النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
• سُورَةُ الأَحْقَلِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر بذلك عن رؤيته وسماعه(١)، والله أعلم، وهذا
الذي قاله البيهقي هو المتجه وهذا الرجل هو سواد بن قارب.
وقد ذكرت هذا مستقصى في سيرة عمر مظلته فمن أراده فليأخذه من ثم، ولله الحمد.
وقال البيهقي: حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن الذي لم يذكر اسمه
في الحديث الصحيح، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر من أصل سماعه،
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني قراءة عليه، حدثنا [أبو جعفر] (٢) أحمد بن
موسى الحمار الكوفي، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه، حدثنا أبو بكر القصري، حدثنا محمد بن
النواس الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء ظُه قال: بينما عمر بن
الخطاب به يخطب الناس على منبر رسول الله وَ* إذ قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟
قال: فلم يجبه أحد تلك السنة. فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس أفيكم سواد بن قارب؟
قال: فقلت يا أمير المؤمنين وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر ظه: إن سواد بن قارب
كان بدء إسلامه شيئاً عجيباً، قال: فبينما نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب، قال: فقال له
عمر ظُه: يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد به: فإني كنت نازلاً بالهند وكان
لي رَئي(٣) من الجن، قال: فبينما أنا ذات ليلة نائم إذ جاءني في منامي ذلك، قال: قم فافهم
واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب ثم أنشأ يقول:
وشدها العيس بأحلاسها
عجبت للجن وأنجاسها
ما مؤمنوا الجن كأرجاسها
تهوي إلى مكة تبغى الهدى
واسمُ بعينيك إلى راسها
فانهض إلى الصفوة من هاشم
قال: ثم أنبهني فأفزعني وقال: يا سواد بن قارب، إن الله بعث نبياً فانهض إليه تهتد وترشد،
فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني ثم أنشأ يقول:
وشدها العيس بأقتابها
عجبت للجن وتطلابها
ليس قداماها كأذنابها
تهوي إلى مكة تبغى الهدى
فانهض إلى الصفوة من هاشم
واسم بعينيك إلى قابها
فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال:
وشدها العيس بأكوارها
عجبت للجن وتخبارها
ليس ذوو الشر كأخيارها
تهوي إلى مكة تبغى الهدى
ما مؤمنو الجن ككفارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم
قال: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة وقع في قلبي حب الإسلام من أمر رسول الله وَاليقول ما
شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي فما حللت تسعة ولا عقدت أخرى حتى
(١) دلائل النبوة ٢٤٥/٢.
(٢) كذا في (حم) و(مح) ودلائل النبوة للبيهقي ٢٤٨/٢، وفي الأصل صُحف إلى: أبو حنيفة.
(٣) أي: الجني يعرض للإنسان.

٦٤٢
سُورَة الأَحْقَقلِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أتيت رسول الله ﴿ فإذا هو بالمدينة يعني مكة، والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآني النبي وَله
قال: ((مرحباً بك يا سواد بن قارب قد علمنا ما جاء بك)) قال: قلت: يا رسول الله قد قلتُ
شعراً، فاسمعه مني قال بَلي: ((قل يا سواد)) فقلت:
ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
أتاني رئي بعد ليل وهجعة
أتاك رسول من لؤي بن غالب
ثلاث ليال قوله كل ليلة:
الدعلب الوجناء عند السباسب
فشمرت عن ساقي الإزار [ووسطت](١)
وأنك مأمون على كل غائب
فأشهد أن الله لا شيء غيره
إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
وأنك أدنى المرسلين شفاعة
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة
إن كان فيما جاء شيب الذوائب
سواك بمغن عن سواد بن قارب
قال: فضحك النبي وَ﴿ حتى بدت نواجذه وقال لي: ((أفلحت يا سواد)) فقال عمر: هل يأتيك
رئيك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني ونعم العوض كتاب الله من الجن(٢). ثم أسنده
البيهقي من وجهين آخرين(٣). ومما يدل على وفادتهم إليه وي لل بعدما هاجر إلى المدينة الحديث
الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن
عبدة المصيصي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم أنه
سمع أبا سلام يقول: حدثني من حدثه عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود حظُّه
فقلت له: حدثت أنك كنت مع رسول الله ﴿ ﴿ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قلت: حدثني كيف
كان شأنه! فقال: إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجل يعشيه، وتركت فلم يأخذني أحد
منهم، فمرَّ بي رسول الله بَّه فقال: ((من هذا؟)) فقلت: أنا ابن مسعود، فقال ◌َّ: ((ما أخذك
أحد يعشيك؟)) فقلت: لا، قال رَّي: ((فانطلق لعلي أجد لك شيئاً)).
قال: فانطلقنا حتى أتى رسول الله وَير حجرة أُم سلمة يثًا، فتركني قائماً ودخل إلى أهله ثم
خرجت الجارية فقالت: يا ابن مسعود، إن رسول الله وَي* لم يجد لك عشاء فارجع إلى
مضجعك، قال: فرجعت إلى المسجد فجمعت حصباء المسجد فتوسدته والتففت بثوبي، فلم
ألبث إلا قليلاً حتى جاءت الجارية فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العشاء، حتى
إذا بلغت مقامي خرج رسول الله ◌َّيور وفي يده عسيب من نخل فعرض به على صدري فقال ◌َله:
((انطلق أنت معي حيث انطلقت)) قلت: ما شاء الله فأعادها علي ثلاث مرات. كل ذلك أقول ما
شاء الله فانطلق، وانطلقت معه حتى أتينا بقيع الغرقد فخطَّ وَّ بعصاه خطاً ثم قال: ((اجلس فيها
ولا تبرح حتى آتيك)) ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه
ثارت قبله العجاجة السوداء فَفَرقت(٤) فقلت: ألحق برسول الله وَله فإني أظن أن هوازن مكروا
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: وأرفلت.
(٢) دلائل النبوة ٢٤٨/٢ ورواية البخاري تغني عما سواها.
(٣) دلائل النبوة ٢٥٢/٢.
(٤) أي: خفتُ.

٦٤٣
• سُورَةُ الأَخْقَفِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
برسول الله ﴿ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث الناس، فذكرت أن رسول الله صل ى أوصاني
أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله وَله يقرعهم بعصاه ويقول: ((اجلسوا)) فجلسوا
حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله فقال: ((أنمت بعدي؟)) فقلت: لا
ولقد فزعت الفزعة الأولى حتى رأيت أن آتي البيوت، فأستغيث الناس حتى سمعتك تقرعهم
بعصاك، وكنت أظنها هوازن مكروا برسول الله وَ﴿ ليقتلوه، فقال: «لو أنك خرجت من هذه
الحلقة ما أمنت عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟)).
فقلت: رأيت رجالاً سوداً مستشعرين بثياب بيض، فقال رسول الله وَيقول: ((أولئك وفد جن
نصيبين أتوني فسألوني الزاد والمتاع فمتعتهم بكل عظم حائل أو روثة أو بعرة» قلت: فما يغني
عنهم ذلك؟ قال رَّه: ((إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، ولا
روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أكلت فلا يستنق أحد منكم بعظم ولا بعرة))(١) وهذا
إسناد غريب جداً ولكن فيه رجل مبهم لم يسم.
وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد: حدثني [نمير بن زيد القيني، حدثنا أبي،
حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثني الزبير](٢) بن العوام ظلبه قال: صلى بنا رسول الله وَّو صلاة الصبح
في مسجد المدينة فلما انصرف قال: ((أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة؟)) فأسكت القوم ثلاثاً، فمرَّ
بي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز فإذا
برجال طوال كأنهم الرماح [مستثغرين بثيابهم من بين أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة
شديدة](٣)(٤) ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم.
ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حبان، حدثنا أبو
الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التيمي، حدثنا حصين بن
عمر، أخبرني عُبيد المكتب، عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج حتى
إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيض، ينفح منه ريح المسك فقلت
لصحابي: امضوا فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية. قال: فما لبثت أن
ماتت فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق، فدفنتها وأدركت أصحابي في
المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقالت واحدة منهن: أيكم
دفن عمراً. قلنا: ومن عمرو، قالت: أيكم دفن الحية؟ قال: فقلت: أنا. قالت: أما والله لقد
دفنت صواماً قواماً، يأمر بما أنزل الله تعالى، ولقد آمن بنبيكم وسمع صفته من السماء قبل أن
يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله تعالى ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن
الخطاب ظله بالمدينة، فأنبأته بأمر الحية فقال: صدقت سمعت رسول الله وَ له يقول: ((لقد آمن
بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة))(٥). وهذا حديث غريب جداً، والله أعلم.
(١) سنده ضعيف لإبهام شيخ أبي سلام.
(٢) زياد من (حم) و(مح).
(٣) زيادة من (حم) و(مح).
(٤) سنده ضعيف لضعف نمير بن يزيد القيني كما في ميزان الاعتدال.
(٥) دلائل النبوة لأبي نعيم ص٣٠٦، وسنده ضعيف لأن إبراهيم وهو النخعي لم يسمع من ابن مسعود.

٦٤٤
• سُورَةُ الأَخْقَفِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال أبو نعيم: وقد روى الثوري عن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف بنحوه(١)،
وروى عبد الله بن أحمد والطهراني عن صفوان بن المعطل: هو الذي نزل ودفن تلك الحية من
بين الصحابة وأنهم قالوا: إنه آخر التسعة موتاً الذين أتوا رسول الله وَلقول يستمعون القرآن، وروى
أبو نعيم من حديث الليث بن سعد، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عمه، عن
ـه، فجاء رجل فقال: يا
معاذ بن عبيد الله بن معمر قال: كنت جالساً عند عثمان بن عفان
أمير المؤمنين إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين اقتتلا ثم قتل أحدهما الآخر،
قال: فذهبت إلى المعترك فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذ ينفح من بعضها ريح المسك،
فجعلت أشمها واحدة واحدة حتى وجدت ذلك من حية صفراء رقيقة، فلففتها في عمامتي
ودفنتها، فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله لقد هديت، هذان حيان من الجن بنو شعيبان
وبنو قيس التقوا فكان من القتلى ما رأيت، واستشهد الذي دفنته وكان من الذين سمعوا الوحي
من رسول الله ﴿ قال: فقال عثمان لذلك الرجل: إن كنت صادقاً فقد رأيت عجباً، وإن كنت
كاذباً فعليك كذبك(٢).
وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾ أي: طائفة من الجن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ
فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ أي: استمعوا وهذا أدب منهم.
وقد قال الحافظ البيهقي: حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو
الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هشام بن عمار
الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن
عبد الله قال: قرأ رسول الله وَ﴿ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً؟ للجن
كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة ﴿فَأَقِ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
[الرحمن] إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك ونعمك ربنا نكذب فلك الحمد))(٣). ورواه الترمذي في
التفسير عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد، عن الوليد بن مسلم به قال: خرج رسول الله وَليقوم
على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن فذكره ثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث
الوليد عن زهير (٤)، كذا قال، وقد رواه البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاهري عن زهير بن
محمد به مثله(٥) .
وقوله: ﴿فَلَمَّا قُضِىَ﴾ أي: فرغ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، ﴿فَقَضَدُهُنَّ
سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيِّنِ﴾ [فصلت: ١٢]، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ﴿وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم
مُنذِرِينَ﴾ أي: رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله وَ﴿ كقوله: ﴿لِّيَنَفَقَّهُواْ فِى
(١) وسنده ضعيف الإبهام شيخ الشعبي.
(٢) دلائل النبوة لأبي نعيم ص ٣٠٥. وفي سنده معاذ بن عبيد الله بن معمر ذكره البخاري في التاريخ الكبير
وسكت عنه وكذا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.
(٣) دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٢٣٢ وأخرجه الترمذي من طريق زهير بن محمد به (السنن، التفسير، باب ومن
سورة الرحمن ح ٣٢٩١) وصححه الألباني بشواهده (السلسلة الصحيحة ٢١٥٠).
(٤) تقدم تخريجه في الرواية السابقة.
(٥) دلائل النبوة ٢٣٢/١.

٦٤٥
• سُورَةُ الأَحْقَقلِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
اُلْدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَتَّهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقد استدل بهذه الآية على
أنه في الجن نذر وليس فيهم رسل، ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولاً لقوله تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا تُوْحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾ [يوسف: ١٠٩].
وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِىِ الْأَسْوَاقِ﴾
[الفرقان: ٢٠]. وقال عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ﴾
[العنكبوت: ٢٧] فكل نبي بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته.
فأما قوله تعالى في الأنعام: ﴿يَمَعْشَرَ أَلِنِّ وَاُلْإِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فالمراد
هنا مجموع الجنسين فيصدق على أحدهما وهو الإنس كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الَّلُؤُ وَالْمَرْحَانُ
[الرحمن] أي: أحدهما ثم إنه تعالى فسر إنذار الجن لقومهم فقال مخبراً عنهم: ﴿قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا
سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾ ولم يذكروا عيسى لأن عيسى ظلَّه أنزل عليه الإنجيل فيه مواعظ
وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة فالعمدة هو
التوراة، فلهذا قالوا أنزل من بعد موسى، وهكذا قال ورقة بن نوفل حين أخبره النبي وَه بقصة
نزول جبريل عليه الصلاة والسلام أول مرة فقال: بخ بخ! هذا الناموس الذي كان يأتي موسى يا
ليتني أكون فيه جذعاً.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: في الكتب المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله: ﴿يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾
أي: في الاعتقاد والإخبار ﴿وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في الأعمال فإن القرآن مشتمل على شيئين خبر
وطلب، فخبره صدق وطلبه عدل، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ صِدْفًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقال: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣] فالهدى هو العلم النافع،
ودين الحق هو العمل الصالح، وهكذا قالت الجن: ﴿يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ﴾ في الاعتقادات ﴿وَإِلَى
طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: في العمليات.
﴿يَقَوْمَنَا أَجِيبُواْ دَاعِىَ اَللَّهِ﴾ فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمداً بَّه إلى الثقلين الجن والإنس،
حيث دعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب الفريقين وتكليفهم ووعيدهم وهي
سورة الرحمن ولهذا قال: ﴿أَجِبُوْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ﴾.
وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل: إن من ههنا زائدة وفيه نظر لأن زيادتها في الإثبات
قليل، وقيل: إنها على بابها للتبعيض ﴿ وَيُجِزَّكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ويقيكم من عذابه الأليم، وقد
استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء
صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا: هذا في هذا المقام وهو مقام
[تبجّح](١) ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حُدثت عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن
عباس قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة (٢).
والحق أن مؤمنيهم كمؤمني الإنس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف.
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((سح)). بدون نقط.
(٢) سنده ضعيف لإبهام الراوي عن جرير.

٦٤٦
• سُورَةُ الأَحْقَقلِ (٣٣، ٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد استدل بعضهم لهذا بقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌَّ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآَنٌّ ﴾ [الرحمن: ٧٤] وفي هذا
الاستدلال نظر، وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جََّانِ ﴿﴿ فَأَتِّ ءَالَِّ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
﴾ [الرحمن] فقد امتنَّ تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجنُّ هذه
الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد، فلم
يكن تعالى ليمتن عليهم جزاء لا يحصل لهم، وأيضاً فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام
عدل فلأن يجازي مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى. ومما يدل أيضاً على
ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ آلْفِرْدَوْسِ نًُّا (3)﴾ [الكهف] وما أشبه
ذلك من الآيات.
وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة ولله الحمد والمنة، وهذه الجنة لا يزال فيها فضل
ينشئ الله تعالى لها خلقاً أفلا يسكنها من آمن به وعمل صالحاً، وما ذكروه ههنا من الجزاء على
الإيمان من تكفير الذنوب والإجارة من العذاب الأليم هو يستلزم دخول الجنة؛ لأنه ليس في
الآخرة إلا الجنة والنار، فمن أُجير من النار دخل الجنة لا محالة، ولم يرد معنا نصٌّ صريح ولا
ظاهر عن الشرع أن مؤمني الجن لا يدخلون الجنة، وإن أُجيروا من النار، ولو صحَّ لقلنا به،
والله علم. وهذا نوح عليه الصلاة والسلام يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِزْكُمْ إِلَى أَجَلٍ
تُسَمِّىَ﴾ [نوح: ٤] ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة فكذلك هؤلاء.
وقد حُكي فيهم أقوال غريبة. فعن عمر بن عبد العزيز ظُه أنهم لا يدخلون بحبوحة الجنة،
وإنما يكونون في ربضها وحولها وفي أرجائها، ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم
ولا يرون بني آدم بعكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: لا يأكلون في الجنة
ولا يشربون وإنما يُلهمون التسبيح والتحميد والتقديس عوضاً عن الطعام والشراب كالملائكة
لأنهم من جنسهم، وكل هذه الأقوال فيها نظر ولا دليل عليها.
ثم قال مخبراً عنهم: ﴿وَمَن لَّا يُحِبِ دَاعِىَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: بل قدرة الله شاملة
له ومحيطة به ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِ، أَوْلِيَاءٌ﴾ أي: لا يجيرهم منه أحد ﴿أُوْلَكَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ وهذا
مقام تهديد وترهيب فدعوا قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم وجاءوا إلى
رسول الله القر وفوداً كما تقدم بيانه.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِنِىَ الْمَوْقّ
بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ﴿﴿ وَيَوْمَ يُعْرَضُ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَ وَرَيْنَأَ قَالَ
فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل ◌َّمْ كَنَهُمْ يَوْمَ
فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُمْ تَكْفُرُونَ وَّ
يَرَوَّنَ مَا يُوعَدُونَ لَم يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّن ◌َّهٍَّ بَلَغْ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ
يقول تعالى: أولم ير هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد
﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: ولم يكرثه(١) خلقهم بل قال: لها كوني
(١) كرثه الأمر: اشتر عليه وبلغ منه المشقة.

٦٤٧
• سُورَةُ الأَخْقَقلِ (٣٣، ٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فكانت بلا ممانعة ولا مخالفة بل طائعة مجيبة وجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟
كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
﴾ [غافر] ولهذا قال تعالى: ﴿بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ ثم قال جل جلاله:
OV
لَا يَعْلَمُونَ
مهدداً ومتوعداً لمن كفر به ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: يقال لهم أما
هذا حق أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ ﴿قَالُواْ بَى وَرَيِّنَاً﴾ أي: لا يسعهم إلا الاعتراف ﴿قَالَ
فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ثم قال تعالى آمراً رسوله وَّه بالصبر على تكذيب من كذبه من
قومه: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: على تكذيب قومهم لهم. وقد اختلفوا في
تعداد أولي العزم على أقوال وأشهرها أنهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وخاتم الأنبياء
محمد ◌ّة، قد نصَّ الله تعالى على أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سورتي الأحزاب
والشورى، وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرسل فتكون ﴿مِنَ﴾ في قوله: من
الرسل لبيان الجنس، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي، حدثنا السري بن حيان، حدثنا
عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت عائشة ﴿يا: ظل
رسول الله وَ صائماً ثم طواه ثم ظل صائماً ثم طواه ثم ظل صائماً ثم قال: ((يا عائشة إن الدنيا
لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله تعالى لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا
بالصبر على مكروهها والصبر على محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال:
﴿فَأَصِّرَ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلا بالله(١).
﴿وَلَا تَسْتَعْجِل لَّمْ﴾ أي: لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَذَرْنِ
وَالْكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِلًا ﴾ [المزمل] وكقوله: ﴿فَهْلِ الْكَفِرِينَ أَمْعِلْهُمْ رُوَِّدًا (٣)﴾ [الطارق].
﴿كَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُؤْعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ كقوله: ﴿كَنَّهُمْ يَمَ يَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً
أَوْ ضُحَا (٨٣)﴾ [النازعات] وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْهُمَّ﴾ الآية
[يونس: ٤٥].
وقوله: ﴿بَلَغُ﴾. قال ابن جرير يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون تقديره، وذلك لبث بلاغ.
والآخر: أن يكون تقديره هذا القرآن بلاغ(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾ أي: لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من
عدله تعالى أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب.
آخر تفسير سورة الأحقاف، ولله الحمد والمنَّة.
(١) سنده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد كما في التقريب.
(٢) ذكره الطبري بنحوه.

٦٤٨
• سورة القتال (١، ٣)
07 -00000
00000
سورة القتال(١)
[وهي مدنية] (٢)
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ
ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَبَعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ
عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمَنُّ مِن ◌َّيِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ (َ)
ءَامَنُواْ أَتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن تَّبِهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ(
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله ﴿وَصَدُّواْ﴾ غيرهم ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي:
أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها ثواباً ولا جزاء كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ
* [الفرقان] ثم قال: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم
هَبَآءُ مَّنثُورًا
وانقادت لشرع الله جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم ﴿ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَنَّدٍ﴾ عطف خاص على
عام وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته وَله .
وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَْىُّ مِنْ زَِّهِمْ﴾ جملة معترضة حسنة ولهذا قال: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ﴾
قال ابن عباس: أي: أمرهم(٣).
وقال مجاهد: شأنهم(٤).
وقال قتادة وابن زيد: حالهم(٥). والكل متقارب.
وقد جاء في حديث تشميت العاطس: ((يهديكم الله ويصلح بالكم))(٦).
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَبَعُواْ الْبَطِلَ﴾ أي: إنما أبطلنا أعمال الكفار. وتجاوزنا عن
سيئات الأبرار، وأصلحنا شؤونهم لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل؛ أي: اختاروا الباطل على
الحق ﴿ وَأَنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن ◌َّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَلَهُمْ﴾ أي: يبين لهم مآل أعمالهم،
وما يصيرون إليه في معادهم.
(١) وتسمى سورة محمد كما في المصاحف المعاصرة. (٢) زيادة من (حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري والحاكم من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي (المستدرك ٢ / ٤٥٧).
(٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وعبد الرزاق عن معمر عن قتادة،
وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن زيد.
(٦) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة عظته (الصحيح، الأدب، باب إذا عطس كيف يُشمت ح ٦٢٢٤).

٦٤٩
• سورة القتال (٤، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿فَإِذَا لَقِيتُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ حَ إِذَا أَنَْتُهُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِذَآءُ حَتَّى تَضَعَ
اْرَّبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضُِّ وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمُ
سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَلَمْ ﴿ وَيُدْسِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنْصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ
أَقْدَامَكُمْ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَُّمْ وَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اَلَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ
يقول تعالى مرشداً للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين ﴿فَإِذَا لَقِتُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ
الْرِقَابٍ﴾ أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصداً بالسيوف ﴿حََّ إِذَا أَتْخَسُوهُمْ﴾ أي: أهلكتموهم قتلاً
﴿فَشُدُواْ الْوَثَاقَ﴾ الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في
أمرهم، إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أساراهم مجاناً، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم
وتشارطونهم عليه، والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله ◌ُعَلَ عاتب المؤمنين على
الاستكثار من الأسارى يومئذٍ، ليأخذوا منهم الفداء والتقليل من القتل يومئذٍ فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ
أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَّ يُشْخِنَ فِى الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ◌َ لَّوْلَا
كِتَبٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦)﴾ [الأنفال].
ثم قد ادّعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه منسوخة بقوله
تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُ فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥]، رواه العوفي عن
ابن عباس(١). وقاله قتادة والضحاك والسدي وابن جريج(٢).
وقال الآخرون وهم الأكثرون: ليست بمنسوخة (٣)، ثم قال بعضهم: إنما الإمام مخير بين
المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله.
وقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء لحديث قتل النبي ◌ّ النضر بن الحارث وعقبة بن
أبي معيط من أسارى بدر. وقال ثمامة بن أثال لرسول الله وَ ل حين قال له: ((ما عندك يا ثمامة؟»
فقال: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فاسأل تعط منه ما
شئت(٤). وزاد الشافعي رحمة الله عليه فقال: الإمام مخير بين قتله أو المنِّ عليه أو مفاداته أو
استرقاقه أيضاً، وهذه المسألة محرَّرة في علم الفروع وقد دلَّلنا على ذلك في كتابنا الأحكام
ولله لج الحمد والمنة.
وقوله: ﴿حَّى تَضَعَ الْمَرَبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة
والسلام، وكأنه أخذه من قوله وقلهو: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان
عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق عبد الله بن المبارك عن ابن جريج.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج عن عطاء (المصنف رقم ٩٣٨٩) وأخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عن قتادة في التفسير.
(٤) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، المغازي، باب وفد بني حذيفة ح٤٣٧٢، وصحيح
مسلم، الجهاد، باب ربط الأسير وحبسه ح ١٧٦٤).

٦٥٠
• سورة القتال (٤، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
آخرهم الدجال)»(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إبراهيم بن
سليمان، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم
أنه أتى رسول الله وسلم فقال: إني سيَّبت الخيل وألقيت السلاح ووضعت الحرب أوزارها وقلت:
لا قتال، فقال له النبي ◌َله: ((الآن جاء القتال لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله
تعالى قلوب أقوام، فيقاتلونهم ويرزقهم الله منهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عُقَرَ
دار المؤمنين بالشام والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة))(٢) وهكذا رواه النسائي من
طريقين عن جبير بن نفير، عن سلمة بن نفيل [السكوني(٣)](٤) به.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن
مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان ضـ
قال: لما فتح على رسول الله و ﴿ فتح قالوا: يا رسول الله سُيَبت الخيل ووضعت السلاح
ووضعت الحرب أوزارها قالوا لا قتال قال: ((كذبوا الآن جاء القتال، ولا يزال الله تعالى يرفع
قلوب قوم يقاتلونهم فيرزقهم منهم حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك وعقر دار المسلمين
بالشام))(٥). وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن رشيد به(٦)، والمحفوظ أنه من
رواية سلمة بن نفيل كما تقدم، وهذا يقوي القول بعدم النسخ كأنه شرع هذا الحكم في الحرب
إلى أن لا يبقى حرب.
وقال قتادة: ﴿حَّ تَضَعَ المَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ حتى لا يبقى شرك(٧)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُهُمْ حَّى
لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ثم قال بعضهم: حتى تضع الحرب أوزارها؛ أي:
أوزار المحاربين وهم المشركون بأن يتوبوا إلى الله ري، وقيل: أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع
في طاعة الله رَك وقوله: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَأَنَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: هذا ولو شاء الله لانتقم من
الكافرين بعقوبة ونكال من عنده ﴿وَلَكِن لِيَبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍّ﴾ أي: ولكن شرع لكم الجهاد
وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي آل
عمران وبراءة في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ
وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (٣)﴾ [آل عمران].
وقال تبارك وتعالى في سورة براءة: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٢٠.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠٤/٤) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٩٣٥).
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((السلوني)).
(٤) سنن النسائي الخيل ٢١٤/٦ وسنده كسابقه.
(٥) فيه عنعنة الوليد بن مسلم وهو كثير التدليس والتسوية كما في (التقريب ص٥٨٤)، وقد صحّ كما تقدم عن
سلمة بن نفيل.
(٦) أخرجه ابن حبان عن أبي يعلى به (الإحسان ح ٧٣٠٧) وسنده كسابقه.
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
٠ -

٦٥١
• سورة القتال (٩،٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
١٥)
وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ
[التوبة].
ثم لما كان من شأن القتال أن يقتل كثير من المؤمنين قال: ﴿وَلَِّينَ قُئِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ
أَعْمَلَهُمْ﴾ أي: لن يذهبها بل يكثرها وينميها ويضاعفها. ومنهم من يجري عليه عمله في طول
برزخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا زيد بن
يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مرة، عن قيس الجذامي
- رجل كانت له صحبة - قال: قال رسول الله وَليل: ((يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة
من دمه تكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويُزوج من الحور العين، ويأمن من الفزع
الأكبر، ومن عذاب القبر، ويُحلى حلة الإيمان))(١). تفرد به أحمد نَّتُهُ.
حديث آخر: قال أحمد أيضاً: حدثنا الحكم بن نافع، حدثني إسماعيل بن عياش، عن
يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معديكرب الكندي نظرائه قال: قال
رسول الله وَ: ((إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دفقة من دمه، ويرى مقعده
من الجنة، ويُحلى حلة الإيمان، ويُزوج الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع
الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار مرصع بالدر والياقوت، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها
ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه)). وقد أخرجه
الترمذي وصححه وابن ماجه(٢) .
وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي قتادة أن رسول الله وَله قال: ((يُغْفر
للشهيد كل شيء إلا الدّين)) (٣) وروي من حديث جماعة من الصحابة ﴿ه، وقال أبو الدرداء:
قال رسول الله وَليل: ((يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته))(٤) ورواه أبو داود(٥) والأحاديث في
فضل الشهيد كثيرة جداً .
وقوله: ﴿سَّهْدِهِمْ﴾ أي: إلى الجنة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ
رَبُّهُم بِمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْيِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ التَّعِيمِ ﴾﴾ [يونس].
وقوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالَمْ﴾ أي: أمرهم وحالهم ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ ﴾﴾ أي: عرفهم بها
وهداهم إليها .
قال مجاهد: يهتدي أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها لا يخطئون كأنهم
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٢/٢٩ ح١١٧٨٣) وحسن سنده محققوه.
(٢) (المسند ١٣١/٤)، وسنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ثواب الشهيد (ح١٦٦٣)، وسنن ابن ماجه،
الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله (ح٢٧٩٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه
(ح ٢٢٥٧).
(٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين (ح ١٨٨٦).
(٤) المصدر السابق (ح ١٨٨٥).
(٥) سنن أبي داود، الجهاد، باب الشهيد يشفع (ح٢٥٢٢). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ١ ٢٢٠).

٦٥٢
• سورة القتال (١٣،١٠)
ساكنوها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحداً (١)، وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا (٢).
وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من
الجمعة.
وقال مقاتل بن حيان: بلغنا أن الملك الذي كان وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه
في الجنة ويتبعه ابن آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى في
الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل إلى منزله وأزواجه وانصرف الملك عنه(٣).
ذکرهن ابن أبي حاتم نَّهُ.
وقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضاً رواه البخاري من حديث قتادة، عن أبي المتوكل
الناجي، عن أبي سعيد الخدري به أن رسول الله و 9 قال: ((إذا خلص المؤمنون من النار
حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، يتقاضون مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونُقوا أذن
لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله الذي كان
في الدنيا))(٤) .
ثم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن نَنصُرُواْ اللَّهَ يَصُرَّكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾﴾ كقوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ
مَن يَنصُرُ﴾ [الحج: ٤٠] فإن الجزاء من جنس العمل ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَُّبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ كما جاء
في الحديث: ((من بلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله تعالى قدميه على
الصراط يوم القيامة)) .
ثم قال تعالى: ﴿وَذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَّمْ﴾ عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله تعالى
ورسوله پآل﴾.
وقد ثبت الحديث عن رسول الله ﴿ ﴿ أنه قال: ((تعسَ عبد الدينار، تعسَ عبد الدرهم، تعسَ
عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش!))(٥)؛ أي: فلا شفاه الله.
وقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ أي أحبطها وأبطلها، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ أي:
لا يريدونه ولا يحبونه ﴿فَأَخَطَ أَعْمَلَهُمْ﴾(٦).
أَفَ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِزَّ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَفِرِنَ أَمْثَلُهَا
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ مَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ
١٠
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَنَّعُونَ وَبَكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَثْوَّى لَهُمْ (49) وَكَأَيْنِ مِّن
قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِي أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَمْ (®)﴾.
يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَبِيُرُوا﴾ يعني: المشركين بالله المكذبين لرسوله ﴿فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) سنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، المظالم، باب قصاص المظالم (ح ٢٤٤٠).
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠٠.
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل ورد تقديم قوله: ﴿فَأَخْطَ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد: ٩] قبل قوله: ((لا يريدونه).
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

٦٥٣
• سورة القتال (١٠، ١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عَلِقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِنَّ دَمَّرَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم؛ أي: ونجى المؤمنين من بين
أظهرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلْكَفِرِنَ أَمْثَلُهَا﴾ .
ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَ لَهُمْ ﴾﴾ ولهذا لما قال أبو سفيان
صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحد، حين سأل عن النبي ول﴿ وعن أبي بكر وعمر فلم
يجب وقال: أما هؤلاء فقد هلكوا، وأجابه عمر بن الخطاب فقال: كذبت يا عدو الله بل أبقى الله
تعالى لك ما يسوءك، وإن الذين عددت لأحياء، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب
سجال، أما إنكم ستجدون مثلة لم آمر بها، ولم أنه عنها، ثم ذهب يرتجز ويقول: اعلُ هبل اعلُ
هبل. فقال رسول الله وَلجر: ((ألا تجيبوه؟)) فقالوا: يا رسول الله وما نقول؟ قال وَ ل قولوا: ((الله
أعلى وأجلّ)) ثم قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال ◌َله: ((ألا تجيبوه؟)) قالوا: وما
نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: ((الله مولانا ولا مولى لكم)) (١).
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ جَنَّتٍ تَجْرِ مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرِّ﴾ أي: يوم
القيامة ﴿وَِّينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ﴾ أي: في دنياهم يتمتعون بها ويأكلون منها
كما تأكل الأنعام خضماً وقضماً، وليس لهم هِمَّة إلا في ذلك، ولهذا ثبت في الصحيح ((المؤمن
يأكل في معىّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء))(٢).
ثم قال: ﴿وَلَنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ﴾ أي: يوم جزائهم، وقوله: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن قَرَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِىّ
أَخْرَجَنْكَ﴾ يعني: مكة ﴿أَهْلَكْتَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لأهل مكة في
تكذيبهم لرسول الله وَالر، وهو سيد الرسل وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله رَك قد أهلك الأمم
الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم
في الدنيا والأخرى؟ فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة فإن
العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم ﴿يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابٌ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ
يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿مِّنْ قَرْيَئِكَ الَّتِىّ أَخْرَجَنْكَ﴾ أي: الذين أخرجوك من بين أظهرهم.
وقال ابن أبي حاتم: ذَكر أبي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه،
عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي ◌ّ﴿ لما خرج من مكة إلى الغار أتاه قال:
فالتفت إلى مكة وقال: ((أنتِ أحبُّ بلادِ الله إلى الله، وأنتِ أحبُّ بلاد الله إليّ، ولولا أن
المشركين أخرجوني لم أخرج منك)) فأعدى الأعداء من عدا على الله تعالى في حرمه، أو قتل
غير قاتله، أو قتل بذحول(٣) الجاهلية، فأنزل الله تعالى على نبيه وَله ﴿وَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُ قُوَّةً
مِّن قَرْيَئِكَ الَّتِيّ أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَ نَاصِرَ لَمْ ®)﴾(٤).
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠٠.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمر ها (صحيح البخاري، الأطعمة، باب المؤمن يأكل في معي
واحد ح٥٣٩٣، وصحيح مسلم، الأشربة، باب المؤمن يأكل في معي واحد (ح ٢٠٦٠).
(٣) أي: جمع ذحل وهو الحقد والثأر.
(٤) أخرجه الطبري عن محمد بن عبد الأعلى به، وسنده ضعيف جداً لأن حنشاً وهو الحسين بن قيس الرَّحْبي : =

٦٥٤
• سورة القتال (١٤، ١٥)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ
١٤
] ﴿أَفَنْ كَانَ عَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّيِّهِ، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ، وَبَعُوْ أَهْوَآءَهُ
فِيَهَا أَنْهَرٌ مِنِ مٍَّ غَيْرِ ءَاسٍِ وَأَنْهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَغَيَّرّ ◌َعْمُهُ وَأَنْهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةِ لِلِشَرِبِنَ وَهٌَ مِنْ عَسَلٍ مُصَنَّىّ وَمْ
فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَبِّهِمْ كَمَنَّ هُوَ خَلٌِّ فِ النَّارِ وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ ﴾﴾.
يقول تعالى: ﴿أَفَنْ كَانَ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّيِّهِ﴾ أي: على بصيرة ويقين من أمر الله ودينه بما أنزل
في كتابه من الهدى والعلم، وبما جبله الله عليه من الفطرة المستقيمة، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوْءُ عَمَلِهِ،
وَبَّعُواْ أَهْوَهُمْ﴾ أي: ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: ﴿أَفَّنْ يَعْلَمُ أَنَّ أُزِلَ إِلَيْكَ مِن زَِّكَ الُّْ كَمَنْ هُوَ
أَعْمَ﴾ [الرعد: ١٩] وكقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَمْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ
اُلْفَآيِزُونَ (٣)﴾ [الحشر].
ثم قال: ﴿َّثَلُ الْجَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُنَّقُونَ﴾ قال عكرمة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ أي: نعتها ﴿فِيهَا أَنْهَرٌ مِّنِ مٍَّ غَيْرٍ
ءَاسِنٍ﴾ .
قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني: غير متغير(١).
وقال قتادة والضحاك وعطاء الخراساني: غير مُنتن(٢) .
والعرب تقول: أسن الماء إذا تغير ريحه(٣).
وفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: غير آسن؛ يعني: الصافي الذي لا كدر فيه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن
مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله به: أنهار الجنة تفجر من جبل من مسك(٤).
﴿وَهَرٌ مِّنِ لَّبَنٍ لَّمْ يَنَّ ◌َعْمُهُ﴾ أي: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة.
وفي حديث مرفوع: ((لم يخرج من ضروع الماشية)).
﴿وَهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِلِشَرِنَ﴾ أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا بل حسنة المنظر
(@)﴾ [الصافات]، ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا
والطعم والرائحة والفعل ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَ هُمْ عَنْهَا يُنَّفُونَ
يُنْزِفُونَ ﴿٣)﴾ [الواقعة]، ﴿بَيْضَآَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ ﴾﴾ [الصافات].
وفي حديث مرفوع: ((لم يعصرها الرجال بأقدامهم)) (٥).
﴿وَأَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُصَفِىٌ﴾ أي: وهو في غاية الصفاء وحسن اللون والطعم والريح.
وفي حديث مرفوع: ((لم يخرج من بطون النحل))(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن هارون، أخبرنا الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه،
متروك (التقريب ص١٦٨)، ومطلع الحديث له شواهد لكن ذكر نزول الآية، ولهذا قال القرطبي: وهو
=
حديث صحيح (الجامع لأحكام القرآن ٢٣٥/١٦).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٥) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن سعيد بن جبير.
(٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر عن سعيد بن جبير.
(٤) سنده صحيح.

٦٥٥
• سورة القتال (١٤، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: سمعت رسول الله وهو يقول: ((في الجنة بحر اللبن وبحر الماء وبحر العسل وبحر الخمر،
ثم تشقق الأنهار منها بعد))(١). ورواه الترمذي في صفة الجنة عن محمد بن بشار، عن يزيد بن
هارون، عن سعيد بن أبي إياس الجريري وقال: حسن صحيح (٢).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن محمد بن
النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإيادي، حدثنا أبو عمران
الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ((هذه الأنهار
تَشخُبُ من جنة عدن في جوبة(٣) ثم تصدع بعد أنهاراً)) (٤).
وفي الصحيح: ((إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة ومنه
تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن))(٥).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مصعب بن حمزة الزبيري وعبد الله بن الصفر
السكري قالا: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني
عبد الرحمن بن عياش، عن دلهم بن الأسود قال دلهم، وحدثنيه أيضاً أبو الأسود، عن عاصم بن
لُقيط قال: إن لقيط بن عامر خرج وافداً إلى رسول الله وَ ر قلت: يا رسول الله فعلام نطلع من
الجنة؟ قال ◌َ: ((على أنهار عسل مصفى، وأنهار خمر ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من
لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج
مطهرة)) قلت: يا رسول الله أولنا فيها زوجات مصلحات؟ قال: ((الصالحات للصالحين تلذونهن
مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم، غير أن لا توالد))(٦).
وقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيدة، عن يزيد بن هارون،
أخبرني الجريري، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن أنس بن مالك به قال: لعلكم تظنون أن
أنهار الجنة تجري في أُخدود في الأرض والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض، حافاتها
قباب اللؤلؤ وطينها المسك الأذفر (٧)(٨). وقد رواه أبو بكر بن مردويه من حديث مهدي بن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٦/٣٣ ح ٢٠٠٥٢) وحسن سنده محققوه.
(٢) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة أنهار الجنة (ح٢٥٧١)، وصححه الألباني في صحيح سنن
الترمذي (ح٢٠٧٨).
(٣) أي: الحفرة.
(٤) في سنده الحارث بن عبيد وهو صدوق يخطئ (التقريب ص١٤٦) ويشهد له لاحقه، وأخرجه الإمام أحمد
من طريق الحارث به (المسند ٥٠٥/٣٢ ح ١٩٧٣١) وضعفه محققوه.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٣.
(٦) أخرجه الطبراني مطولاً (المعجم الكبير ٢١١/١٩)، وأخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على
المسند من طريق عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي به مطولاً (المسند ١٢١/٢٦ - ١٢٨) وقال محققوه:
إسنادهُ ضعيف مسلسل بالمجاهيل عبد الرحمن بن عياش، ودلهم بن الأسود، وأبوه الأسود بن عبد الله بن
حاجب مجهولون.
(٧) أي: الجيد للغاية.
(٨) أخرجه أبو نعيم من طريق يزيد بن هارون به (الحلية ٢٠٥/٦)، وسنده ضعيف لأن الجريري وهو سعيد بن =

٦٥٦
• سورة القتال (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حكيم، عن يزيد بن هارون به مرفوعاً(١).
(@)﴾ [الدخان]
وقوله: ﴿وَمْ فِهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ﴾ كقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ،َاِنِينَ
كقوله: ﴿فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴾﴾﴾ [الرحمن].
وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِّنْ زَّبِهِمْ﴾ أي: مع ذلك كله. وقوله: ﴿ كَمَنّ هُوَ خَلِدٌ فِ النَّارِ﴾ [أي: هؤلاء
الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار؟](٢) ليس هؤلاء كهؤلاء، وليس من هو في
الدرجات كمن هو في الدركات ﴿وَسُقُوا مَآءَ حَمِيمًا﴾ أي: حاراً شديد الحر لا يستطاع ﴿فَقَطَّعَ
أَمَّعَاءَهُمْ﴾ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء - عياذاً بالله تعالى من ذلك.
﴿وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ خَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندَِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ مَائِقَاْ أُوْلَكَ الَّذِينَ
طَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَتَبْعُوْ أَهْوَءَ هُمْ (٨) وَلَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَائَنْهُمْ تَفْوَنُهُمْ ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا
السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاُهَا فَّى لَهُمْ إِذَا سَآءَتْهُمْ ذِكْرَنَّهُمْ ﴿ فَأَعْلَ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ
لِذَتْبِكَ وَلِلْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَّكُمْ وَمَثْوَنُكُمْ ﴾﴾.
يقول تعالى مخبراً عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله دوله
ويستمعون كلامه فلا يفهمون منه شيئاً فإذا خرجوا من عنده ﴿قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوْنُواْ الْعِلْمَ﴾ من الصحابة
﴿مَاذَا قَالَ مَائِقً﴾ أي: الساعة. لا يعقلون ما قال ولا يكترثون له. قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ
اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعُواْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي: فلا فهم صحيح ولا قصد صحيح.
ثم قال: ﴿وَأَِّينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ أي: والذين قصدوا الهداية وفقهم الله تعالى لها فهداهم
إليها وثبتهم عليها وزادهم منها ﴿وَءَانَنْهُمْ تَقْوَنَّهُمْ﴾ أي: ألهمهم رشدهم.
وقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُمْ بَعْتَةً﴾ أي: وهم غافلون عنها ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاُهَا﴾ أي:
أمارات اقترابها كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَىَّ ﴿ أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ (@)﴾ [النجم] وكقوله: ﴿أُقْتَرَتِ
السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ﴾﴾ [القمر] وقوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [النحل: ١]، وقوله: ﴿اقْتَبَ
لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء]، فبعثة رسول الله وَّه من أشراط الساعة؛ لأنه
خاتم الرسل الذي أكمل الله تعالى به الدين وأقام به الحجة على العالمين.
وقد أخبر وسي بأمارات الساعة وأشراطها وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته نبي قبله، كما
هو مبسوط في موضعه.
وقال الحسن البصري: بعثة محمد 18 من أشراط الساعة(٣). وهو كما قال ولهذا جاء في
أسمائه وّ ر أنه نبي التوبة ونبي الملحمة، والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه، والعاقب الذي
لیس بعده نبي.
= إياس اختلط ورواية يزيد بن هارون بعد الاختلاط (تهذيب التهذيب ٥/٤ - ٧).
(١) ذكره ابن القيم سند ابن مردوية عن محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا مهدي بن
حکیم احادي الأرواح ص١٧٣) وسنده كسابقه.
(٢) زيادة من (حم) و(مح).
(٣) ذكره النحاس في إعراب القرآن ١٨٥/٤.

٦٥٧
• سورة القتال (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال البخاري: حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا
سهل بن سعد قال: رأيت رسول الله وَ ﴿ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تليها: ((بعثت أنا
والساعة كهاتين))(١).
ثم قال تعالى: ﴿فَأَنَّ لَهُمْ إِذَا جَاءَتَهُمْ ذِكْرَنَهُمْ﴾ أي: فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة
حيث لا ينفعهم ذلك كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَنُ وَأَنَى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣].
﴿ وَقَالُوَاْ ءَمَنَّا بِهِ، وَأَى لَمُمُ التَّنَاُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (﴾﴾ [سبأ]. وقوله: ﴿فَأَعْلَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ﴾
هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله ولا يتأتى كونه آمراً بعلم ذلك، ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ
لِذَتْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ .
وفي الصحيح: أن رسول الله وَ ل كان يقول: ((اللَّهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في
أمري وما أنت أعلم به مني، اللَّهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي وكل ذلك
عندي))(٢) .
وفي الصحيح: أنه كان يقول في آخر الصلاة: ((اللَّهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما
أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت إلهي لا إله إلا أنت))(٣).
وفي الصحيح أنه قال: ((يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم
أكثر من سبعين مرة))(٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول قال: سمعت
عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله صل فأكلت من طعامه فقلت: غفر الله لك يا رسول الله
فقال ◌َ: ((ولك)) فقلت: أستغفر لك. فقال رسول الله وَ له: ((نعم ولكم)) وقرأ ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ ثم نظرت إلى نُغْض(٥) كتفه الأيمن - أو كتفه الأيسر شعبة الذي شك - فإذا
هو كهيئة الجُمع عليه الثآليل(٦)، ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من
طرق عن عاصم الأحول به(٧) .
وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى: حدثنا محمد بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا
عبد الغفور، عن أبي نصيرة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر الصديق عظته، عن رسول الله وَليل أنه
قال: ((عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما فإن إبليس قال: إنما أهلكت الناس
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري ظه (صحيح البخاري، الدعوات، باب قول النبي ◌َّى:
((اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت)) ح٦٣٩٨، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء ح٢١٧٩).
(٣) أخرجه مسلم من حديث علي بن أبي طالب ظُه (الصحيح، صلاة المسافرين وقصرها ح ٧٧١).
(٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ظه (الصحيح، الدعوات، باب استغفار النبي ◌َّر في اليوم والليلة
ح ٦٣٠٧).
(٥) أي: أعلى كتفه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٢/٥) وسنده صحيح.
(٧) صحيح مسلم، الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة (ح ٢٣٤٦).

٦٥٨
• سورة القتال (٢٣،٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون
أنهم مهتدون))(١) .
وفي الأثر المروي: «قال إبليس: وعزتك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في
أجسادهم. فقال الله : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)»(٢)، والأحاديث في
فضل الاستغفار كثيرة جداً.
وقوله: ﴿وَلَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَبَّكُمْ وَمَنْوَئِكُمْ﴾ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم
كقوله: ﴿وَهُوَ اُلَّذِى يَتَوَفََّكُمْ بِلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمِ بِلنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقوله: ﴿﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ
فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْنَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلُّ فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ [هود] وهذا القول
ذهب إليه ابن جريج(٣) وهو اختیار ابن جرير.
وعن ابن عباس: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة(٤).
وقال السدي: متقلبكم في الدنيا ومثواكم في قبوركم، والأول أولى وأظهر، والله أعلم.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوَّلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ تُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِّ فَأَوْلَى لَهُمْ (٣٥ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا
عَزَمَ الْأَمْرُ فَوَ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَنَ خَيْرً لَّهُمْ ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ
أَرْحَامَكُمْ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَ أَبْصَرَهُمْ
يقول تعالى مخبراً عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله ربك وأمر به نكل
عنه كثير من الناس كقوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَمْ كُفُواْ أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَ فَلَمَّا
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِتَالُ إِذَا فِقٌّ مِنْهُمْ يَْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَ خَشْيَّةٌ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَنَبْتَ عَلَيْنَا الْفِنَالَ
لَوْلَا أَخَّرْنَنَا إِلَى أَجَلٍ فَيْبٍ قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ فَبِيلًا (®)﴾ [النساء] وقال
ههنا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَؤْلَا نُزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: مشتملة على حكم القتال ولهذا قال: ﴿فَإِذَا
أُنزِلَتْ سُورَةٌ تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِ عَلَيْهِ مِنَ
اُلْمَوْتِ﴾ أي: من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء.
ثم قال مشجعاً لهم: ﴿فَوْلَى لَهُمْ ٥َ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ أي: وكان الأولى بهم أن يسمعوا
ويطيعوا؛ أي: في الحالة الراهنة ﴿فَإِذَا عَزَمَ اٌلْأَمْرُ﴾ أي: جد الحال، وحضر القتال ﴿فَلَوْ صَدَقُواْ
اللَّهَ﴾ أي: خلصوا له النية ﴿لَكَانَ خَيْرَاً لَّهُمْ﴾.
وقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَلَيْتُمْ﴾ أي: عن الجهاد ونكلتم عنه ﴿أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ
(١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٢٣/١ ح١٣٦) وسنده ضعيف لضعف عثمان بن مطر (مجمع الزوائد
١٠ / ٢٠٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ◌ُه، (المسند ٣٣٧/١٧ ح ١١٢٣٧) وحسن سنده
محققوه .
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
(٤) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.

٦٥٩
• سورة القتال (٢٣،٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أَرْحَامَكُمْ﴾ أي: تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء تسفكون الدماء وتقطعون الأرحام،
ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَغَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ (٣)﴾ وهذا نهي عن الإفساد في
الأرض عموماً، وعن قطع الأرحام خصوصاً، بل وقد أمر الله تعالى بالإصلاح في الأرض وصلة
الأرحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال وبذل الأموال، وقد وردت الأحاديث
الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله وَله من طرق عديدة ووجوه كثيرة.
قال البخاري: حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مُزرّد، عن
سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((خلق الله تعالى الخلق فلما فرغ منه قامت
الرحم فأخذت [بحقوٍ](١) الرحمن رَك فقال مه، فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال
تعالى: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك)) قال أبو
هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ ﴾﴾(٢) ثم
رواه البخاري من طريقين آخرين، عن معاوية بن أبي مزرد به قال: قال رسول الله وَاليقول: ((اقرءوا
إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيِّتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ (®)﴾))(٣). ورواه مسلم من
حديث معاوية بن أبي مزرّد به (٤) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا [إسماعيل بن علية، حدثنا عيينة](٥) بن عبد الرحمن بن جوشن، عن
أبيه، عن أبي بكر حظُّه قال: قال رسول الله وَله: ((ما من ذنب أحرى أن يعجل الله تعالى عقوبته
في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)) (٦). ورواه أبو داود والترمذي
وابن ماجه من حديث إسماعيل هو ابن علية به، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح(٧).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد [المرئي] (٨)، حدثنا
محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، عن رسول الله وسلم قال: ((من سرَّه النسأ في الأجل
والزيادة في الرزق فليصل رحمه))(٩). تفرد به أحمد وله شاهد في الصحيح.
وقال أحمد أيضاً: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله وَّ ه فقال: يا رسول الله إن لي ذوي أرحام، أصل
ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون أفأكافئهم؟ قال ◌َلاير: ((لا، إذن تتركون جميعاً ولكن
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [القتال: ٢٢] ح ٣٨٣٠).
(٣) المصدر السابق (ح ٤٨٣١، ٤٨٣٢).
(٤) صحيح مسلم، البر والصلة، باب صلة الرحم (ح٢٥٥٤).
(٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل خلط الناسخ بين الإسمين فجاء بلفظ: ((إسماعيل بن عيينة بن
عبد الرحمن)).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/٣٤ - ٤٠ ح ٢٠٣٩٨) وصحح سنده محققوه.
(٧) سنن أبي داود، الأدب، باب في النهي عن البغي (ح٤٩٠٢)، وسنن الترمذي، صفة القيامة، (ح٢٥١١)،
وسنن ابن ماجه، الزهد، باب البغي (ح٤٢١١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٩٨).
(٨) كذا في المسند وفي النسخ الخطية: ((المراي)).
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٦/٣٧، ٨٧ ح ٢٢٤٠٠)، وحسن سنده محققوه.

٦٦٠
• سورة القتال (٢٣،٢٠)
جد بالفضل وصلهم، فإنه لن يزال معك ظهير من الله رَ ما كنت على ذلك))(١). تفرد به أحمد
من هذا الوجه وله شاهد من وجه آخر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يعلى، حدثنا فِطر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال
رسول الله وقال: ((إن الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت
رحمه وصلها))(٢). رواه البخاري.
وقال أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة(٣)، أخبرنا قتادة، عن أبي ثُمامة الثقفي، عن
عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وقوله: ((توضع الرحم يوم القيامة لها حجنة كحجنة (٤)
المغزل تكلم بلسان طلق ذِلق، فتقطع من قطعها وتصل من وصلها))(٥). وقال الإمام أحمد:
حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي وَلّر قال:
((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شُجْنَةٌ من
الرحمن من وصلها وصلته ومن قطعها بنتُّه))(٦). وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن
عيينة، عن عمرو بن دينار به، وهذا هو الذي يروى بتسلسل الأولية وقال الترمذي: حسن
صحیح(٧).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير،
عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف وهو مريض
فقال له عبد الرحمن ظه: وصلت رحمك، إن رسول الله وَّالله قال: ((قال الله ربك: أنا الرحمن
خلقت الرحم وشققت لها اسمها من اسمي، فمن يصلها أصله ومن يقطعها أقطعه فأبته - أو
قال : - من بثَّها أبتُّه))(٨). تفرد به أحمد من هذا الوجه، ورواه أحمد أيضاً من حديث الزهري،
عن أبي سلمة، عن الردَّاد - أو أبي الردَّاد - عن عبد الرحمن بن عوف به، ورواه أبو داود
والترمذي من رواية أبي سلمة، عن أبيه(٩)، والأحاديث في هذا كثيرة جداً.
وقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عيسى بن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٣/١١ ح ٦٧٠٠) وقال محققوه: حسن لغيره. وذكروا بعض
شواهده الصحيحة .
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٣/٢) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري من طريق فطر به (الصحيح، الأدب، باب ليس الواصل بالمكافيء ح٥٩٩١).
(٤) هو المعوج رأسها.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مع تقديم وتأخير (المسند ٣٨٨/١١ ح ٦٧٧٤) وضعفه محققوه لجهالة أبي
ثُمامة الثقفي.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/١١ ح٦٤٩٤) وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٧) سنن أبي داود، الأدب، باب في الرحمة (ح٤٩٤١)، وسنن الترمذي، البر والصلة، باب ما جاء في رحمة
المسلمين (ح١٩٢٤). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤١٣٢).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٨/٣ ح١٦٥٩) وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٩) (المسند ١٩٤/١)، وسنن أبي داود، الزكاة، باب في صلة الرحم (ح١٦٩٤)، وسنن الترمذي، البر
والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم (ح ١٩٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح١٤٨٦).