النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
سُورَةُ الدُّخَّانَ (٣٤، ٣٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
فَأَتُواْ بِشَابَمِنَآ إِن كُمْ
٣٥
إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ
٣٤٦
2- ﴿إِنَّ هَؤُلَاءٍ لَيَقُولُونَ
صَدِقِينَ ﴿َ أَّهُمّ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّجَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِنَ
٣٧
يقول تعالى منكراً على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا
ولا حياة بعد الممات ولا بعث ولا نشور، ويحتجّون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا،
فإن كان البعث حقاً ﴿فَأَتُواْ بِثَآيِنَآ إِن كُتُمْ صَدِقِينَ ﴾﴾ وهذه حجة باطلة وشبه فاسدة، فإن
المعاد إنما هو يوم القيامة لا في الدار الدنيا بل بعد انقضائها وذهابها وفراغها، يعيد الله العالمين
خلقاً جديداً، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقوداً، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول
عليكم شهيداً.
ثم قال تعالى متهدداً لهم ومتوعداً ومنذراً لهم بأسه الذي لا يُردّ كما حلَّ بأشباههم ونظرائهم
من المشركين المنكرين للبعث كقوم تُبَّع، وهم سبأ، حيث أهلكهم الله وخرَّب بلادهم وشردهم
في البلاد، وفرقهم شذر مذر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ، وهي مصدّرة بإنكار المشركين
للمعاد، وكذلك ههنا شبههم بأولئك وقد كانوا عرباً من قحطان، كما أن هؤلاء عرب من عدنان،
وقد كانت حمير وهم: سبأ كلما ملك فيهم رجل سموهُ تُبَّعاً، كما يقال: كسرى لمن ملك
الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافراً، والنجاشي لمن ملك الحبشة
وغير ذلك من أعلام الأجناس.
ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد
ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه وهو الذي مصَّرَ الحيرة(١)،
فاتفق أنه مرَّ بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار،
وجعلوا یقرونه باللیل فاستحیا منهم وکفَّ عنهم، واستصحب معه حبرین من أحبار يهود كانا قد
نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة، فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان، فرجع
عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة، فنهياه عن ذلك أيضاً
وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وأنه سيكون له
شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها وكساها الملاء
والوصائل والحبر، ثم كرَّ راجعاً إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى
عليه الصلاة والسلام فيه من يكون من الهداية قبل بعثة المسيح عليه الصلاة والسلام، فتهَوَّد معه
عامة أهل اليمن.
وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة (٢)، وقد ترجمه الحافظ ابن
عساكر في تاريخه ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر. وذكر أنه ملك
دمشق وأنه كان إذا استعرض الخيل صفّت له من دمشق إلى اليمن. ثم ساق من طريق
عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة نظرته، عن النبي وَلَّه
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((حَيَّر الحيرة)).
(٢) ينظر سيرة ابن هشام ١٩/١.

٦٠٢
• سُوَرَّةُ الدُّخَّانِ (٣٤، ٣٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: ((ما أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تُبَّع لعيناً كان أم لا؟ ولا أدري ذو
القرنين نبياً كان أم ملكاً؟)) (١) وقال غيره: ((عزير أكان نبياً أم لا؟))(٢) وهكذا رواه ابن أبي حاتم،
عن محمد بن حماد الظهراني عن عبد الرزاق. قال الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق، ثم روى ابن
عساكر من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعاً: ((عزير لا أدري أنبياً أم لا؟
ولا أدري ألُعِنَ تُبَّعاً أم لا؟))(٣) ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته كما سيأتي إن شاء الله
تعالى. وكأنه والله أعلم كان كافراً ثم أسلم وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود
في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح عليّلها، وحجَّ البيت في زمن الجُرهميّين، وكساه
الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ستة آلاف بدنة وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى
الیمن.
وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أبي بن كعب،
وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس ﴿ه وكعب الأحبار وإليه المرجع في ذلك كلِّه، وإلى
عبد الله بن سلام أيضاً وهو أثبت وأكبر وأعلم. وكذا روى قصته وهب بن منبه ومحمد بن
إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات
ترجمة تُبَّع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن تُبَّعاً هذا المشار إليه في القرآن أسلم
قومه على يديه، ثم لما توفي عادوا بعده إلى عبادة النيران والأصنام، فعاقبهم الله تعالى كما ذكره
في سورة سبأ، وقد بسطنا قصتهم هنالك ولله الحمد والمنة.
وقال سعيد بن جبير: كسا تُبَّع الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبِّه (٤)، وتُبَّع هذا هو تُبَّع
الأوسط، واسمه: أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني(٥)، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة
سنة وستاً وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله وَ له بنحو
من سبعمائة سنة. وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي في
آخر الزمان اسمه أحمد، قال في ذلك شعراً واستودعه عند أهل المدينة، فكانوا يتوارثونه ويروونه
خلفاً عن سلف، وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله صل18 في داره
وهو :
رسول من الله باري النسم
شهدت على أحمد أنه
لكنت وزيراً له وابن عمّ
فلو مدَّ عمري إلى عمرْ
وفرجت عن صدره كل غمِّ
وجاهدت بالسيف أعداءه
(١) أخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٦/١) وصدره صححه ابن
عبد البر (جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٥٠).
(٢) أخرجه أبو داود من طريق عبد الرزاق به (السنن، السنة، باب في التخيير بين الأنبياء ح ٤٦٧٤)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٠٨).
(٣) يشهد له ما رواه أبو داود في الحديث السابق.
(٤) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن تميم بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير وفيه تميم بن عبد الرحمن ذكره
البخاري وابن أبي حاتم وسكتا عنه (الجرح والتعديل ٤٤٢/٢).
(٥) ينظر جمهرة أنساب العرب ص٤٣٨.

٦٠٣
• سُوَرَّةُ الدُّخَانَ (٣٨، ٤٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وذكر ابن أبي الدنيا أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند
رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: ((هذا قبر حُبي ولميس))، وروي حبي وتماضر ابنتي
تُبَّع، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله ولا تشركان به شيئاً، وعلى ذلك مات الصالحون
قبلهما. وقد ذكرنا في سورة سبأ شعراً في ذلك أيضاً.
قال قتادة: ذُكر لنا أن كعباً كان يقول في تُبَّع نُعِتَ نَعتَ الرجل الصالح: ذمَّ الله تعالى قومه
ولم يذمه. قال: وكانت عائشة ◌َُّها تقول: لا تسبوا تُبَّعاً فإنه قد كان رجلاً صالحاً(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة،
عن أبي زرعة - يعني: عمرو بن جابر الحضرمي، قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي نظري
يقول: قال رسول الله وَله: ((لا تسبوا تُبَّعاً فإنه قد كان أسلم))(٢).
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة به(٣).
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بزّة، حدثنا
مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ◌ًّا عن
النبيِ وَّرِ قال: ((لا تسبُّوا تُبَّعاً فإنه قد أسلم))(٤).
وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة حظر ه
قال: قال رسول الله وَل: ((ما أدري تُبَّع نبياً كان أم غير نبي))(٥) وتقدم بهذا السند من رواية ابن
أبي حاتم كما أورده ابن عساكر: ((لا أدري تُبَّع كان لعيناً أم لا» فالله أعلم ورواه ابن عساكر من
طريق زكريا بن يحيى المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفاً (٦). وقال عبد الرزاق: أخبرنا
عمران أبو الهذيل، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال: قال عطاء بن أبي رباح لا تسبُّوا تُبَّعاً فإن
رسول الله ◌َّ نهى عن سبه(٧) .
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِنَ ﴿ مَا خَلَقْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
6
يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن ◌َّوْلَى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُصَرُونَ
إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (جَهَا﴾.
يقول تعالى مخبراً عن عدله وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ◌َظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النَّارِ (®)﴾ [ص] وقال تعالى:
(١) أخرجه الطبري من طريق قتادة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع عائشة ﴿ثقا وقول عائشة له شاهد يأتي
في رواية الإمام أحمد وعبد الرزاق فقد روي من عدة طرق.
(٢) سيأتي تخريجه في الروايتين التاليتين.
(٣) أخرجه الإمام أحمد عن حسن بن موسى به، وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ٥١٩/٣٧ ح ٢٢٨٨٠).
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٩٦/١١ ح ٦٠١٣) قال الهيثمي: فيه أحمد بن أبي بزَّة ولم
أعرفه، وبقية رجاله ثقات. (مجمع الزوائد ٧٦/٨)، ولا يضر إذ يشهد له سابقه.
(٥) تقدم تخريجه وصحته قبل عدة روايات.
(٦) تقدم تخريجه وصحته قبل عدة روايات.
(٧) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بما سبق.

٦٠٤
• سُورَةُ الدُّخَانَ (٤٣، ٥٠)
فَتَعَلَى اَللَّهُ الْمَلِكُ الْحَّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُتْحَعُونَ
اَلْعَرْشِ الْكَرِيرِ (19)﴾ [المؤمنون].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ وهو يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه
بين الخلائق، فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين.
وقوله: ﴿مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: يجمعهم كلهم أولهم وآخرهم ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِى مَوْلَى عَن ◌َّوّلَى
شَيْئًا﴾ أي: لا ينفع قريب قريباً كقوله ◌َالَ: ﴿فَإِذَا نُفِّخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَؤْمَيِذٍ وَلَا
يَتَسَاءَلُونَ ﴾ [المؤمنون] وكقوله: ﴿وَلَا يَتْثَلُ حَيْمُ حَمِيمًا ﴾ يُصَرُونَهُمْ﴾ [المعارج: ١٠، ١١] أي: لا
يسأل أخاً له عن حاله وهو يراه عياناً.
وقوله: ﴿وَلَ هُمْ يُصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر القريب قريبه ولا يأتيه نصره من خارج، ثم قال:
﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ اللَّهُ﴾ أي: لا ينفع يومئذٍ إلا رحمة الله وَ بخلقه ﴿إِنَّمُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي:
هو عزيز ذو رحمة واسعة.
- ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ
٤٤
طَعَامُ الْأَثِيْمِ
كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِ اُلْبُطُونِ
كَعَلِ اَلْحَمِيمِ
٤٥
﴿ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ
خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ إِلَ سَوَآءِ الْجَحِيمِ
٤٦
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ
اَلْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُم بِهِ، تَمْتَرُونَ
٥٠
طَعَامُ
يقول تعالى مخبراً عما يعذب به الكافرين الجاحدين للقائه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ (@)
الْأَثِيمِ ﴾﴾ الأثيم أي: في قوله وفعله، وهو الكافر، وذكر غير واحد أنه أبو جهل(١)، ولا
شك في دخوله في هذا الآية، ولكن ليست خاصة به.
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن
إبراهيم، عن همام بن الحارث، أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلاً ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ﴾ طَعَامُ
الْأَثْمِ @) فقال: طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء ◌ُبه: قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر(٢)؛
أي: ليس له طعام من غيرها.
قال مجاهد: ولو وقعت قطرة منها في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معيشتهم(٣)، وقد
تقدم نحوه مرفوعاً .
وقوله: ﴿كَلّمُهْلِ﴾ قالوا: كعكر الزيت ﴿يَغْلِىِ فِ اَلْبُعُونِ ﴿ كَعَلِ الْحَمِيمِ (49)﴾ أي: من
حرارتها ورداءتها .
وقوله: ﴿خُذُوهُ﴾ أي: الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية خذوه، ابتدرَه سبعون ألفاً منهم.
(١) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات لكنه مرسل.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك
٤٥١/٢).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس، وأبو يحيى هو القتات لين
الحديث كما في التقريب، وله شاهد مرفوع يقوي تقدم ذكره.

٦٠٥
• سُورَةُ الدُّخَانِ (٥١، ٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿فَأَعْتِلُوهُ﴾ أي: سوقوه سحباً ودفعاً في ظهره.
قال مجاهد: ﴿خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ﴾ أي: خذوه فادفعوه(١).
وقال الفرزدق:
ليس الكرام بناحليك أياهم حتى تُردَّ إلى عطيَّة تُعتَلُ(٢)
﴿﴿إِلَى سَوَآءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: وسطها ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِلِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (@)﴾ كقوله: ﴿يُصَبُّ
مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾َ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٥)﴾ [الحج] وقد تقدم أن الملك
يضربه بمقمعة من حديد، فتفتح دماغه ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه، فيسلت ما في
بطنه من أمعائه حتى تمرق من كعبيه، أعاذنا الله تعالى من ذلك. وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ
اٌلْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾﴾ أي: قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: أي: لست بعزيز ولا كريم (٣).
وقد قال الأموي في مغازيه: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة
قال: لقي رسول الله وَ﴿ أبا جهل - لعنه الله - فقال: ((إن الله تعالى أمرني أن أقول لك ﴿أَوْلَى لَكَ
(٣٥)﴾ [القيامة])) قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا
فَأَوْلَى ﴿٨ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَ
صاحبك من شيء، ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم، قال: فقتله الله يوم
٤٩
بدر وأذله وعَيَّره بكلمته وأنزل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
﴾ (٤).
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ ﴾﴾ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُّدَقُونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَقًّا (٢)
) أَفَسِحْرُ هَذَآ أَمْ أَنْتُمْ لَا نُبْصِرُونَ ®)﴾ [الطور] ولهذا قال تعالى
هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (
ههنا: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ
يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسِ وَإِسْتَبْرَقٍ
- ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ مَقَامٍ أَمِينِ ﴿٥َ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (49)
مُتَقَبِلِينَ
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ ﴿ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ (®َ لَا يَذُوقُونَ
٥٣
فِيهَا أُلْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ اُلْأُولَىِّ وَوَقَنْهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿ فَضْلًا مِّن رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
فَإِنَّمَا يَشَرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٨ فَأَرْتَقِبْ إِنَّهُم ◌ُرْتَقِبُونَ
لما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر السعداء ولهذا سمي القرآن مثاني، فقال: ﴿إِنَّ
اُلْمُنَّقِينَ﴾ أي: لله في الدنيا ﴿فِى مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ أي: في الآخرة وهو الجنة، قد أمنوا فيها من
الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده وسائر الآفات
6) وهذا في مقابل ما أولئك فيه من شجرة الزقوم وشرب
والمصائب ﴿فِی جَنَّتٍ وَعُيُونٍ
الحميم، وقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ﴾ وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) ديوان الفرزدق ٧٢٢/٢ واستشهد به الطبري.
(٣) سنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس
(٤) سنده ضعيف جداً لأن أبا بكر الهذلي متروك (التقريب ص٦٢٥).

٦٠٦
سُورَةُ الدُّحَّان (٥١، ٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وهو ما فيه بريق ولمعان وذلك كالريش وما يلبس على أعالي القماش ﴿مُتَقَِلِينَ﴾ أي: على
السرر لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَهُم بِحُورٍ عِينٍ
أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات
٥٤
الحسان الحور العين اللاتي ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِسُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ
وَالْمَرْجَانُ (@)﴾ [الرحمن] ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ الْإِحْسَنُ ﴾﴾ [الرحمن].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نوح بن حبيب، حدثنا نصر بن مزاحم العطار، حدثنا
عمر بن سعد، عن رجل، عن أنس به رفعه نوح قال: لو أن حوراء بزقت في بحر لجيّ لعذب
ذلك الماء لعذوبة ريقها(١) .
وقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِينَ (®﴾ أي: مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم
وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه بل يحضر إليهم كلما أرادوا.
وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ﴾ هذا استثناء يؤكد النفي فإنه استثناء
منقطع، ومعناه أنهم لا يذوقون فيها الموت أبداً كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَيقول قال:
((يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح ثم يقال: يا أهل الجنة
خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت))(٢). وقد تقدم الحديث في سورة مريم عليها
الصلاة والسلام.
وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي مسلم الأغر، عن أبي
سعيد وأبي هريرة رضيها قال: قال رسول الله وَله: ((يقال لأهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا
تسقموا أبداً، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم
أن تشبوا فلا تهرموا أبداً»(٣). رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، كلاهما عن
عبد الرزاق به (٤). هكذا يقول أبو إسحاق، وأهل العراق يقولون: أبو مسلم الأغر، وأهل المدينة
يقولون: أبو عبد الله الأغر.
وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم بن
طهمان، عن الحجاج هو ابن حجاج، عن [قتادة](6)، عن عبيد الله بن عمرو، عن أبي هريرة نظر ته
قال: قال رسول الله وَلجر: ((من اتقى الله دخل الجنة ينعم فيها ولا يبأس ويحيا فيها فلا يموت،
لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه))(٦) .
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا
سليم بن عبد الله الرقي، حدثنا مصعب بن إبراهيم، حدثنا عمران بن الربيع الكوفي، عن يحيى بن
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم آية ٣٩.
(١) سنده ضعيف لجهالة الراوي عن أنس به.
(٣) سنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب في دوام نعيم أهل الجنة (ح ٢٨٣٧).
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((عبادة)).
(٦) يشهد له سابقه في صحيح مسلم.

٦٠٧
• سُورَةُ الدُّخَانِ (٥١، ٥٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سعيد الأنصاري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ظته قال: سئل نبي الله وَّهو: أينام أهل
الجنة؟ فقال ◌َ: ((النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون))(١). وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه
في تفسيره، حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن
المغيرة، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله به قال: قال
رسول الله ◌َ: ((النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون))(٢).
وقال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي،
عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضيبه قال: قيل يا رسول الله: هل ينام أهل الجنة؟
قال ◌َير: ((لا، النوم أخو الموت))، ثم قال: لا نعلم أحداً أسنده عن ابن المنكدر عن جابر ذاته
إلا الثوري ولا عن الثوري إلا الفريابي(٣)، هكذا قال، وقد تقدم خلاف ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَوَقَنَّهُمْ عَذَابَ الَْحِيمِ﴾ أي: مع هذا النعيم العظيم المقيم قد وقاهم وسلَّمهم
ونجَّاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم، فحصل لهم المطلوب ونجاهم من
المرهوب، ولهذا قال: ﴿فَضْلًا مِّن رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾﴾﴾ أي: إنما كان هذا بفضله
عليهم وإحسانه إليهم كما ثبت في الصحيح عن رسول الله وَلهو أنه قال: ((اعملوا وسددوا وقاربوا
واعلموا أن أحداً لن يدخله عمله الجنة)) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال وهلهو: ((ولا أنا إلا أن
يتغمدني الله برحمة منه وفضل)) (٤).
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَائِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾﴾﴾ أي: إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه
سهلاً واضحاً بيناً جلياً بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأعلاها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
أي: يتفهمون ويعلمون.
ثم لما كان مع هذا الوضوح والبيان من الناس من كفر وخالف وعاند قال الله تعالى
لرسوله و ﴿ مسلياً له وواعداً له بالنصر، ومتوعداً لمن كذبه بالعطب والهلاك.
﴿فَأَرْتَقِبْ﴾ أي: انتظر ﴿إِنَّهُم مُرْتَقِبُونَ﴾ أي: فسيعلمون لمن تكون النصرة والظفر وعلو الكلمة
في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعكم من المؤمنين
[المجادلة]، وقال تعالى:
كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيََ أَنَا وَرُسُلِيَّ إِنَ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ (
﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ٥ يَوْمَ لَا يَنَفَعُ النَّلِمِينَ
مَعْذِرَبُّهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَهُ الدَّارِ (69)﴾ [غافر].
آخر تفسير سورة الدخان، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ٥٠٢/١ ح٩٢٣) ونسبه الهيثمي إلى الطبراني في الأوسط
والبزار وقال ورجال البزار رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٤١٥/١٠) وصححه السيوطي في الدر المنثور،
والألباني بطرقه (السلسلة الصحيحة ح ١٠٨٧).
(٢) في سنده عبد الله بن محمد بن المغيرة ضعفه العقيلي (الضعفاء الكبير ٣٠١/٢)، وابن أبي حاتم (الجرح
والتعديل ١٥٨/٥) وقد تابعه محمد بن يوسف الفريابي كما في الرواية التالية:
(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ٣٥١٧) وحكمه كما في الرواية قبل السابقة.
(٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل (ح ٦٤٦٧).

٦٠٨
سُورَةُ الجَائِيَّةِ (١، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
07 00000
OD
00000
سُورَةُ الجَائِيَّة
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
وَفِی
إِنَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ
﴿حَمَ ﴾ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
وَأَخْتَفِ اَلَيْلِ وَالنَّارِ وَمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ
خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْتُ مِن دَابَّةٍ مَايَتٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ ﴿فَـ
اُلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ ءَإِيَنْتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
يرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات
والأرض، وما فيها من المخلوقات المختلفة والأجناس، والأنواع من الملائكة والجن والإنس
والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة،
واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل الله
تبارك وتعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقاً لأنه به يحصل الرزق
﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء.
وقولوه: ﴿وَتَصْرِيفِ الْرِيَجِ﴾ أي: جنوباً وشمالاً ودبوراً وصباً، برية وبحرية، ليلية ونهارية. ومنها
ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح ومنها ما هو عقيم لا ينتج، وقال
أولاً: ﴿لَآَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم يوقنون ثم يعقلون وهو ترقِّ من حال شريف إلى ما هو أشرف منه
وأعلى، وهذه الآيات شبيهة بآية البقرة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ
الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَّخْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنَزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن ◌ٍَّ فَأَخْيَا بِهِ الْأَرْضَ
بَعْدَ مَوْتَهَا وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ
﴾ [البقرة].
يَعْقِلُونَ
وقد أورد ابن أبي حاتم ههنا عن وهب بن منبه أثراً طويلاً غريباً في خلق الإنسان من
الأخلاط الأربعة.
﴿وَتِلْكَ مَايَتُ الَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِآلْحَنِّ فَأَتِ حَدِيثٍ بَعْدَ الَّهِ وَءَايَئِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴾ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِمٍ
٧
يَسْمَعُ مَايَلْتِ اَللَّهِ تُنْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُ مُسْتَكْرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَشْرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمِ (4)
وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا
أَتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَمْ عَذَابٌ مُهِينٌ جَ مِّن وَرَآَبِهِمْ جَهَنَّمٌ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئًا وَلَ مَا أَتَّخَذُواْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَوْلِيٍّ وَلَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ هَذَا هُدَّىٌّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِيَتِ رَبِهِمْ لَمْ عَذَابٌ مِّنْ يِّجْزٍ أَلِيِؤُ
يقول تعالى: ﴿ِلْكَ ءَايَتُ اللهِ﴾ يعني: القرآن بما فيه من الحجج والبينات ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾

٦٠٩
سُورَةُ الجَّائِيَّةِ (١٢، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أي: متضمنة الحق من الحق، فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها فبأي حديث بعد الله
وآياته يؤمنون؟ ثم قال تعالى: ﴿وَلٌ لِكُلِّ أَفَّكٍ أَشِرٍ ﴾﴾ أي: أفاك في قوله، كذاب حلاف مهين
أثيم في فعله وقلبه كافر بآيات الله ولهذا قال: ﴿يَتْمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ تُثْلَ عَلَهِ﴾ أي تُقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُ﴾
أي: على كفره وجحوده استكباراً وعناداً ﴿كَأَن ◌َّْ يَسْمَمْهًا﴾ أي: كأنه ما سمعها ﴿فَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
أي فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذاباً أليماً موجعاً.
﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَتِنَا شَيْئًا أَتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ أي: إذا حفظ شيئاً من القرآن كفر به واتخذه سخرياً وهزواً
﴿لَمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به، ولهذا روى مسلم في صحيحه
عن ابن عمر ◌ًا قال: نهى رسول الله و ﴿ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله
العدو (١).
ثم فسَّر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: ﴿مِّنْ وَرَآبِهِمْ جَهَنَّمٌ﴾ أي: كل من اتصف بذلك
سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة ﴿وَلَا يُغْنِ عَنْهُمْ مَّا كَسَبُواْ شَيْئًا﴾ أي: لا تنفعهم أموالهم ولا
أولادهم ﴿وَلَ مَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءٍ﴾ أي: ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله
شيئاً ﴿وَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قال تبارك وتعالى: ﴿هَذَا هُدَىٌ﴾ يعني: القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَيْهِمْ
لَمْ عَذَابٌ مِّن رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وهو المقلق الموجع.
اللَّهُ الَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ الْبَعْرَ لِتَجْرِىَ الْقُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ، وَلَِبْنَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٢
وَسَخَرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴿ قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اَللَّهِ لِيَجْزِئَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿ مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ
١٥
أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر ﴿لَِجْرِىَ الْقُلْكُ﴾ وهي السفن فيه بأمره
تعالى، فإنه هو الذي أمر البحر بحملها .
﴿وَلِنَبَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: في المتاجر والمكاسب ﴿وَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: على حصول المنافع
المجلوبة من الأقاليم النائية القصية، ثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ أي:
من الكواكب والجبال والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به؛ أي: الجميع من فضله وإحسانه
وامتنانه ولهذا قال: ﴿َمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال تبارك
وتعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَلِ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَخْتَرُونَ (٥)﴾ [النحل).
وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا
مِنْهُ﴾ كل شيء هو من الله. وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعاً منه ولا ينازعه فيه
المنازعون، واستيقن أنه كذلك(٢).
(١) صحيح مسلم، الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم
(ح ١٨٦٩).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.

٦١٠
سُورَةُ الجَائِيَّةِ (١٦، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي، عن
سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن
قال: ممَّ خلق الخلق؟ قال: من النور والنار والظلمة والثرى. قال: وائت ابن عباس
عمرو ضـ
فاسأله، فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله مما خلق ذلك كله، فرجع إليه فسأله فتلا
﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾(١). هذا أثر غريب وفيه نكارة ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرْحُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ أي: ليصفحوا عنهم ويتحملوا
الأذى منهم وكان هذا في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب
ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثم لما أصرُّوا على العناد شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا
روي عن ابن عباس وقتادة (٢).
وقال مجاهد: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ لا ينالون نعم الله تعالى(٣).
وقوله: ﴿لِيَجْزِىَ قَوْمَّا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله رَك مجازيهم
بأعمالهم السيئة في الآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَلَّمَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُوْ
تُرْجَعُونَ ﴾﴾ أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم عليه، فيجزيكم خيرها وشرها.
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّيَ الْكِنَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْتَهُم مِّنَ الَِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
وَءَاتَّْنَهُم بَيِنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِّ فَمَا أَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ
لَا يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّلِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ وَاللَّهُ وَإِىُّ الْمُنَّقِينَ
هَذَا بَصَّهُ لِلنَّاسِ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥))
١٩
يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم وجعله
الملك فيهم، ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَّغِيلَ اَلْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُؤَّةَ وَرَزَفْتَهُم مِّنَ
الَّتِبَتِ﴾ أي: من المآكل والمشارب ﴿وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ أي: في زمانهم ﴿وَءَاتَِّتَهُم بَيْنَاتٍ مِّنَ
اُلْأَمْرِّ﴾ أي: حججاً وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد
قيام الحجة، وإنما كان ذلك بغياً منهم على بعضهم بعضاً ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ
اٌلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل بينهم بحكمه العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن
تسلك مسلكهم وأن تقصد منهجهم، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ اُلْأَمْرِ فَأَّعْهَا﴾ أي:
اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين، وقال ههنا: ﴿وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَلَءُ
(١) أبو أراكه لم أقف على ترجمته، وضعف متنه الحافظ ابن كثير، وأخرجه عبد الرزاق من طريق حميد
الأعرج أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عن قتادة.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٦١١
سُورَةُ الجَائِيَةِ (٢٣،٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٨ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئَأْ وَإِنَّ الَّلِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: وماذا
تغني عنهم ولايتهم لبعضهم فإنهم لا يزيدونهم إلا خساراً ودماراً وهلاكاً.
﴿وَللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾ وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم
الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، ثم قال: ﴿هَذَا بَصَبُ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن ﴿وَهُدَّى
وَرَحْمَةٌ لِقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ .
- ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُوْ اَلسَّيِّئَاتِ أَنْ تَجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءُ تَحْيَهُمْ
وَمَمَانُهُمَّ سَلَّ مَا يَحْكُمُونَ ﴿﴿ وَخَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِأَلِّْ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا
﴿ أَفَرََّيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْرٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمِعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةٌ
يُظْلَمُونَ
فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَُّونَ
يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون كما قال: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ
﴾ [الحشر] وقال تبارك وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ﴾
أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآيِزُونَ
أي: عملوها وكسبوها ﴿أَن ◌َّجْعَلَهُمْ كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَوَآءٍ تَّخْيَهُمْ وَمَمَانُهُمَّ﴾ أي:
نساويهم بهم في الدنيا والآخرة ﴿سَلَّمَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين
الأبرار والفجار في الدار الآخرة وفي هذه الدار.
قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا [مكبر] (١) بن عثمان التنوخي، حدثنا
الوضين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد الباجي، عن أبي ذرِّ رُه قال: إن الله تعالى بنى دينه
على أربعة أركان، فمن صبر عليهنَّ ولم يعمل بهنَّ لقي الله من الفاسقين، قيل: وما هن يا أبا
ذرّ؟ قال: يسلم حلال الله لله، وحرام الله لله، وأمر الله لله، ونهي الله الله لا يؤتمن عليهن
إلا الله .
قال أبو القاسم وَل : ((كما أنه لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا ينال الفجار منازل
الأبرار))(٢). هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أنهم وجدوا حجراً بمكة في أسِّ الكعبة مكتوب
عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات أجل كما يجنى من الشوك العنب (٣).
وقد روى الطبراني من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن مسروق أن
تميماً الداري قام ليلة حتى أصبح يردِّد هذه الآية: ﴿أَمّ حَسِبَ الَّذِينَ أُجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ تَّجْعَلَهُمْ
كَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ (٤).
(١) كذا في (مح) ولسان الميزان، وفي الأصل صحف إلى: ((بكير)).
(٢) أخرجه ابن حبان من طريق مكبر بن عثمان به (المجروحين ٤١/٣) وسنده ضعيف لضعف مكبر بن عثمان
التنوخي قال ابن حبان منكر الحديث جداً (ينظر لسان الميزان ٨٥/٦).
(٣) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١٩٦/١).
(٤) المعجم الكبير ٢/ ٥٠ وأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام من طريق هشيم عن حصين عن أبي الضحى به
فضائل القرآن ص٧٩ رقم ١٨٢، وهذان الطريقان يقوي أحدهما الآخر، إذا سمع مسروق تميماً الداري.

٦١٢
• سُورَةُ الجَّائِيَةِ (٢٤، ٢٦)
ولهذا قال [تعالى: ﴿سَلَّ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وقال](١): ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْمَنِّ﴾ أي:
بالعدل ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
ثم قال: ﴿أَفَعَيْتَ مَنِ اَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَهُ﴾ أي: إنما يأتمر بهواه، فما رآه حسناً فعله وما رآه قبيحاً
تركه، وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، عن مالك فيما
روي عنه من التفسير لا يهوي شيئاً إلا عبده.
وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين:
أحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، والآخر وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام
الحجة عليه.
والثاني: يستلزم الأول ولا ينعكس.
﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَةً﴾ أي: فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئاً يهتدي به
ولا يرى حجة يستضيء بها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَُّونَ﴾ كقوله تعالى:
﴿َمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَّهُّ وَيَذَرُهُمْ فِ تُغْيَِهِمْ يَعْمَعُونَ (٨٦)﴾ [الأعراف].
﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّ حَيَانَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّ الدَّهْرُّ وَمَا لَم بِذَلِكَ مِنْ عِلٌَّ إِنْ هُمْ إِلَّا
(١٥) قُلِ اللَّهُ
يَظُّونَ ﴿ وَإِذَا نُلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُّنَا بَيِنَتٍ مَّا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْ بِتَابَآَيْنَآ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْ الْقِيَّمَةِ لَا رَبْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد ﴿وَقَالُواْ
مَا هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَخْيَا﴾ أي: ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم
معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم،
وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية (٢) المنكرون للصانع، المعتقدون
أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات
لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكْنَا إِلَّ الدَّهْرُ﴾ قال الله تعالى:
﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلَّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ﴾ أي: يتوهمون ويتخيلون فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا
الصحيح وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن
أبي هريرة به قال: قال رسول الله ويعلى: (يقول تعالى يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر،
وفي رواية: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)) وقد أورده ابن
بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره)) (٣)
جرير بسياق غريب جداً فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن
سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﴿ه، عن النبي وَّر قال: ((كان أهل الجاهلية يقولون إنما
(١) زيادة من (مح).
(٢) أي: الذين يقولون بالدور والتسلسل وهو اعتقاد باطل.
(٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة الجاثية (ح٤٨٢٦) وصحيح مسلم، الألفاظ من الأدب، باب النهي عن
سب الدهر (ح٢٢٤٦)، وسنن أبي داود، الأدب، باب في الرجل يسب الدهر (ح٥٢٧٤)، والسنن الكبرى
للنسائي (ح ١١٦٨٧).

٦١٣
• سُوَرَّةُ الجَائِيَةِ (٢٤، ٢٦)
يهلكنا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا يميتنا ويحيينا، فقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا
حَيَانُنَا اُلُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُاَ إِلَّ الدَّهْرُ﴾)) ويسبون الدهر فقال الله رَ: ((يؤذيني ابن آدم، يسب
الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)) (١)، وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن
منصور، عن شريح بن النعمان، عن ابن عيينة مثله. ثم روى عن يونس، عن ابن وهب، عن
الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَلَى: ((قال الله تعالى: يسب
ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار)» وأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي من حديث
يونس بن یزید به(٢).
الله أن
وقال محمد بن إسحاق: عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة
رسول الله وَّيه: قال ((يقول الله تعالى: استقرضت عبدي فلم يعطني وسبني عبدي، يقول وادهراه
وأنا الدهر))(٣).
قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله وَله: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو
الدهر)) كانت العرب في جاهليتهم إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا: يا خيبة الدهر،
فينسبون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله رَك؛
لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله تعالى هو الدهر
الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، والله أعلم،
وقد غَلَط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدِّهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذاً من
هذا الحدیث.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ مَيَكُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: إذا استُدِلّ عليهم وبُيّن لهم الحق، وأن الله
تعالى قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها ﴿مَّا كَانَ حُجََّهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُواْ بِثَابَيْنَآ إِن كُمْ
صَدِقِينَ﴾ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقاً. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُمِيكُمْ ثُمَّ يُسِتُكُمْ﴾ أي:
كما تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود ﴿كَيْفَ تَكْفُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمّ
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] أي: الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى
والأحرى ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ اُلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ﴾ [الروم: ٢٧]، ﴿ثُمَّ يَجْمَعَّكُمْ إِلَ يَوْم
الْقِيَمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: إنما يجمعكم إلى يوم القيامة لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا: ﴿أَثْتُوا
بِثَابَآَيْنَآ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَعْ﴾ [التغابن: ٩] ﴿لِأَتِّ يَوْمٍ أُعِلَتْ ١٧ لِيَوْمِ الْفَصْلِ
(٣٤)﴾ [هود] وقال ههنا: ﴿ثُمَّ يَجْمَئِكُمْ إِلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ
(٣)﴾ [المرسلات]، ﴿وَمَا تُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُورٍ
لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا ينكرون المعاد ويستبعدون
قيام الأجساد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا
[المعارج] أي: يرون وقوعه
وَنَرَنَّهُ قَرِيبًا
بعيداً والمؤمنون يرون ذلك سهلاً قريباً.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، واستغربه الحافظ ابن كثير.
(٢) تقدم نحوه قبل الرواية السابقة مخرجة من الصحيحين والسنن الكبرى للنسائي.
(٣) أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤١٨/١).

٦١٤
سُورَةُ الجَائِيَةِ (٢٧، ٢٩)
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُثَةٍ جَاِيَّةٌ كُلُّ
أُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا أَلْيَوْمَ تُجْزَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨َ هَذَا كِتَبُنَ يَطِقُ عَلَيْكُمْ بِآلْحَقِّ إِنَّا كُنََّ نَسْتَنِسِخُ مَا كُتُمْ
تَعْمَلُونَ
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿ وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿يَخْسَرُ الْمُطِلُونَ﴾ وهم الكافرون بالله الجاحدون بما أنزله على رسله
من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
وقال ابن أبي حاتم: قدم سفيان الثوري المدينة فسمع المعافري يتكلم ببعض ما يضحك به
الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن الله تعالى يوماً يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تُعرف
في المعافري حتى لحق بالله تعالى، ذكره ابن أبي حاتم(١).
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَ كُلَّ أُمَِّ جَائِيَةٌ﴾ أي: على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال إن هذا إذا
جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة، لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل عليه الصلاة
والسلام ويقول: نفسي نفسي نفسي! لا أسألك اليوم إلا نفسي. وحتى إن عيسى عليه الصلاة
والسلام ليقول: لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني!
قال مجاهد وكعب الأحبار والحسن البصري ﴿ كُلَّ أُنَِّ جَانِيَّةٌ﴾ أي: على الركب(٢).
وقال عكرمة: جائية متميزة (٣) على ناحيتها وليس على الركب، والأول أولى. قال ابن أبي
حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن
عبد الله بن باباه أن رسول الله وسلم قال: ((كأني أراكم جائين بالكوم(٤) دون جهنم)) (٥).
وقال إسماعيل بن أبي رافع المدني، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة ظُبه، مرفوعاً في
حديث الصور: فيتميز الناس وتجثو الأمم(٦)، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاِيَّةٌ كُلُّ
أُنَّةٍ تُدْعَ إِلَى كِنَبِهَا﴾ وهذا فيه جمع بين القولين ولا منافاة، والله أعلم.
وقوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا﴾ يعني: كتاب أعمالها كقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِاْتَّ بِالنَّبْنَ
وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩] ولهذا قال ◌َ: ﴿ اَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تجازون بأعمالكم خيرها
وشرها كقوله تعالى: ﴿يُبِّ الْإِسَنُ يَوْمَيٍِ بِمَا قَدَّمَ وَلَخَّرَ ﴿ بَلِ آلْإِسَنُ عَلَى نَفْسِ بَصِيرَةٌ ﴿ وَلَوْ أَلَفَ
مَعَاذِيرَهُ (٣٥)﴾ [القيامة].
ثم قال: ﴿هَذَا كِنَبْنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُمْ بِآلْحَقٍ﴾ أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص
(١) سنده معلق لأن ابن أبي حاتم لم يدرك الثوري.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسنده صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه البستي بسند
حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
(٤) الموضع المشرف، وأصل الكوم: من الارتفاع والعلو. (النهاية ٢١٠/٤).
(٥) سنده مرسل، وأخرجه البستي من طريق سفيان به. وسنده مرسل أيضاً.
(٦) تقدم حديث الصورة في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.

٦١٥
• سُورَةُ الجَائِيَّةِ (٣٠، ٣٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَنَنَا مَالِ هَذَا أُلْكِتَبِ لَا
يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنِهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٣)﴾ [الكهف].
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم.
قال ابن عباس وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة
في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر،
مما كتبه الله في القِدَم على العباد قبل أن يخلقهم فلا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً ثم قرأ ﴿إِنَّا كُنَاً
نَسْتَفْسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(١).
وَأَمَّا
] ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِ رَحْمَتِهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْمُبِينُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنّ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَتُمْ وَكُمْ قَوْمَا تُجْرِمِينَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا
رَيِّبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن تَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْفِنِينَ ﴿ وَبَدَا لَمْ سَيِئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا
وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَسَنَكُمْ كَا نَسِيْتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِن نَّصِرِينَ (®)
شـ
كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ أَتَّخَذْتُمْ ءَيَتِ الَّهِ هُزُوً وَغَتَّكُمُ الْحَوَةُ الدُّنْيَّ فَأَلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُنَ ﴿ فَلَّهِ الْحَمْدُ
رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَّةُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة فقال تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ﴾
أي: آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة وهي الخالصة الموافقة للشرع ﴿فَيُّدْخِلُهُمْ
رَبُّهُمْ فِ رَحْتِهٍ﴾ وهي الجنة كما ثبت في الصحيح أن الله تعالى قال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك
من أشاء (٢). ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي: البين الواضح.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَأُسْتَكْبَُ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعاً
وتوبيخاً، أما قرئت عليكم آيات الله تعالى فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عن سماعها، وكنتم
قوماً مجرمين في أفعالكم مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: إذا قال لكم المؤمنون ذلك ﴿قُلْتُ مَّا نَدْرِى مَا
السَّاعَةُ﴾ أي: لا نعرفها ﴿إِن تَظُنُّ إِلَّا ظَنًا﴾ أي: إِن نتوهم وقوعها إِلا توهماً؛ أي: مرجوحاً ولهذا
قال: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي: بمتحققين.
قال الله تعالى: ﴿وَبَا لَمْ سَيِئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي: وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾
أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: من العذاب والنكال ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَسَنَكُمْ﴾ أي: نعاملكم
معاملة الناسي لكم في نار جهنم ﴿كَأَ نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: فلم تعملوا له لأنكم لم تصدقوا
به ﴿وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُ مِّن نَّصِرِينَ﴾ .
وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: ((ألم أزوجك؟ ألم
(١) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وأخرجه البستي بسند حسن من قول ابن عمر ﴿يا بنحوه.
(٢) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ◌ُه مطولاً (الصحيح، التفسير، سورة ق، باب ﴿ وَتَقُولُ هَلَّ مِن ◌َّزِيدٍ﴾
[ق: ٣٠] ح ٤٨٥٠).

٦١٦
سُورَةُ الجَائِيَةِ (٣٠، ٣٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 000 0 0
أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى يا ربِّ. فيقول أفظننت
أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني))(١).
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَّكُ اَّخَذْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أي: إنما جازيناكِم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم
حجج الله عليكم سخرياً تسخرون وتستهزؤن بها ﴿وَغَرَّتْكُ الْحَزَةُ الدُّنيا﴾ أي: خدعتكم فاطمأننتم
إليها فأصبحتم من الخاسرين، ولهذا قال: ﴿فَلْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ أي: من النار ﴿وَلَا هُمْ
يُسْتَعْنَوُنَ﴾ أي: لا يطلب منهم العتبى بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب كما تدخل طائفة من
المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب ثم لما ذكر تعالى حكمه في المؤمنين والكافرين، قال:
﴿فَلَّهِ لَلْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ أي: المالك لهما وما فيهما. ولهذا قال: ﴿رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَهُ الْكِبِيَّءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ قال مجاهد: يعني السلطان؛ أي: هو العظيم
الممجد الذي کل شيء خاضع لدیه فقير إليه.
وقد ورد في الحديث الصحيح: ((يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني
واحداً منهما أسكنته ناري)) ورواه مسلم من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي
مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﴿ّ، عن رسول الله وَ ل بنحوه(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيُ﴾ أي: الذي لا يغالب ولا يمانع ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله
وشرعه وقدره تعالى وتقدس لا إله إلا هو.
آخر تفسير سورة الجاثية، ولله الحمد والمنة.
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٥١.
(٢) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الكبر (ح ٢٦٢٠).

٦١٧
سُورَةُ الأَحْقَقلِ (١، ٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
00000
سُورَةُ الأَحْقَفِلِ
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
A ﴿حَمَ ﴾ تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿ مَا خَلَقْنَا السَمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلََّّ
بِأَلْقِّ وَأَجَلٍ تُسَنَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُم ◌َّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ
مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرٌْ فِ السَّمَوَتِّ أَثْنُونِ بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُمْ صَدِقِينَ
﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ الَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُو إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَيْهِمْ غَافِلُونَ
وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَهُمْ أَعْدَاءُ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ
يخبر تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله عليه دائماً إِلى يوم الدين،
ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّ بِالْحَقِّ﴾ أي: لا على وجه العبث والباطل ﴿وَأَجَلٍ مُسَنَّىَ﴾ أي: وإِلى
مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: لاهون عما يراد بهم، وقد أنزل الله تعالى إليهم
كتاباً وأرسل إليهم رسولاً، وهم معرضون عن ذلك كله؛ أي: وسيعلمون غب ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره ﴿أَرَعَيْتُمُ مَّا نَدْعُونَ مِن دُونِ
اَللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ﴿أَمْ لَهُمْ
شِرْكُ فِىِ السَّمَوَتِّ﴾ أي: ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض وما يملكون من قطمير، إن
الملك والتصرف كله إلا لله ، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به؟ من أرشدكم إلى هذا؟
من دعاكم إليه؟ أهو أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿اثْنُونِى
بِكِتَبٍ مِّن قَبْلِ هَذَا﴾ أي: هاتوا كتاباً من كتب الله المُنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
يأمركم بعبادة هذه الأصنام ﴿أَوْ أَثَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ أي: دليل بينٍ على هذا المسلك الذي سلكتموه
﴿إِن كُمْ صَدِقِينَ﴾ أي: لا دليل لكم لا نقلياً ولا عقلياً على ذلك، ولهذا قرأ آخرون: ((أو
أثارة أثرة من علم))؛ أي: أو علم صحيح تؤثرونه عن أحد ممن قبلكم، كما قال مجاهد في قوله
تعالى: ﴿أَوْ أَفَرَوْ مِّنْ عِلْمٍ﴾ أو أحد يأثر علماً(١).
وقال العوفي، عن ابن عباس: أو بينة من الأمر(٢).
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.

٦١٨
• سُورَةُ الْأَخْقَفْلِ (٧، ٩)
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن، عن ابن عباس قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي وَّة، أو أثرة(١) من علم، قال:
الخط (٢).
وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم(٣).
وقال الحسن البصري: أو أثارة شيء يستخرجه فيثيره(٤) .
وقال ابن عباس ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضاً: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾ يعني: الخط (٥).
وقال قتادة: أو أثارة من علم خاصة من علم (٦).
وكل هذه الأقوال متقاربة. وهي راجعة إلى ما قلناه وهو اختيار ابن جرير رحمه الله وأكرمه
وأحسن مثواه(٧) .
وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لََّ يَسْتَجِيبُ لَهُو إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ
دُعَيِهِمْ غَفِلُونَ ﴾﴾ أي: لا أضلّ ممن يدعو من دون الله أصناماً، ويطلب ما لا تستطيعه إلى يوم
القيامة، وهي غافلة عما يقول لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش؛ لأنها جماد حجارة صمّ.
وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوْ لَمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِبَادَتِهِمْ كَفِرِنَ (®﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ
اَلَّهِ مَالِهَةٌ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزَّا (٨َ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ﴾﴾﴾ [مريم] أي:
سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِّن دُونِ
اللَّهِ أَوْثَنَا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥].
﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَنُنَا بَيِنَتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينُ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ
أَفْتَنَّهُ قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَ تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ
اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِ وَلَا بِكُمْ إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَ
وَمَآ أَنَأْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين في كفرهم وعنادهم: أنهم إذا تتلى عليهم آيات الله بينات؛
أي: في حال بيانها ووضوحها وجلائها يقولون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: سحر واضح وقد كذبوا
وافتروا وضلوا وكفروا ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّهُ﴾ يعنون محمداً وَّهِ قال الله: ﴿قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِ
(١) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٩/٣ ح١٩٩٢) وصحح سنده محققوه.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري والحاكم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس وصححه الحاكم ووافقه الذهبي
(المستدرك ٤٥٤/٢).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) رجح الطبري قول من قال: البقية من علم.

٦١٩
• سُورَةُ الْأَحْقَقلِ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني، وليس كذلك لعاقبني أشد العقوبة، ولم
يقدر أحد من أهل الأرض لا أنتم ولا غيركم، أن يجيرني منه، كقوله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّ لَن
يُجِيَرَنِ مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا (٣) إِلَّا بَلَغَا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ،﴾ [الجن: ٢٢، ٢٣] وقال
تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اٌلْأَقَاوِيلِ ﴿ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ي ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَقِينَ ﴿® فَمَا مِنكُ مِّنْ أَحَدٍ
عَنّهُ حَجِزِينَ ﴾﴾ [الحاقة] ولهذا قال ههنا: ﴿قُلْ إِنِ أَفْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا
نُفِيضُونَ فِیّهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بينى وبينكم﴾ هذا تهديد ووعيد أكید وترهيب شدید.
وقوله: ﴿وَهُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ترغيب لهم إلى التوبة والإنابة؛ أي: ومع هذا كلِّه إن رجعتم
وتبتم تاب عليكم وعفا عنكم وغفر ورحم، وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ
اُلْأَوَّلِينَ آكْتَتَبَهَا فَهِىَ ثُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ البِرَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ
إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ أي: لست بأول رسول طرق العالم بل قد جاءت الرسل
من قبلي فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إليكم فإنه قد أرسل الله
جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿قُلْ مَا كُتُ بِدْعًا مِّنَ اُلُّسُلِ﴾ ما أنا بأول رسول(١)، ولم
يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه
الآية: نزل بعدها ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾(٢) [الفتح: ٢]. وهكذا قال عكرمة
والحسن وقتادة: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا نَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قالوا: ولما
نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بيَّن الله تعالى، ما هو فاعل بك يا رسول الله،
فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَّدْخِلَ الْمُوْعِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [الفتح: ٥]
هكذا قال(٣)، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا: هنيئاً لك يا رسول الله فما لنا؟
فأنزل الله ل هذه الآية(٤).
وقال الضحاك: ﴿وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا بِكُمْ﴾ أي: ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد
هذا (٥)؟ .
وقال أبو بكر الهذلي: عن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَدَّرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَ بِكُمْ﴾
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) هذا قول الحسن البصري وعكرمة وقد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد
الرازي وهو ضعيف، ومن قال بالنسخ أيضاً قتادة فقد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٤) أخرجه الشيخان من حديث أنس ظه (صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الحديبية ح ٤١٧٢، وصحيح
مسلم، الجهاد، باب صلح الحديبية ح١٧٨٦).
(٥) لم أجد من أخرجه.

٦٢٠
• سُورَةُ الْأَحْقَقلِ (١٠، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: أما في الآخرة فمعاذ الله وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم
في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبلي؟ أم أقتل كما قتلت
الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة(١)؟ وهذا القول هو الذي عول عليه
ابن جرير وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به وَلهو، فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم
أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إليه أمره وأمر مشركي
قريش إلى ماذا، أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم؟
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن شهاب، عن
خارجة بن زيد بن ثابت، عن أُم العلاء، وهي امرأة من نسائهم أخبرته وكانت بايعت رسول الله وعليه
قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون صـ
فاشتكى عثمان رُه عندنا فمرضناه، حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله وَله
فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله ريك فقال رسول الله وَ ليقول: ((وما
يدريك أن الله تعالى أكرمه))؟ فقلت: لا أدري بأبي أنتَ وأمي، فقال رسول الله وَيقول: ((أما هو فقد
جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله وَّر ما يفعل بي).
قالت: والله لا أزكي أحداً بعده أبداً، وأحزنني ذلك فنمت فرأيت لعثمان ظه عيناً تجري،
فجئت إلى رسول الله وَلقر فأخبرته بذلك، فقال رسول الله وَ له: ((ذاك عمله))(٢) فقد انفرد بإخراجه
البخاري دون مسلم(٣)، وفي لفظ له ((ما أدري وأنا رسول الله وَّ﴿ ما يفعل به)) (٤) وهذا أشبه أن
يكون هو المحفوظ بدليل قولها فأحزنني ذلك، وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين
بالجنة إلا الذي نصَّ الشارع على تعيينهم كالعشرة وابن سلام والغُميصاء وبلال وسراقة،
وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قُتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة
وجعفر وابن رواحة وما أشبه هؤلاء ﴿ه وقوله: ﴿إِنْ أَنَّعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَّ﴾ أي إِنما أتبع ما
ينزله الله علي من الوحي ﴿وَمَآ أَنَأْ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: بين النذارة، وأمري ظاهر لكل ذي لب
وعقل.
] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَامَنَ
وَأَسْتَكْبَرْتٌ إِنَ اَللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظِّينَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَا سَبَقُونَاً
إِلَيَّةٍ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكُ قَدِيمٌ ﴿﴿ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَبٌ
مُصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴿﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَمُواْ فَلَا
يقول تعالى: ﴿قُلّ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: ﴿أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ﴾ هذا القرآن
.
خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿ أُوْلَكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(١) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي به وأطول، وسنده ضعيف جداً. لأن الهذلي متروك.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٩/٤٥، ٤٥٠ ح ٢٧٤٥٧) وصحح سنده محققوه.
(٣) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب مقدم النبي ونَ ﴿ وأصحابه المدينة (ح٣٩٢٩).
(٤) صحيح البخاري، التعبير، باب رؤيا النساء (ح ٧٠٠٤).