النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ • سُورَةُ الجَادْلَةِ (١٠،٥) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 000 ] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, كُوْ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ وَقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍّ وَلْكَفِرِينَ ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ عَذَابٌ مُهِينٌ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُنُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْفَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ فَُ يُنْتِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ يخبر تعالى عمَّن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه ﴿كُبِتُوْ كَمَا كُبْتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: أهينوا ولُعنوا وأُخزوا كما فعل بمن أشبههم ممن قبلهم ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتِ بَيِّنَتٍ ﴾ أي: واضحات لا يعاندها ولا يخالفها إلا كافر فاجر مكابر ﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في مقابلة ما استكبروا عن اتباع شرع الله والانقياد له والخضوع لديه. ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ وذلك يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد ﴿فَيْنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ أي: فيخبرهم بالذي صنعوا من خير وشر. ﴿أَخْصَلَهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ أي: ضبطه الله وحفظه عليهم وهم قد نسوا ما كانوا عملوا ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: لا يغيب عنه شيء ولا يخفى ولا ينسى شيئاً، ثم قال تعالى مخبراً عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا فقال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ أي: من سِرِّ ثلاثة ﴿إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَّ أَدْفَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ أي: مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرَّهم ونجواهم ورسله أيضاً مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له، كما قال تعالى: ﴿أَمَّ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَدُهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّهُمُ الْغُيُوبِ [التوبة] وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَتَوَهُمَّ بَى وَرُسُلُنَا لَدَيِهِمْ يَكْثُبُونَ ﴾﴾ [الزخرف] ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضاً مع علمه بهم محيط بهم وبصره نافذ فيهم فهو جَلَ مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وقال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم. ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَجَوْنَ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُمَّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَتَّمُ يَصْلَوْنَهَّا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ فَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَجَيْتُمْ فَلَا تَتَجَوْ بِلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجّأْ بِلِيرِ وَالنَّقْوَىّ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ مُشَرُونَ ﴿﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ ١٠ بِضَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ الَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿أَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ قال اليهود(١)، وكذا قال مقاتل بن حيان وزاد: كان بين النبي ◌َ﴿ وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مرَّ (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به. ٢٠٢ • سُورَةُ المُجَادِلَةِ (٨، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بهم الرجل من أصحاب النبي ◌َّير جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله أو بما يكره المؤمن، فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم، فنهاهم النبي ◌َّر عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعْوُدُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الخزامي، حدثني سفيان بن حمزة، عن كثير بن زيد، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله وَقو نبيت عنده يطرقه من الليل أمر وتبدو له حاجة فلما كانت ذات ليلة كثر أهل النوب والمحتسبون حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله صل* فقال: «ما هذه النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوى؟)) قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله، إنا كنا في ذكر المسيح فرقاً منه. فقال: ((ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟)) قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ((الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل))(٢). هذا إسناد غريب وفيه بعض الضعفاء. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَوْنَ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي: يتحدثون فيما بينهم ﴿ بِالْإِثْمِ﴾ وهو ما يختص بهم ﴿وَالْعُدْوَنِ﴾ وهو ما يتعلق بغيرهم، ومنه معصية الرسول ومخالفته يصرون عليها ويتواصون بها وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اَللَّهُ﴾ . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن مسروق، عن عائشة قالت: دخل على رسول الله ولي﴿ يهود فقالوا السام عليك يا أبا القاسم فقالت عائشة: وعليكم السام قالت: فقال رسول الله وَله: (يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)) قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟ فقال رسول الله يتطاير: ((أو ما سمعت أقول وعليكم)) فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحِيِّكَ بِهِ اَللَّهُ﴾(٣). وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة(٤)، وأن رسول الله وَلقر قال: ((إنه يُستجاب لنا فيهم، ولا يُستجاب لهم فینا)). وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن رسول الله وَلول بينما هو جالس مع أصحابه إذ أتى عليهم يهودي، فسلم عليهم فرَدُّوا عليه فقال نبي الله وَّر: ((هل تدرون ما قال؟)) قالوا: سلَّم يا رسول الله. قال: ((بل قال: سام عليكم)) أي: تسامون دينكم. قال رسول الله وَله: ((ردُّوه)) فردُوه عليه فقال نبي الله ((أقلت: سام عليكم؟)) قال: نعم، فقال رسول الله وَليقول: ((إذا سلَّم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك))(٥). أي: عليك (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وهو معضل. (٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق كثير بن زيد به (المسند ٣٥٤/١٧، ٣٥٥ ح ١١٢٥٢) وضعف سنده محققوه لضعف كثير بن زيد ورُبیح بن عبد الرحمن. (٣) سنده صحيح وأخرجه مسلم من طريق مسلم أبي الضحى عن مسروق عن عائشة بنحوه (الصحيح، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام ح٢١٦٥). (٤) أخرجه الشيخان بدون لفظ: والذام. (صحيح البخاري، الدعوات، باب الدعاء على المشركين ح ٦٣٩٥، وصحيح مسلم، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (ح٢١٦٤). (٥) سنده صحيح. ٢٠٣ سُورَةُ المُجَادِلَةِ (٨، ١٠) ما قلت، وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح(١). وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة بنحوه(٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِيَّ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يفعلون هذا ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم لو كان هذا نبياً لعذبنا الله بما نقول له في الباطن لأن الله يعلم ما نسرُّه، فلو كان هذا نبياً حقاً لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا(٣)، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: جهنم كفايتهم في الدار الآخرة ﴿يَصْلَوْنَها فِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر، أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله وَله: سامٌ عليكم، ثم يقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوَكَ بِمَا لَرِ يُحِكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىّ أَنَفْسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اَللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. إسناد حسن ولم يخرجوه. وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَإِذَا جَاءُوَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله وَي﴿ إذا حيوه: سامٌ عليك. قال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَّا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(٤). ثم قال الله تعالى مؤدباً عباده المؤمنين أن لا يكونوا مثل الكفرة والمنافقين: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِذَا تَجَيْتُمْ فَلَ تَنَجَوْ بِلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين ﴿وَتَجَّوْ بِالْرّ وَالنَّقْوَىّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ مُشَرُونَ﴾ أي: فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم وسيجزيكم بها . قال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا: أخبرنا همام، عن قتادة، عن صفوان بن محرز قال: كنت آخِذاً بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله وَ ◌ّ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله 983 يقول: ((إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]))(٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة(٦). (١) صحيح البخاري، استتابة المرتدين، باب إذا عرَّض الذمي ... (ح ٦٩٢٦). (٢) تقدم تخريجه عن عائشة في الروايات قبل السابقة. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٠)، وحسن سنده الحافظ ابن كثير. وقال الهيثمي إسناده جيد (مجمع الزوائد ٧/ ١٥٧). (٤) أخرجه الطبري بسنده ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧٤/٢) وسنده صحيح. (٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَدُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ ... ﴾ [هود: ١٨] (ح ٤٦٨٥)، وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (ح٢٧٦٨). ٢٠٤ • سُورَةُ الْجَارَةِ (١١) ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْرَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى أي: إنما النجوى وهي: المُسارّة حيث يتوهم مؤمن بها سوءاً ﴿مِنَ اُللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ أي: ليسوءهم وليس ذلك بضارهم شيئاً إلا بإذن الله، ومن أحسَّ من ذلك شيئاً فليستعذ بالله وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله. وقد وردت السنة بالنهي عن التناجي حيث يكون في ذلك تأذ على مؤمن، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وأبو معاوية قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَهو: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه))(١). أخرجاه من حديث الأعمش(٢). وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه))(٣). انفرد بإخراجه مسلم، عن أبي الربيع وأبي كامل، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أيوب به(٤) . ] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَّفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنْشُرُواْ يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَيرٌ ﴾﴾ . يقول تعالى مؤدباً عباده المؤمنين وآمراً لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَّفَسَحُواْ فِ الْمَجَِسِ﴾ وقُرئ (في المجلس)(٥). ﴿فَأَفْسَعُوْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل كما جاء في الحديث الصحيح: ((من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة))(٦) وفي الحديث الآخر: ((ومن يسَّر على مُعسِّر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))(٧) ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلاً ضنُّوا بمجالسهم عند رسول الله وَّة، فأمرهم الله تعالى أن يفسح بعضهم لبعض (٨). وقال مقاتل بن حيان: أُنزلت هذه الآية يوم الجمعة، وكان رسول الله * يومئذ في الصُّفة (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣١/١) وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، الاستئذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارَّة والمناجاة (ح ٦٢٩٠) وصحيح مسلم، السلام، باب تحريم مناجاة الإثنين دون الثالث بغير رضاه (ح ٢١٨٤). (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٢٦/١١ رقم ١٩٨٠٦) وسنده صحيح. (٤) صحيح مسلم، الباب السابق (ح٢١٨٣). (٥) وهي قراءة متواترة. (٦) أخرجه البخاري ومسلم من حديث عثمان رؤيته (صحيح البخاري، الصلاة، باب من بنى لله مسجداً ح٤٥٠، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل بناء المساجد والحث عليها ح٥٣٣). (٧) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﴿ه (الصحيح، الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ح٢١٩٩). (٨) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وسنده مرسل. ٢٠٥ سُورَةُ المجادلة (١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوه إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله و ﴿ فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فردَّ النبي ◌َّ عليهم، ثم سلَّموا على القوم بعد ذلك فردُوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ◌َّ ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم، فشقَّ ذلك على النبي ◌َّ فقال: لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: ((قُم يا فلان وأنت يا فلان)) فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هُم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشقَّ ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي ◌ّ﴿ الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قد عدل على هؤلاء، إن قوماً أخذوا مجالسهم وأحبوا القرب من نبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه، فبلغنا أن رسول الله وَ لاه قال: ((رحم الله رجلاً يفسح لأخيه)) فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعاً فيفسح القوم لإخوانهم، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة (١). رواه ابن أبي حاتم. وقد قال الإمام أحمد والشافعي: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله وَير قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا)). وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع به(٢). وقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وسلم قال: ((لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ولكن ليقل: افسحوا))(٣). على شرط السنن ولم يخرجوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا فليح، عن أيوب، عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ- قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يفسح الله لكم)) (٤). ورواه أيضاً عن [سُريج](٥) بن يونس ويونس بن محمد المؤدب، عن فليح به ولفظه: ((لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم))(٦). تفرد به أحمد. وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص في ذلك (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لأنه معضل. (٢) صحيح البخاري، الاستئذان، باب ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُواْ ... ﴾ [المجادلة: ١١] (ح ٦٢٧٠) وصحيح مسلم، السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه (ح٢١٧٧). (٣) أخرجه الإمام الشافعي (المسند رقم ٦٦٥) وفي سنده سليمان بن موسى صدوق في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته. (التقريب ص٢٥٥) وخالف ما في الصحيحين بتقييده بيوم الجمعة. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥٣/١٦ ح ١٠٧٧٦) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن. (٥) سُريج: كذا في المسند وفي النسخ الخطية صحف إلى: ((شريح)). (٦) أخرجه الإمام أحمد عن سُريج عن فليح به (المسند ١٨٦/١٦ ح١٠٢٦٦) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، وأخرجه أيضاً عن يونس عن فليح به (المسند ١٧٢/١٤ ح ٨٤٦٢) وقال محققوه: إسناده حسن . ٢٠٦ • سُوَرَّةُ الْجَادِلَةِ (١١) محتجاً بحديث: ((قوموا إلى سيدكم)) (١)، ومنهم من منع من ذلك محتجاً بحديث: ((من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار))(٢)، ومنهم من فصل فقال: يجوز عند القدوم من سفر وللحاكم في محل ولايته، كما دلَّ عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي حاكماً في بني قريظة فرآه مقبلاً قال للمسلمين: ((قوموا إلى سيدكم)) وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه والله أعلم. فأما اتخاذه ديدناً فإنه من شعار العجم، وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله وَير، وكان إذا جاء لا يقومون له لما يعلمون من كراهته لذلك(٣). وفي الحديث المروي في السنن أن رسول الله وَله كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن . يجلسون منه على مراتبهم، فالصديق حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، فكان الصحابة يجلسه عن يمينه وعمر عن يساره، وبين يديه غالباً عثمان وعلي لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهما بذلك كما رواه مسلم من حديث الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن أبي مسعود أن رسول الله وم * كان يقول: ((ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم))(٤). وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر، إما لتقصير أولئك في حق البدريين أو ليأخذ البدريون من العلم نصيبهم، كما أخذ أولئك قبلهم أو تعليماً بتقديم الأفاضل إلى الأمام. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير التيمي، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﴿ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافاً(6)، وكذا رواه مسلم وأهل السنن إلا الترمذي من طرق عن الأعمش به (٦)، وإذا كان هذا أمره لهم في الصلاة أن يليه العقلاء منهم والعلماء فبطريق الأولى أن يكون ذلك في غير الصلاة. وروى أبو داود من حديث معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَخيلة قال: ((أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشياطين ومن وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله)(٧). ولهذا كان أبي بن كعب سيد القراء إذا انتهى إلى الصف الأول انتزع منه رجلاً (١) أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري تظله. (صحيح البخاري، الجهاد، باب إذا نزل العدو على حكم رجل ح ٣٠٤٣، وصحيح مسلم، الجهاد، باب جواز قتال من نقض العهد ح١٧٦٨). (٢) أخرجه أبو داود من حديث معاوية رظه (السنن، الأدب، باب في قيام الرجل للرجل ح٥٢٢٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٥٧). (٣) أخرجه الترمذي من حديث أنس به (السنن، الاستئذان، باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل ح٦ ٢٧٥) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٢١١). (٤) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود به (الصحيح، الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها .. ح ١٢٣/٤٣٢). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ١٢٢/٤) وسنده صحيح. (٦) صحيح مسلم، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح ٤٣٢). (٧) سنن أبي داود، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح ٦٦٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٦٢٠). ٢٠٧ • سُورَةُ الجَادِلَةِ (١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يكون من أفناد الناس(١)، ويدخل هو في الصف المتقدم ويحتج بهذا الحديث: ((ليليني منكم أولو الأحلام والنهى))(٢) وأما عبد الله بن عمر فكان لا يجلس في المكان الذي يقوم له صاحبه عنه عملاً بمقتضى ما تقدم من روايته الحديث الذي أوردناه، ولنقتصر على هذا المقدار من الأنموذج المتعلق بهذه الآية، وإلا فبسطه يحتاج إلى غير هذا الموضع. وفي الحديث الصحيح: بينا رسول الله وَ﴿ جالس إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الآخر فجلس وراء الناس، وأدبر الثالث ذاهباً فقال رسول الله وَليته : ((ألا أنبئكم بخبر الثلاثة، أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه)) (٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا عتاب بن زياد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَّل﴿ قال: ((لا يحلُّ لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما))(٤). ورواه أبو داود والترمذي من حديث أسامة بن زيد الليثي به، وحسنه الترمذي(٥) . وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري وغيرهما أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ نَّفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: في مجالس الحرب(٦). قالوا: ومعنى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنشُزُواْ﴾ أي: انهضوا للقتال. وقال قتادة: ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنْشُرُواْ﴾ أي: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا(٧). وقال مقاتل: إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا إليها . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي وَلّر في بيته فأرادوا الانصراف، أحبَّ كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجاً من عنده، فربما يشقُّ ذلك عليه،عَلَّهُ وقد تكون له الحاجة فأُمروا أنهم إذا أُمروا بالانصراف أن ينصرفوا(٨) كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ فَأَرْجِعُواْ﴾ [النور: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا (١) إفناد الناس: أي فرقاً من الناس فرادى بلا إمام. (النهاية ٤٧٥/٣). (٢) تقدم تخريجه قبل روایتین. (٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي واقد الليثي نظرته. (صحيح البخاري، العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس ح٦٦، وصحيح مسلم، السلام، باب من أتى مجلساً فوجد فرجة فجلس فيها ح٢١٧٦). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٧٦/١١، ٥٧٧ ح٦٩٩٩) وحسن سنده محققوه. (٥) سنن أبي داود، الأدب، باب في تنزيل الناس منازلهم (ح ٤٨٤٥)، وسنن الترمذي، الأدب، باب ما جاء في كراهية الجلوس بين رجلين بغير إذنهما (ح٥٧٥٣) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٤٠٥٤). (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه أيضاً الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن. (٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٨) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات من طريق ابن وهب عن ابن زيد بنحوه، وسنده ضعيف لأنه معضل. ٢٠٨ • سُورَةُ المُجَادِلَةِ (١٢، ١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 تعتقدوا أنه إذا أفسح أحد منكم لأخيه إذا أقبل أو إذا أمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصاً في حقه بل هو رفعة ورتبة عند الله، والله تعالى لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة، فإن من تواضع لأمر الله رفع الله قدره ونشر ذكره، ولهذا قال تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه . وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى رجل من موالينا، فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله عالم بالفرائض قاضٍ، فقال عمر الله: أما إن نبيكم وَ ﴿ قد قال: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب قوماً ويضع به آخرين))(١). وهكذا رواه مسلم من غير وجه عن الزهري به(٢)، وروي من غير وجه عن عمر بنحوه، وقد ذكرت فضل العلم وأهله وما ورد في ذلك من الأحاديث مستقصاة في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، ولله الحمد والمنة. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجَيْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَلْهَرُّ فَإِنِ لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِمُ ﴿ وَأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَكُمْ صَدَقَتٍ فَإِذْ لَ تَفْعَلُوْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الضَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٌ، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله وَلقر؛ أي: يسارّه فيما بينه وبينه، أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَظْهَرُّ﴾ ثم قال تعالى: ﴿فَإِن ◌َّوْ تِدُواْ﴾ أي: إلا من عجز عن ذلك لفقره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ﴾ فما أمر بها إلا من قدر عليها. ثم قال تعالى: ﴿وَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَى نَجْوَنَكُمْ صَدَقَتٍ﴾ أي: أخفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوْ اَللَّهَ وَرَسُولَهْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فنسخ وجوب ذلك عنهم، وقد قيل: إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب نظ ◌ُه. قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: نُهوا عن مناجاة النبي وَّ حتى يتصدقوا فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب قدم ديناراً صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي وَالر، فسأله عن عشر خصال ثم أُنزلت الرخصة(٣)، وقال ليث بن أبي سُليم: عن مجاهد قال علي ◌َُّه: آية في كتاب الله وَّ لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم، فكنت إذا (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه. (المسند ٣٥/١) وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (ح ٨١٧). (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به بدون: فسأله عشر خصال، وسنده ضعيف لأن مجاهداً لم يسمع من علي به ولكنه يتقوى بالرواية الموصولة التي أخرجها الحاكم من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي ظُله بنحوه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٨١/٢، ٤٨٢). ٢٠٩ • سُورَةُ المُجَادِلَةِ (١٢، ١٣) ناجيت رسول الله 8* تصدقت بدرهم، فنسخت ولم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةً﴾(١) الآية. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنماري، عن علي رضيُه قال: قال النبي ◌ٍَّ: ((ما ترى، دينار؟)) قال: لا يطيقون. قال: ((نصف دينار)) قال: لا يطيقون. قال: ((ما ترى))؟ قال: شعيرة. فقال له النبي وَلجر: ((إنك لزهيد)) قال: فنزلت ﴿َأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَنَّ﴾ قال علي: فبي خفَّف الله عن هذه الأمة (٢). ورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع، عن يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنماري، عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا فَجْهُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَّكُمْ صَدَقَةٌ﴾ إلى آخرها قال لي النبي ◌َّ: ((ما ترى، دينار)) قلت: لا يطيقونه وذكره بتمامه مثله، ثم قال: هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، ثم قال: ومعنى قوله: شعيرة، يعني: وزن شعيرة من ذهب(٣). ورواه أبو يعلى، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم به (٤). وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا نَجْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَلَكُمْ صَدَقَةٌ﴾ إلى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَ ». كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة فلما نزلت الزكاة نسخ هذا(٥). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾ وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ◌َ﴿ حتى شقّوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه عليّلها، فلما قال ذلك جَبُن كثير من المسلمين وكفُّوا عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا ﴿ءَأَشْفَقْتُ أَنْ تُقَدِّعُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَتَّ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا الزَّكَوَةَ﴾ فوسع الله عليهم ولم يضيق(٦). وقال عكرمة والحسن البصري في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَكُمْ صَدَقَةٌ ﴾ نسختها الآية التي بعدها ﴿وَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِعُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَّ ... ﴾ إلى آخرها(٧). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله وَلفل حتى أحفوه (١) أخرجه الطبري من طريق ليث به، وفيه العلة السابقة وليث فيه مقال، ويتقوى برواية الحاكم السابقة. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن علقمة: مقبول (التقريب ص٤٠٤)، وسنده ضعيف. (٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة المجادلة ح ٣٣٠٠) وسنده كسابقه، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح٦٥٢). (٤) مسند أبي يعلى ٣٢٢/١ (ح ٤٠٠) وفي سنده أيضاً علي بن علقمة. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما تقدم في رواية الحاكم، وما يليه. (٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٧) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف ولكنه يتقوى إذ توبع في رواية ابن الجوزي فقد أخرجه بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس. (نواسخ القرآن ص٤٧٩). ٢١٠ سُورَةُ المُجَادِلَةِ (١٤، ١٩) 0000000000000000000000 بالمسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله وَ لا فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك ﴿فَإِ لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١). وقال معمر، عن قتادة ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ غَجْوَنَكُمْ صَدَقَّةٌ ﴾ إنها منسوخة ما كانت إلا ساعة من نهار(٢). وهكذا روى عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن مجاهد قال علي: ما عمل بها أحد غيري حتى نُسخت، وأحسبه قال: وما كانت إلا ساعة(٣). أَلَوْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مَا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَلَّةَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ أَتَّخَذُواْ أَيْمَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿٨) لَنْ تُغِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُ مِّنَ اللَّهِ شَيْئَّأْ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ (٨) أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ يَوْمَ يَبْعَُّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَعْطِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُّ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ الشَّيْطَانُ فَأَنَهُمْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّتْطِنِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَبِرُونَ يقول الله تعالى منكراً على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن. وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين كما قال تعالى: ﴿ُّذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَّا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ (٣)﴾ [النساء] وقال لههنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ يعني: اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا اليهود الذين كان المنافقون يمالؤونهم ويوالونهم في الباطن. ثم قال تعالى: ﴿مَّا هُم مِّنَكُمْ وَلَا مِنْهُمّ﴾ أي: هؤلاء المنافقون ليسوا في الحقيقة منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين يوالونهم وهم اليهود، ثم قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: المنافقين يحلفون على الكذب، وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين عياذاً بالله منه، فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، وإذا جاؤوا الرسول حلفوا له بالله إنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به؛ لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه وإن كان في نفس الأمر مطابقاً، ولهذا شهد الله بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك. ثم قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَمْ عَذَابًا شَدِيدًاً إِنَّهُمْ سَلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾﴾ أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة وهي موالاة الكافرين ونصحهم ومعاداة المؤمنين، وغشهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَهُمْ جُنَّةُ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظنَّ كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغترَّ بهم، فحصل بهذا صدٌّ عن سبيل الله لبعض الناس ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة. (١) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ورجاله ثقات لكنه مرسل وذكر الرخصة يتقوى بسابقه، وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن مقاتل، وسنده معضل. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. ٢١١ سُورَّةُ المجادلة (١٤، ١٩) ثم قال تعالى: ﴿لَّنْ تُفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُ مِّنَ الَّهِ شَيْئَّأْ﴾ أي: لن يدفع ذلك عنهم بأساً إذا جاءهم ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ جَميعًا﴾ أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحداً ﴿فَيْطِفُونَ لَمُرُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَنَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ أي: يحلفون بالله وت أنهم كانوا على الهدى والاستقامة كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس، فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة ولهذا قال: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَهُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾ أي: حلفهم بذلك لربهم ێت. ثم قال تعالى منكراً عليهم حسبانهم: ﴿أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ فأكَّد الخبر عنهم بالكذب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير، عن سماك بن حرب، حدثني سعيد بن جبير، أن ابن عباس حدثه أن النبي وَليو كان في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين قد كاد يقلص عنهم الظلّ قال: ((إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان فإذا أتاكم فلا تكلموه)) فجاء رجل أزرق فدعاه رسول الله فكلمه فقال: ((علامَ تشتمني أنتَ وفلان وفلان)) نفر دعاهم بأسمائهم، قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال فأنزل الله رقم: ﴿فَطِفُونَ لَهُّ كُمَا يَحِقُونَ لَكُمْ وَنَحْسَبُونَ أَهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾(١) . وهكذا رواه الإمام أحمد من طريقين عن سماك به، ورواه ابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن غُندُر، عن شعبة، عن سماك به نحوه، وأخرجه أيضاً من حديث سفيان الثوري، عن سماك بنحوه(٢). إسناد جيد ولم يخرجوه، وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَلَّهِ رَيْنَا مَا كُنََّ مُشْرِكِينَ ﴿٣ أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوْ عَلَى أَنْفُسِمٌّ وَضَلَ عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿4﴾ [الأنعام]. ثم قال تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنَسَنُهُمْ ذِكْرِ اللّهِ﴾ أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله ﴾3، وکذلك يصنع بمن استحوذ علیه، ولهذا قال أبو داود: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زائدة، حدثنا [السائب بن حُبيش](٣)، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله وَ * يقول: ((ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية)) قال زائدة: قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة(٤). ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَكَ حِزْبُ الشَّيْطَيِنِ﴾ يعني: الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ثم قال تعالى: ﴿أَلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَيْنِ هُمُ الْخَبِرُونَ﴾ . (١) سنده حسن وأخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة عن سماك به (المسند ٤٨/٤ ح ٢١٤٧) وحسن سنده محققوه، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٨٢/٢). (٢) أخرجه الطبري من هذه الطرق، وحكمه كسابقه. (٣) كذا في (ح) و(حم) وسنن أبي داود، وفي الأصل صُحف إلى: ((السائب بن حنيس)). (٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة ح ٥٤٧) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥١١). ٢١٢ سُورَةُ المجادلة (٢٢،٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ ٢٠ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآَذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ فِىِ الْأَذَلِينَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴿®َ لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ يُوَاذُونَ مَنْ حَادَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَانَ وَأَنَّدَهُم بِرُوحٍ مِنَةٌ وَيُدِْلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَعْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاْ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَهِكَ حِزِبُ اللَّهِ ٠ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْفْلِحُونَ يقول تعالى مخبراً عن الكفار المعاندين المحادِّين لله ورسوله؛ يعني: الذين هم في حدّ والشرع في حدّ؛ أي: مجانبون للحقِّ مشاقون له هم في ناحية والهدى في ناحية ﴿أُوْلَئِكَ فِى اٌلْأَذَلِينَ﴾ أي: في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب الأذلِّين في الدنيا والآخرة. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا وَرُسُلِيَّ﴾ أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول وقدره الذي لا يخالف ولا يمانع ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة وأن العاقبة للمتقين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ ﴿ بَوَمَ لَا يَنَفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ (63)﴾ [غافر] وقال لههنا: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَّأَغْلِبَ أَنَا وَرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾﴾ أي: كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه، وهذا قدر محكم وأمر مبرم أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاَذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ أي: لا يوادّون المحادّين ولو كانوا من الأقربين كما قال تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَدَّةٌ وَيُعَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ الآية [آل عمران: ٢٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجْ وَعَشِيرَتْكُ وَأَمْوَلُ أَقْتَّفْتُمُوهَا وَتَجَرَّةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِ سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة] وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أُنزلت هذه الآية ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر(١)، ولهذا قال عمر بن الخطاب به حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة﴿: ولو كان أبو عبيدة حياً لا ستخلفته. وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَهُمْ﴾: نزلت في أبي عُبيدة قتل أباه يوم بدر ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ في الصديق هم يومئذٍ بقتل ابنه عبد الرحمن ﴿أَوْ إِخْوَنَهُمْ﴾ في مصعب بن عمير، قتل (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن ابن شوذب، وسنده معضل وكذلك رواية سعيد بن عبد العزيز، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٥٤/١ ح ٣٦٠) والحاكم في (المستدرك ٢٦٤/٣) كلاهما من طريق عبد الله بن شوذب. وقال الحافظ ابن حجر: أخرجه الطبراني بسند جيد عن عبد الله بن شوذب. (الإصابة ٧/ ٩٣) ولكنه منقطع في عدم ذكر شيخ ابن شوذب ومن يليه. ٢١٣ • سُورَةُ الجَادلة (٢٢،٢٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أخاه عُبيد بن عُمير يومئذٍ ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ﴾ في عمر قتلَ قريباً له يومئذٍ أيضاً، وفي حمزة وعلي وعُبيدة بن الحارث قتلوا عُتبة وشَيبة والوليد بن عُتبة يومئذٍ، فالله أعلم. قلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين، وهم بنو العم والعشيرة، ولعلَّ الله تعالى أن يهديهم. وقال عمر: لا أرى ما رأى، يا رسول الله هل تمكِّنني من فلان قريب لعمر فأقتله، وتمكّن علياً من عقيل وتمكِّن فلاناً من فلان ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين القصة بکمالها(١). وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَنَدَهُم بِرُوجٍ مِّنَةٌ﴾ أي: من اتَّصف بأنه لا يوادّ من حادَّ الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان؛ أي: كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته. قال السدي: ﴿كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ جعل في قلوبهم الإيمان. وقال ابن عباس: ﴿وَأَيَدَهُم بِرُوجٍ مِّنَةٌ﴾ أي: قواهم. وقوله تعالى: ﴿وَيُدْسِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنَةً﴾ كل هذا تقدم تفسيره غير مرة، وفي قوله تعالى: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ سِرٌ بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى عوضهم الله بالرضا عنهم وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم والفوز العظيم والفضل العميم. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهَّ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: هؤلاء حزب الله؛ أي: عباد الله وأهل كرامته. وقوله تعالى: ﴿أَلَاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْفْلِحُونَ﴾ تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرتهم في الدنيا والآخرة في مقابلة ما ذكر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان ثم قال: ﴿أَلَّ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ ثُمُ الْخَسِرُونَ﴾ . وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن حميد الواسطي، حدثنا الفضل بن عنبسة، عن رجل قد سماه فقال: هو عبد الحميد بن سليمان - انقطع من كتابي - عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: اعلم أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله تعالى على أيدي أوليائه لأوليائه، وأنهم الخامل ذكرهم الخفية شخوصهم، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله ويليه: ((إن الله يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يدعوا، قلوبهم مصابيح الهدى يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة» (٢). فهؤلاء أولياء الله تعالى الذين قال الله: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الَّهِّ أَلَّ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال نعيم بن حماد: حدثنا محمد بن ثور، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله وَلفنه: ((اللَّهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يداً ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته إليَّ ﴿لَّا تَجِدُ (١) تقدم تخريجها في تفسير سورة الأنفال آية ٦٧. (٢) سنده ضعيف لإرساله، ولبعضه شاهد في صحيح مسلم بلفظ: ((إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)). (صحيح مسلم، الزهد والرقائق ح٢٩٦٥). ٢١٤ • سُورَةُ المُجَادِلَةِ (٢٢،٢٠) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَاذَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾))(١). قال سفيان: يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان(٢). رواه أبو أحمد العسكري. آخر تفسير سورة المجادلة، ولله الحمد والمنة. وصلواته وسلامه على خير خلقه محمد وآله وصحبه وحزبه آمين. (١) سنده ضعيف لإرساله أيضاً. (٢) سنده ضعيف لأنه معضل. ٢١٥ سُورَةِ الحَش (٥،١) · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 27 00000 سُورَةُ الْحُشْرِ وهي مدنية [وكان ابن عباس يقول: سورة بني النضير](١). قال سعيد بن المنصور: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس سورة الحشر؟ قال: أنزلت في بني النضير(٢)، ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر عن هشيم به(٣)، ورواه البخاري من حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير: قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: سورة بني النضير (٤). بسم الله الرحمن الرحيم ] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ مِن دِيَّرِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَنُّواْ أَنَّهُم مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَنَئِهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الزُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيَدِيهِمْ وَأَيَدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَأُوْلِ اُلْأَبْصَرِ ﴿ وَلَوْلَآ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَأُ وَلَمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴿٣َ ذَلِكَ ◌ِأَنَّهُمْ شَاقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٌ وَمَن يُشَآَقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الِْقَابِ ﴿﴿ مَا قَطَعْتُم مِّن لِّيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآَيِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِىَ الْفَسِقِينَ يخبر تعالى أن جميع ما في السموات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه ويصلي له ويوحده كقوله تعالى: ﴿نُسَعُ لَهُ التَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِهِنَّ وَإِن مِن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِهِ وَلَكِنْ لََّ نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: منيع الجناب ﴿اَلْتَكِيمُ﴾ في قدره وشرعه. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ يعني: يهود بني النضير. قاله ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد(٥)، كان رسول الله وَلي لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهداً وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه فأحلَّ الله بهم بأسه الذي لا مردَّ له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصدّ، فأجلاهم النبي ◌َّر وأخرجهم من (١) زيادة من (حم). (٢) سنده صحيح. (٣) صحيح البخاري، المغازي، باب حديث بني النضير (ح٤٠٢٩). وصحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠٣١). (٤) المصدر السابق من صحيح البخاري (ح ٤٨٨٣). (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق والطبري أيضاً بسند صحيح من طريق معمر عن الزهري. .00000 . ٢١٦ • سُورَةُ المُشْرِ (١، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئاً وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، [وسيَّرهم](١) رسول الله وَّر وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر، وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي لا يمكن أن تحمل معهم، ولهذا قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيَدِهِمْ وَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا بَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله وكذب كتابه كيف يحلّ به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم. قال أبو داود: حدثنا محمد بن داود وسفيان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ولو أن كفار قريش كتبوا إلى [ابن أُبي ومن](٢) كان معه يعبد الأوثان من الأوس، والخزرج، ورسول الله صلّ﴿ يومئذٍ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لنقاتلنه أو لنخرجنه أو لنسيرنَّ إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونسبي نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان أجمعوا لقتال النبي ◌َّر، فلما بلغ ذلك النبي ◌َّ لقيهم فقال: ((لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به أنفسكم يريدون أن يقاتلوا أبناءكم وإخوانكم" فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهو الخلاخل، فلما بلغ كتابهم النبي ◌َّ ر أيقنت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي ◌ِّهر: أخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك وليخرج منا ثلاثون [حبراً حتى نلتقي بمكان النصف، وليسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بكَ آمنا بكَ](٣). فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله وَله بالكتائب فحصرهم فقال لهم: ((إنكم والله لا تؤمنون عندي إلا بعهد تعاهدونني عليه، فأبوا أن يعطوه عهداً فقاتلهم يومهم ذلك))، ثم غدا من الغد على بني قريظة بالكتائب وترك بني النضير ودعاهم إلى أن يعاهدوه فعاهدوه، فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء، فجلتْ بنو النضير واحتملوا ما أقلَّت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكان نخل بني النضير لرسول الله وَله خاصة أعطاه الله إياها وخصّه بها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَقَةَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] يقول بغير قتال، فأعطى النبي والر أكثرها للمهاجرين قسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة ولم يقسم من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله وكلهم التي في أيدي بني فاطمة (٤). (١) كذا في (ح) وفي الأصل صحف إلى: ((وسرهم)). (٢) كذا في (حم) وسنن أبي داود، وفي الأصل حُرِّف إلى: ((ابن أم رب)). (٣) كذا في (حم)، وفي الأصل بياض. (٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه. (السنن، الخراج والإمارة، باب في خبر النضير ح ٣٠٠٤) وصحح سنده = ٢١٧ • سُورَةُ الخُشْرِ (١، ٥) ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار وبالله المستعان. وكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسير أنه لما قُتل أصحاب بئر معونة من أصحاب رسول الله * وكانوا سبعين، وأفلتَ منهم عمرو بن أمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعاً إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما عهد من رسول الله موص له وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع أخبر رسول الله وَ ﴿ فقال له رسول الله رَله: (لقد قتلت رجلين لأديَّنهما))(١) وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فخرج رسول الله وَّه إلى بني النضير ليستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها . وقال محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة: ثم خرج رسول الله وقليل إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري للجوار الذي كان رسول الله 18 عقد لهما فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله وَّه يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم نُعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم - فَمَن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحش بن كعب أحدهم فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله (ص14 في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي ﴿ه فأتى رسول الله وَّ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة. فلما استلبث النبي لر أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة، فسألوه عنه، فقال رأيته داخلاً المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله و ﴿ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله وسلّر بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم، ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله له بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه: أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل، وسويد، وداعس قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا فقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله وَلي أن يجليهم ويكفَّ عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن إيجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام وخلوا الأموال لرسول الله وهر، فكانت لرسول الله اليه خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا سهل بن حنيف وأبا دُجانة = الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٥٩٥). (١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١٩٠/٢. ٢١٨ • سُورَةُ الحُشْرِ (١، ٥) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 - سماك بن خرشة - ذكرا فقراً فأعطاهما رسول الله وَّلتر، قال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمرو بن كعب عمُّ عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب أسلما على أموالهما فأحرزاها . قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين أن رسول الله وَ ل﴿ قال ليامين: ((ألم ترَ ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني)) فجعل يامين بن عمرو لرجل جعلاً على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها(١)، وهكذا روى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق بنحو ما تقدم. فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ يعني: بني النضير ﴿مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ اْتَرِّ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: من شكّ في أن أرض المحشر لههنا؛ يعني: الشام فليقرأ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾ قال لهم رسول الله وَّ: ((اخرجوا)) قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى أرض المحشر)(٢). وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن قال: لما أجلى رسول الله ﴿ بني النضير قال: ((هذا أول الحشر وأنا على الأثر))(٣). ورواه ابن جرير، عن بُندار، عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن به (٤). وقوله تعالى: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ﴾ أي: في مدة حصاركم لهم وقصرها وكانت ستة أيام مع شدة حصونهم ومنعتها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَنَ اللَّهُ بُنْيَنَهُم مِّنَ اٌلْقَوَاعِدِ فَجَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَنَّهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (4)﴾ [النحل]. وقوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعَبَّ﴾ أي: الخوف والهلع والجزع وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نصر بالرعب مسيرة شهر صلوات الله وسلامه عليه؟ وقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم وتَحَمُّلها على الإبل، وكذلك قال عروة بن الزبير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد(٥). (١) ينظر: السيرة النبوية ١٩٠/٢، ١٩١. وسنده معضل، وله شواهد تأتي في الروايات التالية. (٢) سنده ضعيف لضعف أبي سعد وهو البقال، (مجمع الزوائد ٣٤٦/١٠). (٣) رجال ثقات لكنه مرسل. (٤) أخرجه الطبري عن بندار به، وسنده كسابقه. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الزهري بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً. ٢١٩ سُورَةُ الَشْرِ (١، ٥) وقال مقاتل بن حيان: كان رسول الله وَل9 يقاتلهم فإذا ظهر على درب أو دار هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكان اليهود إذا علَوا مكاناً أو غلبوا على درب أو دار نقبوا من أدبارها ثم حصنوها ودبروها، يقول الله تعالى: ﴿فَأَعْتَبِرُواْ يَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾(١). وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الذُّنْيَا﴾ أي: لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء وهو النفي من ديارهم وأموالهم لكان لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي ونحو ذلك، قاله الزهري، عن عروة والسدي وابن زيد (٢)؛ لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الدار الآخرة من العذاب في نار جهنم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير قال: ثم كانت وقعة بني النضير، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم بناحية من المدينة فحاصرهم رسول الله ◌َّ﴿ حتى نزلوا على الجلاء، وأن لهم ما أقلَّت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة وهي السلاح، فأجلاهم رسول الله وَ ر قبل الشام، قال: والجلاء كُتب عليهم في آي من التوراة، وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبل ما سلط عليهم رسول الله رَّهور، وأنزل الله فيهم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيُخْزِىَ اٌلْفَسِفِينَ﴾(٣). وقال عكرمة: ﴿الْجَلَّءَ﴾ القتل، وفي رواية عنه الفناء. وقال قتادة: ﴿الْجَلَاءَ﴾ خروج الناس من البلد إلى البلد(٤). وقال الضحاك: أجلاهم إلى الشام، وأعطى كل ثلاثة بعيراً وسقاء، فهذا الجلاء. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن سعيد العوفي، حدثني أبي، عن عمي، حدثنا أبي، عن جدي، عن ابن عباس، قال: كان النبي ◌َ ◌ّ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يسيَّرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء، والجلاء إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى(٥). وروي أيضاً من حديث يعقوب بن محمد الزهري، عن إبراهيم بن جعفر، عن محمود بن محمد بن [مسلمة](٦)، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن مسلمة أن رسول الله وَّل بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثة أيام(٧). (١) أخرجه البيهقي عن مقاتل بن حيان. (دلائل النبوة ٣٥٨/٣) وسنده معضل. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الزهري. (٣) سنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بالسابق واللاحق. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٥) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٣٥٩/٣) وسنده ضعيف. (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((مسلم)). (٧) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٣٦٠/٣) في سنده محمود بن محمد بن مسلمة سكت عنه ابن أبي حاتم . = ٢٢٠ سُورَةُ الحُشْر (٥،١) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 Đ وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أي: حتم لازم لا بدّ لهم منه. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَمْ﴾ أي: إنما فعل الله بهم ذلك وسلط عليهم رسوله وعباده المؤمنين؛ لأنهم خالفوا الله ورسوله وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد ◌ّ﴾، وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال: ﴿وَمَن يُشَآقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِيِنَةٍ أَوْ تَكْتُهَا قَابِعَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ اللین نوع من التمر وهو جيد. قال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة والبرني من التمر(١). وقال كثيرون من المفسرين: اللينة ألوان التمر سوى العجوة(٢). قال ابن جرير: هو جميع النخل ونقله عن مجاهد وهو (٣) البويرة أيضاً، وذلك أن رسول الله وعليه لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم وإرهاباً وإرعاباً لقلوبهم، فروى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: [فبعث بنو النضير] (٤) يقولون لرسول الله والت: إنك تنهى عن الفساد فما بالك تأمر بقطع الأشجار؟ فأنزل الله هذه الآية الكريمة؛ أي: ما قطعتم من لينة وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذنه ومشيئته وقدره ورضاه، وفيه نكاية بالعدو وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم(٥). وقال مجاهد: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه(٦)، وقد روي نحو هذا مرفوعاً، فقال النسائي: أخبرنا الحسن بن محمد، عن عفان، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن ◌ِِّنَةٍ أَوْ تَرَكْشُهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ ﴾﴾ قال: يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحاك في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً فلنسألن رسول الله وَله هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله ﴿مَا قَطَّعْتُم مِّن ◌ِّيِنَةٍ﴾(٧). = (الجرح والتعديل ٢٩٠/٨). (١) ذكره أبو عبيدة. (مجاز القرآن ٢٥٦/٢). (٢) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة بسند حسن من طريق داود عن عكرمة (المصنف ٣٩٣/١٢). (٣) ذكره الطبري وأخرجه هو وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: نخلة، قال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل. (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. (٥) ذكره ابن هشام (السيرة ١٩١/٢)، وأخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم (دلائل النبوة ٣٥٥/٣)، وأخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن قتادة لكنه مرسل وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر. (٦) تقدم تخريجه قبل الرواية السابقة. (٧) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب ﴿وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] ح ١١٥٧٤) وسنده صحيح.