النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
• سُورَةُ الأَحْقَقلِ (١٤،١٠)
﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ﴾ أي: ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد
أنزل علي لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه. ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَّوِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: وقد
شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي، بشرت
به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به.
وقوله: ﴿فَامَنَ﴾ أي: هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيقته ﴿وَأَسْتَكْبَرٌَّ﴾ أنتم
عن اتباعه.
وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم(١) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى
اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا الشاهد اسم جنس يعمُّ عبد الله بن سلام ظُه وغيره، فإن هذه الآية مكية نزلت
قبل إسلام عبد الله بن سلام رَبُه، وهذا كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا يُثْلَى عَلَِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا بِ: إِنَّهُ الْحَقُّ
﴿6﴾ [القصص] وقال: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن
مِن ◌َّيِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ
، وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيِّنَاً إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا (٣)﴾ [الإسراء].
قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَنِ سُجَّدًا
قال مسروق والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام
كان بالمدينة(٢). رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم واختاره ابن جرير.
وقال مالك: عن أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله وَله يقول
لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام ظته، قال: وفيه نزلت
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِيّ إِسْرَّوِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾(٣). رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث مالك
به(٤)، كذا قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ويوسف بن عبد الله بن سلام
وهلال بن يساف والسدي والثوري ومالك بن أنس، وابن زيد أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن
(٥)
سلام(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾ أي: قالوا عن المؤمنين
بالقرآن لو كان القرآن خيراً ما سبقنا هؤلاء إليه، يعنون بلالاً وعماراً وصهيباً وخباباً
وأشباههم وأضرابهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن
لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطاً فاحشاً وأخطأوا خطأ بيناً كما قال
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الشعبي عن مسروق.
(٢) أخرجه الطبري من طريق الشعبي عن مسروق، ورجاله ثقات لكنه مرسل.
(٣) سنده صحيح على شرط الشيخين.
(٤) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب مناقب عبد الله بن سلام ه (ح٣٨١٢)، وصحيح مسلم، فضائل
الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام ه (ح٢٤٨٣)، والسنن الكبرى للنسائي، فضائل الصحابة
(ح ٨٢٥٢).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما سبق وبالآثار التالية: فقد أخرجه
آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك وأخرجه
البُستي بسند صحيح من طريق عبد الله بن عون عن الشعبي وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن
وهب عن ابن زید.

٦٢٢
سُورَةُ الْأَخْقَقلِ (١٥، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُواْ أَهَتُؤُلَاءِ مَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]
أي: يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا؟ ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرً مَّا سَبَقُونَاً إِلَيْهٍ﴾ وأما أهل السنة
والجماعة، فيقولون: في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة ﴿ه هو بدعة لأنه لو كان خيراً
لسبقونا إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: كذب قديم؛
أي: مأثور عن الناس الأقدمين فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكِبرُ الذي قال رسول الله إليه:
(بطر الحق وغمط الناس))(١).
ثم قال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ، كِتَبُ مُوسَى﴾ وهو التوراة ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَبٌ﴾ يعني القرآن
﴿ُصَدِّقٌ﴾ أي: لما قبله من الكتب ﴿لِّسَانَا عَرَبِيًّا﴾ أي: فصيحاً بيناً واضحاً ﴿لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: مشتمل على النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا
اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُوا﴾ تقدم تفسيرها في ((حم السجدة)(٢) وقوله: ﴿فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما
يستقبلون ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفهم ﴿أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيَهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴾ أي: الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم.
﴿وَوَضَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسًَّا حَمَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُهَا وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًّاً
خََّ إِذَا يَغَ أَشُدَّهُ وَيَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ أَوَزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَِّىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ
صَلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَصْلِحْ لِ فِ ذُرِّيَّتِىٌّ إِنِ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِى مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
عَمِلُواْ وَنَنَجَاوَزُ عَن سَبِئَاتِهِمْ فِّ أَمْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُؤْعَدُونَ
لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيد له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه، عطف بالوصية
بالوالدين كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾
[الإسراء: ٢٣] وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] إلى غير ذلك من الآيات
الكثيرة. وقال ههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًّا﴾ أي: أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد
﴿ُّه قال: قالت أُم سعد لسعد: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين؟ فلا آكل
یحدث عن سعد
طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر بالله تعالى، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يفتحون
فاها بالعصا ونزلت هذه الآية ﴿وَوَضَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنًا﴾ الآية (٣). ورواه مسلم وأهل السنن
إلا ابن ماجه من حديث شعبة بإسناده نحوه وأطول منه (1).
﴿حَتْهُ أُقُهُ كُرْهًا﴾ أي: قاست بسببه في حمله مشقة وتعباً من وحام وغثيان وثقل وكرب، إلى
غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرُفًَّ﴾ أي: بمشقة أيضاً من الطلق
وشدته ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلَمُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ .
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٢.
(٣) مسند الطيالسي (ح٢٠٨) وسنده صحيح.
(٢) أي: في سورة فصلت آية ٣٠.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة آية ٤٣.

٦٢٣
• سُورَةُ الأَحْقَقلِ (١٥، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بهذه الآية مع التي في لقمان ﴿وَفِصَلُ فِ عَامَيْنٍ﴾ [١٤] وقوله تبارك
وقد استدل علي
وتعالى: ﴿وَالْوَِّدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِّ الرَّضَاعَةُ﴾(١) [البقرة: ٢٣٣] على أن
أقل مدة الحمل ستة أشهر وهو استنباط قوي وصحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من
الصحابة
قال محمد بن إسحاق بن يسار، عن يزيد بن عبيد الله بن قسيط، عن معمر بن عبد الله الجهني
قال: تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان ضـ
فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها فقالت: وما يبكيك؟ فوالله ما
التبس بي أحد من خلق الله تعالى غيره قط، فيقضي الله ◌َ في ما شاء، فلما أتى بها عثمان
أمر برجمها فبلغ ذلك علياً له: فأتاه فقال له ما تصنع، قال: ولدت تماماً لستة أشهر، وهل
يكون ذلك، فقال له علي ظه: أما تقرأ القرآن: قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ
وَفِصَلْهُ تَثُونَ شَهْرًا﴾ وقال: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾ فلم نجده بقي إلا ستة أشهر قال: فقال عثمان
والله ما فطنت بهذا، عليّ بالمرأة فوجدوها قد فرغ منها قال: فقال معمر: فوالله ما الغراب
بالغراب ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه، فلما رآه أبوه قال: ابني والله لا أشك فيه. قال:
وابتلاه الله تعالى بهذه القرحة بوجهه الآكلة، فما زالت تأكله حتى مات، رواه ابن أبي حاتم،
وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله رَك: ﴿فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَِدِينَ﴾(٢) [الزخرف: ٨١].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن
داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاه من
الرضاع أحد وعشرين شهراً، وإذا وضعته لسبعة أشهر كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا
وضعته لستة أشهر فحولين كاملين لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلْمُ ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾(٣).
﴿حَّةٍ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: قوي وشب وارتجل.
﴿وَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً﴾ أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه. ويقال: إنه لا يتغير غالباً عما يكون
عليه ابن الأربعين.
قال أبو بكر بن عياش: عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قلت لمسروق: متى
يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بلغت الأربعين فخذ حذرك (٤).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو عبد الله القواريري، حدثنا عزرة بن قيس
الأزدي، وكان قد بلغ مائة سنة، حدثنا أبو الحسن السلولي عمر بن أوس قال: قال محمد بن
عمرو بن عثمان، عن عثمان عظته، عن النبي ◌َّر قال: ((العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة
خفف الله تعالى حسابه، وإذا بلغ الستين سنة رزقه الله تعالى الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة
أحبه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله
له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه الله تعالى في أهل بيته، وكتب في السماء أسير الله في
(١) جاءت هذه الآية قبل قول ابن إسحاق التالي.
(٢) وقد تقدم تخريج الأثر عند تفسير هذه الآية من سورة الزخرف.
(٣) سنده حسن.
(٤) سنده مرسل.

٦٢٤
سُورَةِ الْأَحْقَقلِ (١٥، ١٦)
0000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
أرضه))(١). وقد روي هذا من غير وجه، وهو في مسند الإمام أحمد(٢).
وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي أحد أمراء بني أمية بدمشق: تركت المعاصي والذنوب
أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركتها حياءً من الله رَبَت.
وما أحسن قول الشاعر:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه
فلما علاه قال للباطل: [ابعد](٣)
﴿قَالَ رَبِّ أَوَزِعْنِيّ﴾ أي: ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ أَلَّتِىَ أَنْعَمْتَ عَلَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا
تَرْضَنْهُ﴾ أي: في المستقبل ﴿وَأَصْلِحَ لِ فِ ذُرِيٌَِّ﴾ أي: نسلي وعقبي ﴿إِنِ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِ مِنَ
اٌلْمُسْلِينَ﴾ وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين أن يجدد التوبة والإنابة إلى الله رم ويعزم عليها،
وقد روى أبو داود في سننه عن ابن مسعود عنه أن رسول الله وَّ و كان يعلمهم أن يقولوا في
التشهد («اللَّهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى
النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا
وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها
وأتممها علينا))(٤) قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَقَبِّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَجَاوَزُ عَن سَيِئَاتِمِ فِّ أَضْحَبٍ
الْجَنَّةِ﴾ أي: هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله تعالى المنيبون إليه، المستدركون ما
فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم فيغفر لهم
الكثير من الزلل ونتقبل منهم اليسير من العمل.
﴿فى أَمْحَبِ الْجَنَّةِ﴾ أي: هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وعد الله من
تاب إليه وأناب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ .
قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان،
عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن رسول الله وَير، عن الروح الأمين عليه
الصلاة والسلام قال: ((يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة
وسع الله تعالى له في الجنة)) قال: فدخلت على يزداد فحدث بمثل هذا قال: قلت فإن ذهبت
الحسنة؟ قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَنَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِىَ أَصْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ
الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ (﴾﴾(٥). وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن عبد الأعلى
الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان بإسناده مثله وزاد عن الروح الأمين. قال: قال الرب جلَّ
(١) أخرجه أبو يعلى في المسند الكبير كما صرح الهيثمي وأعله بعزرة بن قيس الأزدي لأنه ضعيف (مجمع
الزوائد ٢٠٥/١٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك به وقال محققوه: إسناده ضعيف جداً (المسند ١٢/٢١
ح١٣٢٧٩).
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((أبطل).
(٤) أخرجه أبو داود (السنن، الصلاة، باب التشهد ح٩٦٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٨٥٥).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتقدم تخريجه في تفسير سورة السجدة آية ١٧.

٦٢٥
• سُورَةُ الْأَخْقَقلِ (١٧، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جلاله: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فذكره، وهو حديث غريب وإسناده جيد ولا بأس به(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد، حدثنا عمرو بن عاصم الكلائي،
حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن يوسف بن سعد، عن محمد بن حاطب
قال: ونزل في داري حيث ظهر علي رؤيته على أهل البصرة فقال له يوماً: لقد شهدت
أمير المؤمنين علياً ظه، وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر ﴿ه، فذكروا
عثمان رَؤُبه فنالوا منه، فكان علي ظُه على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن
عندكم من يفصل بينكم، فسألوه فقال علي ظلاله: كان عثمان ◌ُّه من الذين قال الله تعالى:
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ تَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَجَاوَزُ عَن سَيْئَاتِهِمْ فِيَّ أَمْحَبِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ
(٣)﴾ قال: والله عثمان وأصحاب عثمان ﴿م، قالها ثلاثاً. قال يوسف: فقلت لمحمد بن
(٢)
نظرعنه؟ قال: آلله لسمعت هذا عن علي
حاطب: آلله لسمعت هذا عن علي
.
﴿وَأَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَنْعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِيِ وَهُمَا يَسْتَغِينَانِ اَللّهَ
وَيَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِيَ أُثٍّ
وَلِكُلِّ دَرَحَتُ فَِّّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسَّ إِنَّهُمْ كَانُوْ خَسِرِينَ
يُظْلَمُونَ ﴿ وَبَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوّنَ عَذَابَ
أَلْهُونِ بِمَا كُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الِّْ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ
لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارّين بهما وما لهم عنده من الفوز، والنجاة، عطف
بحال الأشقياء العاقّين للوالدين فقال: ﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا﴾ وهذا عام في كل من قال
هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ﴿ها فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن
أبي بكر أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه.
وروى العوفي عن ابن عباس ﴿هًا أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق(٣) وفي صحة هذا نظر،
والله تعالى أعلم.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر قاله ابن جريج(٤).
وقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر(٥)، وهذا أيضاً قول السدي، وإنما هذا عام في كل
من عقَّ والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: ﴿أُنٍّ لَّكُمَا﴾ عقَّهما.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي
زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني [عبد الله المديني](٦) قال: إني لفي المسجد حين
(٢) سنده حسن.
(١) سنده كسابقه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه البُستي من طريق ابن جريج عن مجاهد، وسنده ضعيف لانقطاعه فإن ابن جريج لم يسمع من
مجاهد .
(٥) أخرجه البُستي بسند حسن من قول عكرمة.
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض مكان كلمة المديني، وما نقله الحافظ ابن حجر من رواية =

٦٢٦
سُورَةُ الْأَحْقَقلِ (١٧، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
خطب مروان فقال: إن الله تعالى قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأياً حسناً، وأن يستخلفه فقد
استخلف أبو بكر عمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: [أهرقلية](١)؟ إن أبا بكر والله ما جعلها
في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده،
فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه أف لكما؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذين لعن
رسول الله ﴿ أباك؟ قال: وسمعتهما عائشة ﴿ّا فقالت: يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا
وكذا؟ كذبت ما فيه نزلت ولكن نزلت في فلان ابن فلان، ثم انتحب مروان ثم نزل عن المنبر،
حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها حتى انصرف(٢)، وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر
فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال:
كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب وجعل يذكر يزيد بن معاوية
لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً (٣)، فقال: خذوه(٤)، فدخل بيت
عائشة ﴿ّ فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه ﴿وَلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا
أَنَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِ﴾ فقالت عائشة رضيها من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا
شيئاً من القرآن إلا أن الله تعالى أنزل عذري(٥).
(طريق أخرى) قال النسائي: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن
محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية به لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال
عبد الرحمنِ بنِ أبي بكر: سُنَّ هِرَقل وقيصر! فقال مروان: هذا الذي أنزل الله تعالى فيه ﴿وَالَّذِى
قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنٍ لَّكُمَا﴾ الآية. فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن
أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله * لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان
[فضض من لعنة الله](٦) (٧).
وقوله: ﴿أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: أبعث ﴿وَقَدْ خَتِ اٌلْقُرُونُ مِن قَبْلِيِ﴾ أي: قد مضى الناس فلم
يرجع منهم مخبر ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اَللَّهَ﴾ أي: يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما ﴿وَيَلَكَ ءَامِنْ
= ابن أبي حاتم باسم: عبد الله المدني. (فتح الباري ٨/ ٥٧٧).
(١) كذا في (حم) و(مح) وفتح الباري ٥٧٧/٨، وفي الأصل صحف إلى: أهو قلته.
(٢) سنده ضعيف فإن عبد الله وهو البهي مولى مصعب بن الزبير يقال: اسم أبيه يسار: صدوق يخطئ كما في
التقريب، وأصل القصة في الصحيح كما سيأتي ولكن ليس فيها ذكر اللعن.
(٣) قال الحافظ ابن حجر: قيل قال له: بيننا وبينكم ثلاث، مات رسول الله - * وأبو بكر وعمر ولم
يعهدوا ... والذي في رواية الإسماعيلي: فقال عبد الرحمن: ما هي إلا هرقلية. (فتح الباري ٨/ ٥٧٧).
(٤) القائل هو مروان ويريد بذلك إلقاء القبض على عبد الرحمن بن أبي بكر .
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أَنِّ لَّكُمَا ... ﴾ [الأحقاف: ١٧]
ح ٤٨٢٧).
(٦) كذا في (مح) والسنن الكبرى للنسائي، وفي الأصل صحف إلى: ((يقتص من لعنه))، وفي (حم) صحف
إلى: ((بعض من لعنه الله)).
(٧) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير سورة الأحقاف، باب قوله: ﴿وَأَلَّذِى قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُنٍ﴾
[الأحقاف: ١٧] ح ١١٤٢٧)، وأخرجه الحاكم من طريق علي بن الحسين الدرهمي به وصححه وتعقبه
الذهبي بقوله: فيه انقطاع محمد لم يسمع من عائشة (المستدرك ٤ /٤٨١).

٦٢٧
سُورَةُ الْأَحْقَقلِ (١٧، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّ أَسَطِيُ اَلْأَوَِّينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىّ
أُمَرٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ أَلْبِنِّ وَالْإِنسَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِينَ ﴾﴾ أي: دخلوا في زمرة أشباههم
وأضرابهم، من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَلَّذِى قَالَ﴾ دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان
كذلك.
وقال الحسن وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه المكذب بالبعث(١).
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة سهل بن داود من طريق هشام بن عمار، حدثنا
حماد بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن الزبرقان الحلبي، عن سليم بن حبيب، عن أبي أمامة
الباهلي ظُه، عن النبيِ وَ ل﴾ قال: ((أربعة لعنهم الله تعالى من فوق عرشه، وأمنت عليهم
الملائكة: مضل المساكين)) قال خالد الذي يهوي بيده إلى المسكين فيقول: هلَّم أعطيك، فإذا
جاءه قال: ليس معي شيء ((والذي يقول للمكفوف: اتق [الدابة](٢): وليس بين يديه شيء،
والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها، والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا))(٣). غريب
جداً .
وقوله: ﴿وَلِكُلِّ دَرَحَتٌ مَِّا عَيِلُواْ﴾ أي: لكل عذاب بحسب عمله ﴿وَلِيُوَفِّهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
أي: لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ درجات النار تذهب
سفالاً ودرجات الجنة تذهب علواً (٤).
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ لَنِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الذُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ أي: يقال لهم
ذلك تقريعاً وتوبيخاً، وقد تورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نظريته عن كثير من طيبات المآكل
والمشارب. وتنزه عنها ويقول: إني أخاف أن أكون كالذين قال الله لهم وبخهم وقرعهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ
(٥)
لَكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الذُّنْيَا وَأَسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾
وقال أبو مجلز: ليفقدن أقوام حسنات كانت لهم في الدنيا فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ فِ حَاتِكُ
الدُّنْيَا﴾(٦) .
وقوله: ﴿فَلْيَوْمَ تُّجْزَوَنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِىِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الِّْ وَبِمَا كُمْ نَفْسُقُونَ﴾ فجوزوا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن الحسن، وأخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) كذا في (مح) و(حم)، وفي الأصل بياض.
(٣) ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (٢٢١/١٠)، وأخرجه الطبراني من طريق هشام بن عمار به
(المعجم الكبير ١١٧/٨ ح ٧٤٨٩) قال الهيثمي: حماد بن عبد الرحمن عن خالد بن الزبرقان كلاهما
ضعيف (مجمع الزوائد ٢٥١/٤) وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر
(العلل ٢/ ٤١٣).
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق قتادة عن عمر بنحوه، وقتادة لم يسمع من عمر ظه، وقد أخرجه
الطبري والبستي بنحوه من طرق أخرى تقويه.
(٦) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.

٦٢٨
• سُودَةُ الأَخْقَفِ (٢٥،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من جنس عملهم فكما متعوا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق وتعاطوا الفسق والمعاصي،
جازاهم الله بعذاب الهون، وهو الإهانة والخزي والآلام الموجعة والحسرات المتتابعة والمنازل
في الدركات المفظعة، أجارنا الله ◌ُعَلَ من ذلك.
﴿ وَأَذْكُرُ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَمُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: أَلَّا
تَعْبُدُوّأْ إِلَّا اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالَتِنَا فَأَئِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن
قَالَ إِنَّمَا أَلْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَبْلِغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّيَّ أَرَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ
كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ تُطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِهٌِّ رِيحُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ
(٢٤)
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِهَا فَأَصْبَحُوْ لَا يُرَّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ
يقول تعالى مسلياً لنبيه وَ ل﴿ في تكذيب من كذب من قومه ﴿وَاذْكُرُ أَخَا عَادٍ﴾ وهو هود عليه
الصلاة والسلام، بعثه الله إلى عاد الأولى وكانوا يسكنون الأحقاف، جمع حقف وهو الجبل من
الرمل(١)، قاله ابن زید.
وقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار.
وقال علي بن أبي طالب ظُه: الأحقاف وادٍ بحضرموت يدعى: برهوت تلقى فيه أرواح
الكفار (١).
وقال قتادة: ذكر لنا أن عاداً كانوا حياً باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها:
الشحر (٢).
قال ابن ماجه: باب إذا دعا فليبدأ بنفسه. حدثنا الحسين بن علي الخلال، حدثنا أبي، حدثنا
زيد بن الحباب، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال
رسول الله ويلقى: ((يرحمنا الله وأخا عاد))(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِّهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني: وقد أرسل الله تعالى إلى من
حول بلادهم في القرى مرسلين ومنذرين كقوله: ﴿لَجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة:
٦٦] وكقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ(٥) فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةُ مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ (٣) إِذْ جَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ
أَيَدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّا اللّهُ﴾ [فصلت: ١٣، ١٤] (٦) أي: قال لهم هود ذلك فأجابه قومه
قائلين ﴿أَِْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَاِتِّنَا﴾ أي: لتصدنا عن آلهتنا ﴿فَأْنَا بِمَا تَعِدُنَّا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الدعاء، باب إذا دعا أحدكم فليبدأ بنفسه ح ٣٨٥٢) وضعفه الألباني
في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٨٤٠).
(٥) كذا في (حم) وفي الأصل خطأ بلفظ: ((تولوا)).
(٦) وقد جاء بعدها قوله تعالى: ﴿إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١] وهو خلط بين الآية ١٣
في فصلت وبين الآية ٣ في سورة هود.

٦٢٩
سُودَةُ الأَحْقَقلِ (٢٥،٢١)
استعجلوا عذاب الله وعقوبته استبعاداً منهم وقوعه كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾
[الشورى: ١٨].
﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فسيفعل ذلك
بكم وأما أنا فمن شأني أني أبلغكم ما أرسلت به ﴿وَلَكِنِىّ أَرَّكُمْ قَوْمَا تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعقلون
ولا تفهمون.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوَهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِمْ﴾ أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا
أنه عارض ممطر، ففرحوا واستبشروا به، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِّ رِيعٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: هو العذاب الذي قلتم: فأُتنا
بما تعدنا إن كنت من الصادقين ﴿تُدَمِّرُ﴾ أي: تخرب ﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾ من بلادهم مما من شأنه
الخراب ﴿بِأَمْرِ رَبِهَا﴾ أي: بإذن الله لها في ذلك كقوله: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ
كَأَلَّمِيمِ ﴾﴾ [الذاريات] أي: كالشيء البالي ولهذا قال: ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَبّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ﴾ أي: قد
بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية.
﴿ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ اُلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا وخالف أمرنا.
وقد ورد حديث في قصتهم وهو غريب جداً من غرائب الحديث وأفراده. قال الإمام أحمد:
حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي
النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى
رسول الله ◌َ، فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي: يا عبد الله إن لي
إلى رسول الله وَ﴿ حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد
غاصٌّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال ظه، متقلداً السيف بين يدي رسول الله وَخو
فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص ظه وجهاً قال: فجلست فدخل
منزله، أو قال رحله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت فسلمت، فقال ◌َّار: ((هل كان بينكم وبين
تميم شيء؟)) قلت: نعم، وكان لنا الدائرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها،
فسألتني أن أحملها إليك فها هي بالباب، فأذن لها فدخلت فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن
تجعل بيننا وبين تميم حاجزاً فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت وقالت: يا رسول الله
فإلى أين يضطر مضطرك؟ قال: قلت إن مثلي ما قال الأول: معزى حملت حتفها(١)، حملت
هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصماً، أعوذ بالله ورسوله أن أكون کوافد عاد، قال: ((وما وافد
عاد؟)) وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه، قلت: إن عاداً قحطوا فبعثوا وفداً لهم يقال له
قيل، فمرَّ بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهراً يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان،
فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة، فقال: اللَّهم إنك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويه
ولا إلى أسير أفاديه، اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيه، فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر.
فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها، خذها رماداً مدداً، لا تبقى من عاد أحداً، قال: فلما
(١) هذا مثل معناه: لا تكن كالعنز تبحث عن المدية. (فصل المقال ص٤٥٦).

٦٣٠
• سُورَةُ الأَحْقَقلِ (٢٥،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال أبو وائل:
وصدق وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافداً لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد(١). ورواه الترمذي
والنسائي(٢) وابن ماجه كما تقدم في سورة الأعراف.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو أن أبا النضر
حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة ﴿ها أنها قالت: ما رأيت رسول الله وَله مستجمعاً ضاحكاً
حتى رأيت منه لهوته إنما كان يبتسم وقالت: كان رسول الله وَ * إِذا رأى غيماً أو ريحاً عرف
ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر،
وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، فقال رسول الله ويلقى: ((يا عائشة ما يؤمنني أن يكون
فيه عذاب قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب وقالوا: هذا عارض ممطرنا))(٣). وأخرجاه
من حديث ابن وهب(٤).
طريق أخرى:
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن
عائشة ثّا قالت: إِن رسول الله وَي ول كان إذا رأى ناشئاً في أفق من آفاق السماء ترك عمله وإِن
كان في صلاته ثم يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من شر ما فيه)) فإِن كشفه الله تعالى حمد الله دشَّق،
وإِن أُمطر قال: ((اللَّهَمَّ صَيِّباً نافعاً))(٥).
طریق أخرى:
قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر الطاهر، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن جريج
يحدثنا، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﴿ّا قالت: كان رسول الله وَلّ إِذا عصفت الريح
قال: ((اللَّهمَّ إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما
فيها وشر ما أرسلت به)) قالت: وإذا تخبلت(٦) السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإِذا
أمطرت سري عنه، فعرفت ذلك عائشة ينا، فسألته فقال رسول الله وَله: (لعله يا عائشة كما قال
قوم عاد ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ تُطِرُنَا﴾))(٧) وقد ذكرنا قصة هلاك قوم عاد
في سورة الأعراف وهود(٨) بما أغنى عن إعادته هنا، ولله تعالى الحمد والمنة.
وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك بن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٦/٢٥ - ٣٠٨، ح ١٥٩٥٤) وحسن سنده محققوه.
(٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الذاريات (ح٣٢٧٤)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٨٦٠٧). وحكم
سندهما كسابقهما .
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٦/٦) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا ... ﴾ [الأحقاف: ٢٤] (ح ٤٨٢٨)، وصحيح مسلم،
صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم (ح٨٩٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٨/٤٢ ح ٢٥٥٧٠) وصحح سنده محققوه.
(٦) أي: تهيأت للمطر.
(٧) صحيح مسلم، صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم ... (ح٨٩٩).
(٨) ينظر سورة الأعراف آية ٦٥ - ٧٢، وسورة هود آية ٥٠ - ٦٠.

٦٣١
• سُوَرَّةُ الأَحْقَلِ (٣٢،٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما فتح
على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر، فلما رآها أهل
الحضر قالوا: هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتهم، وكان أهل البوادي فيها، فألقى أهل البادية
على أهل الحاضرة حتى هلكوا، قال: عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب(١).
﴾ ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن ◌َّكَّتَكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا وَأَفْئِدَةٌ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ
لـ
وَلَّ أَبْصَرُهُمْ وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوْ يَجْحَدُونَ بَايَتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِ يَسْتَهْزِءُونَ
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَنَّخَذُواْ مِن دُونِ الَّهِ
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْأَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
قُرْبَانًا ءَإِهَذَّ بَلَ ضَلُّواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
يقول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم
نعطكم مثله ولا قريباً منه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًّا وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَرُهُمْ وَلَآَ
أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ بَجْحَدُونَ بَايَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ﴾ أي: وأحاط بهم
العذاب، والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه؛ أي: فاحذروا أيها المخاطبون أن
تكونوا مثلهم فيصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ يعني: أهل مكة، وقد أهلك الله الأمم
المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت
منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى
غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضاً، وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآَيَتِ﴾ أي: بيناها
وأوضحناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ الَّهِ قُرْبَانًا ءَاِهَةٌ﴾ أي: فهل
نصروهم عند احتياجهم إليهم. ﴿بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ﴾ أي: بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم
﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة وقد
خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها .
] ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا فُضِىَ وَلَّوْا
إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ ﴾ قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ
يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَ طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ (9)
يَقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّنْ ذُنُوبِكُمْ
وَمَن لَّا يُحِبْ دَاعِىَ الَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِ أَوْلِيَاءُ
(٣١)
وَيُِّكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلٍِ
أُوْلَئِكَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، سمعت عكرمة، عن الزبير، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَّكَ
نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ﴾ قال: بنخلة، ورسول الله وَله يصلي العشاء الآخرة ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٤٢/١٢ ح١٢٤١٦) سنده ضعيف لضعف الملائي كما في
التقريب ومجمع الزوائد (١١٣/٧).

٦٣٢
• سِوَرَةُ الأَخْقَقلِ (٢٩، ٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] قال سفيان: ألبد بعضهم على بعض كاللبد بعضه على بعض(١)، تفرد به
أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير عن عكرمة، عن ابن عباس أنهم سبعة من جن نصيبين.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة (ح) وقال الإمام الشهير الحافظ أبو بكر
البيهقي في كتابه دلائل النبوة: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد عبدان، أخبرنا أحمد بن
عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل القاضي أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله مَ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله تَّر في
طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت
عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا مالكم، فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء،
فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء.
فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إِلى رسول الله وَله وهو بنخلة عامداً إلى سوق
عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي
حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم ﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَنَا عَجَبًا ﴿ يَهْدِىّ
إِلَى الرُّشْدِ فَمَنَا بِهْ وَلَنْ تُشْرِكَ بِنَا أَحَدًّا (٣)﴾ [الجزء] وأنزل الله على نبيه وَّهِ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ
نَفَرٌ مِّنَ اَلْنِ﴾ [الجن: ١] وإنما أوحي إليه قول الجن(٢). رواه البخاري عن مسدد بنحوه(٣)،
وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة به(٤)، ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من
حديث أبي عوانة (٥).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس قال: كان الجن يستمعون الوحى فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشراً، فيكون
ما سمعوا حقاً وما زادوا باطلاً، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله ولايه
كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا
إلا من أمر قد حدث، فبثَّ جنوده فإذا بالنبي وَله بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه فقال: هذا الحدث
الذي حدث في الأرض(٦)، ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث
إسرائيل به، وقال الترمذي: حسن صحيح(٧)، وهكذا رواه أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضاً بمثل هذا السياق بطوله(٨)، وهكذا قال الحسن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦/٣ ح ١٤٣٥) قال محققوه: حسن لغيره.
(٢) المسند ٢٥٢/١ ودلائل النبوة ٢٢٥/٢ وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر (ح ٧٧٣).
(٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصحيح ... (ح٤٤٩).
(٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الجن (ح٣٣٢٤) والسنن الكبرى، التفسير سورة الجن
(ح ١١٥٦٠).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٣/٤، ٢٨٤ ح٢٤٨٢) وصحح سنده محققوه.
(٧) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الجن (ح٣٣٢٤)، والسنن الكبرى، التفسير، سورة الجن
(ح ١١٥٦٢).
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه.

٦٣٣
• سُوْرَةُ الْأَحْقَفِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
البصري إنه يسير ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله تعالى عليه بخبرهم (١).
وذكر محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج النبي وَل او
إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله رك وإبائهم عليه، فذكر القصة بطولها وأورد ذلك الدعاء
الحسن ((اللَّهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت
أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى
صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ
بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو
يحل بي سخطك، ولك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك)).
قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل
نصيبين(٢)، وهذا صحيح، ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن
كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دلَّ عليه حديث ابن عباس ﴿ًّا المذكور، وخروجه وَّ إلى
الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن عاصم عن زرِّ عن
عبد الله بن مسعود به قال: هبطوا على النبي وَ له وهو يقرأ القرآن ببطن النخلة ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ
قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ قال: صه، وكانوا تسعة وأحدهم زوبعة، فأنزل الله رَّت: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ
الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ ﴾﴾ إلى ﴿ضَلَلٍ
تُبِينٍ﴾(٣) فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله وَّير لم يشعر بحضورهم في
هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالاً: قوماً بعد
قوم وفوجاً بعد فوج، كما ستأتي بذلك الأخبار في موضعها والآثار مما سنوردها ههنا إن شاء الله
تعالى وبه الثقة.
فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعاً عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، عن أبي
أسامة حماد بن أسامة، عن مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبي يقول:
سألت مسروقاً من آذن النبي وسل* ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك يعني ابن مسعود أنه
آذنته بهم شجرة(٤)، فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتاً مقدماً على نفي ابن
عباس، ويحتمل أن يكون في المرة الأولى، ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم
الشجرة؛ أي: أعلمته باستماعهم، والله أعلم، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات
المتأخرات، والله أعلم.
قال الحافظ البيهقي: وهذا الذي حكاه ابن عباس ◌ًا إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة
(١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات عن الحسن البصري لكنه مرسل، ويتقوى بالروايات التالية.
(٢) أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام (٤٤٤/٢) وسنده مرسل.
(٣) أخرجه الحاكم من طريق ابن أبي شيبة به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٥٦/٢).
(٤) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب ذكر الجن (ح٣٨٥٩)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر
بالقراءة في الصبح ... (ح ٤٥٠ / ١٥٣).

٦٣٤
• سُورَةُ الأَحْقَولِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رسول الله وَيّ، وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي
الجن فقرأ عليهم القرآن ودعاهم إلى الله ◌َك كما رواه عبد الله بن مسعود ظه(١).
ذکر الرواية عنه بذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود، عن الشعبي وابن أبي زائدة،
أخبرنا داود، عن الشعبي، عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود رضيبه: هل صحب
رسول الله وَل و ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا
اغتيل؟ استطير (٢)؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح - أو قال
في السحر - إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا له الذي كانوا فيه
فقال: ((إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم)) قال: فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال:
قال الشعبي: سألوه الزاد، قال عامر: سألوه بمكة وكانوا من جِنِّ الجزيرة فقال: ((كل عظم ذكر
اسم الله عليه أن يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم قال: فلا
تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن)»(٣). وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن علي بن حجر
عن إسماعيل بن علية به نحوه(٤).
وقال مسلم أيضاً: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي
هند، عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود ظُه شهد مع رسول الله وَّ ليلة الجن؟
قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود رضيالله فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله وَظله ليلة
الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله ◌َّ ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب
فقيل استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذ هو جاء من قبل حراء،
قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: ((أتاني
داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن)). قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم،
وسألوه الزاد فقال: ((كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة
أو روثة علف لدوابكم)) قال رسول الله وَلير: ((فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم)) (٥).
طريق أخرى عن ابن مسعود
قال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس، عن
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله قال: إن عبد الله بن مسعود ظُه قال: سمعت رسول الله وَليه
يقول: ((بِتُّ الليلةَ أقرأ على الجنَّ واقفاً بالحجون))(٦) .
طريق أخرى فيها أنه كان معه ليلة الجن.
(١) دلائل النبوة ٢٢٧/٢، وسيأتي تفصيل الروايات والحكم عليها.
(٢) أي: خُطف بسرعة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٣٦/١) وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح بعد حديث ٤٥٠/ ١٥٠.
(٥) المصدر السابق (ح ٤٥٠/ ١٥٠).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف لأن عبد الله بن عبد الله وهو ابن عتبة بن مسعود لم يسمع من
ابن مسعود

٦٣٥
• سُورَةُ الأَحْقَقلِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن جرير لَّتُهُ: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب،
أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي، وكان من أهل الشام قال: إن
عبد الله بن مسعود ظبه قال: قال رسول الله ﴿ لأصحابه وهو بمكة: ((من أحبَّ منكم أن
يحضر أمر الجن الليلة فليفعل)) فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى
مكة خطّ لي برجله خطاً ثم أمرني أن أجلس فيه ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته
أسودة(١) كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب،
ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ففرغ رسول الله، مع الفجر، فانطلق فتبرّز، ثم أتاني فقال: ((ما فعل
الرهط؟»، فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظماً وروثاً زاداً، ثم نهى أن يستطيب أحد
بروث أو عظم. ورواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب بن
راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي به (٢).
ورواه البيهقي في الدلائل من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن يونس به(٣)، وقد
روى إسحاق بن راهويه عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود نظـ
فذكر نحو ما تقدم(٤). ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق موسى بن عبيدة، عن سعيد بن الحارث،
عن أبي المعلى، عن ابن مسعود ◌ُه، فذكر نحوه أيضاً(٥).
[طریق أخرى:
قال أبو نعيم: حدثنا أبو مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا
عفان وعكرمة قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة عن عمرو، ولعله قد يكون
قال البكالي يحدثه عمرو، عن عبد الله بن مسعود ربه قال: استتبعني رسول الله وَلقر فانطلقنا
حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خطاً فقال: ((كن بين ظهر هذه لا تخرج منها فإنك إن
خرجت هلكت)) فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة](٦)(٧).
طريق أخرى:
قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير،
عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود ظه: حُدثتُ أنك كنت مع
رسول الله ﴿ ليلة وفد الجن. قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث وذكر أن النبي وَل
(١) أسودة: جمع قلة لسواد وهو الشخص.
(٢) أخرجه الطبري بسنديه ومتنه، وفيه أبو عثمان بن سنة الخزاعي سئل عنه أبو زرعة فقال: لا أعرف اسمه
(الجرح والتعديل ٤٠٨/٩)، وأخرجه النسائي من طريق ابن وهب به مختصراً على آخره (السنن، الطهارة،
باب النهي عن الاستطابة بالعظم ٣٧/١، وصحح سنده الألباني في صحيح سنن النسائي ح٣٨).
(٣) دلائل النبوة ٢٣٠/٢ وسنده كسابقه وأخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن صالح به وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٥٠٣/٢).
(٤) في سنده قابوس فيه لين ويتقوى بما سبق.
(٥) أخرجه الطبراني من طريق موسى بن عبيدة به (المعجم الكبير ١٠/ ٨٠) وفيه موسى بن عبيدة وهو الربذي
وهو ضعيف كما في التقريب، ويتقوى بما سبق.
(٦) زيادة من (حم) و(مح).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولاً (المسند ٣٣٢/٦ ح ٣٧٨٨) وضعف سنده محققوه.

٦٣٦
سُورَةُ الأَحْقَفِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
خط عليه خطاً وقال: ((لا تبرح منها)) فذكر مثل العجاجة (١) السوداء فغشيت رسول الله وَلته،
فذعر ثلاث مرات حتى كان قريباً من الصبح أتاني النبي وَ ل فقال: ((أنمت؟)) فقلت: لا
والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك تقول: ((اجلسوا))
فقال ◌َ: ((لو خرجت لم آمن أن يتخطفك بعضهم)) ثم قال وَ له: ((هل رأيت شيئاً؟)) قلت:
نعم رأيت رجالاً سوداً مستشعرين(٢) ثياباً بيضاً قال وصله: ((أولئك جن نصيبين سألوني المتاع
- والمتاع الزاد - فمتعتهم بكل عظم حائل(٣) أو بعرة أو روثة فقلت: يا رسول الله وما يغني
ذلك عنهم؟ فقال رسول الله وَله: إنهم لا يجدون عظماً إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل. ولا
روثاً إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحد منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا
بعرة ولا روثة)) (٤).
طریق أخرى:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الرحمن السملي وأبو نصر بن قتادة قال: أخبرنا
أبو محمد بن يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا
روح بن صلاح، حدثنا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود نظّ ◌ُته قال:
استتبعني رسول الله وسي﴿ فقال: ((إن نفراً من الجن خمسة عشر بني إخوة وبني عم يأتوني الليلة
أقرأ عليهم القرآن)) فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فخطّ لي خطاً وأجلسني فيه وقال لي: ((لا
تخرج من هذا)) فبتُّ فيه حتى أتاني رسول الله وسي مع السحر في يده عظم حائل وروثة وحمة
فقال: ((إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء)) قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن
حيث كان رسول الله وير قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيراً (٥).
طريق أخرى :
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد
الدوري، حدثنا عثمان بن عمر، عن المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء، عن عبد الله بن
مسعود وبه قال: انطلقت مع رسول الله وَل﴿ ليلة الجن حتى أتى الحجون، فخطّ لي خطاً ثم
تقدم إليهم، فازدحموا عليه فقال سيد لهم يقال له وردان: أنا أرحلهم عنك. فقال: إني لن
يجيرني من الله أحد(٦).
(١) العجاجة: واحدة العجاج، وهو الغبار أو الدخان.
(٢) مستشعرين: استشعر الثوب: لبسه شعاراً: والشعار هو ما يلي الجسد من الثياب لأنه يلي شعره.
(٣) أي: متغيِّر قد غيَّره البِلَى.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلا عبد الله بن عمرو بن غيلان ذكره البخاري في التاريخ الكبير
وسكت عنه، وكذا سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل.
(٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢٣١/٢) وفي سنده روح بن صلاح فيه مقال (لسان الميزان ٢/
٥٣٩) وموسى بن علي بن رباح: صدوق ربما أخطأ كما في التقريب.
(٦) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢٣٢/٢) وأبو الجوزاء لم يسمعه من ابن مسعود ولهذا قال
البخاري: في إسناده نظر (ينظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي ٤٠٢/١).

٦٣٧
سُورَةُ الْأَحْقَقلِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
طريق أخرى:
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان بن أبي فزارة العبسي، حدثنا أبو زيد
مولى عمرو بن حريث، عن ابن مسعود ظله قال: لما كانت ليلة الجن قال لي النبي وَل:
((أمعك ماء؟)) قلت: ليس معي ماء ولكن معي إِداوة فيها نبيذ فقال النبي ◌َّ: ((تمرة طيبة وماء
طهور))(١). رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث زيد به (٢).
طريق أخرى:
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن
حنش الصنعاني، عن ابن عباس، عن عبد الله بن مسعود ﴿ه قال: إنه كان مع رسول الله وَل
ليلة الجن فقال رسول الله وسلم: ((يا عبد الله أمعك ماء؟)) قال: معي نبيذ في إداوة. قال ◌َّ:
(اصبب عليّ)) فتوضأ. فقال النبي وَله: ((يا عبد الله شراب وطهور)). تفرد به أحمد من هذا
الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر عن ابن مسعود
طريق أخرى:
تز ﴾ (٣).
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي، عن ميناء، عن عبد الله ظراته قال: كنت
مع رسول الله 18 ليلة وفد الجن، فلما انصرف تنفس فقلت: ما شأنك؟ قال: ((نعيت إليَّ نفسي
يا ابن مسعود)» هكذا رأيته في المسند مختصراً (٤)، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل
النبوة فقال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وحدثنا أبو بكر بن
مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن
[ميناء عن ابن مسعود](٥) قال: قال رسول الله وَالر: ((نعيت إليَّ نفسي يا ابن مسعود)) قلت:
استخلف. قال: ((من؟)) قلت: أبا بكر. قال: فسكت ثم مضى ساعة فتنفس فقلت: ما شأنك
بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: ((نعيت إليَّ نفسي يا ابن مسعود)» قلت: استخلف. قال:
((من؟)) قلت: عمر. فسكت ساعة ثم مضى ثم تنفس فقلت؟ ما شأنك؟ قال: ((نعيت إليَّ نفسي))
قلت: فاستخلف قال رَ﴾ ((من؟)) قلت: علي بن أبي طالب ﴿ه. قال وَليّ: ((أما والذي نفسي
بيده لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين))(٦). وهو حديث غريب جداً وأحرى به أن لا
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وزيادة كلمة في آخره: فتوضأ، وضعف سنده محققوه لجهالة أبي زيد
(المسند ٣٢٤/٧ ح ٤٢٩٦).
(٢) سنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ (ح٨٤)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في الوضوء
(ح٨٨)، وسنده کسابقه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٨/١) وسنده ضعيف لما قيل في ابن لهيعة، وأخرجه
الدار قطني وأعله بابن لهيعة (السنن ٧٦/١، ٧٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث شبه موضوع (المسند ٣٢٢/٧ ح ٤٢٩٤) وذكره ابن
الجوزي في الموضوعات ونقله عنه ابن عراق في تنزيه الشريعة (٣٧٧/١) وعلته في ميناء وهو كذاب
(مجمع الزوائد ٣١٨/٨).
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((ماء بن مسعود)).
(٦) أخرجه الطبراني من طريق إسحاق بن إبراهيم به (المعجم الكبير ٨٢/١٠ ح ٩٩٧٠) وسنده كسابقه وعلته في ميناء.

٦٣٨
سُورَةُ الأَحْقَقلِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يكون محفوظاً، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده إن شاء الله
تعالى، فإن في ذلك الوقت كان في آخر الأمر لما فتحت مكة ودخل الناس والجان أيضاً في دين الله
أفواجاً نزلت سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
[النصر] وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها
فَسَيِعْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوََّبـ
إليه كما نصَّ على ذلك ابن عباس ظًا، ووافقه عمر بن الخطاب رُه عليه، وقد ورد في ذلك حديث
سنورده إن شاء الله تعالى عند تفسيرها(١)، والله أعلم وقد رواه أبو نعيم أيضاً عن [الطبري](٢)، عن
محمد بن عبد الله الحضرمي، عن علي بن الحسين بن أبي بردة، عن يحيى بن [سعيد](٣) الأسلمي،
عن حرب بن صبيح، عن سعيد بن سلمة، عن أبي مرة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي، عن
ابن مسعود به ... فذكره(٤) وذكر فيه قصة الاستخلاف، وهذا إسناد غريب وسياق عجيب.
طريق أخرى:
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع،
عن ابن مسعود أن رسول الله وَلل خطّ حوله، فكان أحدهم مثل سواد النخل وقال: ((لا تبرح
مكانك فأقرئهم كتاب الله)) فلما رأى المرعى قال: كأنهم هؤلاء وقال النبي وَلّ: ((أمعك ماء؟))
قلت: لا. قال: ((أمعك نبيذ؟)) قلت: نعم فتوضأ به(٥).
طريق أخرى مرسلة:
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، حدثنا
الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ﴾ قال: هم اثنا عشر
ألفاً جاؤوا من جزيرة الموصل، فقال النبي وّ لابن مسعود ظُه: ((أنظرني حتى آتيك)) وخطَّ
عليه خطاً وقال: ((لا تبرح حتى آتيك)) فلما خشيهم ابن مسعود ظه كاد أن يذهب، فذكر قول
رسول الله وقليل فلم يبرح، فقال له النبي ◌َّير: ((لو ذهبت ما التقينا إلى يوم القيامة))(٦).
طريق أخرى مرسلة أيضاً:
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَّكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ
الْقُرْءَانَ﴾ قال: ذُكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى(٧) وأن نبي الله وَّر قال: ((إني أمرت أن أقرأ
على الجن فأيكم يتبعني؟)) فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا
رسول الله إن ذاك لذو ندبة، فأتبعه ابن مسعود رضي أخو هذيل، قال: فدخل النبي وَلّ شعباً يقال
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.
(١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة النصر.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل بياض.
(٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٨١/١٠ ح ٩٩٦٩) وسنده ضعيف لضعف يحيى الأسلمي قال البخاري:
مضطرب الحديث (التاريخ الصغير ٢٥٤/٢) وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣١٧/٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥٥/١) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.
(٦) سنده ضعيف لضعف حفص بن عمر العدني كما في التقريب، ولإرسال عكرمة لأنه لم يسمع من ابن
مسعود .
(٧) تقع في الشطر الشمالي من الموصل.

٦٣٩
سُورَةُ الأَحْقَفِ (٣٢،٢٩)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 00000000000 0 0 0 0
له: شعب الحجون وخطّ عليه، وخظّ على ابن مسعود له خطاً ليثبته بذلك، قال: فجعلت
أهال(١) وأرى أمثال النسور تمشي في دفوفها، وسمعت لغطاً(٢) شديداً حتى خِفتُ على
نبي الله وَ﴿، ثم تلا القرآن فلما رجع رسول الله وَ ليل قلت يا رسول الله: ما اللغط الذي سمعت؟
قال ◌َّي: (اختصموا في قتيل فقضي بينهم بالحق))(٣) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
فهذه الطرق كلها تدل على أنه ◌َ ر ذهب إلى الجن قصداً فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله جل
وشرع الله تعالى لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت، وقد يحتمل أن أول مرة
سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قال ابن عباس ﴿يا. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن
مسعود ظُه، وأما ابن مسعود ظُه فإنه لم يكن مع رسول الله وَلقر حال مخاطبته للجن ودعائه
إياهم، وإنما كان بعيداً منه ولم يخرج مع النبي وَلّر أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة،
هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه وَّر ابن مسعود نظّ
ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد
ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَ﴾ [الجن:
١] من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى،
وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين(٤)، وتأوله البيهقي على أنه يقول فبتنا بشر ليلة بات بها
قوم على غير ابن مسعود رائه ممن لم يعلم بخروجه وَ ﴿ إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله
أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، حدثنا أبو بكر
الإسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن جده
سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة ◌ُ يتبع رسول الله وَلقر بأداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يوماً
فقال: ((من هذا؟)) قال: أنا أبو هريرة. قال ◌َله: ((ائتني بأحجار أستنج بها ولا تأتني بعظم ولا
روثة فأتيته بأحجار في ثوبي فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته)) فقلت: يا رسول الله ما
بال العظم والروثة؟ قال وير: ((أتاني وفد جن نصيبين فسألوني الزاد، فدعوت الله تعالى لهم أن
لا يمروا بروثة ولا عظم إلا وجدوه طعاماً)» (٥) أخرجه البخاري في صحيحه عن موسى بن
إسماعيل، عن عمرو بن يحيى بإسناده قريباً منه(٦)، فهذا يدل على ما تقدم على أنهم وفدوا عليه
بعد ذلك، وسنذكر إن شاء الله تعالى ما يدل على تكرار ذلك.
وقد روى ابن عباس غير ما روى عنه أولاً من وجه جيد، فقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب،
حدثنا عبد الحميد الحماني، حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿ في قوله
(١) أي: أخاف.
(٢) اللغط: الصياح والجلَبة.
(٣) وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من ابن مسعود. (٤) وسنده مرسل أيضاً.
(٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (دلائل النبوة ٢٣٣/٢) وفي سنده سويد بن سعيد وهو ضعيف كما في التقريب،
وقد توبع في رواية البخاري فأخرجه عن أحمد بن محمد المكي عن عمرو بن يحيى به بدون قوله: أتاني
وفد جنَّ نصيبين فسألوني الزاد ... إلخ. (الصحيح، الوضوء، باب الاستنجاء بالحجارة ح١٥٥).
(٦) المصدر السابق.

٦٤٠
• سُوَرَّةُ الْأَحْقَقلِ (٣٢،٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾ الآية. قال: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم
رسول الله رسلاً إلى قومهم(١). فهذا يدل على أنه روى القصتين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه،
عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ﴾ الآية، قال: كانوا سبعة نفر ثلاثة من
أهل حران وأربعة من أهل نصيبين، وكانت أسماؤهم: حيي وحسي ومنسى وساصر وناصر
والازد وأبيان والأحقم (٢).
وذكر أبو حمزة الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال له: بنو الشيصان وكانوا أكثر الجن
عدداً وأشرفهم نسباً، وهم كانوا عامة جنود إبليس(٣).
وقال سفيان الثوري: عن عاصم، عن زرِّ، عن ابن مسعود ظُبه كانوا تسعة أحدهم: زوبعة،
أتوه من أصل نخلة(٤)، وتقدم عنهم أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية أنهم كانوا على ستين
راحلة، وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان، وقيل: كانوا ثلاثمائة، وتقدم عن عكرمة على أنهم
كانوا اثني عشر ألفاً، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرار وفادتهم عليه وَّر، ومما يدل على
ذلك ما قاله البخاري في صحيحه: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني عمر هو
ـّ قال: ما سمعت عمر
ابن محمد قال: إن سالماً حدثه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب
يقول لشيء قط إني لأظنه هكذا إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب ظه جالس إذ مرَّ به
رجل جميل فقال: لقد أخطأ ظني أو أن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم، عليَّ
بالرجل، فدعي له، فقال له ذلك فقال: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم قال: فإني أعزم
عليك إلا ما أخبرتني قال: كنت كاهنهم في الجاهلية قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك،
قال: بينما أنا يوماً في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت:
ألم تر الجن وإِبلاسها
ويأسها من بعد إنكاسها
ولحوقها بالقلاص(٥) وأحلاسها(٦)
قال عمر رجلُله: صدق بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم
أسمع صارخاً قط أشد صوتاً منه يقول: يا جليح، أمر نجيج رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله
قال: فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جَليج أمر نجيح رجل
فصيح يقول: لا إله إلا الله، فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي (٧). هذا سياق البخاري، وقد رواه
البيهقي من حديث ابن وهب بنحوه، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يوهم أن عمر رضي الله بنفسه سمع
الصارخ يصرخ من العجل الذي ذبح، وكذلك هو صريح في رواية ضعيفة عن عمر ظُه، وسائر
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) سنده مرسل.
(٢) سنده ضعيف لإبهام شيخ سويد.
(٤) أخرجه البستي من طريق سفيان الثوري به، وسنده حسن.
(٥) جمع قلوص وهي الفتية من النياق (فتح الباري ٧/ ١٨٠).
(٦) الأحلاس: ما يوضع على ظهور الإبل تحت الرحل. (المصدر السابق).
(٧) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب إسلام عمر بن الخطاب ر ◌ُه (ح ٣٨٦٦).