النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ • سُورَةُ القُوْرِ (١، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عليه الصلاة والسلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها ويصلون إليه والذي في السماء الدنيا يقال له بيت العزَّةُ(١). والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، حدثنا روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي وَ يقول قال: ((في السماء السابعة بيت يقال له المعمور بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: الحيوان يدخله جبريل كل يوم فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة، يخرُّ عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكاً يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبداً، ويولى عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفاً يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة))(٢)، هذا حديث غريب جداً، تفرد به روح بن جناح هذا وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي، وقد أنكر عليه هذا الحديث جماعة من الحفاظ، منهم الجوزجاني والعقيلي(٣) والحاكم أبو عبد الله النيسابوري وغيرهم، قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة ولا سعيد ولا الزهري. وقال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، أن رجلاً قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: الضُّراح(٤)، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبداً(٥). وكذا رواه شعبة وسفيان الثوري عن سماك، وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك، ثم رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن طلق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ربيعة قال: سأل ابن الكواء علياً عن البيت المعمور قال: مسجد في السماء يقال له: الضراح، يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون فيه أبداً (٦). ورواه من حديث أبي الطفيل عن علي بمثله(٧). وقال العوفي، عن ابن عباس: هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه(٨). وكذا قال عكرمة ومجاهد وغير واحد (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١. (٢) سنده ضعيف لضعف روح بن جناح الذي اتهمه ابن حبان بالوضع. (ينظر التقريب ص٢١١). (٣) ينظر الضعفاء الكبير ٥٩/٢. (٤) الضراح: بيت في السماء حيال الكعبة (النهاية ٨١/٣). (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده خالد بن عرعرة سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ١٦٢/٣) وذكره ابن حبان في الثقات (٢٠٥/٤) ويتقوى بالروايات التالية وما فيها من متابعات كمتابعة علي بن ربيعة وأبي الطفيل. وأخرجه الضياء من طريق سماك به (المختارة ح ٤٣٨). (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. (٧) أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٨٨٧٥) والضياء المقدسي (رقم ٥٥٧)، والبستي والطبري كلهم من طريق أبي الطفيل به، وسنده صحيح. (٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالحديث المرفوع الصحيح المتقدم في أول تفسير هذه الآية الكريمة. ٤٢ • سُورَةُ الْقُوْنِ (١، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 من السلف(١). وقال قتادة والربيع بن أنس والسدي: ذكر لنا أن رسول الله وَ له قال يوماً لأصحابه: ((هل تدرون ما البيت المعمور؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خرَّ لخرَّ عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم) (٢) . وزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس(٣)، فالله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ﴾﴾ قال سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص، عن سماك، يعني: السماء(٤). قال سفيان ثم تلا عن خالد بن عرعرة، عن علي ﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّخْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَِهَا مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأنبياء]. وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وابن جريج وابن زيد(٥) واختاره ابن جرير. وقال الربيع بن أنس: هو العرش (٦)؛ يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه وهو مراد مع غيره كما قاله الجمهور. وقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمُسْجُورِ ﴾﴾ قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش(٧). الذي ينزل الله منه المطر، الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها، وقال الجمهور: هو هذا البحر . واختلف في معنى قوله المسجور فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة ناراً كقوله: ﴿وَإِذَا اَلْبِحَارُ سُجِرَتْ ﴾﴾ [التكوير] أي: أُضرمت فتصير ناراً تتأجج محيطة بأهل الموقف. ورواه سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب(٨). وروي عن ابن عباس وبه يقول سعيد بن جبير ومجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير وغيرهم(٩). وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يشرب منه ماء ولا يسقى به زرع وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم. وعن سعيد بن جبير: ﴿وَالْبَحْرِ اٌلْسُجُورِ ﴾﴾ يعني: المرسل(١٠). (١) قول عكرمة ومجاهد أخرجهما الطبري وهما مرسلان يتقويان كسابقه. (٢) أخرجه الطبري ورجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى كسابقه بدون قوله: ((لو خرَّ لخرَّ عليها)). (٣) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٤) أخرجه الطبري والحاكم من طريق الثوري به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٦٨/٢). (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٦) أخرجه أبو الشيخ بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس العظمة رقم ٢٥٣. (٧) أخرجه أبو الشيخ في العظمة كسابقه، وهو تتمة له. (٨) أخرجه الطبري من طريق داود، وهو ابن أبي هند، عن سعيد بن المسيب به، وسنده حسن. (٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((المُوقَد)). (١٠) أخرجه البستي من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. ٤٣ • سُورَّةُ القُوْنِ (١، ١٦) 000000000000800000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000 وقال قتادة: المسجور: المملوء(١)، اختاره ابن جرير ووجهه بأنه ليس موقداً اليوم فهو مملوء. وقيل: المراد به الفارغ. قال الأصمعي: عن أبي عمرو بن العلاء، عن ذي الرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ اَلَْسْجُورِ ﴾﴾ قال: الفارغ خرجت أمة تستسقي فرجعت فقالت: إن الحوض مسجور يعني: فارغاً (٢). رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء. وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها قاله علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس(٣) وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد، تَُّ، في مسنده فإنه قال: حدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطاً بالساحل قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله و 38 قال: ((ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم، فيكفّه الله ◌َيَقْ))(٤). وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد، وهو ابن هارون، عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط قال: خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي رؤوس الجبال، فعل ذلك مراراً وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله وسلم قال: ((ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله تعالى أن ينفضخ عليهم، فيكفه الله رَ))(٥) فيه رجل مبهم لم يسم. وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَّكَ لَوَفِعٌ ﴾﴾ هذا هو المقسم عليه؛ أي: لواقع بالكافرين كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ﴾﴾ أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد الله بهم ذلك. قال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يعسُّ في المدينة ذات ليلة، فمرَّ بدار رجل من المسلمين فوافقه قائماً يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ ﴿وَالُورِ ﴾﴾ حتى إذا بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ لَوَفِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ ﴾﴾ قال: قسم وربِّ الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث ملياً ثم رجع إلى منزله، فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه ظه(٦). وقال الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن: حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن أن عمر قرأ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَفِعٌ ٣ مَا لَهُ مِن دَافِعِ ﴾﴾ فربا لها ربوة عيد منها عشرين يوماً (٧) . (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى الشيرازي في ((الألقاب)) بسنده ولفظه. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((المجوس)). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣/١) وسنده ضعيف لإبهام شيخ العوام. (٥) ذكر الحافظ ابن كثير عن الإسماعيلي به (مسند الفاروق ٦٠٧/٢). وسنده كسابقه. (٦) سنده ضعيف لضعف صالح المري. (٧) أخرجه أبو عبيد بسنده ومتنه (فضائل القرآن ص٦٤) وسنده مرسل لأن الحسن لم يسمع عمر ى ٤٤ سُورَةُ الْتُونِ (١٧، ٢٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَهُورُ السَّمَلُ مَوْرًا ﴾﴾ قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكاً (١). وعن ابن عباس: هو تشققها (٢). وقال مجاهد: تدور دوراً (٣) . وقال الضحاك: استدارتها وتحركها لأمر الله(٤). وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة معمر بن المثنى بيت الأعشى فقال: (٥) مور السحابة لا ريث ولا عجل كأن مشيتها من بيت جارتها ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرً ﴾﴾ أي: تذهب فتصير هباء منبئاً وتنسف نسفاً ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِِّينَ ﴾ أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب الله ونكاله بهم وعقابه لهم ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ﴾﴾ أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل ويتخذون دينهم هزواً ولعباً ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ﴾ أي: يدفعون ويساقون ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًا ﴾﴾ وقال مجاهد والشعبي ومحمد بن كعب والضحاك والسدي والثوري: يدفعون فيها دفعاً. ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِبُونَ ﴾﴾ أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعاً وتوبيخاً ﴿أَفَسِخْرُ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ﴿ أَصْلَوْهَا﴾ أي: ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته ﴿فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: سواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها ﴿إِنَّمَا تُجْزَوّنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ولا يظلم الله أحداً، بل يجازي كلاً بعمله. فَلَكِينَ بِمَآ ءَانَنْهُمْ رَبُّهُ وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيَثًا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (4 مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ قَصْفُوفَةٍ وَزَوَّحْنَهُم بِحُورٍ عِنٍ يُخبر الله تعالى عن حال السعداء فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَ فِى جَنَّتٍ وَنَعِيمٍ ﴾﴾ وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال ﴿فَكِهِينَ بِمَآ ءَائَنْهُمْ رَتُهُ﴾ أي: يتفكهون بما آتاهم الله من النعيم من أصناف الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك ﴿وَوَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ اَلَْحِيمِ﴾ أي: وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حدتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة التي فيها من السرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيْئًا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ كقوله تعالى: ﴿كُلُواْ وَأُشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَّا أَسْلَفْتُمْ فِ آلْأَّمِ الَْلِيَةِ ﴾ [الحاقة] أي: هذا بذاك تفضلاً منه وإحساناً. وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ قال الثوري: عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس السرر في الحجال(٦) . (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٥) مجاز القرآن ٢٣١/٢ واستشهد به الطبري ثم قال: فالمور على روايته التكفؤ والتهيؤ في المشية. (٦) سنده حسن. ٤٥ • سُورَةُ الْتُورِ (٢١، ٢٨) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو، أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول: إن رسول الله وَ لقر قال: ((إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه))(١). وحدثنا أبي، أخبرنا هدبة بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ في الجنة سبعين سنة عنده من أزواجه وخدمه، وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك، فيقلن قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيباً(٢)، ومعنى ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض كقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُنَقَبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. ﴿وَزَقَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: وجعلنا لهم قرينات صالحات وزوجات حساناً من الحور العين. وقال مجاهد: ﴿وَزَوَّحْنَهُم﴾ أنكحناهم بحور عين(٣)، وقد تقدم وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته. - ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَنَّعَنْهُمْ ذُرِيُّهُمُ بِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ وَمَآ أَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَّءٍ كُلُّ أَقْرِي يَتَّعُونَ فِهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِرٌ وَأَمْدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَا يَشَْهُونَ كَسَبَ رَهِينٌ ◌َـ وَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَلَُّونَ ﴿ قَالُواْ إِنَّا كُنَا وَيَطُوفُ عَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَنَّهُمْ لُؤْلٌ مَّكْتُونٌ قَبْلُ فِىّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَ اَللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَتْنَا عَذَابَ السَّمُومِ (٧) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ يخبر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإيمان يلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يبلغوا عملهم لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا قال: ﴿أَلْقْنَا بِمْ ذُرِيََّهُمْ وَمَّا أَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَّةٍ﴾. قال الثوري: عن عمر بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَّعَنْهُمْ ذُرِيَّهُم بِإِيمَانِ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَهُمْ وَمَآ أَلَّتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَّءٍ﴾ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري به (٤)، وكذا رواه ابن جرير من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة به، ورواه البزار، عن سهل بن بحر، عن الحسن بن حماد الوراق، عن قيس بن الربيع، عن عمرو بن مرة، عن سعيد، عن ابن عباس مرفوعاً، فذكره ثم قال: وقد رواه الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد، عن ابن عباس موقوفاً (٥). (١) سنده ضعيف لإرسال الهيثم بن مالك وهو من صغار التابعين. (٣) معناه صحيح. (٢) سنده ضعيف لأن ثابتا رواه بلاغا. (٤) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق الثوري به. (٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (رقم ٢٢٦٠) وقال الهيثمي: فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف (مجمع الزوائد ٧/ ١١٤) والوقف أرجح. ٤٦ • سُورَةُ الْظُورِ (٢٨،٢١) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن يزيد البيروتي، أخبرني محمد بن شعيب، أخبرني شيبان، أخبرني ليث، عن حبيب بن أبي ثابت الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَنَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُم بِإِيَمَنٍ أَلْفْنَا بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ﴾ قال: هم ذرية المؤمن يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئاً (١). وقال الحافظ الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أظنه عن النبي وَل﴿ قال: ((إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول: يا ربِّ قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به)) وقرأ ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَنََّعَنْهُمْ ذُرِّيَّهُمْ يِيَمَنٍ﴾(٢) الآية. وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية يقول: والذين أدرك ذريتهم الإيمان فعملوا بطاعتي ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم(٣)، وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذلك مفسر أصرح من هذا، وهكذا يقول الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وقتادة وأبو صالح والربيع بن أنس والضحاك وابن زيد(٤)، وهو اختيار ابن جرير. وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي قال: سألت خديجة النبي وَلّر عن ولدين ماتا لها في الجاهلية فقال رسول الله صلى: ((هما في النار)) فلما رأى الكراهية في وجهها قال: ((لو رأيت مكانهما لأبغضتهما)) قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: ((في الجنة)) قال: ثم قال رسول الله : ((إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار)) ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّئُهُم بِإِمَنٍ﴾ الآية(٥)، هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء فقد قال الإمام أحمد: حدثنا یزید، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ◌َظُه قال: قال (١) في سنده ليث وهو ابن أبي سليم فيه مقال، وقد توبع في الرواية السابقة. (٢) أخرجه الطبراني من طريق محمد بن عبد الرحمن بن غزوان به. (المعجم الكبير ٤٤٠/١١ ح١٢٢٤٨) وسنده ضعيف لضعف محمد بن عبد الرحمن بن غزوان. (مجمع الزوائد ٧/ ١١٧). (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالموقوف السابق عن ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن عامر الشعبي، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن سعيد بن جبير، وأخرجه هناد (الزهد رقم ١٨٠) والطبري بسند صحيح من طريق قيس بن مسلم عن إبراهيم، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد. (٥) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده ومتنه في زوائده على المسند (المسند ٣٤٨/٢ - ٣٤٩ ح ١١٣١) وضعف سنده محققو له لجهالة محمد بن عثمان قال الذهبي في الميزان (٦٤٢/٣) لا يُدرى من هو ... وله خبر منكر . ٤٧ • سُورَةُ القُورِ (٢٨،٢١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رسول الله وَيقول: ((إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا ربِّ أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك))(١). إسناده صحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله وَلي: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (٢). وقوله تعالى: ﴿كُلُّ أَعْرِي ◌ِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ لما أخبر عن مقام الفضل وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل وهو أنه لا يؤاخذ أحداً بذنب أحد فقال تعالى: ﴿كُلُّ أَعْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مرتهنٌ بعمله لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس؛ سواء كان أباً أو ابناً كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَّةُ (٣٨) إِلَّ أَعَْبَ آلِْينِ ◌َ فِ جَنَّتٍ يَتَسَآءَ لُونَ (ما ((4)﴾ [المدثر]. عَنِ الْمُجْرِمِينَ وقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَهُم بِفَكِهَةٍ وَلَحْرٍ مِّمَّا يَشْنَهُونَ (®)﴾ أي: وألحقناهم بفواكة ولحوم من أنواع شتى مما يستطاب ويشتهى. وقوله: ﴿يَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي: يتعاطون فيها كأساً؛ أي: من الخمر، قاله الضحاك(٣). ﴿لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِيرٌ﴾ أي: لا يتكلمون فيها بكلام لاغ أي: هذيان ولا إثم أي: فحش كما يتكلم به الشربة من أهل الدنيا . قال ابن عباس: اللغو الباطل والتأثيم الكذب (٤). وقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون(٥). وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان(٦)، فنزه الله خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، كما تقدم فنفى عنها صداع الرأس ووجع البطن وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيء الفارغ عن الفائدة المتضمن هذياناً وفحشاً، وأخبر بحسن منظرها ﴿﴿ لَا فِهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنَزَّقُونَ وطيب طعمها ومخبرها فقال: ﴿بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ [الصافات] وقال: ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَ وَلَا يُنِفُونَ (4)﴾ [الواقعة]. وقال ههنا: ﴿يَنْتَعُونَ فِيَهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِهَا وَلَا تَأْثِرٌ ﴾﴾. وقوله تعالى: ﴿﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَنَهُمْ لُوْلٌ مَكْتُنٌ (®)﴾ إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة، كأنهم اللؤلؤ الرطب المكنون في حسنهم وبهائهم ونظافتهم وحسن ملابسهم، كما قال: ﴿يَطُوُفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانُ تُخَلَّدُونَ ﴿٧ بِأَكْوَبٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِّنْ مَعِينٍ (4)﴾ [الواقعة]. وقوله تعالى: ﴿وَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَسَلُونَ ﴾﴾ أي: أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحدث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٠٩/٢). وسنده حسن، وصححه الحافظ ابن كثير. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفرقان آية ٧٤ في آخرها . (٣) لم أجد من أخرجه. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. ٤٨ • سُورَةُ القُطُونِ (٢٩، ٣٤) 000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 000000 000 000 000000000 من أمرهم ﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيَّ أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ﴾﴾ أي: كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا أی: خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَدْنَا عَذَابَ السَّمُومِ لَ﴾ فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾ أي: نتضرع إليه فاستجاب لنا وأعطانا سؤالنا ﴿إِنَّمُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾. وقد ورد في هذا المقام حديث رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده فقال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن دينار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول الله : ((إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان، فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان تدري؛ أي: يوم غفر الله لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله رَ فغفر لنا))(١). ثم قال البزار: لا نعرفه يروى إلا بهذا الإسناد. قلت: وسعيد بن دينار الدمشقي؟ قال أبو حاتم: هو مجهول وشيخه الربيع بن صبيح، وقد تكلم فيه غير واحد من جهة حفظه وهو رجل صالح ثقة في نفسه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة أنها قرأت هذه الآية ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَتْنَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴿ إِنَّا كُنَا مِن قَبْلُ نَدْعُوَةٌ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾﴾ فقالت: اللَّهم مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم إنك أنت البر الرحيم. قيل للأعمش في الصلاة؟ قال: نعم (٢). ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََُّّ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنَتَ بِعْمَتِ رَيِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ قُلْ تَرَّصُواْ فَإِّ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَّيِّصِينَ (٤٦ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاعُونَ (® أَمْ يَقُولُونَ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَدِقِينَ (9َ)) نَقَوَّْ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ ٠ يقول تعالى آمراً رسوله و ﴿ بأن يبلغ رسالته إلى عباده، وأن يذكرهم بما أنزل الله عليه، ثم نفى عنه ما يرميه به أهل البهتان والفجور فقال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَآ أَنْتَ بِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا يَجْنُونٍ ٠ أي: لست بحمد الله بكاهن كما تقوله الجهلة من كفار قريش، والكاهن الذي يأتيه الرئي من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء ﴿ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ وهو الذي يتخبطه الشيطان من المسّ. ثم قال تعالى منكراً عليهم في قولهم في الرسول وَ له ﴿أَمَّ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ ®®﴾ أي: قوارع الدهر، والمنون الموت، يقولون ننتظره ونصبر عليه حتى يأتيه الموت فنستريح منه ومن شأنه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَرَبِّصُواْ فَإِّ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِِّينَ أي: انتظروا فإني ٣١ منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة. قال محمد بن إسحاق: عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن قريشاً لما (١) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في مختصر زوائد مسند البزار ٤٨٦/٢ (ح ٢٢٧٠) وقال تفرد به أنس بهذا الإسناد الضعيف. وقد بيَّن الهيثمي وجه الضعف بأن سعيد بن دينار والربيع بن صبيح ضعيفان. (مجمع الزوائد ٤٢٤/١٠). (٢) رجاله ثقات وسنده صحيح. ٤٩ سُورَةُ القُوْنِ (٣٥، ٤٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي ◌َّير قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق وتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة إنما هو كأحدهم، فأنزل الله تعالى ذلك من قولهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ (®)﴾(١). ثم قال تعالى: ﴿أَ تَأْمُرُهُمْ أَعْلَمُهُم بِهَذَا﴾ أي: عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقاويل الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كذب وزور ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: ولكن هم قوم طاغون ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك. وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَقَوَّلَهُ﴾ أي: اختلقه وافتراه من عند نفسه يعنون القرآن، قال الله تعالى: ﴿بَل لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ، إِن كَانُواْ صَدِقِينَ ﴾ أي: إن كانوا صادقين في قولهم تقوله وافتراه، فليأتوا بمثل ما جاء به محمد رَ من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم وجميع أهل الأرض من الجن والإنس ما جاءوا بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله. ﴿ ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَّ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴿ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ جَ أَمْ لَهُ عِندَهُمْ خَزَآْنُ رَبِّكَ أَمَّ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٤٧ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيَةٍ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ الْبَتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ﴿٨َ أَ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًّا فَهُم مِّن مَّغْرَرٍ مُتْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَهُ يَكْنُبُونَ ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا قَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ ﴿٨ أَمْ لَهُمْ إِلَهَّ غَيْرُ اللَّهَّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمَّ هُمُ الْخَلِقُونَ ٣٥ )﴾ أي: أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؛ أي: لا هذا ولا هذا بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئاً مذكوراً. قال البخاري: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال: حدثني عن الزهري، عن محمد بن جُبير بن مُطعم، عن أبيه قال: سمعت النبي ◌َّ يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ الْخَلِقُونَ ﴿ أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَآْنُ رَيِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (®)﴾ كاد قلبي أن يطير(٢). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق عن الزهري به(٣). وُجُبير بن مُطعم كان قد قدم على النبي ◌َّ- بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركاً، فكان سماعه هذه الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام بعد ذلك. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُواْ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴾﴾ أي: أهم خلقوا السموات والأرض؟ وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده لا شريك له، ولكن عدم إيقانهم هو الذي يحملهم على ذلك ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآَيْنُ رَيِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ٣٧ (١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنة ابن إسحاق ولكن قد صرح بالسماع في رواية البيهقي (دلائل النبوة ٤٦٨/٢) وسنده حسن. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الطور ح٤٨٥٤). (٣) المصدر السابق (ح ٧٦٥ و٤٨٥٤) وصحيح مسلم، الصلاة، باب القراءة في الصبح (ح٤٦٣). ٥٠ • سُورَّةُ الُوْنِ (٤٤، ٤٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن ﴿أَمَّ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ أي: المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك بل الله رَك هو المالك المتصرف الفعال لما يريد. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّهُ يَسْتَمِعُونَ فِّهِ﴾ أي: مرقاة إلى الملأ الأعلى ﴿قَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ ◌ُِّيرٍ﴾ أي: فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال؛ أي: وليس لهم سبيل إلى ذلك فليسوا على شيء وليس لهم دليل. ثم قال منكراً عليهم فيما نسبوه إليه من البنات وجعلهم الملائكة إناثاً، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإناث، بحيث إذا بُشر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسوداً وهو كظيم، هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله وعبدوهم مع الله فقال: ﴿أَمَ لَهُ أُلْبَتُ وَلَكُمُ اُلْبَنُونَ ﴾﴾ وهذا تهدید شدید ووعيد أكد ﴿أَّ تَتْلُهُمْ أَجْرًا﴾؟ أي: أجرة إبلاغك إياهم رسالة الله؛ أي: لست تسألهم على ذلك شيئاً ﴿فَهُم مِّنِ تَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أي: فهم من أدنى شيء يتبرمون منه ويثقلهم ويشق عليهم ﴿أَمْ عِندَهُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾﴾ أي: ليس الأمر كذلك فإنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب إلا الله ﴿أَمْ يُرِدُونَ كَيِّدًا قَالَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ الْمَكِيدُونَ ﴾﴾ يقول تعالى: أم يريد هؤلاء بقولهم هذا في الرسول وفي الدين غرور الناس وكيد الرسول وأصحابه، فكيدهم إنما يرجع وباله على أنفسهم فالذين كفروا هم المكيدون ﴿أَّ لَهُمْ إِلَهَّ غَيْرُ اللََّّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (®)﴾ وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله، ثم نزه نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون فقال: ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فَذَرَّهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ ﴿وَإِن يَرَوّأْ كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطَا يَقُولُواْ سَحَابٌ مَرَُّومٌ ٤٦ يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ يُصْعَقُونَ (@) وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ وَمِنَ الَتْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَصْبِرْ ◌ِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنّكَ بِأَعْيُفِنَّا وَسَيِّعْ بِحَهْدِ رَبِّكَ حِيْنَ نَقُومُ (َ) أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَإِدْبَ النُّجُومِ يقول تعالى مخبراً عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس ﴿وَإِن يَرَوَأْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ أي: عليهم يعذبون به لما صدقوا، ولما أيقنوا بل يقولون: هذا سحاب مركوم؛ أي: متراكم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾﴾ [الحجر] قال الله تعالى: ﴿فَذَرّهُمْ﴾ أي: دعهم يا محمد ﴿حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وذلك يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجزي عنهم يوم القيامة شيئاً ﴿وَلَا هُمْ ◌ُصَرُونَ﴾ . ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قبل ذلك في الدار الدنيا كقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (4)﴾ [السجدة] ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: نعذبهم في الدنيا ونبتليهم فيها بالمصائب لعلهم يرجعون وينيبون فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلى عنهم مما كانوا فيه، عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه كما جاء في بعض الأحاديث: ((إن المنافق إذا مرض وعوفي مثله في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عقلوه ٥١ سُورَةُ الْتُونِ (٤٤، ٤٩) 000000000000000000000000800000000000000000 000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ولا فيما أرسلوه))(١) وفي الأثر الإلهي: كم أعصيك ولا تعاقبني؟ قال الله تعالى: يا عبدي كم أعافيك وأنت لا تدري؟ وقوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنّكَ بِأَعْيُفِنَا﴾ أي: اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا والله يعصمك من الناس. وقوله تعالى: ﴿وَسَبِعْ بِحَهْدِ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ قال الضحاك: أي إلى الصلاة. سبحانك اللَّهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك(٢). وقد روي مثله عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما(٣)، وروى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول: هذا في ابتداء الصلاة(٤)، ورواه أحمد وأهل السنن، عن أبي سعيد وغيره، عن النبي وَلّ أنه كان يقول ذلك(٥). وقال أبو الجوزاء: ﴿وَسَِّحْ بِحَيْدٍ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ أي: من نومك من فراشك(٦)، واختاره ابن جرير ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عُمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثنا عُبادة بن الصامت عن رسول الله وَّ قال: ((من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله)). ثم قال: (رب اغفر لي)) - أو قال: ((ثم دعا - استجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته))(٧). وأخرجه البخاري في صحيحه وأهل السنن من حديث الوليد بن مسلم به (٨). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَسَيِّعْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِيْنَ نَقُومُ﴾ قال: من كل مجلس(٩). (١) أخرجه أبو داود بسند ضعيف فيه رجل مجهول (السنن، الجنائز، باب الأمراض المكفرة للذنوب ح٣٠٨٩). (٢) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بلفظ: ((الصلاة المفروضة))، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك بلفظه: وأخرجه النحاس بسند ضعيف من طريق عمر بن هارون البلخي عن أبي مصلح عن الضحاك (الناسخ والمنسوخ ٣٠/٣)، وعمر بن هارون متروك كما في ((التقريب)) . (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه بلفظ: ((إذا قام لصلاة من ليل أو نهار ... )). (٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب حجة من قال: ((لا يجهر بالبسملة)) (ح٥٢/٣٩٩). (٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٥١/١٨ ح ١١٤٧٣) وأعله محققوه بجعفر بن سليمان الضبعي، ومن هذا الطريق أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك ح٧٧٥)، والترمذي (السنن، الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة ح٢٤٢)، والنسائي (السنن، الإفتتاح، باب نوع آخر من الذكر ١٣٢/٢) وابن ماجه (السنن، الإقامة، باب افتتاح الصلاة ح٨٠٤). ويشهد لبعضه رواية مسلم السابقة . (٦) ذكره النحاس بدون سند (الناسخ والمنسوخ ٣١/٣)، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه. (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٣/٥) وسنده صحيح. (٨) صحيح البخاري، التهجد، باب فضل من تعار من الليل فصلى (ح ١١٥٤). (٩) نسبه السيوطي إلى الفريابي وابن المنذر. ٥٢ سُورَةُ القُونِ (٤٤، ٤٩) 0000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000 000 000000000 وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص ﴿وَسَِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ قال: إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال: سبحانك اللَّهم وبحمدك(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح أنه حدثه عن قول الله تعالى: ﴿وَسَِّعْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ حِينَ نَقُومُ﴾ يقول حين تقوم من كل مجلس إن كنت أحسنت ازددت خيراً، وإن كنت غير ذلك كان هذا كفارة له(٢). وقد قال عبد الرزاق في جامعه: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عثمان الفقير، أن جبريل علم النبي صل﴿ إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، قال معمر: وسمعت غيره يقول: هذا القول كفارة المجالس(٣). وهذا مرسل، وقد وردت مسندة من طرق يقوي بعضها بعضاً بذلك، فمن ذلك حديث ابن جريج، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ أنه قال: ((من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك)) رواه الترمذي، وهذا لفظه والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج، وقال الترمذي: حسن صحيح (٤)، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال إسناده على شرط مسلم، إلا أن البخاري علله(٥)، قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج، على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هريرة عن النبي وَ ال* بنحوه(٦)، ورواه أبو داود، واللفظ له والنسائي والحاكم في المستدرك من طريق الحجاج بن دينار، عن هشام، عن أبي العالية، عن أبي برزة الأسلمي، قال: كان رسول الله * يقول بآخر عمره: إذا أراد أن يقوم من المجلس ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). فقال رجل: يا رسول الله، إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى، قال: ((كفارة لما يكون في المجلس)»(٧). وقد روي مرسلاً (١) أخرجه النحاس من طريق الثوري به (الناسخ والمنسوخ ٣٢/٣) وسنده حسن. (٢) سنده ضعيف جداً لأن طلحة بن عمرو الحضرمي متروك (التقريب ص٢٨٣). (٣) أخرجه عبد الرزاق (المصنف ٢٤/١١ رقم ١٩٧٩٦) وسنده مرسل كما قرر الحافظ ابن كثير، ويتقوى بالرواية التالية: (٤) سنن الترمذي، الدعوات، باب ما يقول إذا قام من مجلسه (ح٣٤٢٩)، والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه (ح١٠٢٣٠). (٥) أخرجه الحاكم من طريق ابن جريج به ثم ذكر له شواهد تقويه (المستدرك ٥٣٦/١ - ٥٣٧) وهي شواهد صحيحة كما يلي. (٦) سنن أبي داود، الأدب، باب في كفارة المجلس (ح ٤٨٥٧، ٤٨٥٨) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٦٧). (٧) المصدر السابق (ح٤٨٥٩)، والسنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح١٠٢٥٩) والمستدرك ١/ ٥٣٧، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٤٠٦٨). ٥٣ • سُورَةُ الْتُورِ (٤٤، ٤٩) عن أبي العالية(١)، فالله أعلم. وهكذا رواه النسائي والحاكم من حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن رافع بن خديج، عن النبي ◌ِّرُ مثله(٢) سواء، وروي مرسلاً أيضاً فالله أعلم، وكذا رواه أبو داود، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ((كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر، إلا ختم له بهن كما يختم بالخاتم: سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك))(٣). وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة وصححه، ومن رواية جبير بن مطعم(٤)، ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كلهم عن النبي ◌َّة، وقد أفردت لذلك جزءاً على حدة بذكر طرقه وألفاظه وعلله، وما يتعلق به ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَسَيِّحْهُ﴾ أي: اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا (٣)﴾ [الإسراء]. وقوله تعالى: ﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ قد تقدم في حديث ابن عباس، أنهما الركعتان اللتان قبيل صلاة الفجر(٥)، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم؛ أي: عند جنوحها للغيبوبة. وقد روى ابن سيلان، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تدعوها وإن طردتكم الخيل))؛ يعني: ركعتي الفجر، رواه أبو داود(٦). ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب أحمد القول بوجوبهما، وهو ضعيف الحديث: ((خمس صلوات في اليوم والليلة)) قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا إلا أن تطوع)) (٧) . وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ؤها قالت: لم يكن رسول الله وَّل على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر. وفي لفظ لمسلم: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها))(٨). آخر تفسير سورة الطور [والله أعلم] (٩). (١) السنن الكبرى، عمل اليوم والليلة (ح ١٠٤٦١). (٢) المصدر السابق (ح ١٠٢٦٣) والمستدرك ٥٣٧/١، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (٣) سنن أبي داود، الأدب، باب في كفارة المجلس (ح ٤٨٥٧) وصححه الألباني في صحيح أبي داود (ح ٤٠٦٦) دون قوله: ثلاث مرات. (٤) (المستدرك ٥٣٧/١) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة ق آية ٤٠. (٦) السنن، الصلاة، باب في تخفيفهما (ح١٢٥٨)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح٢٧٢). وضعفه الحافظ ابن كثير. (٧) أخرجه الشيخان من حديث طلحة بن عبيد الله ظنه (صحيح البخاري، الإيمان، باب الزكاة من الإسلام ح٤٦ وصحيح مسلم، الإيمان، باب الصلوات التي هي أحد أركان ح٢٣٣). (٨) صحيح البخاري، التهجد، باب تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعاً (ح١١٦٩) وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر (ح٧٢٤). (٩) زيادة من (حم). ٥٤ سُورَةُ النَّحَيِ (١، ٤) 00000 سُورَةُ الْنَجَةِ وهي مكية قال البخاري: حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد - يعني الزُّبيري - حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة ((والنجم)) قال: فسجد النبي ◌َ﴿ وسجد من خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً وهو أمية بن خلف (١). وقد رواه البخاري أيضاً في مواضع ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن أبي إسحاق به، وقوله في الممتنع: إنه أمية بن خلف في هذه الرواية مُشكل، فإنه قد جاء من غير هذه الطريق أنه عُتبة بن ربيعة(٢). بير ه الرحمن الرحيم حى ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى . ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَفِىٌّ ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَى قال الشعبي وغيره: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق(٣)، رواه ابن أبي حاتم. واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَالنَّحْمِ إِذَا هَوَى ﴾﴾ فقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالنجم: الثريا إذا سقطت مع الفجر (٤)، وكذا روي عن ابن عباس وسفيان الثوري واختاره ابن جرير (٥). وزعم السدي: أنها الزهرة. وقال الضحاك: ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى ﴾﴾ إذا رمي به الشياطين وهذا القول له اتجاه. وروى الأعمش عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَالنَّحْمِ إِذَا هَوَى ﴾﴾ يعني: القرآن إذا نزل (٦)، فَلَّ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ (٤٥) وَإِنَُّ لَفَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ وهذه الآية كقوله تعالى: (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَأَعْبُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾ [النجم: ٦٢] ح ٤٨٦٣). (٢) ذكر الحافظ ابن حجر أن المعتمد هو أمية بن خلف (فتح الباري ٦١٥/٨). (٣) لم أجد من أخرجه وهو كلام نفيس. (٤) أخرجه عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس بلفظ: ((إذا انصب))، ويتقوى بسابقه. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مالك بن سُعير عن الأعمش به. ٥٥ سُورَةُ الَّجَمِ، (١، ٤) إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ (٧َ فِي كِتٍَ مَّكْنُونِ (٨) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة]. ٢٨٠ تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ وقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى ﴾﴾ هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول وَّ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال، وهو الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي هو العالم بالحق، العادل عنه قصداً إلى غيره، فنزه الله رسوله وشرعه، عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود. وهي علم الشيء وكتمانه، والعمل بخلافه، بل هو صلاة الله وسلامه عليه وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَطِقُ عَنِ الْمَوَ ﴾﴾ أي: ما يقول قولاً عن هوى وغرض ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَتَىُ يُؤْحَى ﴾﴾ أي: إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملاً موفوراً من غير زيادة ولا نقصان كما رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله وَ له يقول: ((ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين - أو مثل أحد الحيين - ربيعة ومضر)) فقال رجل: يا رسول الله أو ما ربيعة من مضر؟ قال: ((إنما أقول ما أقول))(١). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرنا الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله* أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله وكلقد، ورسول الله له بشر يتكلم في الغضب. فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله وَله فقال: ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق)) (٢). ورواه أبو داود، عن مسدد وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان(٣) به. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ- قال: ((ما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه)) ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن محمد بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ( 8) أنه قال: ((لا أقول إلا حقاً)) قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: ((إني لا أقول إلا حقاً))(٥). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٤٧/٣٦ ح٢٢٢١٥)، قال محققوه: صحيح بطرقه وشواهده دون قوله: ((فقال رجل: يا رسول ... )) إلخ. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٧/١١، ٥٨ ح ٦٥١٠)، وصحح سنده محققوه، وقبلهم الأستاذ أحمد شاكر. (٣) السنن، العلم، باب في كتابة العلم (ح٣٦٤٦) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٠٩٩). (٤) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار وقال الهيثمي: فيه أحمد بن منصور الرمادي وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر وبقية رجاله رجال الصحيح، وعبد الله بن صالح مختلف فيه مجمع الزوائد ١٧٩/١). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٥/١٤ ح٨٤٨١) وقال محققوه: إسناده قوي. ٥٦ • سُوَرَّةُ الَّخَيِ (١٨،٥) 00000000000000000000000000000000000000 0000000 0 00000000 000000 0000000000000000000000 ذُو مِرَّةٍ فَأَسْتَوَى ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى وَهُوَ بِالْأُمُقِ الْأَعْلَِ ﴿٣ ثُمَّ دَنَا فَدَلَ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ أَفَتُرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْحَى ﴿َ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْنُنَفَى عِندَهَا جَنَّةُ الْأْوَى ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا ◌َنَى ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىّ يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله محمد ﴿ أنه علمه الذي جاء به إلى الناس ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وهو جبريل عليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ ﴿٨ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْعَرشِ قُطَائِ فَمَّ أَمِينٍ (4)﴾ [التكوير] وقال ههنا ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أي: ذو قوة، قاله مجاهد والحسن مکِینٍ وابن زيد (١). وقال ابن عباس: ذو منظر حسن(٢). وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن(٣). ولا منافاة بين القولين فإنه ظلَّ* ذو منظر حسن وقوة شديدة . وقد ورد في الحديث الصحيح من رواية ابن عمر وأبي هريرة أن النبي والقر قال: ((لا تحلّ الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَويّ))(٤). وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَوَى﴾ يعني: جبريل لعلّ قاله الحسن ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس(٥). ﴿وَهُوَ بِلْأُمُِّّ الْأَعْلَ ﴾﴾ يعني: جبريل استوى في الأفق الأعلى، قاله عكرمة وغير واحد. قال عكرمة: والأفق الأعلى الذي يأتي منه الصبح. وقال مجاهد: هو مطلع الشمس. وقال قتادة: هو الذي يأتي منه النهار(٦)، وكذا قال ابن زيد وغيرهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مصرف بن عمرو اليامي أبو القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن طلحة بن مصرف، حدثني أبي، عن الوليد هو: ابن قيس، عن إسحاق بن أبي الكهتلة، أظنه ذكره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله وَّ﴿ لم يرَ جبريل في صورته إلا مرتين: أما واحدة فإنه سأله أن يراه فى صورته فسد الأفق. وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد فذلك قوله: ﴿وَهُوَ بِلْأُمُشِّ الْأَعْلَِ ﴾﴾(٧). وقد قال ابن جرير ههنا قولاً لم أره لغيره، (١) أخرجه البخاري تعليقاً وقال الحافظ ابن حجر: وصله الفريابي. (فتح الباري ٦٠٤/٨) ووصله آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ٦٠. (٥) أخرجه آدم والطبري بالسند الصحيح المتقدم عن مجاهد، وأخرجه أبو الشيخ بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس (العظمة رقم ٣٦٨). (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٧) سنده ضعيف لأن مصرف بن عمرو الأيامي: مجهول. (التقريب ص٥٣٣). ٥٧ • سُورَةُ الْبَيِ (١٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولا حكاه هو عن أحد وحاصله أنه ذهب إلى أن المعنى فاستوى؛ أي: هذا الشديد القوي ذو المِرّة هو ومحمد ◌َليوبالأفق الأعلى؛ أي: استويا جميعاً بالأفق الأعلى وذلك ليلة الإسراء، كذا قال، ولم يوافقه أحد على ذلك، ثم شرع يوجه ما قاله من حيث العربية فقال وهو كقوله: ﴿أَءِذَا كُنَّا تُرَبًا وَءَابَآؤُنَّآ﴾ [النمل: ٦٧] فعطف بالآباء على المكنى في كنا من غير إظهار نحن فكذلك قوله فاستوى وهو، قال وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده: ولا يستوي والخروع المتقصف (١) ألم تر النبع يصلب عوده وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإسراء بل قبلها، ورسول الله له في الأرض، فهبط عليه جبريل منظلكل* وتدلى إليه فاقترب منه وهو على الصورة التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى يعني ليلة الإسراء، وكانت هذه الرؤية الأولى في أوائل البعثة بعدما جاءه جبريلعليّ أول مرة، فأوحى الله إليه صدر سورة اقرأ، ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي وَّل فيها مراراً ليتردى من رؤوس الجبال. فكلما همَّ بذلك ناداه جبريل من الهواء، يا محمد أنت رسول الله حقاً وأنا جبريل، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه (٢)، وكلما طال عليه الأمر عاد لمثلها حتى تبدى له جبريل ورسول الله وقلقه بالأبطح في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح(٣) قد سد عظم [خلقه] (٤) الأفق، فاقترب منه وأوحى إليه عن الله رَّ ما أمره به، فعرف عند ذلك عظمة الملك الذي جاءه بالرسالة وجلالة قدره وعلو مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه. فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار فى مسنده حيث قال: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: (بينا أنا قاعد إذا جاء جبريلمنظّ فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر، فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلِّب طرفي، ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلي جبريل كأنه جلس لاطئ فعرفت فضل علمه بالله علي. وفتح لي باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرفة الدر والياقوت، وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحي)) ثم قال البزار: ((لا يرويه إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلاً مشهوراً من أهل البصرة))(٥). قلت: الحارث بن عبيد هذا هو أبو قدامة الأيادي أخرج له مسلم في صحيحه إلا أن ابن معين ضعفه، وقال: ليس هو بشيء، وقال الإمام أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم (١) معاني القرآن ٩٥/٣، واستشهد به الطبري. (٢) أخرجه البخاري (الصحيح، التعبير، باب أول ما بدء به رسول الله وسيقوم من الوحي الرؤيا الصادقة ح ٦٩٨٢). (٣) سيأتي تخريجه بعد الرواية التالية. (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: حلقه. (٥) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (مختصر زوائد مسند البزار ٩٤/١، ٩٥ ح٣٤) وقال ابن حجر في الحارث بن عبيد: أخرج له الشيخان وهو مع ذاك له مناكير هذا منها. ولهذا قرر الحافظ تضعيف سند هذا الحدیث. ٥٨ • سُورَةُ التَّحَيِ (١٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كثُر وهمه فلا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، فهذا الحديث من غرائب رواياته، فإن فيه نكارة وغرابة ألفاظ وسياقاً عجيباً ولعله منام، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله أنه قال: رأى رسول الله ير جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم(١). انفرد به أحمد. وقال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن إدريس بن منبه، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس قال: سأل النبي وَ * جبريل أن يراه في صورته فقال: ادع ربك، فدعا ربه ◌َ فطلع عليه سواد من قبل المشرق فجعل يرتفع وينتشر، فلما رآه النبي وَّر صعق، فأتاه فنعشه ومسح البزاق عن شدقه(٢). تفرد به أحمد. وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عُتبة بن أبي لهب من طريق محمد بن إسحاق، عن عثمان بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن هبار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام فتجهزت معهما، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقنَّ إلى محمد ولآذينه في ربه ثَلَ، فانطلق حتى أتى النبي ◌َّ فقال: يا محمد هو يكفر بالذي دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فقال النبي ◌َّ: ((اللَّهم سلط عليه كلباً من كلابك)) ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه فقال: يا بُني ما قلت له، فذكر له ما قاله، فقال: فما قال لك؟ قال: قال: ((اللَّهم سلط عليه كلباً من كلابك)) قال: يا بُني والله ما آمن عليك دعاءه، فسرنا حتى نزلنا الشراة وهي مأسدة، ونزلنا إلى صومعة راهب فقال الراهب: يا معشر العرب، ما أنزلكم هذه البلاد فإنها يسرح الأسد فيها كما تسرح الغنم. فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة، والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة وافرشوا لابني عليها ثم افرشوا حولها، ففعلنا فجاء الأسد فشمَّ وجوهنا فلما لم يجد ما يريد تقبض فوثب وثبة فإذا هو فوق المتاع، فشمَّ وجهه ثم هزمه هزمةً ففسخ رأسه فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد(٣). وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْفَ (٦)﴾ أي: فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض حتى كان بينه وبين محمد و ﴿ قاب قوسين؛ أي: بقدرهما إذا مُدًّا، قاله مجاهد وقتادة(٤). وقد قيل: إن المراد بذلك بُعد ما بين وتر القوس إلى كبدها. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٤/٦ ح٣٧٤٨) وضعف سنده محققوه إذا أعلّوه بشريك وهو ابن عبد الله النخعي. اهـ. ولكن الشق الأول له شواهد صحيحة ستأتي. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٨/٥ ح٢٩٦٥) وضعف سنده محققوه، وأعلّوه بإدريس بن منبه. والشدق هو جانب الفم من باطن الخدين. (٣) أخرجه الحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه مختصراً وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٣٩) وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٩/٤). (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((جبريل)). ٥٩ سُورَةُ الْبَحَيِ (١٨،٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَدْفَ﴾ قد تقدم أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَالِحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤] أي: ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها أو تزيد عليها في الشدة والقسوة وكذا قوله: ﴿يَخْشَوّنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اَللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ [النساء: ٧٧] وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات] أي: ليسوا أقل منها بل هم مائة ألف حقيقة أو يزيدون عليها. فهذا تحقيق للمخبر به لا شك ولا تردد فإن هذا ممتنع وهكذا ههنا هذه الآية ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴾﴾ وهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إنما هو جبريل فعلا، وهو قول أم المؤمنين عائشة وابن مسعود وأبي ذرِّ وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريباً إن شاء الله تعالى. وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين فجعل هذه إحداهما، وجاء في حديث شريك بن أبي نمر، عن أنس في حديث الإسراء: ثم دنا الجبار ربُّ العزة فتدلى(١)، ولهذا قد تكلم كثير من الناس في متن هذه الرواية وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صحَّ فهو محمول على وقت آخر وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول الله وَ﴿ في الأرض لا ليلة الإسراء، ولهذا قال بعده: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى ◌ْ عِندَ سِدْرَةِ اٌلْتُنَّعَى ﴾﴾ فهذه هي ليلة الإسراء والأولى كانت في الأرض. وقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود في هذه الآية (9) قال: قال رسول الله وَيقول: ((رأيت جبريل له ستمائة جناح))(٢). فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ وقال ابن وهب: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: كان أول شأن رسول الله ◌َ و أنه رأى في منامه جبريل بأجياد، ثم إنه خرج ليقضي حاجته فصرخ به جبريل: يا محمد يا محمد! فنظر رسول الله يميناً وشمالاً فلم يرَ أحداً ثلاثاً، ثم رفع بصره فإذا هو ثاني إحدى رجليه مع الأخرى على أفق السماء فقال: يا محمد جبريل يسكنه، فهرب النبي وَل حتى دخل في الناس، فنظر فلم يرَ شيئاً، ثم خرج من الناس ثم نظر فرآه فدخل في الناس فلم يرَ شيئاً، ثم خرج فنظر فرآه، فذلك قول الله وَك ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى ﴾﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَدَلَّك ﴾﴾ يعني: جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴾﴾ ويقولون: ألقاب نصف أصبع، وقال بعضهم: ذراعين كان بينهما، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب به(٣). وفي حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر شاهداً لهذا. [وروى (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ١، وعلة هذا الحديث في وهم شريك بن أبي نمر وقد أحصى الحافظ ابن حجر أوهامه في حديث الإسراء والمعراج (ينظر: فتح الباري ٤٨٥/١٣). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وله شاهد في الصحيحين من حديث جابر ﴿ه كما سيأتي بعد الروايتين التاليتين. (٣) أخرجه الطبري عن ابن وكيع عن ابن وهب به، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان، وابن لهيعة وكلاهما فيهما مقال. ٦٠ سُورَةُ النَّجَمِ (١٨،٥) البخاري، عن طلق بن غنام، عن زائدة، عن الشيباني قال: سألت زرًّاً عن قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ ﴾ قال: حدثنا عبد الله أن محمداً وَله رأى جبريل قَوْصَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴿ فَوْحَ إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى له ستمائة جناح(١) . وقال ابن جرير: حدثني ابن بزيع البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴾﴾ قال: رأى رسول الله ﴿﴿ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض] (٢) (٣). فعلى ما ذكرناه يكون قوله: ﴿فَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوْعَى ﴾﴾ معناه فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، أو فأوحى الله إلى عبده محمد ما أوحى بواسطة جبريل، وكلا المعنيين صحيح. وقد ذُكر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَا أَوَى ﴾﴾ قال: أوحى الله إليه ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ [الضحى: ٦]، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح]. وقال غيره: أوحى الله إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك (٤) . وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَّ ﴿﴿ أَفَُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (٣)﴾ قال مسلم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَ ﴿﴾﴾ ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى )) قال: رآه بفؤاده مرتين(٥). وكذا رواه سماك عن عكرمة، عن ابن عباس مثله(٦)، وكذا قال أبو صالح والسدي وغيرهما: إنه رآه بفؤاده مرتين(٧)، وقد خالفه ابن مسعود وغيره. وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية وهي محمولة على المقيدة بالفؤاد، ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة . وقول البغوي في تفسيره وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة فيه نظر (٨)، والله أعلم. وقال الترمذي: حدثنا محمد بن عمرو بن المنهال بن صفوان، حدثنا يحيى بن كثير العنبري، عن سلمة بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه، قلت: أليس الله يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ قال: ويحك ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين. ثم قال: حسن غريب(٩) . (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه الصحيح. (٣) زيادة من (حم) و(مح). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. ويشهد له سابقه. (٤) ذكره البغوي في تفسيره (٢٤٦/٤). (٥) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَقَدْ رَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَ (٣)﴾ [النجم] ح ٢٨٥). (٦) أخرجه الطبري من طريق سماك بن حرب به، وفي رواية سماك عن عكرمة اضطراب، ولكنه توبع كما تقدم في رواية مسلم، وإن صحَّ عن ابن عباس فإنه قول مرجوح كما سيأتي. (٧) أخرجه الطبري من طريق السدي عن أبي صالح، وحكمه كسابقه في أنه قول مرجوح. (٨) ذكره البغوي ونسبه إليهم ثلاثتهم. (التفسير ٢٤٧/٤). (٩) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة النجم ح٣٢٧٥) وضعف سنده الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ٦٤٧).