَمَا جَاءَهُم بِلْمِنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّينٌ﴾ قال ابن جريج وابن جرير: ﴿فَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أحمد؛ أي: المبشر به في الأعصار المتقادمة المنوه بذكره في القرون السالفة. لما ظهر أمره وجاء بالبينات، قال الكفرة والمخالفون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مِينٌ﴾. ٧ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِينَ يُرِدُونَ لِيُطِفِئُواْ نُورَ الَّهِ بِأَفْوَهِمْ وَاللَّهُ مُنِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَفِرُونَ ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ الْحِّ ◌ِظْهِرَهُ عَلَى الَّذِينِ كُلِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ (جَ﴾. يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلُ مِمَّنِ أَفْتَرَىُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِّ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله ويجعل له أنداداً وشركاء وهو يدعى إلى التوحيد والإخلاص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَّهُ لَا يَهْدِى الْقَ الَِّينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُرِدُونَ لِيُّْفِقُوْ نُورَ الَّهِ بِأَفْوَهِمْ﴾ أي: يحاولون أن يردُوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذاك ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُتُ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ ﴿ هُوَ اَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْحُدَى وَدِينِ الْحِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الَّذِينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾﴾ وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في سورة براءة بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة. نُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَدْلُكُمْ عَلَى تَِزَقِ ثُجِيْكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ( اللِّ بِأَقَوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَّرٌ لَّكُمْ إِن كُ نَعْلُونَ ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّتِ تَجْرِىٍ مِن تَحِهَا اُلْأَنْهَرُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ الَهِ وَفَنَحٌ غَرِيبٌ وَيَثِ الْمُؤْمِينَ وَمَسَكِنَ ◌َتِبَةً فِ جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ تقدم في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة ه أرادوا أن يسألوا رسول الله وَله عن أحبُّ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٤٠٨، ٤٠٩ ح ٤٤٠٠) وضعف سنده محققوه، وحسن سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٧٩/٧) وجود سنده الحافظ ابن كثير (البداية ٦٩/٣). (٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. ٢٦٩ سُورَةُ الصَّفْ (١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الأعمال إلى الله رَك ليفعلوه، فأنزل الله تعالى هذه السورة(١) ومن جملتها هذه الآية ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ﴾ ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، التي ءَامَنُوْ هَلْ أَذْكُ عَلَى تِزَوْ ثُجِكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَِّ ® هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور فقال تعالى: ﴿نُؤْمِنُونَ بِلَِّ وَرَسُولِهِ وَتُّجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُ نَقْلُونَ ﴾﴾ أي: من تجارة الدنيا والكدِّ لها والتصدي لها وحدها، ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُبِكُؤْ﴾ أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم الزلات وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّتٍ تَّرِى مِن تَحِهَا الْأَهُ وَمَسَلَكِنَ لِيَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْغَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهًا﴾ أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها وهي ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ فَرِيبٌ﴾ أي: إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه تكفل الله بنصركم، قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُواْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد] وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿وَفَنَحٌ فَرِيرٌ﴾ أي: عاجل، فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله ونصر الله ودينه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَشْرِ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ . ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ اَللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيْتِنَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِّ قَالَ الْحَوَارِثُونَ ◌َحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَامَنَت ◌َيِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَغِيلَ وَكَفَرَتَ ظَِّفَةٌ فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِهِمْ فَضْبَحُواْ ظَمِنَ يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم وأن يستجيبوا لله ولرسوله كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللّهِ﴾ أي: من معيني في الدعوة إلى الله رَك؟ ﴿قَالَ الْوَارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى ◌ِلَّ ﴿فَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ﴾ أي: نحن أنصارك على ما أرسلت به وموازروك على ذلك، ولهذا بعثهم دعاة إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين، وهكذا كان رسول الله ومثلقول يقول في أيام الحج: ((من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي)) (٢) حتى قيَّض الله رَمَ له الأوس والخزرج من أهل المدينة فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه، وقَّوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا سماهم الله ورسوله الأنصار، وصار ذلك علماً عليهم رضي الله عنهم وأرضاهم. وقوله تعالى: ﴿فَامَنَت ◌َّبِفَةٌ مِّنْ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَتَ ظَِفَةٌ﴾ أي: لما بلغ عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام رسالة ربه إلى قومه وآزره من وازره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به وضلت طائفة، فخرجت عما جاءهم به وجحدوا نبوته ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وغلَت فيه طائفة ممن اتبعه حتى (١) تقدم في بداية تفسير هذه السورة الكريمة. (٢) أخرجه أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ظه (السنن، السنة، باب في القرآن ح ٤٧٣٤) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٦٠) وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٦٢٤/٢) وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٧/ ٦٣). ٢٧٠ سُورَةُ الضَّفْ (١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فرقاً وشيعاً فمن قائل منهم: إنه ابن الله، وقائل: إنه ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، ومن قائل: إنه الله، وكل هذه الأقوال مفصلة في سورة النساء. وقوله تعالى: ﴿فَأَّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أي: نصرناهم على من عاداهم من فرق النصارى. ﴿فَصَبُوْ ظَهِينَ﴾ أي: عليهم، وذلك ببعثة محمد بََّ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير دَخَُّ: حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال يعني ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ها، قال: لما أراد الله ريك أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلاً من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سناً فقال: أنا. فقال له: اجلس. ثم عاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال له: اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا، فقال: نعم أنت ذاك. قال: فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى ظلّ من روزنة في البيت إلى السماء قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمنوا به، فتفرقوا فيه ثلاث فرق، فقالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه إليه وهؤلاء النسطورية. وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً وَلايه ﴿فَامَنَت ◌َآَيِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَت ◌َيِفَةٌ﴾ يعني: الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، والطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّ فَضَحُواْ ظَهِينَ﴾ بإظهار محمد رَّ﴿ دينهم على دين الكفار(١). ﴿فَأَضَعُوْ ظَاهِينَ﴾ هذا لفظه في كتابه عند تفسير هذه الآية الكريمة، وهكذا رواه النسائي عند تفسير هذه الآية من سننه عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي معاوية بمثله سواء(٢)، فأمة محمد ◌َليّ لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم الدجال مع المسيح عيسى ابن مريم لعلّ* كما وردت بذلك الأحاديث الصحاح، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. [آخر تفسير سورة الصف](٣) . (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية به (المصنف ٥٤٦/١١) وأخرجه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن أبي معاوية به، وصحح سنده الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ١٠٨/٢). (٢) السنن الكبرى، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَمَنَت ◌َائِفَةٌ مِنْ بَنِىَ إِسْرَِّيلَ ... ﴾ [الصف: ١٤] (ح ١١٥٩١) وسنده صحیح کسابقه. (٣) زيادة من (حم) . ٢٧١ سُؤَةُ الجُعَةِّ (١، ٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حتى 200 00000 00000 سُورَةُ الجُمُعَةِ وهي [مدنية](١) عن ابن عباس وأبي هريرة ﴿هًا، أن رسول الله سير كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، رواه مسلم في صحيحه (٢). بير هم الرحم الحجم - ﴿يَُّبِّحُ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِ ﴿ هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ اَلْأُمِّئِنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَئِهِ، وَيُزَِّمْ وَيُعَلِمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلٍ مُبِينٍ ٢ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ اُلْعَظِيمِ يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض؛ أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ثم قال تعالى: ﴿الْمَلِكِ اٌلْقُدُّوسِ﴾ أي: هو مالك السموات والأرض المتصرف فيهما بحكمه، وهو ﴿اَلْقُدُّوسِ﴾؛ أي: المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيرهما غير مرة. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ اٌلْأُمِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الأميون هم العرب، كما قال تعالى: ﴿وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِِّينَ ءَأَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَوَّ فَإِنِ قَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُّ وَهُ بَصِيرًا بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المِنَّة عليهم أبلغ وأكثر، كما قال تعالى في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ [الزخرف: ٤٤] وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به، وكذا قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾﴾ [الشعراء] وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِىِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقوله: ﴿لِأُنذِرَگُم پِ. وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقوله تعالى إخباراً عن القرآن ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام بالآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة. وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم (١) زيادة من (حم) و(ح). (٢) صحيح مسلم، الجمعة، باب ما يقرأ في يوم الجمعة (ح ٨٧٩، ٨٨٠). ٢٧٢ • سُورَةُ الجُحَّةِ (١، ٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رسولاً منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فبعثه الله ◌ُعَلَ وله الحمد والمنة على حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب؛ أي: نزراً يسيراً [ممن تمسك](١) بما بعث الله به عيسى ابن مريم ظلّا، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلِ مُّبِينٍ ﴾﴾ وذلك أن العرب كانوا قديماً متمسكين بدين إبراهيم الخليل ظلّ*، فبدلوه وغيَّروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركاً وباليقين شكاً، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدَّلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها، فبعث الله محمداً صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع، وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان قبله وأعطاه ما لم يعط أحداً من الأولين ولا يعطيه أحداً من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين. وقوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ◌ُبه، قال: كنا جلوساً عند النبي وسل﴿ فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سُئل ثلاثاً، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله وَّر يده على سلمان الفارسي ثم قال: ((لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال - أو رجل - من هؤلاء))(٢). ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق، عن ثور بن زيد الديلي، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة به (٣)، ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثته وّر إلى جميع الناس؛ لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله ريك وإلى اتباع ما جاء به، ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ قال: هم الأعاجم وكل من صدق النبي ◌ِ ◌ّ هِ من غير العرب (٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الجمعة ح ٤٨٩٧). (٣) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل فارس (ح٢٥٤٦) وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الجمعة (ح٣٣٠٧) وتفسير الطبري. (٤) أخرجه الطبري من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد بلفظ: ((الأعاجم))، وأخرجه الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح بلفظ: ((من ردف الإسلام من الناس كلهم)). وليث فيه مقال والرواية الأخرى تقويه. ٢٧٣ سُؤَدَّةُ الْجَمَةِّ (٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رسول الله وير: ((إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب)) ثم قرأ: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ يعني بقية من بقي من أمة محمد وَّ. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ يعني: ما أعطاه الله محمداً وَل من النبوة العظيمة، اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وما خصَّ به أُمته من بعثته وَّر إليهم(١). ] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْيِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَا بِئْسَ مَثَلُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ قُلْ بَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوَاْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ وَلَا يَنَعَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِزَّ وَاللَّهُ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْ اَلْوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ عَلِيمٌ بِاَلِّمِينَ ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ثُمَّ تُذُونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (®). يقول تعالى ذامَاً لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً؛ أي: كمثل الحمار إذا حمل كتباً لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملاً حسياً ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظاً ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أوَّلوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالاً من الحمير؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُوْلَكَ كَالْأَنْغَمِ بَلَ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى لههنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال الإمام أحمد تَخَّتُهُ: حدثنا ابن نمير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَ لـ: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة))(٢). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَِّ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْ اَلْوَتَ إِن كُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ أي: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمداً وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين ﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾؛ أي: فيما تزعمونه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَنَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِيهِزَّ﴾ أي: بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالفَِّينَ﴾ وقد قدمنا الكلام في سورة البقرة على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: ﴿قُلّ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْرََ كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿﴿ وَلَن يَتَمَثَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمْ بِلَّلِينَ @ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرُّ وَاللَّهُ بَصِيْرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [البقرة]، وقد أسلفنا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على الضلال من أنفسهم أو خصومهم كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ (١) أخرجه الطبراني من طريق الوليد بن مسلم به (المعجم الكبير ٦/ ٢٠١) قال الهيثمي: إسناده جيد (مجمع الزوائد ٤٠٨/١٠). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٤/٢) وسنده ضعيف. ٢٧٤ سُورَةُ الجُمُحَةِ (١٠،٩) بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَاَءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ ﴾﴾ [آل عمران] ومباهلة المشركين في سورة مريم ﴿قُلّ مَنْ كَانَ فِى الصَّلَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ [مريم: ٧٥]. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي، أبو زيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمداً عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال رسول الله وَله: ((لو فعل لأخذته الملائكة عياناً، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله وليه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً))(١). رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، قال البخاري وتبعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، ورواه النسائي أيضاً عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، عن عبيد الله بن عمرو (٢) الرقي به أتم (٢). وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمْ ثُمَّ تُذُونَ إِلَى عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَّئَكُمْ بِمَا كُ تَعْمَلُونَ ﴾﴾ كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَيَّنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ تُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وفي معجم الطبراني من حديث معاذ بن محمد الهذلي، عن يونس، عن الحسن، عن سَمُرة مرفوعاً: ((مثل الذي يفرُّ من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني، فخرج له حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات))(٣). ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَابْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ وَأَذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد، عن منصور، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرئع الضبي، حدثنا سلمان قال: قال أبو القاسم وَله: ((يا سلمان ما يوم الجمعة؟)) قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله وَير: ((يوم الجمعة يوم جمع الله (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٨/١) وسنده صحيح. ... ﴾ (ح ٤٩٥٨) وسنن الترمذي، التفسير، (٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿كَلَّا لَبِ لَّرْ بَنْتَهِ لَتَشْفَمَا بِالنَّاصِيَةِ باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ (ح ٣٣٤٥) السنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب سورة العلق (ح ١١٦٨٥). (٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٦٨/٧ ح٦٩٢٢) وضعفه العقيلي (الضعفاء الكبير ٢٠٠/٤)، وابن الجوزي (العلل المتناهية ٤٠٥/٢)، والهيثمي (مجمع الزوائد ٣٢٣/٢). ٢٧٥ • سُوَّةُ المُحَّةِّ (٩، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فيه أبواكم - أو أبوكم ـ))(١) وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا فالله أعلم. وقد كان يقال له في اللغة القديمة: يوم العروبة، وثبت أن الأُمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ◌َ: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غداً والنصارى بعد غد)) (٢). لفظ البخاري وفي لفظ لمسلم ((أضلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق))(٣). وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُوِىَ لِلصَّلَوَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: اقصدوا واعمدوا واهتموا في سيركم إليها، وليس المراد بالسعي ههنا المشي السريع وإنما هو الاهتمام بها كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود ظنّ يقرآنها فامضوا إلى ذكر الله (٤) فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه لما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا))(٥) لفظ البخاري. وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ◌َّ إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: ((ما شأنكم؟)) قالوا: استعجلنا إلى الصلاة قال: ((فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (٦) أخرجاه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ـّه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها تمشون، وعليكم (١) أخرجه الإمام أحمد من طريق مغير عن أبي معشر به بنحوه. (المسند ١٣٣/٣٩ ح ٢٣٧٢٩) وصححه محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق منصور به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ١/ ٢٧٧). (٢) أخرجه البخاري مختصراً على مطلعه (الصحيح، التعبير، باب النفخ في المنام ح ٧٠٣٦) وأخرجه مسلم كاملاً (الصحيح، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح٨٥٥). (٣) المصدر السابق (ح ٨٥٦). (٤) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن عمر ظه، وأخرجه ابن أبي شيبة (الصمنف ٢/ ١٥٧)، والطبري بسند رجاله ثقات عن إبراهيم النخعي عن ابن مسعود لكنه منقطع فإن إبراهيم لم يسمع من ابن مسعود. والقراءة شاذة تفسيرية. وللمزيد ينظر (فتح الباري ٦٤٢/٨). (٥) صحيح البخاري، الأذان، باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار (ح٦٣٦) وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (ح ٦٠٢). (٦) صحيح البخاري، الأذان، باب قول الرجل فاتتنا الصلاة (ح ٦٣٥) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٠٣). ٢٧٦ • سُوَّةُ الجَُّةِّ (١٠،٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (١). رواه الترمذي من حديث عبد الرزاق كذلك، وأخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بمثله(٢) . قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع(٣). وقال قتادة في قوله: ﴿فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: يعني أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها (٤)، وكان يتأول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢] أي: المشي معه، وروي عن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وغيرهما نحو ذلك(٥). ويستحب لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَّر قال: ((إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل)) (٦). ولهما عن أبي سعيد ظُه قال: قال رسول الله وَله: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم))(٧). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّيه: ((حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده)) رواه مسلم (٨). وعن جابر ظُه قال: قال رسول الله وَله: ((على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة)) رواه أحمد والنسائي وابن حبان(٩). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله وَّ يقول: ((من غَسَّل واغتسل يوم الجمعة وبكَّر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها))(١٠). وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه (١١) . أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي(١ (١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٢٨٨/٢ رقم ٣٤٠٤) وسنده صحيح. (٢) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى المسجد. (ح٣٢٨) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٧٠). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عباد بن راشد عن الحسن (المصنف ٦٤/٢). (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بن أسلم. (٦) صحيح البخاري، الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة (ح٨٧٧) وصحيح مسلم، الجمعة (ح ٨٤٤). (٧) صحيح البخاري، الباب السابق (ح٨٧٩)، وصحيح مسلم، الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال (ح٨٤٦). (٨) صحيح مسلم، الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة (ح٨٤٩). (٩) (المسند ٣٠٤/٣)، وسنن النسائي، الجمعة، باب إيجاب الغسل يوم الجمعة ٩٣/٣ والإحسان ٢١/٤ ح١٢١٩ ویشهد له سابقه. (١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٤/٢٦ ح١٦١٧٣) وصحح سنده محققوه. (١١) سنن أبي داود، الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة (ح١٨) وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في = ٢٧٧ سُورَةُ الجُمعَةِّ (١٠،٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وعن أبي هريرة ◌ُه قال: إن رسول الله وَر قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)) أخرجاه(١). ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه ويتنظف ويتسوك وينتظف ويتطهر. وفي حديث أبي سعيد المتقدم ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس من طيب أهله)). وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أيوب الأنصاري: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: ((من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى))(٢). وفي سنن أبي داود وابن ماجه، عن عبد الله بن سلام ظه، أنه سمع رسول الله وَّ يقول على المنبر: ((ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته))(٣). وعن عائشة ينا أن رسول الله وَلل خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار فقال: ((ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته)) رواه ابن ماجه (٤). وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله وَل﴿ إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذٍ يؤذن بين يديه فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضيبه، فإنما كان هذا لكثرة الناس كما رواه البخاري تَّتُ حيث قال: حدثنا آدم - هو: ابن أبي إياس -، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله وَل﴿ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن وكَثُر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء(٥). يعني يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد. فضل الغسل يوم الجمعة (ح٤٩٦) وسنن النسائي، الجمعة، باب فضل غسل يوم الجمعة ٩٥/٣، وسنن ابن = ماجه، الإقامة، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة (ح١٠٨٧) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٨٩١). (١) صحيح البخاري، الجمعة، باب فضل الجمعة (ح٨٨١) وصحيح مسلم، الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة (ح ٨٥٠). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٤٧/٣٨ ح٢٣٥٧١) وقال محققوه: صحيح لغيره. (٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب اللبس للجمعة (ح١٠٧٨) وسنن ابن ماجه، الإقامة، باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة (ح١٠٩٥) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٨٩٨). (٤) المصدر السابق (ح١٠٩٦) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٨٩٩). (٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الجمعة، باب الأذان يوم الجمعة ح ٩١٢). ٢٧٨ سُورَةُ الجَةِّ (١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن راشد المكحولي، عن مكحول أن النداء كان في الجمعة مؤذن واحد، حين يخرج الإمام ثم تقام الصلاة وذلك النداء الذي يحرم عنده الشراء والبيع إذا نودي به، فأمر عثمان ربه أن ينادي قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس(١). وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون العبيد والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض وقيّم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار، كما هو مقرر في كتب الفروع. وقوله تعالى: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعُ﴾ أي: اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا ـه على تحريم البيع بعد النداء الثاني، واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ اتفق العلماء على قولين: وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خير لكم؛ أي: في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾ أي: فرغ منها ﴿فَأَنْتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ الَّهِ﴾ لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، كما كان عراك بن مالك ته إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللَّهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، رواه ابن أبي حاتم. وروي عن بعض السلف أن قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارك الله له سبعين مرة لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَنْتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ أي: في حال بيعكم وشرائكم وأخذكم وإعطائكم اذكروا الله ذكراً كثيراً، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة، ولهذا جاء في الحديث: ((من دخل سوقاً من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومُحي عنه ألف ألف سيئة))(٢). وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً، ومضطجعاً. ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَ أَنْفَضُوْاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُكَ قََّبِمَاً قُلْ مَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَزَّوَّ وَاَللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذٍ فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا أَنْفَضُواْ إِلَّهَا وَتَكُوُكَ قَآَيِمَاً﴾ أي: على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم أبو العالية والحسن وزيد بن (١) سنده حسن. (٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث عمر ته. (المسند ٤١١/١ ح٣٢٧) وقال محققوه: إسناده ضعيف جداً، عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير منكر الحديث. اهـ. ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي (السنن، الدعوات، باب ما يقول إذا دخل السوق ح٣٤٢٤) وابن ماجه (السنن، التجارات، باب الأسواق ودخولها ح٢٢٣٥)، وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي باب مسروق بن المرزبان ليس بحجة. (المستدرك ٥٣٩/١). ٢٧٩ سُورَةُ الجُعَةِ (١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أسلم وقتادة(١). وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله وَ﴿ قائماً على المنبر إلا القليل منهم(٢)، وقد صحَّ بذلك الخبر (٣) فقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس، عن حُصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: قدمت عير مرة المدينة، ورسول الله وَ﴿ يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمْوَ أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا﴾(٤). أخرجاه في الصحيحين من حديث سالم به(٥). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هشيم، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان، عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي ◌ُّ ه يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله وَّة، حتى لم يبقَ مع رسول الله وَ له إلا اثنا عشر رجلاً فقال رسول الله ويثير: ((والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً)) ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله وَله: أبو بكر وعمر ﴾(٦). وفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَآَيِمًا﴾ دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائماً. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي ◌َلل خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس" ولكن لههنا شيء ينبغي أن يعلم وهو: أن هذه القصة قد قيل إنها كانت لما كان رسول الله وَلو يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل، حدثنا محمود بن خالد، عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان يقول: كان رسول الله وَ ﴿ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي وَل﴿ يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة؛ يعني: فانفضّوا ولم يبق معه إلا نفر يسير (٨). وقوله تعالى: ﴿قُلّ مَا عِندَ اللَّهِ﴾ أي: الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ﴿خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَزَوْ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَِّقِينَ﴾ أي: لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته. آخر تفسير سورة الجمعة، ولله الحمد والمنة. (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وأخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بن أسلم وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً. (٢) أخرجه البيهقي بسند ضعيف معضل عن مقاتل بن حيان. (الجامع لشعب الإيمان رقم ٦٤٩٥)، وهو مخالف لما سيأتي في الصحيحين إذ ليس فيهما ذكر الطبل. (٣) أي: الخبر الذي ورد عن الصحابي جابر لله التابعين وليس عن مقاتل بن حيان وهو من اتباع التابعين. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٣/٣) وسنده صحيح. (٥) صحيح البخاري، البيوع، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ نِجَرَةً أَوْ لَمَوَا﴾ [الجمعة: ١١] (ح ٤٨٩٩) وصحيح مسلم، الجمعة، باب في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا﴾ (ح ٨٦٣). (٦) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٤٦٨/٣ ح١٩٧٩) وصحح سنده محققه. (٧) صحيح مسلم، الجمعة، باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة (ح ٨٦٣). (٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المراسيل ص١٠٤ رقم ٦٢ وسنده ضعيف لأنه معضل). ٢٨٠ سُورَةُ المَنَافِقُونَ (١، ٤) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 POD: BOC 00000 00000 سُورَةُ المُنَّافِقُونَ وهي مدنية بسم الله الرحمن الحكيم 2- ﴿إِذَا جَلَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ ﴿ اَّخَذُوَاْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِّ إِنَّهُمْ سَلَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُّوِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلهِمَ كَهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ بَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ اٌلْعَدُوُ فَأَحْذَرْهُمْ فَتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَّكُونَ يقول تعالى مخبراً عن المنافقين أنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي ◌َّر، فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك بل على الضد من ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا جَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ أي: إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليس كما يقولون، ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَّسُولُهُ﴾ . ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ أي: فيما أخبروا به وإن كان مطابقاً للخارج؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم. وقوله تعالى: ﴿اَّخَذُوَاْ أَيََّنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة والحلفان الآثمة ليصدَّقوا فيما يقولون، فاغترَّ بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالاً، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿فَصَدُواْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِّ إِنَهُمْ سَلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ولهذا كان الضحاك بن مزاحم يقرؤها اتخذوا إيمانهم جنة (١)؛ أي: تصديقهم الظاهر جنة؛ أي: تقية يتقوى به القتل(٢)، والجمهور يقرؤها ﴿أَيْمَهُمْ﴾ جمع يمين، [وقوله](٣): ﴿ذَلِكَ بِأَنَهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْمَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾﴾ أي: إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى، فطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون؛ أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى ولا يخلص إليها خير، فلا تعي ولا تهتدي. (١) قراءة ((إيمانهم)) شاذة تفسيرية. (٢) أخرجه الطبري بسند فيه إبهام شيخه، عن الضحاك بنحوه. (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.