النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سُورَةُ المُتَحْنَةِ (٣،١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال: لا تعجل عليَّ إني كنت امرأً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله مثل : ((إنه صدقكم)). فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله وَله: ((إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))(١). وهكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجه من غير وجه عن سفيان بن عيينة به(٢)، وزاد البخاري في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾(٣) وقال في كتاب التفسير: قال عمرو: ونزلت فيه ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ وقال: لا أدري الآية في الحديث أو قال عمرو(٤). قال البخاري: قال علي يعني: ابن المديني: قيل لسفيان في هذا نزلت ﴿لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ فقال سفيان: هذا في حديث الناس حفظته من عمرو، ما تركت منه حرفاً ولا أدري أحداً حفظه غيري(٥). وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: بعثني رسول الله و 8* وأبا مرثد والزبير بن العوام وكلنا فارس، وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله وَ يرٍ فقلنا: الكتاب؟ فقالت: ما معي كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نرَ كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله وله لتخرجن الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجدَّ أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله وَ له فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه فقال النبي وَلّ: ((ما حملك على ما صنعت؟)) قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمناً بالله ورسوله وه طهر، أردت أن تكون لي عند القوم يد يدفع الله بها عن أهلي ومالي وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله، فقال: ((صدق لا تقولوا له إلا خيراً)). فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فلأضرب عنقه، فقال: ((أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة - أو قد غفرت لكم )) فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله، أعلم(٦). هذا لفظ البخاري في المغازي في غزوة بدر. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧٩/١) وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب الجاسوس (ح٣٠٠٧) وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر پ (ح ٢٤٩٤). (٣) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الفتح (ح ٤٢٧٤). (٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿لَا تَنَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَامَ﴾ [الممتحنة: ١] (ح ٤٨٩٠). (٥) المصدر السابق بعد الحديث رقم ٤٨٩٠ مباشرة. (٦) أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن إدريس عن حصين بن عبد الرحمن به (الصحيح، المغازي، باب فضل من شهد بدراً ح٣٩٨٣). ٢٤٢ • سُوَرَّةُ الْمُتَحِنَّةِ (٣،١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد روي من وجه آخر، عن علي قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن [الهسنجاني] (١)، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان هو: سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البحتري الطائي، عن الحارث، عن علي قال: لما أراد النبي وَل أن يأتي مكة أسرَّ إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة منهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر، قال: فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله وَّ * يريدكم، فأخبر رسول الله وَّلقول، قال: فبعثني رسول الله وَلّه وأبا مرثد وليس منا رجل إلا وعنده فرس فقال: ((ائتوا روضة خاخ، فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب فخذوه منها)). فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذكر رسول الله ﴿ فقلنا لها: هاتِ الكتاب. فقالت: ما معي كتاب، فوضعنا متاعها وفتشناها فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها، فقلت: ما كذب رسول الله ◌َ ل﴿ ولا كذبنا، فقلنا لها: لتخرجنه أو لنعرينك. فقالت: أما تتقون الله! ألستم مسلمين! فقلنا: لتخرجنه أو لنعرينك. قال عمرو بن مرة: فأخرجته من حجزتها. وقال حبيب بن أبي ثابت: أخرجته من قبلها، فأتينا به رسول الله وَلقر فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، فقام عمر فقال: يا رسول الله خان الله ورسوله، فائذن لي فلأضرب عنقه، فقال رسول الله بَ له: ((أليس قد شهد بدراً؟» قالوا: بلى، وقال عمر: بلى ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك، فقال رسول الله وَّه: ((فلعلَّ الله اطّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني بما تعملون بصير)) ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم فأرسل، رسول الله وَيٍ إلى حاطب فقال: ((يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟)) فقال: يا رسول الله إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، وكان لي بها مال وأهل ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت بذلك إليهم والله يا رسول الله إني لمؤمن بالله ورسوله، فقال رسول الله وَاليه: ((صدق حاطب فلا تقولوا لحاطب إلا خيراً)) قال حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَدَّةِ﴾(٢). الآية وهكذا رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان بإسناده مثله(٣). وقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير فقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول الله وَليم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله وَ﴾ من الأمر في السير إليهم ثم أعطاه امرأة، زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها سارة مولاة لبني عبد المطلب وجعل لها جعلاً على أن تبلغه لقريش، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله وَل جر الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: ((أدركا امرأة قد كتب معها حاطب كتاباً إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم». (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: صحف إلى: ((الهجاني)). (٢) سنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الكوفي كما في التقريب، ولبعضه شواهد تقدمت في الصحيح. (٣) أخرجه الطبري عن ابن حميد به، وسنده کسابقه. ٢٤٣ • سُؤَدَّةُ المُتَحِنَّةِ (١، ٣) فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة بني أبي أحمد، فاستنزلاها بالحليفة فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله وما كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك. فلما رأت الجدَّ منه قالت: أعرض، فأعرض فحلَّت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته إليه، فأتى به رسول الله وَ له، فدعا رسول الله وَليه حاطباً فقال: ((يا حاطب ما حملك على هذا؟)) فقال: يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت ولكني كنت امرأً ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله وَليه: ((وما يدريك يا عمر؟ لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) فأنزل الله رَ في حاطب: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَّةَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىّ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِمْ إِنَّا بُرَءَوُاْ مِنْكُمْ وَمِتَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَيَبْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾(١) إلى آخر القصة، وروى معمر، عن الزهري، عن عروة نحو ذلك(٢)، وهكذا ذكر مقاتل بن حيان أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة أنه بعث سارة مولاة بني هاشم، وأنه أعطاها عشرة دراهم، وأن رسول الله وَ لّ بعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ظ﴿ها فأدركاها بالجحفة وذكر تمام القصة كنحو ما تقدم(٣). وعن السدي قريباً منه، وهكذا قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة (٤). فقوله تعالى: ﴿يََّّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَةَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ﴾ يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله وللمؤمنين الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ أَلْيُهُوَ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَمَن يَنَوَهُم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمّ﴾ [المائدة: ٥١] وهذا تهديد شدید ووعيد أكيد وقال تعالى: ﴿يَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذَِ أَّخَذُواْ دِيَّكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوِْيَ، وَأَتَّقُواْ اَللَّهَ إِن كُم ◌ُؤْمِينَ (43)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا نَتَّخِذُواْ اَلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ولهذا قبل رسول الله وَّ عذر حاطب، لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد. ويذكر لهُهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن (١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وذكره ابن هشام. (السيرة النبوية ٨٥٨/٤) وسنده مرسل. (٢) أخرجه الطبري من طريق معمر به، وهو مرسل أيضاً. (٣) سنده معضل. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما سبق، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه، وسنده مرسل ويتقوى بما سبق. ٢٤٤ سُورَةُ المُتحنَّةِ (٤، ٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن خراش سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله وَ لجر أمثالاً واحداً وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر، قال: فضرب لنا منها مثلاً وترك سائرها قال: ((إن قوماً كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداء فأظهر الله أهل الضعف عليهم فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه)(١). وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيََّكُمْ﴾ هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم عندهم ذنب إلا إيمانكم بالله رب العالمين كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِلَّهِ الْعَزِيزِ الَْمِيدِ ﴾﴾ [البروج] وكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِ سَبِلِ وَأَبْشِغَ مَرْضَانٍ﴾ أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم، فلا توالوا أعدائي وأعداءكم وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حنقاً عليكم وسخطاً لدينكم. وقوله تعالى: ﴿شِرُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَهُمْ﴾ أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر ﴿وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴾ إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِتَنَهُم بِالسُّوءِ﴾ أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال ﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: ويحرصون على أن لا تنالوا خيراً فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضاً. وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ وَلَا أَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي: قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءاً، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضلَّ عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريباً إلى نبي من الأنبياء. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: ((في النار))، فلما قفى دعاه فقال: ((إن أبي وأباك في النار))(٢). ورواه مسلم وأبو داود من حديث حماد بن سلمة به (٣) . ] ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ فِىَّ إِنَزِهِيمَ وَلَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَؤْ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كُغْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَآَءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ: إِلَّ قَوْلَ إِبَهِيمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ زَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ ﴿ رَبَّنَا لَا تَعَلْنَا فِتْنَةُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَأَغْفِرْ لَنَا رَبَّاً إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾َ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِهِمْ أُمْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرِّ وَمَنْ يَنَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْمِيْدُ يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٨/٣٨ ح ٢٣٤٦٣) وضعف سنده محققوه. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٨/٣) وسنده صحيح. (٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار (ح ٣٤٧). ٢٤٥ • سُوَرَّةُ الْمُتَّخِنَّةِ (٤، ٦) 000000000000000000 00000 1000000000000000000000 0000000000000000000 منهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ فِىَ إِنَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه ﴿إِذْ قَالُواْ لِقَوِّهِمْ إِنَّا بُرَؤًا مِنكُمْ﴾ أي: تبرأنا منكم ﴿وَمَِّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقكم ﴿وَبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَلَهُ أَبَدًا﴾ يعني: وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم ﴿حَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ أي: إلى أن توحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد. وقوله تعالى: ﴿إِلَّ قَوْلَ إِبَرَّهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أي: لكم في إبراهيم وقومه أسوة حسنة تتأسون بها إلا في استغفار إبراهيم لأبيه، فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه، فلما تبيَّن له أنه عدو الله تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم ويقولون: إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه، فأنزل الله ريات: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَمَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْيَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبََّ لَهُمْ أَنَهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِمِ ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْزَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِتَاهُ فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيٌِّ (19)﴾ [التوبة]. وقال تعالى في هذه الآية: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ فِىَ إِنَزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْبِهِمْ إِنَّا بُرََُّّؤْ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِنَّهِيَمَ لِأَبِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ﴾ أي: ليس لكم في ذلك أسوة؛ أي: في الاستغفار للمشركين، هكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وغير واحد (١). ثم قال تعالى مخبراً عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم، فلجأوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا: ﴿رَبَّا عَلَيْكَ تَوَّنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك وإليك المصير؛ أي: المعاد في الدار الآخرة ﴿َرَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ . قال مجاهد: معناه: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم (٢) هذا، وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتنونا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه (٣)، واختاره ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تسلطهم علينا فيفتنونا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَغْفِّرْ لَنَا رَبٌَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: واستر ذنوبنا عن غيرك واعف عنها فيما بيننا وبينك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ أي: الذي لا يضام من لاذ بجنابك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٢) أخرجه آدم والطبري كسابقه. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس. ٢٤٦ • سُوَرَّةُ الْمُتَحِنَّةِ (٧، ٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأفعالك وشرعك وقدرك ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِهِمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَأَلْيَوْمَ الأَخِرٌ﴾ وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضاً لأن هذه الأسوة المثبتة لههنا هي الأول بعينها . وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ تهييج إلى ذلك لكل مُقر بالله والمعاد، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَنَوَلَ﴾ أي: عما أمر الله به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِّىُّ الْخَيْدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنْثُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَ اَللَّهَ لَغَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الغني الذي قد كمل في غناه وهو الله، هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار الحميد المستحمد إلى خلقه؛ أي: هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله لا إله غيره ولا ربَّ سواه. ٧ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَّةُ وَاللَّهُ قَدِيْرٌ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ لَّا يَنَهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ اَلِيْنِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ أَن نَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا يَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ فَتَلُوَّكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم ◌ِّن دِيَئِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَى إِخْرَاِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ٠ وَمَنْ يَوَلَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّالِمُونَ يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ يَتْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَدَيْتُمْ مِنْهُم ◌َوَدَّةٌ﴾ أي: محبة بعد البغضة، ومودّة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة ﴿وَاللَّهُ قَدِيّ﴾ أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقساوة فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتناً على الأنصار: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُمْ أَعْدَآءَ قَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣] وكذا قال لهم النبي وله: ((ألم أجدكم ضُلّالاً فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟))(١) وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ () وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللََّ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِرُ حَكِيمُ ﴾﴾ [الأنفال] وفي الحديث: ((أَحبب حبيبك هوناً ما، فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما))(٢). وقال الشاعر(٣): يظنان كلَّ الظنِّ أن لا تلاقيا وقد يجمع الله الشتيتين بعدما وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم (١) تقدم تخريجه في سورة التوبة آية ٧٤. (٢) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة به ثم قال: حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا، رواه الحسن بن أبي جعفر بإسناده عن علي عن النبي ◌َّ ر، والصحيح عن علي موقوف قوله. (السنن، البر، باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض ح١٩٩٨). (٣) هو قيس بن المّوح كما في ديوانه ص٣١٥. ٢٤٧ • سُوَّةُ المُتَحِنَّةِ (٧، ٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه من أي ذنب كان. وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب، فإن رسول الله وَفيها. تزوج ابنته، فكانت هذه موَدَّة ما بينه وبينه، وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر، فإن رسول الله وَله تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف(١)، وأحسن من هذا ما رواه ابن أبي حاتم حيث قال: قرى على محمد بن عزيز، حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب أن رسول الله و ﴿ استعمل أبا سفيان صخر بن حرب على بعض اليمن، فلما قُبض رسول الله وَّ أقبل فلقي ذا الخمار مرتداً فقاتله، فكان أول من قاتل في الرِدَّة وجاهد عن الدين، قال ابن شهاب: وهو ممن أنزل الله فيه ﴿عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَبْتَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَدَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةً﴾ (٢) الآية. وفي صحيح مسلم، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن قال: (نعم)) قال: تأمرني أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: ((نعم)) قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: ((نعم)) قال: وعندي أحسن العرب وأجمله أُم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها(٣) الحديث، وقد تقدم الكلام عليه. وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَّكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِلُوكُمْ فِ اٌلِّينِ وَلَ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَزِكُمْ﴾ أي: يعاونوا على إخراجكم؛ أي: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم ﴿أَنْ تَبَرُوهُمْ﴾ أي: تحسنوا إليهم ﴿ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الْمُقْسِطِينَ﴾ . قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر ﴿يا قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي ◌َّ﴿ فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: ((نعم صلي أمك))(٤). أخرجاه(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ضِبَاب وقرظ(٦) وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها . فسألت عائشة النبي ◌َّ*، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِ الذِيْنِ﴾ إلى آخر الآية. فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها(٧). وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث مصعب بن ثابت به (٨)، وفي رواية لأحمد (١) سنده معضل. (٢) سنده مرسل. (٣) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب (ح٢٥٠١). (٤) أخرجه الإمام أحمد عن سفيان عن هشام به (المسند ٤٨٢/٤٤ ح ٢٦٩١٣) وسنده صحيح. (٥) أخرجه الشيخان من طريق أبي أسامة عن هشام به. (صحيح البخاري، الهبة، باب الهدية للمشركين ح ٢٦٢٠) وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين (ح ٥٠/١٠٠٣). (٦) هو ورق یدبغ به. (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وزيادة في بيان نسب قتيلة. (المسند ٣٧/٢٦ ح ١٦١١١) وضعف سنده محققوه لضعف مصعب بن ثابت. (٨) أخرجه الطبري من طريق مصعب، وحكمه كسابقه. ٢٤٨ • سُورَةُ المُتَحِنَّةِ (١٠، ١١) ولابن جرير قتيلة بنت عبد العزى بن عبد أسعد من بني مالك بن حسل(١)، وزاد ابن أبي حاتم في المدة التي كانت بين قريش ورسول الله وَ له . وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأسماء أنهما قالتا: قدمت علينا أمنا المدينة وهي مشركة في الهدنة التي كانت بين رسول الله وَ﴿ وبين قريش فقلنا: يا رسول الله إن أُمنا قدمت علينا المدينة وهي راغبة أفنصلها؟ قال: ((نعم فصلاها؟)) ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن الزهري، عن عروة، عن عائشة إلا من هذا الوجه(٢). قلت: وهو منكر بهذا السياق لأن أُم عائشة هي: أُم رومان وكانت مسلمة مهاجرة وأُم أسماء غيرها كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ قد تقدم تفسير ذلك في سورة الحجرات وأورد الحديث الصحيح: ((المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما وَلوا)»(٣). وقوله تعالى: ﴿إِنََّا يَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَبُوكُمْ مِّنِ دِيَرِكُمْ وَظَهَرُواْ عَلَىَ إِخْرَاِكُمْ أَنْ تَوَلَّهُمْ﴾ أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذين ناصبوكم بالعداوة فقاتلوكم وأخرجوكم وعاونوا على إخراجكم ينهاكم الله مك عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم، ثم أكَّد الوعيد على موالاتهم فقال: ﴿وَمَن يَنَوَُّمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْهُودَ وَالنَّصَرَىّ (@)﴾ [المائدة]. أَوِيَّةُ بَتْفُهُمْ أَوْلِيَُّ بَعْضِّ وَمَن يَتَوَُّم مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَّلِينَ ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا جََّكُمُ الْمُؤْمِنَثُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَتِهِنٌّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَ نَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَ هُنَّ حِلٌّ لَمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَّ وَءَانُوهُم ◌َّا أَنْفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا مَنْتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ وَسَلُواْ مَآ أَنَفَقْتُمْ وَلْيَسْثَلُواْ مَّ أَنَقُواْ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَالَهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿ وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَّبْتُ فَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْثُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾﴾. تقدم في سورة الفتح في ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله وَالر وبين كفار قريش فكان فيه: على أن لا يأتيك مِنَّا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وفي رواية: على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وهذا قول عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد والزهري ومقاتل بن حيان والسدي(٤)، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، (١) المصدر قبل السابق. (٢) أخرجه البزار بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن حجر ونقل عن الهيثمي قوله: حديث أسماء في الصحيح، وأُم عائشة غير أُم أسماء. (مختصر زوائد مسند البزار ٢٤١/٢ ح ١٧٨٤). (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحجرات آية ٩. (٤) أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ٢٢٨/٩) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير، = ٢٤٩ • سُوَرَُّ المُتَحِنَّةِ (١٠، ١١) وهذا من أحسن أمثلة ذلك وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله رب أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن، وقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أبي أحمد بن جحش من المسند الكبير من طريق أبي بكر بن أبي عاصم، عن محمد بن يحيى الذهلي، عن يعقوب بن محمد، عن عبد العزيز بن عمران، عن مجمع بن يعقوب، عن حنين بن أبي لبانة، عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي معيط في الهجرة فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله وَ*، فكلماه فيها أن يردَّها إليهما فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، فمنعهم أن يردُّوهن إلى المشركين وأنزل الله آيات الامتحان(١). قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر الأسدي قال: سئل ابن عباس كيف كان امتحان رسول الله ◌َ* النساء؟ قال: كان يمتحنهن بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، وبالله ما خرجت التماس دنيا، وبالله ما خرجت إلا حباً لله ولرسوله، ثم رواه من وجه آخر عن الأغر بن الصباح به (٢)، وكذا رواه البزار من طريقه وذكر فيه أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول الله وَلجه له عمر بن الخطاب. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَّمَكُمُ الْمُؤْمِنَكُ مُهَجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وكان امتحانهن أن يشهدنَّ أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله(٣). وقال مجاهد: ﴿فَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ فاسألوهن عما جاء بهن، فإذا كان جاء بهن غضب على أزواجهن أو سخطة أو غيره ولم يؤمن فارجعوهن إلى أزواجهن(٤). وقال عكرمة: يقال لها: ما جاء بك إلا حب الله ورسوله، وما جاء بك عشق رجل منا ولا فرار من زوجك فذلك قوله: ﴿فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾(٥). وقال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز وما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله وحرص عليه، فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن (٦). = وهو مرسل وأخرجه ابن سعد من قول الزهري. (الطبقات الكبرى ٢٣١/٨)، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحوه، وهذه الروايات يقوي بعضها بعضاً. (١) ذكره الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد ٢٤٣/٧، وأخرجه ابن الأثير من طريق أبي بكر بن أبي عاصم به (أسد الغابة ٦٧/٣) وسنده ضعيف لضعف عبد العزيز بن عمران. (التقريب ص٣٥٨). (٢) أخرجه الطبري بسنديهما ومتنه، وسنده ضعيف لأن أبا نصر الأسدي: مجهول (التقريب ص٦٧٨). وهو لم يسمع من ابن عباس، فقد أخرجه البزار من الطريق نفسه، وصرح الحافظ ابن حجر بالانقطاع. (مختصر زوائد مسند البزار ١١٢/٢ ح ١٥١٧). (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ٢٥٠ • سُوَرَّةُ الْمُتَّخِنَّةِ (١٠، ١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقيناً . وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ ◌ِلٌّ لَّمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَمُنَّ﴾ هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوج ابنة النبي و 18 زينب ◌ُّ، قد كانت مسلمة وهو على دين قومه، فلما وقع في الأسارى يوم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة فلما رآها رسول الله # رقَّ لها رقة شديدة وقال للمسلمين: ((إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا)) ففعلوا فأطلقه رسول الله وَ ير على أن يبعث ابنته إليه، فوفَّى له بذلك وصدقه فيما وعده وبعثها إلى رسول الله 18 مع زيد بن حارثة ظه(١)، فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر. وكانت سنة اثنتين إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان فردها عليه بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقاً . كما قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن ابن عباس أن رسول الله وَلّ ردًّ ابنته زينب على أبي العاص، وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول ولم يحدث شهادة ولا صداقاً (٢). ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. ومنهم من يقول بعد سنتين، وهو صحيح؛ لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين وقال الترمذي: ليس بإسناده بأس ولا نعرف وجه هذا الحديث ولعله جاء من حفظ داود بن الحصين، وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت يزيد بن هارون يذكر عن ابن إسحاق هذا الحديث وحديث ابن الحجاج يعني ابن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله * ردّ ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جدید ونكاح جدید، فقال یزید: حديث ابن عباس أجود إسناداً والعمل على حديث عمرو بن شعيب(٣)، ثم قلت: وقد روى حديث الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وضعفه الإمام أحمد وغير واحد (٤)، والله أعلم. وأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين، يحتمل أنه لم تنقض عدتها منه لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يسلم انفسخ نكاحها منه. وقال آخرون: بل إذا انقضت العدة هي بالخيار، إن شائت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت وحملوا عليه حديث ابن عباس، والله أعلم. (١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٧٦/٦) وأبو داود من حديث عائشة ﴿ثها (السنن، الجهاد، باب في فداء الأسير بالمال ح٢٦٩٢). وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٣٤١). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٥/٤ ح٢٣٦٦) وحسن سنده محققوه. (٣) سنن أبي داود، الطلاق، باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها (ح٢٢٤٠) وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما (ح١١٤٣، ١١٤٤) وسنن ابن ماجه، النكاح، باب الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر (ح٢٠٠٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٣٥). (٤) (المسند ٢٠٧/٢)، وسنن الترمذي (ح١١٤٤)، وسنن ابن ماجه (ح ٢٠١٠). ٠ ٢٥١ سُورَةُ المُتَحْنَةِ (١١،١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُهُم مَّ أَنْفَقُواْ﴾ يعني: أزواج المهاجرات من المشركين ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن من الأصدقة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري وغير واحد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَ إِذَآ ءَانْتُمُوهُنَّ لُبُوَهُنَّ﴾ يعني: إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن؛ أي: تزوجوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ تحريم من الله رَّت على عباده المؤمنين نكاح المشركات والاستمرار معهن. وفي الصحيح عن الزهري، عن عروة، عن المسور ومروان بن الحكم أن رسول الله وَثير لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات فأنزل الله فيك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ فطلَّق عمر بن الخطاب يومئذٍ امرأتين تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أُمية (١). وقال ابن ثور: عن معمر، عن الزهري: أُنزلت هذه الآية على رسول الله وسلّ وهو بأسفل الحديبية حين صالحهم، على أنه من أتاه منهم ردّه إليهم، فلما جاء النساء نزلت هذه الآية وأمره أن يردَّ الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن يردوا الصداق إلى أزواجهن وقال: ﴿وَلَا تُقْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾(٢) . وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك لأجل ما كان بينهم وبينهم من العهد(٣). وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري: طلَّق عمر يومئذٍ قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة. فتزوجها معاوية وأم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أُم عبيد الله فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم رجل من قومه وهما على شركهما، وطلّق طلحة بن عبيد الله أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص(٤). وقوله تعالى: ﴿وَسَثَلُواْ مَآ أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْ مَآَ أَنَفَقُواْ﴾ أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار إن ذهبن وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. وقوله تعالى: ﴿َلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: في الصلح واستثناء النساء منه والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بما يصلح عباده حكيم في ذلك. ثم قال تعالى: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبُ فَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزَوَجُهُم مِثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ﴾ قال مجاهد وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد إذا فَرَّت إليهم امرأة، ولم يدفعوا إلى زوجها شيئاً، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء حتى يدفع إلى زوج الذاهبة (١) أخرجه البخاري من طريق معمر عن الزهري مطولاً. (الصحيح، الشروط، باب الشروط في الجهاد ح ٢٧٣١، ٢٧٣٢). (٢) أخرجه الطبري عن ابن عبد الأعلى عن ابن ثور به، ورجاله ثقات لكنه مرسل. ويتقوى بما سبق. (٣) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات، لكنه معضل ويتقوى بما سبق. (٤) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣/ ٧٩٠) وسنده مرسل. ٢٥٢ • سُورَةُ المُتَتَحْنَّةِ (١٢) إليهم مثل نفقته عليها(١). وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري قال: أقرَّ المؤمنون بحكم الله فأدوا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقرُّوا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين(٢)، فقال الله تعالى للمؤمنين به ﴿وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْفَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَاقَبْتُمْ فَاتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين، ردّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم، التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمنَّ وهاجرنَّ، ثم ردُّوا إلى المشركين فضلاً إن كان بقي لهم، والعقب ما كان بقي من صداق نساء الكفار حين آمن وهاجرن. وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية؛ يعني: إن لحقت امرأة رجل من المهاجرين بالكفار أمر له رسول الله وير أنه يعطي مثل ما أنفق من الغنيمة(٣)، وهكذا قال مجاهد(٤): ﴿فَمَاقَبْتُمْ﴾ أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم ﴿فَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ﴾ يعني: مهر مثلها. وهكذا قال مسروق وإبراهيم وقتادة ومقاتل والضحاك وسفيان بن حسين والزهري أيضاً(٥). وهذا لا ينافي الأول لأنه إن أمكن الأول فهو الأولى وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة. ] ﴿وَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَابِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمُ ﴾﴾﴾. قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه قال: أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي ◌َّلقد أخبرته أن رسول الله ولقد كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ قال عروة: قالت عائشة فمن أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: ((قد بايعتكِ)) كلاماً ولا واللهِ ما مسَّت يده يد امرأة في المبايعة قط، وما يبايعهن إلا بقوله: ((قد بايعتك على ذلك))(٦). هذا لفظ البخاري. (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه. (٤) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق مسلم بن صبيح عن مسروق. (المصنف ٤٣٢/٣) وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَمَكُمُ الْمُؤْمِنَكُ مُهَجِرَتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] ح ٤٨٩١). ٢٥٣ سُورَةُ المُتَخْنَةِ (١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رُقيقة قالت: أتيت رسول الله و ﴿ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئاً، الآية وقال: ((فيما استطعتن وأطقتن)) قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال: ((إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة)) (١). هذا إسناد صحيح. وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة(٢)، والنسائي أيضاً من حديث الثوري ومالك بن أنس، كلهم عن محمد بن المنكدر عن أميمة به، وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، وقد رواه أحمد أيضاً من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة به وزاد: ولم يصافح منا امرأة(٣)، وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر به(٤). ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر، حدثتني أميمة بنت رقيقة وكانت أخت خديجة خالة فاطمة من فيها إلى فيَّ فذكره(٥) (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم، عن أمه سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله وص يه وقد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار قالت: جئت رسول الله وَّ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف قال: ((ولا تغششن أزواجكن) قالت: فبايعناه ثم انصرفنا فقلت لامرأة منهن ارجعي فسلي رسول الله وَل﴿ ما غشَّ أزواجنا؟ قالت: فسألته فقال: ((تأخذ ماله فتحابي به غيره))(٧) . وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي، عن أمه عائشة بنت قُدامة يعني: ابن مظعون قالت: أنا مع أمي رائطة ابنة سفيان الخزاعية والنبي ◌ّل يبايع النسوة ويقول: ((أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف - قلن: نعم - فيما استطعتن)) فكنَّ يقلن وأقول معهن وأُمي تقول لي: أي بنية: نعم، فكنت أقول كما يقلن(٨) . (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٧/٦) وصحح سنده الحافظ ابن كثير. (٢) سنن الترمذي، السير، باب ما جاء في بيعة النساء (ح١٥٩٧) وسنن النسائي، البيعة، باب بيعة النساء ٧/ ١٤٩ وسنن ابن ماجه، الجهاد، باب بيعة النساء (ح٢٨٧٤) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٣٠٠) وصحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٣٢٣). (٣) (المسند ٣٥٧/٦). (٤) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عقبة به. (٥) قوله: من فيها إلى فيَّ، اصطلاح يدل على ضبط السماع ثم ضبط الأداء. (٦) سنده ضعيف لأن أبا جعفر الرازي صدوق سيء الحفظ. (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٠٣/٤٥ - ١٠٤ ح٢٧١٣٣)، وضعف سنده محققوه. (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦١٨/٤٦ ح ٢٧٠٦٢) وقال محققوه: صحيح لغيره. اهــ والأضبط أن يقال: حسن لغيره. لأن سنده ضعيف كما ذكروه، وبالشواهد والطرق يرقى إلى الحسن لغيره. ٢٥٤ • سُوَرَّةُ المُتَحَنَّةِ (١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله وَّ﴿ فقرأ علينا ﴿لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها قالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله وَ ل﴿ شيئاً، فانطلقت ورجعت فبايعها(١)، ورواه مسلم(٢). وفي رواية: فما وفَّى منهن امرأة غيرها وغير أُم سليم ابنة ملحان، وللبخاري عن أُم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله وَ﴿ عند البيعة أن لا ننوح، فما وقَّت منا امرأة غير خمسة نسوة. أُم سليم وأُم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ وامرأتان أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى، وقد كان رسول الله ولم يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد، كما قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جريج أن الحسن بن مسلم أخبره عن طاوس، عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله وَلّر وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله وقير فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جََ الْمُؤْمِنَثُ يُبَابِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْئُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِىِ مَعْرُوفٍ﴾ حتى فرغ من الآية كلها، ثم قال حين فرغ: ((أنتنَّ على ذلك؟))(٣) فقالت امرأة واحدة ولم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن من هي، قال: فتصدقن، قال: وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتح والخواتيم في ثوب بلال(٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش، عن سليمان بن سليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاءت أُميمة بنت رقيقة إلى رسول الله تبايعه على الإسلام فقال: ((أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً ولا تسرقي ولا ترقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى)»(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عُبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله و18َّ في مجلس فقال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم - قرأ الآية التي أخذت على النساء: ﴿إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَتُ﴾ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه(٦). أخرجاه في الصحيحين(٧) . (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه. (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَيِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] ح ٤٨٩٢). (٢) صحيح مسلم، الجنائز، باب التشديد في النياحة (ح ٩٣٦). (٣) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما ينهى من النوح والبكاء (ح ١٣٠٦). (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ ح٤٨٩٥). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٧/١١ ح ٦٨٥٠) وحسن سنده محققوه. (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند / ٣٥١، ٣٥٢ ح ٢٢٦٧٨) وصحح سنده محققوه. (٧) أخرجه الشيخان من طريق الزهري به (صحيح البخاري، الإيمان باب رقم ١١ ح١٨) وصحيح مسلم، الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها (ح١٧٠٩). ٢٥٥ سُورَةُ المُتَتَحَنَّةِ (١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة بن الصامت قال: كنتُ فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلاً فبايعنا رسول الله وَيهر على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، وقال: ((فإن وفيتم فلكم الجنة)) (١) رواه ابن أبي حاتم. وقد روى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس أن رسول الله ومقر أمر عمر بن الخطاب فقال: ((قل لهنَّ إن رسول الله وَ له يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئاً)) وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء فقالت: إني إن أتكلم يعرفني وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فَرَقاً(٢) من رسول الله وص له، فسكت النسوة اللاتي مع هند وأبين أن يتكلمن فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئاً لم تقبله من الرجال؟ ففطن إليها رسول الله وَّ﴿ وقال لعمر: ((قل لهنَّ ولا يسرقن)) قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهنَّ لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله له وعرفها فدعاها، فأخذت بيده فعاذت به فقال: ((أنت هندٍ؟)) قالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله (وَل﴿ فقال: ((ولا يزنين) فقالت: يا رسول الله، وهل تزني امرأة حرة؟ قال: ((لا والله ما تزني الحرة، قال: ولا يقتلن أولادهن)) قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر، قال: ﴿وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال: ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾ قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور، ويدعون بالويل والثبور(٣). وهذا أثر غريب وفي بعضه نكارة والله أعلم، فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله يخيفهما بل أظهرا الصفاء والودَّ له، وكذلك كان الأمر من جانبه،عَلَله لهما. وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، بايع رسول الله ويشير الرجال على الصفا، وعمر بايع النساء تحتها عن رسول الله ◌َ * فذكر بقيته كما تقدم وزاد: فلما قال: ولا تقتلن أولادكن. قالت هند: ربيناهم صغاراً فقتلتموهم كباراً، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثتني غبطة بنت سليمان، حدثتني عمتي، عن جدتها، عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله وَليقول لتبايعه فنظر إلى يدها فقال: ((اذهبي فغيري يدك)) فذهبت فغيرتها بحناء ثم جاءت فقال: ((أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئاً)) فبايعته وفي يدها سواران من ذهب، فقالت: ما تقول في هذين السوارين؟ فقال: ((جمرتان من نار جهنم))(6). (١) ذكره ابن هشام (السيرة ٢٩٥/٢) ويتقوى بما سبق. (٢) أي: خوفاً. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به. (٤) سنده ضعيف لإعضاله. (٥) أخرجه أبو يعلى من طريق نصر بن علي به (المسند ١٩٤/٨ ح٤٧٥٤) قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهن . = ٢٥٦ سُورَةُ الْمُتَتَحْنَّةِ (١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عامر هو: الشعبي قال: بايع رسول الله وَّر النساء وفي يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال: ((ولا تقتلن أولادكن)) فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال، وكان بعد ذلك إذا جاء النساء يبايعنه جمعهنَّ فعرض عليهنَّ، فإذا أقررنَّ رجعنَّ(١)، فقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ﴾ أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها ﴿عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصراً في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان من غير علمه عملاً بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليَّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله وَلّ: ((خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك)) أخرجاه في الصحيحين(٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الرِّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا [الإسراء] وفي حديث سَمُرة: ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله وَ﴿ فأخذ عليها ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَشْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ الآية، قال: فوضعت يدها على رأسها حياء فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذاً، فبايعها بالآية(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا بن فضيل، عن حصين، عن عامر هو: الشعبي قال: بايع رسول الله وَّ ر النساء وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال: ((ولا تقتلن أولادكن)) فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصي بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءت النساء يبايعنه جمعهنَّ فعرض عليهنَّ، فإذا أقررنَّ رجعنَّ(٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾ وهذا يشمل قتله بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ويعمّ قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيَدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم(٦). وكذا قال مقاتل. ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا (مجمع الزوائد ٤٠/٦) وأخرجه أبو داود من طريق غبطه به مختصراً (السنن، كتاب الترجل، ح٤١٦٥) = وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح٨٩٤). (١) سنده ضعيف لإرساله. (٢) صحيح البخاري، البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم (ح٢٢١١) وصحيح مسلم، الأقضية، باب قضية هند (ح١٧١٤). (٣) أخرجه البخاري مطولاً. (الصحيح، التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح ح٧٠٤٧). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥١/٦). وسنده صحيح. (٥) سنده ضعيف لإرساله. (٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ٢٥٧ • سُوَّةُ الْمُتَحْنَةِ (١٢) أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب. حدثنا عمرو يعني: ابن الحارث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله وَيه يقول حين نزلت آية الملاعنة: ((أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين))(١) . وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ يعني فيما أمرتهن به من معروف ونهيتهن عنه من منكر. قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء(٢). وقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله طاعة لنبيه إلا في المعروف والمعروف طاعة. وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله وهو خيرة الله من خلقه في المعروف(٣). وقد قال غيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وسالم بن أبي الجعد وأبي صالح وغير واحد: نهاهن يومئذٍ عن النوح (٤)، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضاً. وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في هذه الآية ذكر لنا أن النبي ◌َ ◌ّ أخذ عليهن النياحة ولا تحدثن الرجال إلا رجلاً منكن محرماً، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله إن لنا أضيافاً وإنا نغيب عن نسائنا فقال رسول الله وَالته: ((ليس أولئك عنيت، ليس أولئك عنيت))(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء، أخبرنا ابن أبي زائدة، حدثني مبارك، عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي * ألا تحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه (٦). وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن أُم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشترط علينا رسول الله من المعروف حين بايعناه أن لا ننوح، فقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها وغير أُم سليم ابنة ملحان أُم أنس بن مالك(٧). (١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الطلاق، باب التغليظ في الانتفاء ح٢٢٦٣) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح٤٩٧). (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] ح ٤٨٩٣). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور عن سالم بن أبي الجعد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل، لأن قتادة لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف. (٦) سنده حسن. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق هشام وحبيب عن ابن سيرين به (المسند ٤٥٪ ٢٨٧ ح ٢٧٣٠٨) وصحح سنده محققوه. ٢٥٨ • سُورَةُ المُتَحَنَّةِ (١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين، عن أُم عطية نسيبة الأنصارية ټ(١). وقد روي نحوه من وجه آخر أيضاً قال ابن جرير: حدثنا أبو کریب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن فروخ القتاب، حدثني مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزاً لنا كانت فيمن بايع رسول الله وَ لّ، قالت: فأتيته لأبايعه فأخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن، فقالت عجوز: يا رسول الله إن أناساً قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة فأنا أريد أسعدهم قال: ((فانطلقي فكافئيهم) فانطلقت فكافأتهم ثم إنها أتته فبايعته، وقال: هو المعروف الذي قال الله رمّ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِ مَعْرُوفٍ﴾(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا القعنبي، حدثنا الحجاج بن صفوان، عن أسيد بن أبي أسيد البراد، عن امرأة من المبايعات قالت: كان فيما أخذ علينا رسول الله : أن لا نعصيه في معروف أن لا نخمش وجهاً، ولا ننشر شعراً، ولا نشق جيباً، ولا ندعوا ويلاً(٣) . وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن يزيد مولى الصهباء، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، عن رسول الله وَّه في قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِىِ مَعْرُوفٍ﴾ قال: النوح(٤)، ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، عن أبي نعيم، وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع كلاهما، عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء به وقال الترمذي: حسن غريب(٥) . وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إسحاق بن عثمان أبو يعقوب، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﴿ جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ظُه، فقام على الباب وسلم علينا فرددن أو فرددنا عليَّ*، ثم قال: أنا رسولُ رسولِ الله وَ له إليكن قالت فقلنا: مرحباً برسول الله وبرسول رسول الله، فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئاً ولا تسرقن ولا تزنين، قالت: فقلنا نعم، قالت فمدَّ يده من خارج الباب أو البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال: اللَّهم اشهد، قالت: وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحُيَّض والعواتق ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ قالت: النياحة (٦) . (١) تقدم في تفسير هذه الآية من رواية الشيخين. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة مصعب بن نوح الأنصاري. (الجرح والتعديل ٣٠٧/٨). (٣) سنده ضعيف لأن أُسيد بن أبي أُسيد لم يسمع من الصحابية. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف شهر. (٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الممتحنة (ح٣٣٠٤) وسنن ابن ماجه، الجنائز، باب النهي عن النياحة (ح١٥٧٩). وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٢٨٣). (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية: مقبول (التقريب ص١٠٨) ومحمد بن سنان القزاز: ضعيف. (التقريب ص٤٨٢). ٢٥٩ سُورَةُ المُتَحْنَةِ (١٣) وفي الصحيحين من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((ليس منا من ضرب الخدود وشقَّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية))(١). وفي الصحيحين أيضاً عن أبي موسى أن رسول الله ولو برئ من الصالقة والحالقة والشاقة(٢)(٣). وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيداً حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله وَ لي قال: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب))(٤). ورواه مسلم في صحيحه منفرداً به من حديث أبان بن يزيد العطار به(٥) . وعن أبي سعيد أن رسول الله وَّ لعن النائحة والمستمعة، رواه أبو داود (٦). ﴿ ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَبِسُواْ مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ ينهى تبارك وتعالى عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها في أولها فقال تعالى: ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء وقد يئسوا من الآخرة؛ أي: من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله ؟ وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَعْخَبِ الْقُبُورِ﴾ فيه قولان: أحدهما: كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك لأنهم لا يعتقدون بعثاً ولا نشوراً، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه. قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر السورة يعني من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله ربك(٧) . (١) صحيح البخاري، الجنائز، باب ليس منا من ضرب الخدود (ح ١٢٩٧) وصحيح مسلم، الإيمان، باب تحریم ضرب الخدود (ح١٦٥). (٢) الصالقة هي: التي ترفع صوتها، والحالقة: التي تحلق شعرها، والشاقة: التي تشق الجيوب. (٣) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما ينهى عن الحلق عند المصيبة (ح١٢٩٦) وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٦٧). (٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٤٨/٣ ح ١٥٧٧) وسنده صحيح. (٥) صحيح مسلم، الجنائز، باب التشديد في النياحة (ح ٩٣٤). (٦) أخرجه أبو داود من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد (السنن، الجنائز، باب في النوح ح٣١٢٨)، وسنده ضعيف لضعف عطية. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. ٢٦٠ • سُوَرَّةُ الْمُتَحِنَّةِ (١٣) وقال الحسن البصري: ﴿كَمَا يَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُرِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات(١). وقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا(٢). وكذا قال الضحاك(٣)، رواهن ابن جرير. والقول الثاني: معناه: كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير، قال الأعمش: عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود ﴿ كَمَا يَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَعْخَبِ الْقُرِ﴾ قال: كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه(٤)، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل وابن زيد والكلبي ومنصور(٥)، وهو اختيار ابن جرير دَُّهُ. آخر تفسير سورة الممتحنة، ولله الحمد والمنة. (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور بن زاذان عن الحسن. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخه، ويتقوى بما سبق. (٤) سنده صحيح. (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الحكم عن مجاهد، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق سماك عن عكرمة (المصنف ٥٧١/١٣) وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.