النص المفهرس
صفحات 661-680
٦٦١ • سورة القتال (٢٨،٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يونس، عن الحجاج بن الفرافصة، عن أبي عمر البصري، عن سليمان قال: قال رسول الله وَليه : ((الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف))(١) وبه قال رسول الله وكلين : ((إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسنة وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه فعند ذلك لعنهم الله وأصمهم وأعمى أبصارهم))(٢). [والأحاديث في هذا كثيرة، والله أعلم] (٣). ٢٤ إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَىَّ أَدْبَرِهِ مِّنْ بَعْدِ مَا - ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاَ نَبِيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىِّ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ اُلْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ (٨ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَنَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اَللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ يقول تعالى آمراً بتدبر القرآن وتفهمه وناهياً عن الإعراض عنه فقال: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاَ ( أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه . قال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: تلا رسول الله وَلٍّ يوماً ﴿أَفَلاَ يَتَدَبُّونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾﴾؟ فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به (٤) . ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَرْتَدُواْ عَلَّ أَدْبَرِهِ مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ﴾ أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا نَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىّ الشَّيْطَنُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: زين لهم ذلك وحسنه ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي: غرهم وخدعهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّكَ اللّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِىِ بَعْضِ الْأَمْرِّ﴾ أي: مالؤوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون. ولهذا قال الله ربّ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي: ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّئُونَ﴾ [النساء: ٨١]. ثم قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ (٣)﴾ أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعاصت الأرواح في أجسادهم واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّنَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٥٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَوَّ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْمُوْتِ وَالْمَئِكَةُ بَسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: بالضرب ﴿أَخْرِجُواْ أَنْفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ غَيّرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَلِهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] ولهذا قال ههنا: ﴿ذَلِكَ (١) تقدم تخريجه في سورة الكهف آية ١٤. (٢) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٦/ ٢٦٣ ح٦١٦٩) قال الهيثمي: فيه جماعة لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٢٨٧/٧). (٣) زيادة من (حم) و(مح). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل. ٦٦٢ • سورة القتال (٢٩، ٣١) 00000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 بِأَنَّهُمُ أَتَبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اَللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ، فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَ يْنَكَهُمْ ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ أَنْ لَّنْ يُخْرِجَ اَللَّهُ أَضْغَنَهُمْ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَّى نَعْلَمَ اَلْمُجَتِهِدِينَ مِنْكُ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ الْقَوْلِّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ (٢) وَالصَِّينَ وَنَبْلُوَّا أَخْبَارَكُمْ يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ ﴾﴾؟ أي: أيعتقد المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟ بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر، وقد أنزل الله تعالى في ذلك سورة براءة فبين فيها فضائحهم، وما يعتمدونه من الأفعال الدالّة على نفاقهم، ولهذا كانت تسمى الفاضحة. والأضغان: جمع ضغن وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُم بِسِيمَهُمْ﴾ يقول تعالى ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم فعرفتهم عياناً، ولكن لم يفعل تعالى ذلك في جميع المنافقين ستراً منه على خلقه، وحملاً للأمور على ظاهر السلامة ورداً للسرائر إلى عالمها ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوَّلِّ﴾ أي: فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم يفهم المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان تظله: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. وفي الحديث: ((ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى جلبابها إن خيراً فخير وإن شراً فشر))(١). وقد ذكرنا ما يستدل به على نفاق الرجل وتكلمنا على نفاق العمل والاعتقاد في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته ههنا، وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ظُبه قال: خطبنا رسول الله وَّ خطبة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «إن منکم منافقین فمن سمیت فلیقم، ثم قال: قم يا فلان، قم يا فلان قم يا فلان، حتى سمى ستة وثلاثين رجلاً ثم قال: إن فيكم - أو منكم - منافقين فاتقوا الله)) قال فَمَّر عمر رَُّه برجل ممن سمى مقنع قد كان يعرفه فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله وَ ل﴿ فقال: بُعداً لك سائر اليوم(٢). وقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: لنختبرنكم بالأوامر والنواهي ﴿حَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُرْ وَالصَِّنَ وَنَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ﴾ وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد حتى نعلم وقوعه ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنعلم أي: لنرى. (١) أسنده الحافظ في تفسير سورة الفتح آية ٢٩ وسيأتي تخريجه وتضعيفه هناك. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/٣٧ ح ٢٢٣٤٨) قال محققوه: إسناده ضعيف لجهالة عياض الراوي عن ابن مسعود، ومتنه منكر. ٦٦٣ • سورة القتال (٣٢، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآَقُواْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُواْ اللّهَ إِنَ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَلَهُمْ ﴾ ﴾ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ جَ فَلَ نَهِنُواْ وَدْعُوْاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَّكُمْ أَعْمَلَكُمْ (٥) يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله وخالف الرسول وشاقه، وارتدَّ عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئاً، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية كما أن الحسنات يذهبن السيئات. وقد قال الإمام أحمد بن نصر المروزي في (كتاب الصلاة)): حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله وَله يرون أنه لا يضر مع ((لا إله إلا الله)) ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل فنزلت ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فخافوا أن يبطل الذنب العمل(١)، ثم روي عن طريق عبد الله بن المبارك أخبرني بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ◌َ﴿ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ ◌ِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾ [النساء: ٤٨] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها(٢). ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ أي: بالردة، ولهذا قال بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اَلَّهُ لَهُمْ ﴾﴾ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَمْ﴾ الآية. ثم قال لعباده المؤمنين: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا عن الأعداء ﴿وَتَدْعُواْ إِلَ السَّمِ﴾ أي: المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعُددكم، ولهذا قال: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَنَدْعُوْاْ إِلَى السَّمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ﴾ أي: في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله وَل﴿ حين صدَّه كفارة قريش عن مكة ودعوه إلى الصلح، ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين فأجابهم وَلّ إلى ذلك. وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئاً. (١) أخرجه المروزي بسنده ومتنه (تعظيم قدر الصلاة ٦٤٥/٢ ح٦٩٨) وسنده مرسل. (٢) سنده حسن، وتقدم نحوه في تفسير سورة النساء آية ٤٨. ٦٦٤ • سورة القتال (٣٨،٣٦) 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ب) إِن ] ﴿إِنَّمَا لَلَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌّ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَّكُمْ وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اَلَّهِ فَمِنكُمْ يَتَذْكُمُهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَنَكُمْ مَن يَبْخَلَّ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ ج يقول تعالى تحقيراً لأمر الدنيا وتهويناً لشأنها: ﴿إِنَّمَا لٌلَوَّةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَلَهَوْ﴾ أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها الله رَق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَنَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْئَلْكُمْ أَمْوَلَكُمْ﴾ أي: هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئاً وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساة لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم ويرجع ثوابه إليكم. ثم قال: ﴿إِن يََْلْكُمُهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ أي: يحرجكم تبخلوا ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَنَكُمْ﴾ قال قتادة: قد علم الله تعالى أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وصدق قتادة فإن المال محبوب ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه. وقوله تعالى: ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ لِنُنفِقُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُمْ مَنْ يَبْخَلٌ﴾ أي: لا يجيب إلى ذلك ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن ◌َّفْسِهَ﴾ أي: إنما نقص نفسه من الأجر وإنما يعود وبال ذلك عليه ﴿وَاللَّهُ الْغَنِىُّ﴾ أي: عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه دائماً، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ أي: بالذات إليه، فوصفه بالغني وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم لا ینفکون عنه. وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ﴾ أي: عن طاعته واتباع شرعه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْتَلَكُمْ﴾ أي: ولكن يكونون سامعين مطيعين له ولأ وامره. وقال ابن أبي حاتم وابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ظلبه قال: إن رسول الله وَله تلا هذه الآية ﴿وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ﴾ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده على كتف سلمان الفارسي ثم قال: ((هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس))(١). تفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلم فيه بعض الأئمة رحمة الله عليهم، والله أعلم. آخر تفسير سورة القتال. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البستي من طريق مسلم بن خالد به. وفي سنده مسلم بن خالد الزنجي فيه مقال قد روي من طرق أخرى فأخرجه الترمذي من طريق شيخ من أهل المدينة عن العلاء به ثم قال: غريب في إسناد مقال. وأخرجه أيضاً من طريق عبد الله بن جعفر بن نجيح عن العلاء به (السنن، التفسير، باب ومن سورة محمد وَ ح ٣٢٦٠ و٣٢٦١) وعبد الله بن جعفر بن نجيح: ضعيف (التقريب ص٢٩٩)، وصححهما الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٥٩٨ - ٢٥٩٩). وأخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز بن محمد عن العلاء به لكن بدون قوله ((ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس)). وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٥٨/٢). ٦٦٥ • سُورَةُ الفَتْحُ (٣،١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 Poo 000 00000 سُورَةُ الفَتْحُ وهي مدنية قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ رسول الله وَ ير عام الفتح في مسيره سورة الفتح على راحلته فرجَّع(١) فيها قال معاوية: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت قراءته (٢). أخرجاه من حديث شعبة به(٣). بسم الله الرحمن الرحيم 2- ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُبِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله وَّر، من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام فيقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ظه كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى، فلما نحر هديه حيث أُحصر ورجع أنزل الله رحمك هذه السورة من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحاً باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه، كما روى ابن مسعود ربه وغيره أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية (٤). وقال الأعمش: عن أبي سفيان، عن جابر ظُه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية(٥). وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ظ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع رسول الله ﴿و أربع عشرة مائة. والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله س18 فأتانا فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض (١) أي: ردد صوته بالقراءة وكيفيته: ١٠ ءا ءا ثلاث مرات هكذا ذكره البخاري في كتاب التوحيد (ح ٧٥٤) وينظر فتح الباري (٥٨٤/٨). (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/٥) وسنده صحيح. (٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة الفتح ٤٨٣٥، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ذكر قراءة النبي وَلّ سورة الفتح يوم مكة (ح٧٩٤). (٤) يشهد له رواية البخاري عن البراء ظهبه التالية. (٥) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به ويشهد له ما يليه. ٦٦٦ سُورَةُ الفَتْحُ (١، ٣) 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ودعا ثم صبَّه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا (١) ما شئنا نحن وركائبنا(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ظُه قال: كنا مع رسول الله و 18 في سفر قال: فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليّ، قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت (٣) على رسول الله الهول ثلاث مرات فلم يرد عليك؟ قال: فركبت راحلتي فحركت بعيري فتقدمت مخافة أن يكون نزل فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد يا عمر، قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء قال: فقال النبي ◌َِّ: ((نزل عليَّ البارحة سورة هي أحب إلي من الدنيا وما فيها ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْعًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَذَمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾(٤)). ورواه البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن مالك تَُّ(٥)، وقال علي بن المديني: هذا إسناد مدينتي جيد لم نجده إلا عندهم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك وَبَّه قال: فـ نزلت على النبي ◌َّهُ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مرجعه من الحديبية. قال النبي ◌َّ: ((لقد أنزلت عليَّ الليلة آية أحب إليّ مما على الأرض)) ثم قرأها عليهم النبي ◌َّ فقالوا: هنيئاً مريئاً يا نبي الله لقد بين الله رَك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه وَعليه: ﴿لَيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِْهَا الْأَنْهُ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٥](٦). أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به(٧) . وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب قال: سمعت أبي يحدث عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن حارثة الأنصاري ـ ـنْه، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس ينفرون(٨) الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله وَّ فخرجنا مع الناس نوجف فإذا رسول الله وير على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم ﴿إِنَا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا غُبِينًا ﴾﴾ قال: فقال: رجل من أصحاب رسول الله وَّل أي رسول الله أو فتح هو؟ قال ◌َ: ((إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح)) فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله وَل ثمانية عشر سهما. وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلاثمائة فارس أعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً(٩). ورواه أبو (١) أي: صرفتنا وقد روينا. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة الحديبية ح ٤١٥٠). (٣) أي: ألححت. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١/١) وسنده صحيح. (٥) صحيح البخاري، المغازي، غزوة الحديبية (ح٤١٧٧)، وسنن الترمذي التفسير، باب ومن سورة الفتح (ح ٣٢٦٤)، والسنن الكبرى للنسائي التفسير، (ح١١٤٩٩). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٧/٣) وسنده صحيح. (٧) صحيح البخاري، الباب السابق (ح٤١٧٢)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب صلح الحديبية (ح ١٧٨٦). (٨) أي: يزجرون إبلهم ويدفعونها . (٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٢/٢٤، ٢١٣ ح ١٥٤٦٩) وضعف سنده محققوه. ٦٦٧ • سُوَرَّةُ الفَتْحُ (٣،١) 1000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 داود في الجهاد، عن محمد بن عيسى، عن مجمع بن يعقوب به (١). وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو [بحر، حدثنا شعبة](٢)، حدثنا جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة قال: سمعت عبد الله بن مسعود رَ به يقول: لما أقبلنا من الحديبية عرسنا فنمنا فلم نستيقظ إلا والشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله وعليه نائم قال: فقلنا أيقظوه. فاستيقظ رسول الله وَ له فقال: ((افعلوا ما كنتم تفعلون وكذلك يفعل من نام أو نسي)) قال: وفقدنا ناقة رسول الله صل﴿ فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامها بشجرة، فأتيته بها فركبها فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي قال: وكان إذا أتاه الوحي اشتد عليه، فلما سري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا غُّبِينًا ﴾﴾(٣). وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به (٤). وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النبي 18 يصلي حتى ترم قدماه فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال ◌َله: ((أفلا أكون عبداً شكوراً؟))(٥). أخرجاه وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث زياد به (٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، عن ابن قسيط، عن ابن عروة بن الزبير، عن عائشة ﴿يّا قالت: كان رسول الله وَّر إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه (٧)، فقالت له عائشة ﴿ثنا: يا رسول الله وقر أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال وَلجر: ((يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً؟))(٨) أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عوف الخراز - وكان ثقة بمكة -، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا مسعر عن قتادة، عن أنس قال: قام رسول الله وَلأو حتى تورمت قدماه - أو قال ساقاه - فقيل له أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً))(٩)؟ غريب من هذا الوجه. (١) سنن أبي داود، الجهاد، باب فيمن أسهم له سهماً (ح٢٧٣٦). (٢) زيادة من (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض وسطه كلمة: (ثنا)). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أبو داود من طريق شعبة به. (السنن، الصلاة، باب في من نام عن الصلاة أو نسيها ح ٤٤٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٠). (٤) (المسند ٤٦٤/١) والسنن الكبرى للنسائي (ح٨٨٥٣). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥٥/٤) وسنده صحيح. (٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿لِيَغْفِرَ لَّكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ ... ﴾ [الفتح: ٢] (ح ٤٨٣٧)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة (ح٢٨١٩). (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٥/٦) وسنده صحيح. (٨) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٨٢٠). (٩) أخرجه الطبراني من طريق عبد الله الخراز به (المعجم الأوسط ح ٥٧٣٧) وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٢٧٤/٢) ويشهد له سابقه. ٦٦٨ سُورَةُ الْفَتَّح (٤، ٧) فقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا غُبِينًا ﴾﴾ أي: بيناً وظاهراً والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض، وتكلم المؤمن مع الكافر وانتشر العلم النافع والإيمان. وقوله تعالى: ﴿لِغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَّقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ هذا من خصائصه وَّيِ التي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ويصير، وهو ◌َّر في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو ير أكمل البشر على الإطلاق وسيدهم في الدنيا والآخرة، ولما كان أطوع خلق الله تعالى الله وأشدهم تعظيماً لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: ((حبسها حابس الفيل)) ثم قال: ((والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم شيئاً يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها)) (١) فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح قال الله تعالى له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا غُبِينًا ﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُئِمَّ نِعْمَتَهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم ﴿وَصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ﴾﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ بسبب خضوعك لأمر الله يرفعك الله وينصرك على أعدائك كما جاء في الحديث الصحيح ((وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله))(٢). وعن عمر بن الخطاب أنه قال: ما عاقبت أحداً عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تبارك وتعالی فیه. ﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنَزَلَ الشَّكِيْنَةَ فِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا فَعَ إِيمَنِهِمُ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ◌َكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ◌ِيُدْخِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمَّ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اَللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ اُلَّائِينَ بَاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءُ عَلَيْهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَهَنَّةٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ﴿ وَلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾﴾. يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَّلَ اُلسَّكِيْنَةَ﴾ أي: جعل الطمأنينة، قاله ابن عباس وعنه: الرحمة(٣). وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين، وهم الصحابة، يوم الحديبية الذين استجابوا لله ولرسوله وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك واستقرَّت زادهم إيماناً مع إيمانهم، وقد استدل بها البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب، ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: ولو أرسل عليهم ملكاً واحداً لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة والبراهين الدامغة، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ . (١) أخرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان مطولاً (الصحيح، الشروط، باب الشروط في الجهاد ح ٢٧٣١، ٢٧٣٢). (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٢٩. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. ٦٦٩ سُورَةُ الفَتح (٨، ١٠) ثم قال تعالى: ﴿لِيَدْخِلَ الْمُؤْمِنَ وَاُلْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾ قد تقدم حديث أنس حين قالوا: هنيئاً لك يا رسول الله، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَّدْخِلَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَخْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾(١) أي: ماكثين فيها أبداً ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَبِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم فلا يعاقبهم عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر ويستر ويرحم ويشكر ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ كقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِجَ عَنِ الثَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ اُلْفُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقوله تعالى: ﴿وَيُعَذِبَ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ الَّانِيْنَ بِالَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي: يتهمون الله تعالى في حكمه ويظنون بالرسول وسلم وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى: ﴿عَلَيِّهِمْ دَابِرَةُ السَّوْءٌ وَغَضِبَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ثم قال مؤكداً لقدرته على الانتقام من الأعداء أعداء الإسلام ومن الكفرة والمنافقين ﴿وَلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ - ﴿إِنَّ أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا ﴿ لِتُؤْمِنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ الَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْنَى بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا يقول تعالى لنبيه محمد رَله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْتَكَ شَهِدًا﴾ أي: على الخلق ﴿وَمُبَشِرًا﴾ أي: للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: للكافرين وقد تقدم تفسيرها في سورة الأحزاب(٢). ﴿لِتُؤْمِنُواْ بِأَلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: تعظموه(٣) ﴿وَتُوَفِّرُوهُ﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: تسبحون الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار وآخره. ثم قال لرسوله وَ ﴿ تشريفاً له وتعظيماً وتكريماً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ كقوله: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿يَدُ اٌلَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله وَله كقوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ أَشْتَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَتِلُونَ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الْثَوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَاَلْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْلَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِدٍّ، وَذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (١)﴾ [التوبة]. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري: حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عظوابه قال: قال سول الله وَله: ((من سلَّ سيفه في سبيل الله فقد بايع الله))(٤). (١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير هذه السورة الكريمة. (٢) في الآية ٤٥. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ومعناه صحيح وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٤) عزاه السيوطي إلى ابن مردوية وضعفه (ينظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير ٦/ ١٥٤). ٦٧٠ • سُوَدَّةُ الْفَتْح (٨، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله في الحجر: ((والله ليبعثَّه الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله تعالى)) ثم قرأ رسول الله وَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اَللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيْهِمْ﴾(١). ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود وبال ذلك على الناكث والله غني عنه ﴿وَمَنْ أَوْثَى بِمَا عَهَدَ عَلَيَّهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثواباً جزيلاً. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله وَلهم يومئذٍ قيل: ألفاً وثلاثمائة، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، والأوسط أصح. ذكر الأحاديث الواردة في ذلك: قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة (٢) . ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به (٣)، وأخرجاه أيضاً من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: كنا يومئذٍ ألفاً وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى رووا كلهم(٤)، وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﴿ أعطاهم سهماً من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء حتى كفتهم فقيل لجابر: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: كنا ألفاً وأربعمائة ولو كنا مائة ألف لكفانا، وفي رواية في الصحيحين عن جابر أنهم كانوا خمس عشرة مائة(٥). وروى البخاري من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة(٦)، [قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة قال نَّثُهُ: وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة](٧) قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم فقال أربع عشرة مائة(٨)، وروى (١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٩١/٥ ح٢٢١٥)، وابن ماجه (السنن، المناسك، باب استلام الحجر ح ٢٩٤٤) من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم به بدون ذكر الآية، وصححه محققو المسند، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٣٨٢) (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] ح ٤٨٤٠). (٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش. (ح ٧١/١٨٥٦). (٤) صحيح البخاري، الأشربة، باب شُرب البركة (ح٥٦٣٩)، وصحيح مسلم، الإمارة، الباب السابق (ح ١٨٥٦/ ٧٤) واللفظ للبخاري ولفظ مسلم ليس فيه معجزة نبع الماء. (٥) نفس المصدرين السابقين (صحيح مسلم ح١٨٥٦/ ٧٢ وصحيح البخاري ح٥٦٣٩). (٦) أخرجه البخاري من طريق سعيد، وهو ابن أبي عروبة عن قتادة به (الصحيح، المغازي، غزوة الحديبية ح٤١٥٣). وقد جمع الحافظ ابن حجر فقال: والجمع بين هذا الاختلاف عن جابر أنهم كانوا زيادة على ألف وأربعمائة، فمن اقتصر عليها ألغى الكسر، ومن قال: ألف وخمسمائة جبره (فتح الباري ٧/ ١٠٢). (٧) زيادة من (حم) و(مح). (٨) دلائل النبوة ٤ / ٩٧. ٦٧١ سُورَةُ الفَتْح (٨، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 العوفي، عن ابن عباس أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرين(١)، والمشهور الذي رواه غير واحد عنه أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي، عن الحاكم، عن الأصم، عن العباس الدوري، عن يحيى بن معين، عن شبابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله وَل﴿ تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة(٢)، وكذلك هو الذي في رواية سلمة بن الأكوع ومعقل بن يسار والبراء بن عازب، وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير. وقد أخرج صاحبا الصحيح من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى رُّبه يقول: كان أصحاب الشجرة ألفاً وأربعمائة وكانت أسلم يومئذٍ ثمن المهاجرين(٣). وروى محمد بن إسحاق في السيرة عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا: خرج رسول الله ومدير عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل كل بدنة عن عشرة نفر، وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني عنه يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة(٤) مائة، كذا قال ابن إسحاق وهو معدود من أوهامه، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة، [كما سيأتي إن شاء الله تعالى](٥). ذكر سبب هذه البيعة العظيمة: قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: ثم دعا رسول الله وَ طل عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلُّك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظماً لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله ، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله وَل ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله وَه إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله وَله. واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ﴿﴿ والمسلمين أن عثمان قد قتل، قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ◌َ﴾ قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: ((لا نبرح حتى نناجز القوم)). ودعا رسول الله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: (١) سنده ضعيف لضعف العوفي والراوي عنه. (٢) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٩٨/٤) ويشهد له ما سبق في الصحيحين من حديث جابر (٣) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الحديبية (ح ٤١٥٥) وصحيح مسلم، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال (ح ١٨٥٧). (٤) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢٦٥/٣). (٥) زيادة من (حم) و(مح). ٦٧٢ • سُورَةُ الفَتْحُ (١٠،٨) 0000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000 بايعهم رسول الله ويقر على الموت، وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله وَل ﴿ لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر(١)، فبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجدّ بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته، قد صبأ إليها يستتر بها من الناس، ثم أتى رسول الله وَ﴿ أن الذي كان من أمر عثمان باطل(٢). وذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير قريباً من هذا السياق، وزاد في سياقه أن قريشاً بعثوا وعندهم عثمان، سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله وَ﴿، فبينما هم عندهم إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنبل والحجارة وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين من عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله وير: ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله وَله: بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله تعالى فبايعوا، فسار المسلمون إلى رسول الله وَلقه وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبداً. فأرعب ذلك المشركين وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أُمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن [عبيد](٤) الصفار، حدثنا هشام، حدثنا الحسن بن بشر، حدثا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك به قال: لما أمر رسول الله وَ ﴿ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رَؤُه رسولَ رسولِ الله وَّه إلى أهل مكة، فبايع الناس فقال رسول الله وَّه: ((اللَّهمَّ إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله)) فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله وَ ل ﴿ لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم(٥) . قال ابن هشام: حدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر قال: بايع رسول الله ويقولعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال عبد الملك بن هشام النحوي: فذكر وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: إن أول من بايع رسول الله بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي(٦). وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: لما دعا رسول الله ◌َ﴿ الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ◌ّله: ((علام تبايعني؟)) فقال أبو سنان: على ما في نفسك، هذا (٧) أبو سنان وهب الأسدي ﴿ه(٧) . وقال البخاري: حدثنا شجاع بن الوليد أنه سمع النضر بن محمد يقول: حدثنا صخر، عن (١) قول جابر أخرجه مسلم (المصدر السابق ح ٦٨/١٨٥٦). (٢) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣١٥/٢). (٣) دلائل النبوة للبيهقي ١١٢/٤. وسنده مرسل وله شواهد تقويه. (٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((عبد)). (٥) سنده ضعيف لضعف الحكم بن عبد الملك (التقريب ص١٧٥). (٦) السيرة النبوية ٣١٦/٢، والسند الأول ضعيف الإبهام شيخ ابن هشام، والسند الثاني مرسل. (٧) أخرجه البيهقي من طريق الحميدي به (دلائل النبوة ١٣٧/٤) وسنده مرسل. ٦٧٣ • سُورَةُ الْفَتْحُ (٨، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 نافع قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، أن يأتي به، ليقاتل عليه ورسول الله وَيقول يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله وَ له يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله وَير وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر (١). ثم قال البخاري، وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عمر بن محمد العمري، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: إن الناس كانوا مع رسول الله وَّ قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي و 18 فقال يعني: عمر: يا عبد الله انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله وَّ؟ فوجدهم يبايعون فبايع، ثم رجع إلى عمر، فخرج فبايع(٢). وقد أسنده البيهقي، عن أبي عمرو الأديب، عن أبي بكر الإسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن دُحیم، حدثني الوليد بن مسلم ... فذكره. وقال الليث: عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه، وعمر ظله آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال: بايعناه على أن لا نفرَّ ولم نبايعه على الموت(٣). رواه مسلم عن قتيبة عنه. وروى مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي و 8* يبايع الناس، وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفرَّ (٤). وقال البخاري: حدثنا المكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله وَيقول تحت الشجرة. قال يزيد: قلت يا أبا مسلمة على أي شيء كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت(٥). وقال البخاري أيضاً: حدثنا أبو عاصم، حدثنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة نظرابه قال: بايعت رسول الله 18 يوم الحديبية، ثم تنحيت فقال ◌َله: ((يا سلمة ألا تبايع؟)) قلت: قد بايعت، قال ◌َله: ((أقبل فبايع)). فدنوت فبايعته، قلت: علامَ بايعته يا سلمة؟ قال: على الموت(٦). (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة الحديبية ح٤١٨٦). (٢) أخرجه البخاري معلقاً بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤١٨٧)، قال الحافظ ابن حجر: وقد وصله الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن دُحيم وهو عبد الرحمن بن إبراهيم عن الوليد بن مسلم بالإسناد المذكور. (فتح الباري ٤٥٦/٧). (٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ح ١٨٥٦ / ٦٧). (٤) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (المصدر السابق ح١٨٥٨). (٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الجهاد، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا ح ٢٩٦٠). (٦) أخرجه البخاري بسنده بنحوه (الصحيح، الأحكام، باب من بايع مرتين (ح٧٢٠٨). ٦٧٤ • سُوَّدَةُ الفَتَح (٨، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وأخرجه مسلم من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد(١)، وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت(٢). وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار يمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع ظه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله وَّيقر ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد رسول الله وَلقوله على جباها يعني الركي (٣)، فإما دعا وإما بصق فيها فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ويقول دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول الناس ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس قال : ((بايعني يا سلمة)) قال: فقلت يا رسول الله: قد بايعتك في أول الناس قال ◌َ: ((وأيضاً)) قال ورآني رسول الله وله عزلاً فأعطاني حجفة أو درقة(٤)، ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس، قال وَّ: ((ألا تبايع يا سلمة؟)) قال: قلت يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال ◌َ له: ((وأيضاً)) فبايعته الثالثة، فقال رسول الله وَله: ((يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك؟)) قال: قلت يا رسول الله وَ ل﴿ لقيني عامر عزلاً فأعطيتها إياه، فضحك رسول الله وَ﴿ ثم قال: ((إنك كالذي قال الأول اللَّهمَّ ابغني حبيباً هو أحب إلي من نفسي)). قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشى بعضنا في بعض فاصطلحنا . قال: وكنت خادماً لطلحة بن عبيد الله به أسقي فرسه وأحسّه وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا في بعض أتيت شجرة فكَسَحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله صل﴿ فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زُنيم! فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم وجعلته ضغئاً في يدي ثم قلت: والذي كرم وجه محمد ◌َلّ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه! قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله وَي قال: وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له: مكرز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله وَّر في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﴿ وقال: ((دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه)) فعفا عنهم رسول الله وَلقول وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيَدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِطْنِ مَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَلْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [الفتح: ٢٤](٥)، وهكذا رواه مسلم، عن إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسنده نحوه أو قريباً منه (٦). وثبت في الصحيحين من حديث أبي عوانة، عن طارق، عن سعيد بن المسيب قال: كان أبي (١) صحيح مسلم، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش ... (ح ١٨٦٠). (٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا (ح٢٩٥٩). (٤) أي: نوع من التروس. (٣) أي: البئر. (٥) دلائل النبوة ١٣٨/٤ وأغلبه في صحيح مسلم كما يلي. (٦) صحيح مسلم، الجهاد، باب غزوة ذي قرد وغيرها (ح ١٨٠٧). ٦٧٥ • سُورَةِ الفَتْحُ (٨، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ممن بايع رسول الله وَله تحت الشجرة، قال: فانطلقنا من قابل حاجِّين فخفي علينا مكانها، فإن كان تبينت لكم فأنتم أعلم(١). وقال أبو بكر الحميدي(٢): حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر ظراته قال: لما دعا رسول الله وَ﴿ الناس إلى البيعة وجدنا رجلاً منا يقال له: الجدُّ بن قيس مختبئاً تحت إبط بعيره، رواه مسلم من حديث ابن جريج، عن ابن الزبير به(٣). وقال الحميدي أيضاً: حدثنا سفيان، عن عمرو سمع جابراً قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا رسول الله وَله: ((أنتم خير أهل الأرض اليوم)) قال جابر حظه: لو كنت أبصر الأريتكم موضع الشجرة، قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها (٤). أخرجاه من حديث سفيان(٥) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله وَليه أنه قال: ((لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة))(٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سعيد بن عمرو الأشعئي، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن خداش بن عياش، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله وسلم: ((يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر)) قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضلَّ بعيره فقلنا: تعال فبايع. فقال: أصيب بعيري أحب إليّ من أن أبايع (٧). وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قرة، عن أبي الزبير، عن جابر ه، عن النبي وَل أنه قال: ((من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحطّ عنه ما حطّ عن بني إسرائيل)) فكان أول من صعد خيل بني الخزرج ثم تبادر الناس بعد، فقال النبي ◌َّر: ((كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر)) فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله وَله. فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إليَّ من أن يستغفر لي صاحبكم، فإذا هو رجل ينشد ضالة، رواه مسلم، عن عبيد الله به (٨) . وقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابراً ظالله يقول: أخبرتني أُم مبشر أنها سمعت رسول الله ◌َ يقول عند حفصة وثقا: ((لا يدخل النار إن شاء الله تعالى من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد)) قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها فقالت حفصة: ﴿وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا (١) صحيح البخاري، المغازي، غزوة الحديبية (ح ٤١٦٣) وصحيح مسلم، الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش ... (ح١٨٥٩). (٢) مسند الحميدي ٥٣٧/٢ وسنده صحيح. (٣) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٩/١٨٥٦). (٤) مسند الحميدي ٥١٤/٢ وسنده صحيح. (٥) صحيح البخاري، الباب السابق، (ح٤١٥٤)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٨/١٨٥٦). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٩٣/٢٣ ح ١٤٧٧٨) وصحح سنده محققوه. (٧) في سنده محمد بن ثابت العبدي: صدوق لين الحديث. (التقريب ص٤٧١) وأصله في الصحيح كا يلي: (٨) صحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٨٠). ٦٧٦ • سُورَةُ الفَتْحُ (١١، ١٤) وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فقال النبي ◌َّهُ: قد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَّذَرُ الَّلِمِينَ فِيهَا جِيًّا (٣)﴾ [مريم] رواه مسلم (١)، وفيه أيضاً عن قتيبة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: إن عبداً لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطباً فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله *: ((كذبت لا يدخلها فإنه قد شهد بدراً والحديبية))(٢). ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ الَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ ثَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنَكُتُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَهَدَ عَلَيَّهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾﴾ كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿﴿ لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا [الفتح]. قَرِيبًا 2- ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَبِ شَغَلَتْنَآَ أَمْوَلْنَا وَأَهْلُوْنَا فَأَسْتَغْفِرْ لَنَّأْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَدَ بِكُمْ ضَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِرًا ﴿﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَّنْ يَقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا وَزُوْنَ ذَلِكَ فِ قُلُوبِكُمْ وَظَنْتُمْ ظَرَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴿﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَعِيرًا ﴾ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَةٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾ . يقول تعالى مخبراً رسوله #* بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم وتركوا المسير مع رسول الله صل﴿ فاعتذروا بشغلهم لذلك وسألوا أن يستغفر لهم الرسول : ﴿ وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمِ نَّا لَيْسَ فِ قُلُوبِهِمَّ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم تعالى وتقدس، وهو العليم بسرائركم وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . ثم قال: ﴿بَّ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَّنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص بل تخلف نفاق ﴿بَلْ ظَنَمْتُمْ أَن لَّنْ يَقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِهِمْ أَبَدًا﴾ أي: اعتقدتم أنهم يقتلون وتستأصل شأفتهم، وتستباد خضراؤهم ولا يرجع منهم مخبر ﴿وَظَفْتُمْ ظَرَ اُلتَوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي: هلكى، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد(٣)، وقال قتادة: فاسدين(٤)، وقيل هي لغة عمان(٥). ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن الله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر. (١) أخرجه مسلم من طريق ابن جريج به (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل أصحاب الشجرة ح٢٤٩٦). (٢) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر ح٢٤٩٥). (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٥) ذكره الطبري. ٦٧٧ • سُوَدَّةُ الْفَتْح (١٥، ١٧) ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَلَّةٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب وخضع لديه. . ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَفُونَ إِذَا أَنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَّعْكُمْ بُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ قُل لَن تَشَّعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَهْشُدُونَنَّأْ بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) يقول تعالى مخبراً عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله وَلقر في عمرة الحديبية، إذ ذهب النبي ◌ّله وأصحابه إلى خيبر يفتحونها أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله تعالى رسوله و ﴿ أن لا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعاً ولا قدراً ولهذا قال تعالى: ﴿يُرِيِدُونَ أَنْ يَُدِّلُوْ كَمَ الَّهُ﴾. قال مجاهد وقتادة وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية(١). واختاره ابن جرير. وقال ابن زيد: هو قوله تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُوا [التوبة]. وهذا (٢) مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّاْ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في براءة نزلت في غزوة تبوك وهي متأخرة عن عمرة الحديبية. وقال ابن جريج: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَُدِّلُوْ كَلَمَ اللَّه﴾ يعني: بتثبيطهم المسلمين عن الجهاد(١). ﴿قُل لَنْ تَشَِّعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اَللَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ أي: وعد الله أهل الحديبية [قبل سؤالكم](٤) الخروج معهم ﴿فَسَيَقُولُونَ بَّ تَّمْسُدُونَنَا﴾ أي: أن نشرككم في المغانم ﴿بَلِّ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، ولكن لا فهم لهم. ] ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَدِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونٌّ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ اللّهُ أَجْرً حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَ حَرَجٌ وَلَ عَلَى الْمَرِضِ حَرٌَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرِّ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾. اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم الذين هم أولو بأس شديد على أقوال: (أحدها): أنهم هوازن، رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير أو عكرمة أو جميعاً، (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد. (٣) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن المنذر. (٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض ولفظ: (لكم)). ٦٧٨ سُورَةُ الفَتح (١٦، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ورواه هشيم، عن أبي بشر عنهما (١). وبه يقول قتادة في رواية عنه (٢). (الثاني): ثقيف، قاله الضحاك. (الثالث): بنو حنيفة، قاله جويبر ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري وروي مثله عن سعيد وعكرمة(٣). (الرابع) هم أهل فارس، رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٤)، وبه يقول عطاء ومجاهد وعكرمة في إحدى الروايات عنه(٥). وقال كعب الأحبار: هم الروم(٦)، وعن ابن أبي ليلى وعطاء والحسن وقتادة: وهم فارس والروم(٧). وعن مجاهد: هم أهل الأوثان(٨). وعنه أيضاً: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة، وبه يقول ابن جريج وهو اختيار ابن جرير . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القواريري، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: لم يأت أولئك بعد(٩). وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌ُ في قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون(١٠). قال: وحدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي وَل آل قال: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة)) قال سفيان: هم الترك (١١). قال ابن أبي عمر: وجدت في مكان آخر، حدثنا ابن أبي خالد، عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة له ففسر قول رسول الله وَله: ((تقاتلوا قوماً نعالهم (١) أخرجه البستي والطبري بسند صحيح من طريق هشيم به. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٣) أخرجه الإمام أحمد (فضائل الصحابة ١٥١٧)، والطبري كلاهما من طريق ابن إسحاق عن الزهري. (٤) أخرجه البيهقي بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به. (دلائل النبوة ١٦٦/٤). (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه الطبري من طريق الفرج بن محمد الكلاعي عن كعب. (٧) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن وهب عن ابن زيد. (٨) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد. (٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن ثور عن معمر عن الزهري. (١٠) أخرجه البُستي بسنده ومتنه، وفي سنده والد إسماعيل وهو مقبول كما في التقريب. (١١) أخرجه الشيخان من طريق سفيان به بلفظ: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة)). (صحيح البخاري، الجهاد، باب قتال الذين ينتعلون الشعر ح٢٩٢٩) وصحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء (ح٢٩١٢)، وأما لفظ: ((صغار الأعين ذلف الأنف)) فأخرجه مسلم (المصدر السابق ٦٤/٢٩١٢). ٦٧٩ • سُورَّةُ الفَتح (١٨، ١٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الشعر)) قال: هم البارزون، يعني: الأكراد(١). وقوله تعالى: ﴿نُقَئِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ يعني: شرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمراً علیهم، ولکم النصرة عليهم أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار. ثم قال رَّ: ﴿فَإِن تُطِيعُواْ﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنَّاً وَإِن تَتَوَلَّوْ كَمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ﴾ يعني: زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم ﴿يُعَذِّبَّكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. ثم ذكر الأعذار في ترك الجهاد فمنها لازم: كالعمى والعرج المستمر. وعارض: كالمرض الذي يطرأ أياماً ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ. ثم قال تعالى مرغباً في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْرِظْهُ جَّتٍ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهُرِّ وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش ﴿يُعَذِّيَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار. ﴿﴿ لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ويشير تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفاً وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سمرة بأرض الحديبية. قال البخاري: حدثنا محمود، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن طارق أن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجًّاً فمررت بقوم يصلّون فقلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ◌َ﴿ بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله وَيقر تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد بَّي لم يعلموها وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم(٢). وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة ﴿فَأَنَزَلَ السَّكِينَةَ﴾ وهي الطمأنينة ﴿عَنِهِمْ وَأَثَهُمْ فَتْحًا فَرِيبًا﴾ وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم سائر البلاد والأقاليم عليهم وما حصل لهم من العزِّ والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ١٩ ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى يعني: ابن عبيدة، حدثني إياس بن سلمة، عن أبيه قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله وجو: أيها الناس، البيعة البيعة نزل روح القدس، قال: فثرنا إلى رسول الله وَ﴿ وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال: فبايع رسول الله وَّ لعثمان بإحدى يديه على الأخرى (١) أخرجه البُستي بسنده ومتنه، وفي سنده والد إسماعيل مقبول كما في التقريب. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة الحديبية ح ٤١٦٣). ٦٨٠ سُورَةُ الفَتْحُ (٢٠، ٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فقال الناس: هنيئاً لابن عفان يطوف بالبيت ونحن ههنا. فقال رسول الله وَله: ((لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف))(١). ] ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَبْدِىَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً وَأُخْرَىْ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاَ اَللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلٍ ٢٠ لِلْمُؤْمِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا شَىْءٍ قَدِيْرًا ﴿ وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوَأْ الْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيَّا وَلَ نَصِيرًا ﴿٨ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِى وهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةً قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا مِنْ بَعْدِ أَنْ أَلْفَرَّكُمْ عَلَيْهِمّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا قال مجاهد في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ هي جميع المغانم إلى اليوم(١). ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ يعني: فتح خيبر(٣)، وروى العوفي، عن ابن عباس ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: يعني: صلح الحديبية (٤). ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنَكُمْ﴾ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال، وكذلك كفَّ أيدي الناس عنكم الذين خلفتموهم وراء ظهوركم عن عيالكم وحريمكم. ﴿وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يعتبرون بذلك، فإن الله تعالى حافظهم وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم إنه العالم بعواقب الأمور، وإن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر كما قال: ﴿وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمّ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ﴿وَبَهْدِيَكُمْ صِرَطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله وَله . وقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَ اللَّهُ بِهَاً وَ كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ﴾﴾ أي: وغنيمة أخرى وفتحاً آخر معيناً لم تكونوا تقدرون عليها، قد يسرها الله عليكم وأحاد بها لكم، فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون. وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة ما المراد بها فقال العوفي، عن ابن عباس: هي خيبر(٥)، وهذا على قوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ إنها صلح الحديبية، وقاله الضحاك وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٦). (١) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، وأخرجه الطبراني من طريق موسى به (المعجم الكبير ١/ ٩٠) وضعفه الهيثمي. (مجمع الزوائد ٨٤/٩). (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) تخريجه كسابقه. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به بلفظ: ((الصلح)). (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه. (٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق وهب بن جرير عن أبيه عن ابن إسحاق، وأخرجه البستي أيضاً بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زید.