النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سُورَةُ الحُشْرِ (٥،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن
سليمان بن موسى، عن جابر، وعن أبي الزبير، عن جابر، قال: رخصَّ لهم في قطع النخل ثم
شدَّد عليهم، فأتوا النبي ◌َّه فقالوا: يا رسول الله علينا إثم فيما قطعنا أو علينا وزر فيما تركنا،
فأنزل الله رَى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّبِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآَبِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ﴾(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن
ابن عمر، أن رسول الله ◌َّه قطع نخل بني النضير وحرَّقَ(٢)، وأخرجه صاحبا الصحيح من رواية
موسى بن عقبة بنحوه(٣)، ولفظ البخاري من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن موسى بن
عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: حاربت النضير وقريظة فأجلى بني النضير وأقرَّ قريظة ومَنَّ
عليهم حتى حارب قريظة، فقتل من رجالهم وسبى وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين
المسلمين إلا بعضهم لحقوا بالنبي ◌َّةٍ فأمنَّهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع،
وهم رهط عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهود بالمدينة(٤)، ولهما أيضاً عن قتيبة، عن
الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَلِّ حرَّق نخل بني النضير وقطع، وهي:
[البويرة](٥)، [فأنزل الله رَت فيه ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُهَا قَآئِمَةً عَلَىَ أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ
(٦)
اُلْفَسِقِينَ
وللبخاري تَُّ من رواية جويرية ابن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر ظها أن رسول الله وَالهول
حرق نخل بني النضير وقطع البويرة](٧) ولها يقول حسان بن ثابت رض
عنه :
تحريق بالبويرة مستطير
وهان على سراة بني لؤي
فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول:
أدام الله ذلك من صنيع
وحرَّق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بنزه
وتعلم أي أرضينا نضيرُ(٨)
کذا رواه البخاري ولم یذكره ابن إسحاق.
وقال محمد بن إسحاق: وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف:
(١) أخرجه أبو يعلى (المسند ١٣٥/٤ ح ٢١٨٩) وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع (مجمع الزوائد ١٢٥/٧)
وفيه مخالفة لرواية الصحيح في قوله: ثم شدد عليهم.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٧/٢) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب حرق الدور والنخيل (ح٣٠٢١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب جواز قطع
أشجار الكفار (ح٣٠/١٧٤٦).
(٤) صحيح البخاري، المغازي، باب حديث بني النضير (ح ٤٠٢٨).
(٥) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل صحفت إلى: ((البريدة)).
(٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿مَا قَطَّعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ﴾ [الحشر: ٥] (ح٤٨٨٤)، وصحيح مسلم، الجهاد
والسير، باب جواز قطع أشجار الكفار (ح ٢٩/١٧٤٦).
(٧) زيادة من (ح) و(حم).
(٨) أخرجه البخاري من طريق حبان عن جويرية بن أسماء به. (الصحيح، المغازي، باب حديث بني النضير
ح ٤٠٣٢).

٢٢٢
• سُوَرَّةُ الْحُشْرِ (١، ٥)
كذلك الدهر ذو صرف يدور
عظيم أمره أمر كبير
وجاءهم من الله النذير
وآيات مبينة تنير
وأنت بمنكر منا جدير
يصدقني به الفهم الخبير
ومن يكفر به يجز الكفور
وجد بهم عن الحق النفور
وكان الله يحكم لا يجور
وكان نصيره نعم النصير
فذلّت بعد مصرعه النضير
بأيدينا مشهرة ذكور
إلى كعب أخا كعب يسير
ومحمود أخو ثقة جسور
أبارهم بما اجترموا المبير
رهواً رسول الله وهو بهم بصير
على الأعداء وهو لهم وزير
[وحالف](٣) أمرهم كذب وزور
وبالاً لكل ثلاثة منهم بعير
وغودر منهمو نخل ودور (٤)
لقد خزيت بغدرتها الحبَور (١)
وذلك أنهم كفروا برب
وقد أوتوا معاً فهماً وعلماً
نذير صادق أدى كتاباً
فقالوا ما أتيت بأمر صدق
فقال بلى لقد أديت حقاً
فمن يتبعه يُهدَ لكل رشد
فلما أشربوا غدراً وكفراً
أرى الله النبي برأي صدق
فـأيده وسلطه عليهم
فغودر منهم وكعب صريعاً
على الكفين ثم وقد علته
بأمر محمد إذ دس ليلاً
فما كره فأنزله بمكرٍ
فتلك بنو النضير بدار سوء
غداة أتاهم وفي الزحف
وغسان الحماة موازروه
فقال السلم ويحكمُ فصدوا
فذاقوا غبّ أمرهم
وأجلوا عامدين لقينقاع
قال: وكان مما قيل من الأشعار في بني النضير قول ابن القيم العبسي، ويقال: قالها قيس بن
بحر بن طريف، قال ابن هشام الأشجعي:
أهلي فداء لامرئ غير هالك
يقيلون في جَمر العضاة
فإن يك ظني صادقاً بمحمد
يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم
عليهنَّ أبطال مساعير في الوغر
وكل رقيق الشفرتين مهندٍ
فمن مبلغ عني قريشاً رسالة
أجلى اليهود بالحسى المزنَّم
وبدلوا أهيضب عوداً بالودي(٥) المكمم
يروا خيله بين الصلا ويَرمَرمُ
(٦)
عدوا ما حيّ صديق كمجرم
المقوم
.(٧)
يهزّون أطراف الوشيج
تورثن من أزمان عاد وجرهم
فهل بعدهم في المجد من متكرم
(١) أي: علماء اليهود.
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((وحالة)).
(٤) ينظر السيرة النبوية لابن هشام ١٩٩/٢.
(٦) الصلا ويرمرم: موضعان.
(٢) أي: سيوف مسلولة من أغمادها.
(٥) أي: صغار النخل.
(٧) أي: الرماح.

٢٢٣
• سُورَةُ الْمُشْرِ (٦، ٧)
بأن أخاكم فاعلمنّ محمداً
فدينوا له بالحق تجسم أموركم
نبي تلاقته من الله رحمة
فقد كان في بدر لعمري عبرة
غداة أتى في الخزرجية عامداً
مُعَاناً بروح القدس ينكي عدوه
رسولاً من الرحمن يتلو كتابه
أرى أمره يزدادُ في كل موطن
تليدُ الندى بين الحجون وزمزم
وتسموا من الدنيا إلى كل معظم
ولا تسألوه أمر غيب مرجم
لكم يا قريش والقليب الملمم
إليكم مطيعاً للعظيم المكرم
رسولاً من الرحمن حقاً بمعلم
فلما أنار الحق لم يتلعثم
علواً لأمر حمّه الله محكم(١)
وقد أورد ابن إسحاق تَّتُ هُهنا أشعاراً كثيرة فيها آداب ومواعظ وحكم وتفاصيل للقصة،
تركنا باقيها اختصاراً واكتفاء بما ذكرناه، ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق: كانت وقعة بني النضير بعد [وقعة أحد وبعد بئر معونة.
وحكى البخاري عن الزهري، عن عروة أنه قال: كانت وقعة بني النضير](٢) بعد بدر بستة
(٣)
أشھر
﴿وَمَآ أَقَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِطُ رُسُلَهُ.
عَلَى مَن يَشَهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَآ أَقَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِرَسُولِ وَلِذِى
الْقُرْبَى وَالْبَشَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُونَ دُولَّةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
تَهَنَكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
يقول تعالى مبيناً ما الفيء وما صفته وما حكمه، فالفيء: كل مال أخذ من الكفار من غير
قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه
بخيل ولا ركاب؛ أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة بل نزل أولئك من الرعب
الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله وَلير، فأفاءه على رسوله، ولهذا تصرَّف فيه كما يشاء
فردَّه على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله جل في هذه الآيات فقال تعالى:
﴿وَمَآ أَقَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي: من بني النضير ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ يعني:
الإبل ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو قدير لا يغالب ولا
يمانع، بل هو القاهر لكل شيء.
ثم قال تعالى: ﴿َّا أَفَآءَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: جميع البلدان التي تفتح هكذا
فحكمها حكم أموال بني النضير ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَّهِ وَلِلرَُّلِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْيَشَى وَالْمَسْكِينِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ ... ﴾ إلى آخرها والتي بعدها فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه.
(١) المصدر السابق ١٩٥/٢.
(٢) زيادة من (ح) و(حم).
(٣) أخرجه البخاري معلقاً، وقال الحافظ ابن حجر: وصله عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري أتم من
هذا. (فتح الباري ٣٢٩/٧، ٣٣٠).

٢٢٤
سُورَةُ الْمُشْرِ (٦، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو ومعمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن
الحدثان، عن عمر ◌ُبه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لو يوجف
المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﴿ خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة
سنته، وقال مرة: قوت سنته وما بقي جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله ريك(١)، هكذا
أخرجه أحمد لههنا مختصراً، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم إلا ابن ماجه من حديث سفيان، عن
عمرو بن دينار، عن الزهري به(٢)، وقد رويناه مطولاً.
وقال أبو داود تَخُّْهُ: حدثنا الحسن بن علي ومحمد بن يحيى بن فارس المعنى واحد قالا:
حدثنا بشر بن عمر الزهراني، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس قال:
أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ظُه حين تعالى النهار فجئته فوجدته جالساً على سرير مفضياً إلى
رماله(٣)، فقال حين دخلت عليه: يا مالك إنه قد دفّ(٤) أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم
بشيء فاقسم فيهم، قلت: لو أمرت غيري بذلك. فقال: خذه، فجاءه يرفا(٥) فقال: يا
أمير المؤمنين هل لك في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبي
وقاص؟ قال: نعم.
فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفا فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في العباس وعلي؟ قال:
نعم، فأذن لهما فدخلا فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا يعني: علياً، فقال
بعضهم: أجل يا أمير المؤمنين اقضٍ بينهما وأرحهما، قال مالك بن أوس: خُيل إليَّ أنهما قدما
أولئك النفر لذلك، فقال عمر به اتئدا ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي
بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))؟
قالوا: نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل
تعلمان أن رسول الله و 8* قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))؟ فقالا: نعم. فقال: إن الله خص
رسوله بخاصة لم يخص بها أحداً من الناس فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَّ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ
عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَ رِكَادٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَمْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ فكان الله
تعالى أفاء على رسوله أموال بني النضير، فوالله ما استأثر بها عليكم ولا أحرزها دونكم، فكان
رسول الله ﴿ يأخذ منها نفقة سنة أو نفقته ونفقة أهله سنة، ويجعل ما بقي أسوة (٦) المال.
ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون
ذلك؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على علي والعباس فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/١) وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب المجن ومن يترَّس بترس صاحبه (ح٢٩٠٤) وصحيح مسلم، الجهاد، باب
حكم الفيء (ح١٧٥٧)، وسنن أبي داود، الخراج، باب في صفايا رسول الله وَل و (ح٢٩٦٥)، وسنن
الترمذي، الجهاد، باب ما جاء في الفيء (ح١٧١٩)، وسنن النسائي، قسم الفيء ١٣٢/٧.
(٣) أي: موصلاً جسده إلى رماله، ورمال السرير: ما ينسج في وجهه بالسعف.
(٤) أي: جاءوا مسرعين.
(٦) أي: يجعله لا ينفرد به أحد.
(٥) هو اسم غلام لعمر رهـ

٢٢٥
سُورَةُ الْحُفْرِ (٦، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والأرض هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فلما توفي رسول الله وق لي قال أبو بكر: أنا ولي
رسول الله ◌َ، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث
امرأته من أبيها، فقال أبو بكر ظُبه: قال رسول الله وَ له: ((لا نورث، ما تركنا صدقة)) والله يعلم إنه
الصادق بار راشد تابع للحق فوليها أبو بكر، فلما توفي قلت أنا ولي رسول الله وَ لي وولي أبي بكر
فوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فسألتمانيها، فقلت إن
شئتما فأنا أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله صل* يليها،
فأخذتماها مني على ذلك ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك، واللهِ لا أقضي بينكما بغير ذلك
حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فردَّاها إليَّ(١). أخرجوه من حديث [الزَّهري](٢) به(٣).
قال الإمام أحمد: حدثنا عارم وعفان قالا: أخبرنا معتمر سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن
مالك، عن رسول الله وسلم قال: إن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله حتى
فتحت عليه قريظة والنضير. قال: فجعل يرد بعد ذلك، قال: وإن أهلي أمروني أن آتي النبيَّ ◌َلِّل
فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله وَ ﴿ قد أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله
قال: فسألت النبي ◌َّله فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول: كلا
والله الذي لا إله إلا هو لا يعطيكهن وقد أعطانيهن، أو كما قالت، فقال نبي الله: ((لك كذا
وكذا)). قال: وتقول: كلَّا والله. قال: ويقول: ((لك كذا وكذا)) قال: وتقول: كلَّا واللهِ، قال:
((ويقول لك كذا وكذا)) قال: حتى أعطاها حسبت أنه قال: عشرة أمثاله أو قال قريباً من عشرة
أمثاله، أو كما قال(٤). رواه البخاري ومسلم من طرق عن معتمر(٥) به.
وهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خمس الغنيمة، وقد قدمنا
الكلام عليها في سورة الأنفال بما أغنى عن إعادته ههنا، ولله الحمد.
وقوله تعالى: ﴿كَ لَا يَكُنَ دُوْلَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا
يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئاً
إلى الفقراء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾ أي: مهما أمركم به فافعلوه
ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر.
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الخراج والإمارة، باب في صفايا رسول الله وَير ح ٢٩٦٣) وسنده
صحیح.
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((الترمذي)).
(٣) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب فرض الخمس (ح٣٠٩٤) وصحيح مسلم، الجهاد، باب حكم الفيء
(ح١٧٥٧)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في تركة رسول الله وَ و (ح١٦١٠) والسنن الكبرى
للنسائي، التفسير، باب (ما أفاء على الله مع رسوله) (ح١١٥٧٥).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٩/٣) وسنده صحيح.
(٥) صحيح البخاري، المغازي، باب مرجع النبي ◌َّر من الأحزاب (ح٤١٢٠) وصحيح مسلم، الجهاد، باب
ردّ المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر ... (ح ١٧٧١).

٢٢٦
سُورَةُ الْحُشْرِ (٦، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن أبي حاتم: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سعيد، عن قتادة،
عن الحسن العرني، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود قالت:
بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله تعالى أو عن رسول الله وَلا؟
قال: بلى شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله وَله. قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي
المصحف فما وجدت فيه الذي تقول. قال: فما وجدت فيه: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُواْ﴾؟ قالت: بلى. قال: فإني سمعت رسول الله وَّر ينهى عن الواصلة والواشمة
والنامصة، قالت: فلعله في بعض أهلك، قال: فادخلي فانظري، فدخلت فنظرت ثم خرجت
قالت: ما رأيت بأساً، فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ
أَنْهَنكُمْ عَنْهُ﴾(١) [هود: ٨٨].
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن علقمة، عن عبد الله
هو: ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن،
المغيرات خلق الله ، قال فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها: أُم يعقوب، فجاءت إليه
فقالت بلغني أنك قلت كيت وكيت، قال: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله وَّر وفي كتاب الله
تعالى، فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته، فقال: إن كنت قرأته فقد وجدته أما قرأت
﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾؟ قالت: بلى. قال: فإن رسول الله لَ ﴾ نهى
عنه. قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري فذهبت فلم ترَ من حاجتها شيئاً،
فجاءت فقالت: ما رأيت شيئاً، قال: لو كان كذا لما تجامعنا (٢). أخرجاه في الصحيحين من
حديث سفيان الثوري(٣).
وقد ثبت في الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة أن رسول الله وَلقر قال: ((إذا أمرتكم بأمر فائتوا
منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)) (٤) .
وقال النسائي: أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا يزيد، حدثنا منصور بن حيان، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عمر وابن عباس أنهما شهدا على رسول الله وَلي أنه نهى عن الدباء والحنتم
والنقير والمزفت، ثم تلا رسول الله وَله: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنَهُواْ﴾ (٥) .
وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره،
فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه وارتكب ما عنه زجره ونهاه.
(١) السند فيه اضطراب من قتادة إلى مسروق، ويشهد له ما يليه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٣/١) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] (ح ٤٨٨٦) وصحيح مسلم،
اللباس، تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (ح٢١٢٥).
(٤) صحيح البخاري، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله وي ليه (ح٧٢٨٨)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب
توقير رسول الله ( ح ١٣٣٧).
(٥) أخرجه النسائي بسنده ومتنه. (السنن الكبرى، التفسير، باب ﴿وَمَآ ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ ح١١٥٧٨)،
وسنده صحيح.

٢٢٧
• سُوَرَّةُ الَشْرِ (٨، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا وَيَنْصُرُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا
يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ.
فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ وَلَِّنَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
◌ِلْإِيمَنِ وَلَ تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمُ
يقول تعالى مُبيّناً حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَنًا﴾ أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله ورضوانه
﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُْ أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ أي: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم وهؤلاء هم
سادات المهاجرين. ثم قال تعالى مادحاً للأنصار ومبيّناً فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم
وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: سكنوا دار الهجرة
من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم.
قال عمر: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم
كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم وأن
يعفو عن مسيئهم(١). رواه البخاري لههنا أيضاً.
وقوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَِّهِمْ﴾ أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حميد، عن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما
رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً في كثير، لقد كفونا المؤونة
وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: ((لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله
لهم))(٢). لم أره في الكتب من هذا الوجه.
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن
مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي ◌َّر الأنصار أن يقطع لهم البحرين. قالوا: لا إلا
أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها قال: ((إما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي
أَثرة)»(٣). تفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال البخاري: حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة قال: قالت الأنصار اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا. فقالوا: أتكفوننا المؤنة
ونشرككم في الثمرة. قالوا: سمعنا وأطعنا(٤). تفرد به دون مسلم. ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ
(١) أخرجه البخاري بسنده عن عمر ته. (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَأَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ﴾ [الحشر: ٩]
ح ٤٨٨٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٠/٢٠، ٣٦١ ح ١٣٠٧٥) وصحح سنده محققوه.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، مناقب الأنصار، باب قول النبي ◌َّيقر للأنصار: ((اصبروا حتى
تلقوني على الحوض)» ح ٣٧٩٤).
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الحرث والمزارعة، باب إذا قال: اكفني مؤونة النحل وغيره ..
ح ٢٣٢٥).

٢٢٨
• سُورَّةُ الحُشْرِ (١٠،٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حَاجَةً مِّمَآ أُوتُوا﴾ أي: ولا يجدون في أنفسهم حسداً للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة
والشرف والتقديم في الذكر والرتبة.
قال الحسن البصري: ﴿وَلَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ﴾ يعني: الحسد (١) ﴿مَِّّا أُوتُوا﴾.
قال قتادة: يعني: فيما أُعطى إخوانهم. وكذا قال ابن زيد(٢).
ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإمام أحمد حيث قال:
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس قال: كنا جلوساً مع رسول الله وال
فقال: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة)) فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه
قد علق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله وَله: مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل
المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله وَي: مثل مقالته أيضاً، فطلع ذلك الرجل
على مثل حاله الأولى، فلما قام رسول الله وَّ ر تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني
لاحيت(٣) أبي، فأقسمت أني لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي
[فعلت](٤) قال: ((نعم)).
قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً
غير أنه إذا تعار تقلب على فراشه ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله: غير أني لم
أسمعه يقول إلا خيراً، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت يا عبد الله لم
يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة، ولكن سمعت رسول الله وَ لو يقول لك ثلاث مرات: ((يطلع
عليكم الآن رجل من أهل الجنة)) فطلعت أنت الثلاث المرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما
عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله وَل﴿؟ قال: ما
هو إلا ما رأيت، فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد
من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. قال عبد الله: فهذه التي بلغت بك،
وهي التي لا تطاق(٥)، ورواه النسائي في اليوم والليلة عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن
معمر به(٦)، وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري عن
رجل عن أنس(٧)، فالله أعلم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّقَاً
أُوتُواْ﴾ يعني: مما أوتوا المهاجرين، قال: وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٣) أي: نازعت.
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٥) سنده صحيح وصححه الحافظ ابن كثير.
(٦) السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا انتبه من منامه (ح١٠٦٩٩).
(٧) قال الحافظ ابن حجر: وذكر البيهقي في ((الشعب)): أن شعيباً رواه عن الزهري، حدثنى من لا اتهم، عن
أنس .. ورويناه في ((مكارم الأخلاق)) وفي عدة أمكنة عن عبد الرزاق. وقد ظهر أنه معلول. (النكت
الظراف ٣٩٥/١).

٢٢٩
• سُوَرَّةُ الْمُشْرِ (٨، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000
الأنصار فعاتبهم الله في ذلك فقال تعالى: ﴿وَمَآ أَفَّءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ
وَلَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَخْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ قال: وقال
رسول الله صلى: ((إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)) فقالوا: أموالنا بيننا
قطائع، فقال رسول الله وَلجر: ((أو غير ذلك)) قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((هم قوم لا
يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر)) فقالوا: نعم يا رسول الله(١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ يعني: حاجة؛ أي: يقدمون
المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.
وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله وَ لهو أنه قال: ((أفضل الصدقة جهد المقلّ)) (٢) وهذا المقام
أعلى من حال الذين وصف الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبٍِّ﴾ [الإنسان: ٨].
وقوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] فإن هؤلاء تصدقوا وهم يحبون ما تصدقوا به،
وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم
إلى ما أنفقوه، ومن هذا المقام تصدق الصديق ظله بجميع ماله، فقال له رسول الله وَله: ((ما
أبقيت لأهلك؟» فقال ربه: أبقيت لهم الله ورسوله(٣)، وهكذا الماء الذي عرض على عكرمة
وأصحابه يوم اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى
الماء، فردّه الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم، ولم يشربه أحد منهم
رضي الله عنهم وأرضاهم.
وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فضيل بن غزوان،
حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: أتى رجل لرسول الله وَّله فقال يا رسول الله
أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئاً، فقال النبي وَالر: ((ألا رجل يضيف هذه
الليلة ◌َخُّْ)) فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: هذا
ضيف رسول الله ◌َ و لا تدخريه شيئاً، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية. قال: فإذا أراد
الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئ السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت ثم غدا الرجل على
رسول الله ◌َ* فقال: ((لقد عجب الله ◌َ - أو ضحك - من فلان وفلانة)) فأنزل الله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَنَ ◌ِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾(٤). وكذا رواه البخاري في موضع آخر ومسلم
والترمذي والنسائي من طرق عن فضيل بن غزوان(٥)، وفي رواية لمسلم تسمية هذا الأنصاري
(١) أخرجه الطبري بسنده عن عبد الرحمن بن زيد، وسنده ضعيف لأنه معضل، وعبد الرحمن بن زيد: ضعيف.
(٢) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي (السنن، الصلاة ح١٤٤٩) وصححه الألباني في
صحيح سنن أبي داود (ح١٢٨٦).
(٣) أخرجه الترمذي من حديث عمر بن الخطاب ئه. (السنن، المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق
ح٣٩٣٩) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٩٠٢).
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] ح ٤٨٨٩).
(٥) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب قول الله ◌َ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (ح٣٧٩٨) وصحيح مسلم،
الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره (ح ١٧٢/٢٠٥٤). وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة
الحشر (ح٣٣٠١)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (ح١١٥٨٢).

٢٣٠
• سُورَةُ المُشْرِ (٨، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بأبي طلحة ظُه(١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: من سلم من الشح فقد أفلح
وأنجح. قال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا داود بن قيس الفراء، عن عبيد الله بن مقسم،
عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَّر قال: ((إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا
الشعَّ فإن الشَّ أهلك مَن كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلَّوا محارمهم))(٢).
انفرد بإخراجه مسلم فرواه عن القعنبي، عن داود بن قيس به(٣).
وقال الأعمش وشعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر، عن
عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَليقول: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا
الفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشحّ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم
بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا)) ورواه أحمد وأبو داود من
طريق شعبة والنسائي من طريق الأعمش، كلاهما عن عمرو بن مرة به (٤).
وقال الليث: عن يزيد بن الهاد، عن سهيل بن أبي صالح، عن صفوان بن أبي يزيد، عن
القعقاع بن اللجلاج، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله وله يقول: ((لا يجتمع غبار في سبيل الله
ودخان جهنم في جوف عبد أبداً، ولا يجتمع الشخَّ والإيمان في قلب عبد أبداً)) (٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا
المسعودي، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا
عبد الرحمن إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال له عبد الله: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول:
﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَِّكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح لا أكاد أن أخرج من يدي شيئاً،
فقال عبد الله: ليس ذلك بالشحِّ الذي ذكره الله في القرآن، إنما الشخُّ الذي ذكر الله في القرآن أن
تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذاك البخل وبئس الشيء البخل(٦).
وقال سفيان الثوري: عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن أبي الهيّاج الأسدي
قال: كنت أطوف بالبيت فرأيت رجلاً يقول: اللَّهم قني شُحَّ نفسي لا يزيد على ذلك، فقلت له،
فقال: إني إذا وقيت شحّ نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل، وإذا الرجل عبد الرحمن بن
(١) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٠٥٤/ ١٧٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٣/٣) وسنده صحيح.
(٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الظلم (ح٢٥٧٨).
(٤) أخرجه الإمام أحمد عن ابن أبي عدي عن شعبة به كاملاً. (المسند ٢٦/١١ ح ٦٤٨٧) وصحح سنده
محققوه، وأخرجه أبو داود السنن، الزكاة، باب في الشح (ح١٦٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن
أبي داود (ح١٤٨٩) وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، التفسير، باب ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩]
(ح ١١٥٨٣).
(٥) أخرجه النسائي من طريق الليث به (السنن، الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه ١٣/٧)
وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح٢٩١٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٧٢/٢).
(٦) سنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق المسعودي به.

٢٣١
سُورَّةُ الُشْرِ (٨، ١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عوف ◌ُبه. رواه ابن جرير(١).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا
إسماعيل بن عياش، حدثنا مجمع بن جارية الأنصاري، عن عمه: يزيد بن جارية، عن أنس بن
مالك، عن رسول الله وَ ﴾ قال: ((بَرئ من الشحِّ من أدّى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في
[النائبة))](٢)(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِلْإِيمَانِ
وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمُ ﴾﴾ هؤلاء هم: القسم الثالث ممن
يستحق فقراؤهم من مال الفيء وهم: المهاجرون ثم الأنصار ثم التابعون لهم بإحسان كما قال
في آية براءة ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم ◌ِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ
عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] فالتابعون لهم بإحسان هم المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة
الداعون لهم في السرِّ والعلانية، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾ أي: قائلين ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا
غِلَّ﴾ أي: بغضاً وحسداً ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ وما أحسن ما استنبط الإمام
مالك تَخْتُ من هذه الآية الكريمة أن الرافضي الذي يسبُّ الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب،
لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِلْإِيمَانِ وَلَا
تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا
إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم
ثم قرأت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ جَدُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا
بِآلْإِيمَنِ﴾(٤) الآية.
وقال إسماعيل بن علية، عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة قالت: أمرتم
بالاستغفار لأصحاب محمد الر فسببتموهم، سمعت نبيكم ◌ّيو يقول: ((لا تذهب هذه الأمة حتى
يلعن آخرها أولها)) رواه البغوي(٥).
وقال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن الزهري قال: قال
عمر رَُّه: ﴿وَمَا أَفَّمَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] قال
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) كذا في (ح) والطبري وفي الأصل بلفظ: ((النابية)).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن إسماعيل بن عياش الحمصي صدوق في روايته عن أهل
بلده، مُخلط في غيرهم. (التقريب ص١٠٩) ويروي هنا عن غير أهل بلده وهو مجمع بن جارية وهو من
المدينة وليس من حمص.
(٤) سنده ضعيف لضعف إسماعيل بن إبراهيم، وأبوه فيه لين. (التقريب ص٩٤ وص ١٠٥).
(٥) أخرجه البغوي من طريق إسماعيل بن عُليَّة به. (معالم التنزيل ٣٢١/٤) ولشطره الأول الموقوف شاهد في
صحيح مسلم (الصحيح، التفسير ح٣٠٢٢).

٢٣٢
سُورَةُ الحُشْرِ (١١، ١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الزهري: قال عمر ظُه: هذه لرسول الله ( 18 خاصة وقرى عربية فدك، وكذا مما أفاء الله على
رسوله من أهل القرى، فللَّه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللفقراء
المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم. ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ و الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ
جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاستوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق. قال
أيوب : - أو قال: حظّ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم(١). كذا رواه أبو داود وفيه انقطاع.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن أبو ثور، عن معمر، عن أيوب، عن
عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ
لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيهُ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ﴿وَأَعْلَمُواْ
أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى﴾ الآية [الأنفال: ٤١]. ثم قال: هذه لهؤلاء،
ثم قرأ ﴿َّ أَقَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ وَلِرَسُولِ وَلِذِى الْقُرَّ﴾ [الحشر: ٧] حتى بلغ ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَاَلْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ﴿وَالَّذِينَ جَلَّمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: استوعبت هذه
المسلمين عامة وليس أحد إلا له فيها حق ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي وهو بسرو حمير
نصيبه فيها لم يعرق فيها جبينه(٢).
﴿﴿ أَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوْ يَقُولُونَ لِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ
لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُمُ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوِّلْتُمْ لَنَصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ لَيِنْ أُخْرِجُوْ لَا
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ
يَخْرُونَ مَعَهُمْ وَلَيِن قُوتِلُواْ لَا يَصُرُونَهُمْ وَلَيْنِ نََّرُوهُمْ لَيُوَلْنَ اٌلْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ
رَهَبَةٌ فِي صُدُورِهِم ◌ِنَ اَللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (٣) لَا يُقَدِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ تُرَى تُحَصَّنَةٍ أَوَ مِن
وَرَآءِ جُدُّرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقَّىَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿ كَمَثَلِ
، كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا
١٥
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَرِيبّا ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمُ
فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَا
كَفَرَ قَالَ إِنِِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنَّّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
﴾.
وَذَلِكَ جَزَاؤُاْ الظَّالِمِينَ
يخبر تعالى عن المنافقين كعبد الله بن أبي وأضرابه حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم
النصر من أنفسهم فقال تعالى: ﴿أَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبٍ لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَبَ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوْنِلْتُمْ لَنَنَصُرَنَّكُمْ﴾ قال الله تعالى:
﴿وَلَّهُ يَنْهَدُ إِنَهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: لكاذبون فيما وعدوهم به إما لأنهم قالوا لهم قولاً، ومن نيتهم أن
لا يفوا لهم به، وإما لأنهم لا يقع منهم الذي قالوه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَيْن قُوْتِلُواْ لَا يَنَصُرُونَهُمْ﴾
أي: لا يقاتلون معهم ﴿وَلَيْنِ نَّصَرُوهُمْ﴾ أي: قاتلوا معهم ﴿لَيُّوَلُنَّ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُصَرُونَ﴾
وهذه بشارة مستقلة بنفسها، كقوله تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ فِي صُدُورِهِم مِّنَ اَللَّهِ﴾ أي: يخافون
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الخراج والإمارة، باب في تدوين العطاء ح ٢٩٦٦) وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥٧٠)، وفي سنده الزهري لم يسمع من عمر ظُه كما قرر الإمام أحمد بن
حنبل (ينظر المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٩٠) وهذا التصحيح لعله بالشواهد والطرق.
(٢) سنده ضعيف لضعف عكرمة بن خالد وهو ابن سلمة بن العاص المخزومي. (التقريب ص٣٩٦).

٢٣٣
• سُورَةُ المُشْرِ (١١، ١٧)
منكم أكثر من خوفهم من الله ﴿إِذَا فِقٌّ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ [النساء: ٧٧]
ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿لَا يُقَدِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِ قُرَى
تُّحَضَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدٍُ﴾ يعني: أنهم من جبنهم وهلعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإسلام
بالمبارزة والمقاتلة بل إما في حصون أو من وراء جدر محاصرين فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة.
ثم قال تعالى: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوتهم فيما بينهم شديدة، كما قال تعالى:
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] ولهذا قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقََّّ﴾ أي:
تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين وهم مختلفون غاية الاختلاف.
قال إبراهيم النخعي: يعني أهل الكتاب والمنافقين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ ثم قال
تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيَّا ذَاقُوْ وَبَلَ أَمْرِهِمْ وَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾.
قال مجاهد والسدي ومقاتل بن حيان: يعني كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر(١).
وقال ابن عباس: كمثل الذين من قبلهم يعني يهود بني قينقاع (٢)، وكذا قال قتادة ومحمد بن
إسحاق، وهذا القول أشبه بالصواب فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله وَّيقول قد أجلاهم قبل
هذا .
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ﴾ يعني:
مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم بالذين وعدوهم النصر من المنافقين وقول المنافقين لهم لئن
قوتلتم لننصرنكم، ثم لما حقت الحقائق وجد بهم الحصار والقتال، تخلوا عنهم وأسلموهم
للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول للإنسان - والعياذ بالله - الكفر، فإذا دخل فيما
سول له تبرأ منه وتنصل وقال: ﴿إِنّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ .
وقد ذكر بعضهم لههنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة
وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها، فقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن
أسلم، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت عبد الله بن نهيك قال:
سمعت علياً ظله يقول إن راهباً تعبَّد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه فعمد إلى امرأة
فأجنها، ولها إخوة فقال لإخوتها: عليكم بهذا القسِّ فيداويها، قال: فجاؤوا بها إليه فداواها
وكانت عنده، فبينما هو يوماً عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت، فعمد إليها فقتلها فجاء إخوتها،
فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك إنك أعييتني أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت
بك، فاسجد لي سجدة، فسجد له، فلما سجد له قال: إني بريء منك إني أخاف الله رب
العالمين، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِ بَرِعٌَّ مِّنْكَ إِنّ
(٣)
أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه عنعنة ابن إسحاق، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق به، وسنده صحيح، وأخرجه
الحاكم من طريق عبد الرزاق به وفيه ورد اسم حميد بن عبد الله بدلاً من عبد الله بن نهيك وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٨٤/٢، ٤٨٥).

٢٣٤
• سُورَةِ الحَشْرِ (١٨، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن
الأعمش، عن عمارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية ﴿كَمَثَلٍ
الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَا كَفَرَ قَالَ إِنِِّ بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
قال: كانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب،
قال: فنزل الراهب ففجر بها فحملت، فأتاه الشيطان فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل
مصدق يسمع قولك، فقتلها ثم دفنها قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام، فقال لهم: إن
الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا، فلما
أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا
بل قصها علينا. قال فقصّها فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك، فقال الآخر: وأنا والله لقد
رأيت ذلك، قالوا: فوالله ما هذا إلا لشيء قال: فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب،
فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به فلقيه الشيطان، فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه
غيري، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه، قال: فسجد له، فلما أتوا به ملكهم
تبرأ منه وأخذ فقتل(١). وكذا روي عن ابن عباس وطاوس ومقاتل بن حيان نحو ذلك، واشتهر
عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا. فالله أعلم.
وهذه القصة مخالفة لقصة جُريج العابد فإن جُريجاً اتهمته امرأة بَغي بنفسها، وادعت أن حملها
منه ورفعت أمرها إلى ولي الأمر فأمر به فأنزل من صومعته وخربت صومعته وهو يقول: ما لكم
ما لكم؟ قالوا: يا عدو الله فعلت بهذه المرأة كذا وكذا، فقال جُريج: اصبروا ثم أخذ ابنها وهو
صغير جداً، ثم قال: يا غلام من أبوك؟ قال: أبي الراعي، وكانت قد أمكنته من نفسها فحملت
منه، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك عظموه كلُّهم تعظيماً بليغاً، وقالوا: نعيد صومعتك من ذهب،
قال: لا بل أعيدوها من طين كما كانت(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَقِبَتَهُمَآ أَنَهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَأَ﴾ أي: فكان عاقبة الأمر بالكفر والفاعل
له ومصيرهما إلى نار جهنم خالدين فيها ﴿وَذَلِكَ جَزَاؤُاْ الظَّالِمِينَ﴾ أي: جزاء كل ظالم.
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ وَأَتَّقُواْ اللّهَّ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ
وَلَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمَّ أُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿٨َ لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ
النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآِزُونَ
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحَيفة، عن
المنذر بن جرير، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله وَّ ر في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة
عراة محتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مُضَر بل كلهم من مُضَر، فتغير وجه
رسول الله : ﴿ لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام الصلاة
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه.
(٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ظه. (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ
مَرْيَمَ إِذِ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] ح٣٤٣٦) وهذه القصة غير القصة السابقة.

٢٣٥
• سُورَّةُ الَشْرِ (١٨، ٢٠)
فصلى ثم خطب فقال: ﴿يَيُّهَا النَّاسُ أَنَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ... ﴾ [النساء: ١] إلى آخر
الآية، وقرأ الآية التي في الحشر ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تصدق رجل من ديناره من درهمه
من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: ((ولو بشق تمرة)) قال: فجاء رجل من الأنصار
بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت کومین من طعام وثياب،
حتى رأيت رسول الله ﴿﴿ يتهلَّل وجهه كأنه مُذْهَبة، فقال رسول الله وَّهِ: ((من سنَّ في الإسلام
سُنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في
الإسلام سُنَّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء))(١).
انفرد بإخراجه مسلم من حديث شعبة بإسناده مثله(٢)، فقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهُ﴾
أمر بتقواه وهو يشمل فعل ما به أمر وترك ما عنه زجر.
وقوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍ﴾ أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا
ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم ﴿وَتَّقُواْ اللّهُ﴾ تأكيد
ثانٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه
منكم خافية ولا يغيب من أموركم جليل ولا حقير.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُنُوا كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: لا تنسوا ذكر الله تعالى:
فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله الهالكون يوم القيامة الخاسرون
يوم معادهم، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُلْهِكُمْ أَقَوَلُكُمْ وَلَاَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُؤْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ [المنافقون].
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن [نجدة](٣) الحوطي،
حدثنا المغيرة، حدثنا جرير بن عثمان، عن نعيم بن نمحة قال: كان في خطبة أبي بكر
الصديق ظه: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل
وهو في عمل الله ◌َ فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله وَيّ، إن قوماً جعلوا آجالهم لغيرهم
فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم ﴿وَلَا تَكُنُواْ كَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أين: من تعرفون من
إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم وخلوا بالشقوة والسعادة، وأين الجبارون الأولون
الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى
عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه، إن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل
بيته فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَأْ وَكَانُوْ لَنَا
خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] لا خير في قول لا يُراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في
سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم(٤). هذا
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٨/٤) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة (ح ١٠١٧).
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((محمد)).
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ٦٠ ح٣٩) وقد حكم الحافظ ابن كثير بجودة سنده.

٢٣٦
• سُورَةُ الحَشْرِ (٢١، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إسناد جيد ورجاله كلهم ثقات، وشيخ جرير بن عثمان وهو نعيم بن نمحة لا أعرفه بنفي ولا
إثبات، غير أن أبا داود السجستاني قد حكم بأن شيوخ جرير كلهم ثقات، وقد روي لهذه الخطبة
شواهد من وجوه أُخَر، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَضْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ﴾ أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في
حكم الله تعالى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُوْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءَ تَّخْيَهُمْ وَمَمَاتُهُمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾﴾ [الجاثية] وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى
اُلْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَلَا الْمُسِىِّءُ قَلِيلًا مَّا نَتَذَكَّرُونَ (@)﴾ [غافر] وقال
تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
٣٨
[ص] في آيات أخر دالات على أن الله تعالى يكرم الأبرار ويهين الفجار، ولهذا قال تعالى لههنا:
﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآَيِزُونَ﴾ أي: الناجون المسلمون من عذاب الله رَ.
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلِ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ اْأَمْثَلُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ
الرَّحِيمُ ﴿ هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ
هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ الْأَسْمَةُ الْحُسْنَىَّ يُسَبِّحُ لَهُمْ
الْمُتَكَبِرَّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ
مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)
يقول تعالى معظماً لأمر القرآن ومبيناً علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند
سماعه، لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّّأَيْتَهُ خَشِعًا
مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه
لخشع وتصدع من خوف الله ، فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع
وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ
نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ .
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّأَنْتَهُ خَشِعًا
مُتَصَدِّعًا﴾ إلى آخرها يقول: لو أني أنزلتُ هذا القرآن على جبل حملته إياه لتصدع وخشع من
ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع،
ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ اْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾(١) وكذا قال قتادة وابن جرير(٢).
وقد ثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله و ﴿ لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف
إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع وجاء النبي ◌َّ ليخطب
فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حنَّ الجذع وجعل يئنُ كما يئن الصبي الذي يسكت لما
كان يسمع من الذكر والوحي عنده(٣)، ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ومعناه صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بمعناه.
(٣) أخرجه البخاري (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة ح ٣٥٨٣، ٣٥٨٥).

٢٣٧
• سُوْدَّةُ الحُشْرِ (٢١، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إيراده: فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله و 18 من الجذع وهكذا هذه الآية الكريمة إذا كانت
الجبال الصمُّ لو سمعت كلام الله وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم
وفهمتم؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِمَ بِ الْمَوْقَىّ﴾
الآية [الرعد: ٣١]. وقد تقدم أن معنى ذلك؛ أي: لكان هذا القرآن، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ
اُلِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَرُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَفَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءً وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهُ﴾
[البقرة: ٧٤].
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِىِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
(٢٢)
أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا ربَّ غيره ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه
فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة؛ أي: يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا،
فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير حتى الذرّ في
الظلمات .
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير بما أغنى عن
إعادته لهُهنا، والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا
والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وقال تعالى:
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةً﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ فَيَفْرَحُواْ
(٩٨) ﴾ [يونس].
هُوَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ﴾ أي: المالك لجميع الأشياء المتصرف
فيها بلا ممانعة ولا مدافعة.
وقوله تعالى: ﴿اَلْقُدُّوسُ﴾ قال وهب بن منبه: أي الطاهر.
وقال مجاهد وقتادة: أي: المبارك(١).
وقال ابن جريج: تقدسه الملائكة الكرام ﴿السَّلَمُ﴾ أي: من جميع العيوب والنقائص لكماله
في ذاته وصفاته وأفعاله.
وقوله تعالى: ﴿اَلْمُؤْمِنُ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: أي: [أمن خلقه من](٢) أن يظلمهم(٣).
وقال قتادة: أمن بقوله أنه حق (٤).
وقال ابن زيد: صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به(٥) .
وقوله تعالى: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ .
قال ابن عباس وغير واحد: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم(٦)، بمعنى هو رقيب عليهم
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((الشهيد)).

٢٣٨
• سُورَةِ الحُشِ (٢١، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩]. وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]
وقوله: ﴿أَفَنْ هُوَ قَابِهُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الآية [الرعد: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿اَلْعَزِيزُ﴾ أي: الذي قد عزَّ كل شيء فقهره وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته
وعظمته وجبروته وكبريائه، ولهذا قال تعالى: ﴿اَلْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ أي: الذي لا تليق الجبرية إلا
له ولا التكبر إلا لعظمته، كما تقدم في الصحيح: («العظمة إزاري والكبرياء رادئي فمن نازعني
واحداً منهما عذبته))(١).
(٢)
وقال قتادة: ﴿اَلْجَبَّارُ﴾ الذي جبر خلقه على ما يشاءُ
وقال ابن جرير: ﴿اَلْجَبَّارُ﴾ المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم (٣). وقال
قتادة: ﴿الْمُتَكَبِرُ﴾ يعني: عن كل شر(٤)، ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقوله
تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرِّ﴾ الخلق التقدير والبرء هو [الفري](٥)، وهو التنفيذ وإبراز
ما قدره وقرره إلى الوجود وليس كل من قدر شيئاً ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ريق.
قال الشاعر(٦) يمدح آخر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
أي: أنت تنفذ ما خلقت؛ أي: قدرت، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق التقدير
والفري التنفيذ، ومنه يقال: قدر الجلَّاد ثم فرى؛ أي: قطع على ما قدره بحسب ما يريده.
وقوله تعالى: ﴿اَلْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرِّ﴾ أي: الذي أراد شيئاً قال له كن فيكون على الصفة التي
يريد، والصورة التي يختار كقوله تعالى: ﴿فِيّ أَِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رََّبَكَ
[الإنفطار] ولهذا قال:
﴿اَلْمُصَوَّرِّ﴾ أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ قد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف (٧). ونذكر
الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة، عن رسول الله وَلين: ((إن الله تعالى تسعة وتسعين
اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر)). وتقدم سياق الترمذي
وابن ماجه له عن أبي هريرة أيضاً وزاد بعد قوله: ((وهو وتر يحب الوتر)). واللفظ للترمذي:
(«هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن،
العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح،
العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل،
اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت،
(١) أخرجه مسلم (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الكبر ح ٢٦٢٠).
(٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٣) ذكره الطبري.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((الذي)).
(٦) هو زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان، والبيت في ديوانه ص٩٤.
(٧) آية ١٨٠.

٢٣٩
سُورَةُ الحُشْرِ (٢١، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث،
الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي،
المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم،
المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو،
الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي،
المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور)). وسياق ابن
ماجه بزيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وقد قدمنا ذلك مبسوطاً مطولاً بطرقه وألفاظه بما أغنى عن
إعادته ههنا(١).
وقوله تعالى: ﴿يُسَيِّحُ لَكُم مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ كقوله تعالى: ﴿تُسَعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن
فِيِهِنَّ وَإِن مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَّعُ بِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٣)﴾ [الإسراء] وقوله
تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: فلا يُرام جنابه ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في شرعه وقدره.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا خالد يعني: ابن طهمان [أبو
العلاء](٢) الخفاف، حدثنا نافع بن أبي نافع، عن معقل بن يسار، عن النبي صل﴿ قال: ((من قال
حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ ثلاث آيات من
آخر سورة الحشر وكّل الله به سبعين ألف مَلَك يصلون عليه حتى يُمسي، وإن مات في ذلك اليوم
مات شهيداً، ومن قالها حين يُمسي كان بتلك المنزلة))(٣). ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان،
عن أبي أحمد الزبيري به. وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٤).
آخر تفسير سورة الحشر.
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٠.
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((أبو المعلا)).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢١/٣٣ ح ٢٠٣٠٦) وضعفه محققوه لضعف خالد بن طهمان.
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، ثواب القرآن، باب فضل آخر سورة الحشر ح٢٩٢٣) وسنده ضعيف.
کسابقه.

٢٤٠
• سورة الممتحنة (٣،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 000000 000000000
00000
سُورَةُ الْمُتَّحِنَّةِ
وهي مدنية
بير ه الرحمن الرحيم
﴿وَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدّ كَفَرُواْ بِمَا جَكُمْ مِّنَ
اٌلْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُمْ خَحْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِيِ وَأَبِغَاءَ مَرْضَائِيْ فُسِيرُونَ
إِلَتْهِم بِلْمَوَقَّةِ وَأَنَأْ أَعْلَمُ بِمَّ أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمَّ وَمَن يَفْعَلَّهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَّةَ السَّبِيلِ ﴿ إِن يَثْقَفُوُمْ بِكُونُواْ
لَكُمْ أَعْدَاءُ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلَِْهُم ◌ِلُّوْءِ وَوَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ ( لَنْ تَفَعَكُمْ أَرْحَامُّكُمْ وَلَ أَكُمْ يَوْمَ
اٌلْقِيَمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)
كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطباً هذا
كان رجلاً من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضاً، وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من
قريش أنفسهم، بل كان حليفاً لعثمان، فلما عزم رسول الله وَّر على فتح مكة لما نقض أهلها
العهد، فأمر النبي وَ﴿ المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال: ((اللَّهم عَمِّ عليهم خبرنا))(١) فعمِد حاطب
هذا فكتب كتاباً وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله وَّ ر من
غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يداً، فأطلع الله تعالى على ذلك رسول الله ﴿ استجابة لدعائه،
فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته.
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمه، أخبرني حسن بن محمد بن علي، أخبرني عبد الله بن
أبي رافع وقال مرة: إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره أنه سمع علياً ته يقول: بعثني رسول الله وَله
أنا والزبير والمقداد فقال: ((انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ(٢) فإن بها ظعينة(٣) معها كتاب فخذوه
منها، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة قلنا: أخرجي الكتاب،
قالت: ما معي كتاب، قلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من
عقاصها(٤)، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله و ﴿ فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من
المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله وَله، فقال رسول الله وَله: ((يا حاطب ما هذا؟))
(١) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٤٣٥/٢٣) بسند ضعيف فيه يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف
(مجمع الزوائد ١٦٧/٦) والقصة سردها ابن هشام (السيرة النبوية ٨٥٢/٤).
(٢) روضة خاخ: موضع على اثني عشر ميلاً من المدينة. والميل ثلاثة آلاف ذراع أو أربعة آلاف ذراع.
(المقادير في الفقه الإسلامي ص٧٠).
(٣) أي: امرأة.
(٤) أي: من ذوائبها المضفورة.