النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١ • سُودَةُ الّرُونَ (٥٧، ٦٥) 0000 000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 00 0 0 00000 0 0 0 0 ((يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير» فقالوا له: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً فقد كان يعبد من دون الله؟ فأنزل الله وَى: ﴿﴿ وَلَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (@)﴾(١). وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) قالت قريش: إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى ◌ِالَّا(٢). ونحو هذا قال قتادة(٣): وقوله: ﴿وَقَالُوَاْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُ أَمْ هُوَّ﴾. قال قتادة: يقولون آلهتنا خير منه وقال قتادة: قرأ ابن مسعود به: ﴿وقالوا أآلهتنا خير أم هذا﴾(٤) يعنون محمداً وَله . وقوله: ﴿مَا ضَرَيُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ أي: مراء، وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية، لأنها لما لا يعقل، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه، فتعين أن مقالتهم إنما كانت جدلاً منهم ليسوا يعتقدون صحتها وقد قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا ابن نمير، حدثنا حجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَ له: ((ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أورثوا الجدل))، ثم تلا رسول الله ول هذه الآية ﴿مَا ضَرَيُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾(٥) . وقد رواه الترمذي وابن ماجه وابن جرير من حديث حجاج بن دينار به، ثم قال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديثه (٦)، كذا قال. وقد روي من وجه آخر عن أبي أمامة ظبه بزيادة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا حميد بن عياش الرملي، حدثنا مؤملٍ، حدثنا حماد، أخبرنا ابن مخزوم، عن القاسم أبي عبد الرحمن [الشامي](٧)، عن أبي أمامة ◌َ﴿به، قال حماد: لا أدري رفعه أم لا؟ قال: ما ضلَّت أُمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالها التكذيب بالقدر، وما ضلَّت أُمة بعد نبيها إلا أُعطوا الجدل، ثم قرأ ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَلْ بَلّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ (٨) . (١) في سنده أبو أحمد مولى الأنصار لم أعرف من هو، ولا يضر لأنه توبع كما في الرواية السابقة حيث تابعه أبو يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، فيكون الإسناد حسناً لغيره. (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند رجاله ثقات من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ويتقوى بالمرسل الآتي. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسند رجاله ثقات لكنه مرسل ويتقوى بالمرسل السابق فكلاهما يقوي أحدهما الآخر. (٤) أخرجه الطبري من طريق قتادة عن أبي بن كعب وليس عن ابن مسعود وقتادة لم يدركهما فسنده منقطع، والقراءة شاذة تفسيرية . (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٥٤٠ ح٢٢٢٠٤) قال محققوه: حسن بطرقه وشواهده. (٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الزخرف (ح٣٢٥٣) وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب اجتناب الدرع والجدل (ح٤٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٥٩٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٤٧/٢). ۔۔ (٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((السامي)). (٨) یشهد لشقه الأخير سابقه، ولا يضر تردد حماد في رفعه. ٥٨٢ • سُوَدَّةُ الّغْفِ} (٥٧، ٦٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، عن عبادة بن عباد، عن جعفر، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إن رسول الله وَ ل خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضباً شديداً حتى كأنما صبَّ على وجهه الخلّ، ثم قال ◌َّ: ((لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإنه ما ضلَّ قوم قط إلا أوتوا الجدل)) ثم تلا وَاليه: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَّا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾(١). وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ يعني: عيسى عليه الصلاة والسلام. ما هو إلا عبد من عباد الله أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة. ﴿وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِيّ إِسْرَِّيلَ﴾ أي: دلالة وحجة وبرهاناً على قدرتنا على ما نشاء. وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: بدلكم ﴿مَّلَئِكَةً فِى الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ . قال السدي: يخلفونكم فيها(٢). وقال ابن عباس وقتادة: يخلف بعضهم بعضاً كما يخلف بعضكم بعضاً(٣)، وهذا القول يستلزم الأول. قال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾ تقدم تفسير ابن إسحاق(٤) أن المراد من ذلك ما بعث به عيسى عليه الصلاة والسلام، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الأسقام، وفي هذا نظر وأبعد منه ما حكاه قتادة عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، أن الضمير في وإنه عائد على القرآن(٥)، بل الصحيح أنه عائد على عيسى عليه الصلاة والسلام فإن السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، [كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِهِ، قَبَّلَ مَوْتٍ﴾ أي: قبل موت عيسى عليه الصلاة والسلام ثم ﴿وَيَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ](٦) يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌّ لِلِسَّاعَةِ﴾ أي: أمارة ودليل على وقوع الساعة. قال مجاهد: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌّ لِلِسَّاعَةِ﴾ أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم لعلّلا قبل يوم القيامة (٧)، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس وأبي العالية وأبي مالك وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم(٨)، وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله وَ القيل أنه أخبر بنزول عيسى البَلاء قبل يوم القيامة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن جعفر وهو ابن الزبير: متروك (التقريب ص١٤٠). (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: ((خلفا منكم)). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٤) تقدم في تفسير بداية هذه الآية. (٥) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن. (٦) زيادة من (حم) و(مح). (٧) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس عن أبي هريرة، وأخرجه الثوري بسند حسن من = ٥٨٣ • سُوْرَةُ الْحَرُو (٦٦، ٧٣) وقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا﴾ أي: لا تشكُّوا فيها أنها واقعة وكائنة لا محالة ﴿وَأَتَّبِعُونِ﴾ أي: فيما أخبركم به ﴿هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ وَلَا يَصُدَّتَّكُمُ الشَّيْطَنِّ﴾ أي: عن اتباع الحق ﴿إِنَّهُ لَكُنْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿﴿ وَلَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: بالنبوة ﴿وَلِأُبِنَ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ قال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية، وهذا الذي قاله حسن جيد، ثم ردَّ قول من زعم أن بعض لههنا بمعنى كل، واستشهد بقول لبيد الشاعر حيث قال: أو يعتلق بعض النفوس حمامها (١) نزال أمكنة إذا لم أرضها وأولوه على أنه أراد جميع النفوس. قال ابن جرير: إنما أراد نفسه فقط، وعبر بالبعض عنها(٢)، وهذا الذي قاله محتمل. وقوله: ﴿فَّقُواْ اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ﴿وَأَطِعُونِ﴾ فيما جئتكم به ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِى وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾﴾ أي: أنا وأنتم عبيد له فقراء مشتركون في عبادته وحده لا شريك له ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم وهو عبادة الرب وم وحده. وقوله: ﴿فَأَخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمٌ﴾ أي: اختلفت الفرق وصاروا شيعاً فيه، منهم من يقر بأنه عبد الله ورسوله وهو الحق ومنهم من يدعي أنه ولد الله، ومنهم من يقول إنه الله، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً ولهذا قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾. اُلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ 12 ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ السَّاعَةَ أَن تَأْنِيَهُم بَغْتَةٌ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ لِبَعْضِ عَدُوُّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ ﴿ يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿َ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِحَايَتِنَا يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكَوَابٍ وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴿ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٥) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِدُونَ كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٨َ لَكُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ يقول تعالى: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل ﴿إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْنِيَهُم بَغْتَةٌ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدين فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحينئذٍ يندمون كل الندم حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم. وقوله: ﴿اَلْأَخِلََّءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾﴾ أي: كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان لله رب فإنه دائم بدوامه، وهذا كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا قَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نََّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. = طريق أبي رزين عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن أبي مالك والحسن، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (١) استشهد به الطبري وهو في ديوان لبيد الله ص٣١٣. (٢) ذكره بنحوه. ٥٨٤ سُورَةُ الرّزُو (٦٦، ٧٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿اَلْأَخِلََّّءُ وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فتوفي أحد يَوْمَيِمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾﴾ المؤمنين وبشر بالجنة، فذكر خليله فقال: اللَّهم إن فلاناً خليلي كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللّهم فلا تضله بعدي حتى تريه مثلما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له: اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيراً وبكيت قليلاً قال: ثم يموت الآخر فتجتمع أرواحهما فيقال: ليثنِ أحدكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ ونعم الصاحب ونِعم الخليل. وإذا مات أحد الكافرين وبشر بالنار ذكر خليله فيقول: اللَّهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك. ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك. اللّهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت عليّ. قال: فيموت الكافر الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثنِ كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل(١)! رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين (٢). وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن أحمد، عن هشام بن عبد الله بن کثیر، حدثنا أبو جعفر محمد بن الخضر بالرقة عن معافي، حدثنا حكيم بن نافع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وساجر: ((لو أن رجلين تحابا في الله أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب لجمع الله تعالى بينهما يوم القيامة يقول هذا الذي أحببته فيّ))(٣). وقوله: ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ ثم بشرهم فقال: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ ◌ِكَايَقِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾﴾ أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم وانقادت لشرع الله جوارحهم وظواهرهم. قال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: إذا كان يوم القيامة فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم إلا فزع فينادي مناد ﴿يَعِبَادِ لَا خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَآ أَنْتُمْ تَحْزَنُنَ (٨)﴾ فيرجوها الناس كلهم، قال: فيتبعها ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِثَايَقِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾﴾ قال: فييأس الناس منها غير (٤) المؤمنين (٤) . ﴿أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ﴾ أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَهُكُمْ﴾ أي: نظراؤكم ﴿مُحْبَّرُونَ﴾ أي: تتنعمون وتسعدون وقد تقدم في سورة الروم. ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّنْ ذَهَبٍ﴾ أي: زبادي آنية الطعام ﴿وَأَكْوَابٍّ﴾ وهي آنية الشراب؛ أي: من (١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الكوفي كما في التقريب. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) ذكره ابن منظور (مختصر تاريخ دمشق ٧٩/٢٧) وسنده ضعيف لضعف حكيم بن نافع فهو منكر الحديث. (لسان الميزان ٣٤٤/٢). (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي آخره بلفظ: ((غير المسلمين))، وسنده مرسل. ٥٨٥ سُورَةُ الحرف (٦٦، ٧٣) ذهب لا خراطيم لها ولا عرى ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ وقرأ بعضهم: ((تشتهيه الأنفس)). ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُبُّ﴾ أي: طيب الطعام والريح وحسن المنظر. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني إسماعيل بن أبي سعيد قال: إن عكرمة مولى ابن عباس أخبره أن رسول الله وسلم قال: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لرجل لا يدخل الجنة بعده أحد، يفسح له في بصره مسيرة مائة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة من ذهب، ليس فيها صحفة إلا فيها لون ليس في الأخرى مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، ولو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطي لا ينقص ذلك مما أوتي شيئاً)(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا عمرو بن سواد السرحي، حدثني عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة نظ ◌ُته أن أبا أمامة ظ ◌ُبه حدث أن رسول الله وَ ﴿ حدثهم وذكر الجنة فقال: ((والذي نفس محمد بيده، ليأخذن أحدكم اللقمة فيجعلها في فيه، ثم يخطر على باله طعام آخر فيتحول الطعام الذي في فيه على الذي اشتهى)) ثم قرأ رسول الله وَّهِ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن هو ابن موسى، حدثنا سكين بن عبد العزيز، حدثنا الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة حظيبه قال: قال رسول الله وَله: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة من له لسبع درجات وهو على السادسة وفوقه السابعة، وإن له ثلثمائة خادم ويغدى عليه ويراح كل يوم بثلثمائة صحفة - ولا أعلمه إلا قال: من ذهب في كل صحفة لون ليس في الأخرى، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاثمائة إناء في كل إناء لون ليس في الآخر، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنه ليقول: يا ربِّ لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص مما عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن لتأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض))(٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿خَلِدُونَ﴾ أي: لا تخرجون منها ولا تبغون عنها حولاً . ثم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ أي: أعمالكم الصالحة كانت سبباً لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحداً عمله الجنة، ولكن برحمة الله وفضله، وإنما الدرجات ينال تفاوتها بحسب الأعمال الصالحات. قال ابن أبي حاتم: حدثنا الفضل بن شاذان المقري، حدثنا يوسف بن يعقوب؛ يعني: الصفار، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بعضُه قال: قال (١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل. (٢) سنده ضعيف لأن الحسن لم يلق أبا هريرة ظه، (المراسيل لابن أبي حاتم ص٣٤). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٤٤/١٦ - ٥٤٥ ح ١٠٩٣٢) وضعف سنده محققوه. ٥٨٦ سُورَةُ الرّحْزُق (٧٤، ٨٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رسول الله : ((كل أهل النار يرى منزله من الجنة، فيكون له حسرة فيقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَئِ لَكُنْتُ مِنَ الْمُلَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول: ﴿وَمَا كُنَّاً لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنْنَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] فيكون له شكراً)) قال: وقال رسول الله صليه ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار. والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة. وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِىّ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ (®﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ أي: من جميع الأنواع ﴿مِّنْهَا تَأْكُونَ﴾ أي: مهما اخترتم وأردتم. ولما ذكر الطعام والشراب ذكر بعده الفاكهة لتتم النعمة والغبطة. وَمَا ظَلَيْنَهُمْ لَا يُفَتَُّ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ VE ] ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ وَلَكِنْ كَانُوْ هُمُ الظَّالِمِينَ ﴿٨) وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبِّكَ قَالَ إِنَّكُم مََّكِنُونَ ﴿ لَقَدْ حِتْنَكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ ﴿ أَمْ أَبْرَمُوَاْ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٦ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَهُمَّ بَى وَرُسُلُنَ لَدَيِهِمْ يَكْتُبُونَ لا لما ذكر تعالى حال السعداء ثنى بذكر الأشقياء فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ يُفَتَُّ عَنْهُمْ﴾ أي: ساعة واحدة ﴿وَهُمْ فِهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير. ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوْ هُمُ الظَّالِمِينَ ﴾﴾ أي: بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجة عليهم. وإرسال الرسل إليهم، فكذبوا وعصوا فجوزوا بذلك جزاء وفاقاً وما ربك بظلام للعبيد. ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ﴾ وهو خازن النار. قال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه ◌َُّه قال: سمعت رسول الله وَّه يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ﴾(٢) أي: يقبض أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه فإنهم كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهًا﴾ [فاطر: ٣٦] وقال: ﴿وَيَنَجَنَُّهَ اُلْأَشْقَى * الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١) ثُمَّ لَا يَعُوتُ فِهَا وَلَ يَحْنَى ﴾ [الأعلى] فلما سألوا أن يموتوا أجابهم مالك ﴿قَالَ إِنَّكُم مَّكِنُونَ﴾. قال ابن عباس: مكث ألف سنة ثم قال: إنكم ماكثون(٣). رواه ابن أبي حاتم؛ أي: لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها ثم ذكر سبب شقوتهم، وهو مخالفتهم للحق ومعاندتهم له فقال: ﴿لَقَدْ جِثْنَكُم بِالْحَقِّ﴾ أي: بيناه لكم ووضحناه وفسرناه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَرِهُونَ﴾ أي: ولكن كانت سجاياكم لا تقبله ولا تقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه، وتصد عن الحق وتأباه وتبغض أهله، فعودوا على أنفسكم بالملامة. واندموا حيث لا تنفعكم الندامة، ثم قال تبارك ٧٩ وتعالى: ﴿أَمْ أَثْرَهُوْ أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (١) سنده ضعيف لأن الأعمش لم يسمع من أبي صالح (المراسيل لابن أبي حاتم ص٧٢) وأبو بكر بن عياش في حفظه مقال. (٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾ [الزخرف: ٧٧] ح ٤٨١٩). (٣) أخرجه الثوري والطبري والحاكم (المستدرك ٤٤٨/٢) كلهم من طريق عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. ٥٨٧ • سُورَةِ الحرف (٨١، ٨٩) قال مجاهد: أرادوا كيد شر، فكدناهم(١)، وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ [النمل] وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم الله تعالى وردًّ وبال ذلك عليهم، ولهذا قال: ﴿أَمَ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنُهُمْ﴾ أي: سرهم وعلانيتهم ﴿بَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ﴾ أي: نحن نعلم ما هم عليه والملائكة أيضاً يكتبون أعمالهم صغيرها وكبيرها . سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا 2- ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ وَهُوَ اُلَّذِى فِى السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي يَصِفُونَ ﴿٨ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَعُ الَّذِى يُوعَدُونَ (٣) اَلْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿ وَتَبَارَكَ الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فَاصْفَحْ M وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿ وَقِيلِهِ، يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ (٨٩) عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ يقول تعالى: ﴿قُلّ﴾ يا محمد ﴿إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ أي: لو فرض هذا لعبدته على ذلك؛ لأني عبد من عبيده مطيع لجميع ما يأمرني به ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض هذا لكان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضاً كما قال تعالى: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ ﴾﴾ [الزمر] وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَِدِينَ﴾ أي: الآنفين، ومنهم سفيان الثوري والبخاري(٢)، حكاه فقال: ويقال: أول العابدين الجاحدين من عَبِد يعْبَد(٣)، وذكر ابن جرير لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، حدثني ابن أبي ذئب، عن [ابن قسيط] (٤)، عن بَعَجة بن زيد الجهني أن امرأة منهم دخلت على زوجها وهو رجل منهم أيضاً، فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان ظُبه، فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب ◌َظُه فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلْهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وقال: ﴿وَفِصَلُ فِى عَمَيْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] قال: فواللهِ ما عَبِد عثمان رَظُ أن بعث إليها تُرَدُّ، قال يونس: قال ابن وهب: عبد استنكف(٥). وقال الشاعر(٦): (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) حكاه البخاري بلفظه: (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَنَادَوْاْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾ [الزخرف: ٧٧] بعد حديث رقم ٤٨١٩). (٣) وضحَّه الطبري بقوله: ووجهوا معنى ((العابدين)) إلى المنكرين الآبين، من قول العرب: قد عَبِد فلانٌ من هذا الأمر، إذا أنِف منه وغضب وأباه، فهو يعْبَدُ عَبَداً . (٤) كذا في تفسير الطبري وهو يزيد بن عبد الله بن قسيط (التقريب ص٦٠٢) وفي الأصل: ((أبي قسيط)). (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة (التقريب ص٤٩٣). (٦) هو المرقّش الأصغر كما في الشعر والشعراء ٣١٥/١. ٥٨٨ سُورَةُ العزف (٨١، ٨٩) ويعْبَد عليه لا محالة ظالما (١) متى ما يشأ ذو الودِّ يصْرمْ خليله وهذا القول فيه نظر؛ لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقديره: إن كان هذا فأنا ممتنع منه؟ هذا فيه نظر فليتأمل اللَّهم إلا أن يقال: أن إنْ ليس شرطاً وإنما هي نافية، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن كَانَ لِلَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ يقول: لم يكن للرحمن ولد، فأنا أول الشاهدين(٢). وقال قتادة: هي كلمة من كلام العرب ﴿إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ أي: إن ذلك لم (٣) يكن فلا ينبغي وقال أبو صخر: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَُّ اَلْعَبِدِينَ ﴾﴾ أي: فأنا أول من عبده بأن لا ولد له، وأول من وحده. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٤). وقال مجاهد: ﴿فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ﴾ أي: أول من عبده ووحده وكذبكم(٥). وقال البخاري: ﴿فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَِدِينَ﴾ الآنفين وهما لغتان رجل عابد وعَبِد(٦)، والأول أقرب على أنه شرط وجزاء ولكن هو ممتنع. وقال السدي: ﴿قُلّ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَنَأْ أَوَّلُ الْعَبِدِينَ ﴾﴾ يقول: لو كان له ولد كنت أول من عبده بأن له ولداً ولكن لا ولد له (٧)، وهو اختيار ابن جرير، وردّ قول من زعم أن إنْ نافية. ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له ولا كفء له فلا ولد له. وقوله تعالى: ﴿فَذَرّهُمّ يَخُوضُواْ﴾ أي: في جهلهم وضلالهم ﴿وَيَلْعَبُواْ﴾ في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَعُمُ الَّذِى يُوعَدُونَ﴾ وهو يوم القيامة؛ أي: فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم ومآلهم وحالهم في ذلك اليوم. قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِ الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي: هو إله من في السماء وإله من في الأرض يعبده أهلها وكلهم خاضعون له أذلاء بين يديه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾ [الأنعام] أي: هو المدعو الله فى السموات والأرض. ﴿وَتَبَارَكَ اَلَّذِىِ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: هو خالقها ومالكها، والمتصرف فيها بلا مدافعة ولا ممانعة، فسبحانه وتعالى عن الولد وتبارك؛ أي: استقر له السلامة من العيوب والنقائص؛ لأنه الرب العلي العظيم المالك للأشياء الذي بيده أزمة الأمور نقضاً وإبراماً. ﴿وَعِنْدَمُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: لا يجليها لوقتها إلا هو ﴿وَإِلَيْهِ نُرْجَعُونَ﴾ أي: فيجازي كلاً بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر. (١) الشاهد فيه: ويعْبَد، وقد استشهد به الطبري. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بمعناه. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) حكاه البخاري (الصحيح، التفسير، سورة الزخرف بعد حديث رقم ٤٨١٩). (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٥٨٩ • سُورَّةُ الزّزُونَ (٨١، ٨٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأوثان ﴿الشَّفَعَةَ﴾ أي: لا يقدرون على الشفاعة لهم ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ هذا استثناء منقطع؛ أي: لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له. ثم قال: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره ﴿مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئاً ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل. ولهذا قال تعالى: ﴿فَّى يُؤْفَّكُونَ﴾ . وقوله: ﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ (٨)﴾ أي: وقال محمد بَّهه قيله؛ أي: شكا إلى ربه شكواه من قومه الذين كذبوه فقال: يا ربِّ إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا (٣٥)﴾ [الفرقان] وهذا الذي قلناه هو قول ابن مسعود ظبه ومجاهد وقتادة(١)، وعليه فسر ابن جرير. قال البخاري: وقرأ عبد الله يعني ابن مسعود ربه: (وقال الرسول يا رب)(٢). وقال مجاهد في قوله: ﴿وَقِيلِهِ، يَرَبٍ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لَّا يُؤْمِنُونَ (٣)﴾ قال [فأبر الله](٣) قول محمد مَخ(٤). وقال قتادة: هو قول نبيكم وَله يشكو قومه إلى ربه ريين(٥). ثم حكى ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ﴾ قراءتين إحداهما النصب، ولها توجيهان: أحدهما: أنه معطوف على قوله تبارك وتعالى: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَنَهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]. والثاني: أن يقدر فعل وقال قيله، والثانية الخفض وقيله عطفاً على قوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ وتقديره: وعلم قيله(٦). وقوله تعالى: ﴿فَصْفَحَ عَهُمْ﴾ أي: المشركين ﴿وَقُلْ سَلَمْ﴾ أي: لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السيء، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلاً وقولاً: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد من الله تعالى لهم، ولهذا أحلّ بهم بأسه الذي لا يرد وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب. آخر تفسير سورة الزخرف، ولله الحمد والمنة. (١) قول مجاهد تقدم في الرواية السابقة، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه . (٢) أخرجه البخاري تعليقاً (الصحيح، التفسير، سورة الزخرف بعد حديث ٤٨١٩) ووصله الحافظ ابن حجر بسنده إلى علقمة عن ابن مسعود ظاه (تغليق التعليق ٣٠٨/٤). (٣) كذا في تفسير آدم بن أبي إياس والطبري عن مجاهد، وفي الأصل صحف إلى: ((ما يراه)). (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) تقدم قبل رواية البخاري. (٦) ذكره الطبري بمعناه. ٥٩٠ • سُوَرَّةُ الدُّخَانَ (١، ٨) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 JOD: سُورَةُ الدُّخَان وهي مكية قال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن عمر بن أبي خثعم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَيقول: ((من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك)) ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمر بن أبي خثعم يضعَّف، قال البخاري: منكر الحديث(١). ثم قال: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحباب، عن هشام أبي المقدام، عن الحسن، عن أبي هريرة ◌ُه قال: قال رسول الله وَيقول: ((من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة غفر له)) ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبو المقدام يُضعَّف، والحسن لم يسمع من أبي هريرة ته، كذا قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد(٢). وفي مسند البزار من رواية أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن زيد بن حارثة أن رسول الله وك ليه قال لابن صياد: ((إني قد خبأت خبأ فما هو؟)) وخبأ له رسول الله وَ لفيه سورة الدخان، فقال: هو الدخ. فقال: ((اخسأ ما شاء الله كان)) ثم انصرف(٣). بسم الله الرحمن الرحيم فِيَهَا يُفْرَقُ ﴿حَمّ ﴿ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٣) رَبِّ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴿ أَمْرًا مِنْ عِندِنَاْ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿ رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ )) السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاْ إِن كُنتُم ◌ُوقِنِينَ ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِىء وَيُمِيثٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ◌َابَآَبِكُمُ اُلْأَوَّلِينَ يقول تعالى مخبراً عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر كما قال تعالى: (١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ونقده (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل حم الدخان ح٢٨٨٨)، وسنده ضعيف لضعف عمر بن أبي خثعم، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢٤٨/١). (٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ونقده (المصدر السابق ح٢٨٨٩) وسنده ضعيف كما قرر الترمذي، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢٤٧/١). (٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٣٣٩٩)، وأخرجه الطبراني من طريق زياد بن الحسن بن الفرات عن أبي الطفيل (المعجم الكبير ٨٨/٥ ح ٤٦٦٦) وفي سنده زياد بن الحسن بن الفرات وهو صدوق يخطئ (التقريب ص٢١٩) ولد شاهد في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ثها سيأتي تخريجه في الآية (١٠) من هذه السورة الكريمة. ٥٩١ سُورَةُ الدُّخَانَ (٩، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ ج﴾ [القدر]، وكان ذلك في شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقد ذكرنا في الأحاديث الواردة في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة(١) فقد أبعد النجعة، فإن نصَّ القرآن أنها في رمضان، والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس قال: إن رسول الله وَليه قال: ((تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له وقد أخرج اسمه في الموتى)»(٢). فهو حديث مرسل ومثله لا يعارض به النصوص. وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ أي: معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعاً لتقوم حجة الله على عباده. وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾﴾ أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد من السلف(٣). وقوله: ﴿حَكِيمٍ﴾ أي: محكم لا يبدل ولا يغير، ولهذا قال: ﴿أَمْرًا مِنْ عِندِنًَ﴾ أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أي: إلى الناس رسولاً يتلو عليهم آيات الله مبينات فإن الحاجة كانت ماسة إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿رَحْمَةً مِّن زَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ رَبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَاً ﴾ أي: الذي أنزل القرآن هو رب السموات والأرض وخالقها ومالكها وما فيها ﴿إِن كُتُم ◌ُوقِنِينَ﴾ أي: إن كنتم متحققين ثم قال تعالى: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحِىءٌ وَيُمِنٌ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلّ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَآّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُتِءَ وَيُمِيثٌ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٨]. يَخْشَى النَّاسِّ هَذَا فَأَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ زَبََّا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴿﴿ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ﴿﴿ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَّةَ الْكُبْرَىَ إِنَّا تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُنُ (٣٦) إِنَّا كَشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَبِدُونَ مُنْتَقِمُونَ 2] ﴿بَلْ هُمْ فِ شَكٍ يَلْعَبُونَ يقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون؛ أي: قد جاءهم الحق اليقين وهم يشكون فيه ويمترون ولا يصدقون به، ثم قال تعالى متوعداً لهم ومهدداً: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مپینٍ قال سليمان بن مهران الأعمش: عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: دخلنا المسجد؛ يعني: مسجد الكوفة عند أبواب كندة، فإذا رجل يقص على أصحابه: ﴿يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ (١) أخرجه الطبري بسند فيه النضر بن إسماعيل البجلي ليس بالقوي. (٢) أخرجه الطبري من طريق آدم بن أبي إياس عن الليث به، وسنده ضعيف لإرساله. (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة عن أبي مالك، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٥٩٢ سُورَةُ الدُّخَانَ (٩، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ تدرون ما ذلك الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، قال: فأتينا ابن مسعود ظته، فذكرنا له ذلك وكان مضطجعاً، ففزع فقعد وقال: إن الله رَكْ قال لنبيكم وَّهِ: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَّ أَنَأْ مِنَ الُْكَلِّفِينَ ﴾﴾ [ص] إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم سأحدثكم عن ذلك، إن قريشاً لما أبطأت عن الإسلام واستعصت على رسول الله و ﴿ دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. قال الله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴿ يَغْشَى النَّاسَّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ فأتى رسول الله ﴿ فقيل: يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى وَلا لهم فسقوا فنزلت ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ الْعَذَابِ قَلِلًاْ إِنَّكُمْ عَلَيِدُونَ ﴾﴾ قال ابن مسعود ظُه: فيكشف عنهم العذاب يوم القيامة فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله ربك: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ قال: يعني يوم بدر، قال ابن مسعود ظُه: فقد مضى خمسة: الدخان اُلْكُبْرَىَ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ والروم والقمر والبطشة واللزام(١)، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين ورواه الإمام أحمد في مسنده، وهو عند الترمذي والنسائي في تفسيريهما، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة عن الأعمش به(٢)، وقد وافق ابن مسعود ظله على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مضى: جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي(٣)، وهو اختیار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد الرحمن الأعرج في قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِ السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ قال: كان يوم فتح مكة(٤)، وهذا القول غريب جداً بل منكر. وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد بل هو من أمارات الساعة كما تقدم من حديث أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري ظ به، قال: أشرف علينا رسول الله وَ﴿ من عرفة ونحن نتذاكر الساعة فقال : ((لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى ابن مريم والدجال وثلاث خسوف: خسف (١) أخرجه البخاري من طريق الأعمش به مختصراً على الشطر الأخير في سطر (الصحيح، التفسير، سورة الدخان، باب ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ح ٤٨٢٠)، وأخرجه مسلم من طريق أبي الضحى به كاملاً بنحوه (الصحيح، صفات المنافقين، باب الدخان ح٢٧٩٨). (٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الدخان (ح ٣٢٥٤)، والسنن الكبرى، التفسير (ح ١١٤٨١) وتفسير الطبري. (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن أبي العالية، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٤) سنده ضعيف لإرساله وما قيل في ابن لهيعة. ٥٩٣ • سُوَرَّةُ الدُّخَارِ (٩، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو تحشر الناس - تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا)). تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه(١)، وفي الصحيحين أن رسول الله وَ لاير قال لابن صياد: ((إني خبأت لك خبأ)) قال: هو الدخ، قال وَلجر: ((اخسأ فلن تعدو قدرك)) قال: وخبأ له رسول الله وَلهى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ بِدُخَانٍ قُبِينٍ ®﴾ وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد: كاشف على طريقة الكهان بلسان الجان، وهم يقرطمون العبارة، ولهذا قال هو الدخ؛ يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله ﴿ مادته وأنها شيطانية فقال ◌َله: ((اخسأ فلن تعدو قدرك))(٢). ثم قال ابن جرير: وحدثني عصام بن رواد بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن أبي سعيد الثوري، حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان نظّ لبه يقول: قال رسول الله صلى: ((إن أول الآيات الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان - قال حذيفة وه يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله وَّل هذه الآية ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴿ يَغْشَى النَّاسََّّ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴾ - يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من منخریه وأذنيه ودبره)). قال ابن جرير: لو صح هذا الحديث لكان فاصلاً وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني، حدثني أنه سأل رواداً عن هذا الحديث هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا، قال: فقلت: أقرأته عليه؟ قال: لا، قال: فقلت: أقرئ عليه وأنت حاضر فأقر به؟ فقال: لا، فقلت له: فمن أين جئت به؟ فقال: جاءني به قوم فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منا، فقرءوه عليَّ، ثم ذهبوا به فحدثوا به عني أو كما قال(٣)، وقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث ههنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابن جرير من سياقه في أماكن من هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جداً، ولا سيما في أول سورة بني إسرائيل في ذكر المسجد الأقصى، والله أعلم. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري وظ ◌ُبه قال: قال رسول الله وَلجر: ((إن ربكم أنذركم ثلاثاً: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة والثالثة الدجال))(٤). ورواه الطبراني عن هاشم بن (١) صحيح مسلم، الفتن، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (ح ٢٩٠١). (٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي؟ (ح ٣٠٥٥) وصحيح مسلم، الفتن، باب ذكر ابن صياد (ح ٢٩٣٠). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ونقده، وعليه فسنده ضعيف. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه. (التقريب ص٤٦٨) ولمعظمه شواهد تقدمت في الصحيحين. ٥٩٤ • سُوَدَّةُ اللَّخَانَ (٩، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 يزيد، عن محمد بن إسماعيل بن عياش به(١) وهذا إسناد جيد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خليل، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري ◌ُه، أن رسول الله وَلإر قال: ((يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه الزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه)). ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري ◌ُبه موقوفاً (٢)، وروى سعيد بن عوف، عن الحسن مثله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ◌َُّبه قال: لم تمض آية الدخان بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وتنفخ الكافر حتى ينفذ(٣). وروى ابن جرير من حديث الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن [البيلماني] (٤)، عن ابن عمر ﴿ه قال: يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ؛ أي: المشوي على الرضف(٥)(٦). ثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت. قلتُ: لِمَ؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت(٧). وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي يزيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس فذكره، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما التي أوردوها مما فيه مقنع، ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن. قال الله تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِ السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾﴾ أي: بين واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود ربه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَّ﴾ أي: يتغشاهم ويعمهم، ولو كان أمراً خيالياً يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه ﴿يَغْشَى النَّاسِّ﴾ . وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ (١) المعجم الكبير ٢٩٢/٣. (٢) سنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من أبي سعيد الخدري. (٣) سنده ضعيف لضعف الحارث وهو الهمداني الأعور وقد كذبه الشعبي كما في التقريب. (٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحف إلى: ((السلماني)). (٥) أي: الحجارة المحماة. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن البيلماني. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق ابن جريج به وصححه ووافقه الذهبي. (المستدرك ٤٥٩/٢). ٥٩٥ • سُؤَدَّةُ الدُّخَانَ (٩، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 هَذِهِ النَّارُ اَلَتِ كُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾﴾ [الطور] أو يقول بعضهم يُكَقُّونَ إِلَى نَارٍ جَهَنَّمَ دَقًّا ) لبعض ذلك. أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وقوله: ﴿رَبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (يَ)﴾ وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْنَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ ◌ِثَايَتِ ﴾ [الأنعام] وكذا قوله: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَيْنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّآ أَخِرِنَا إِلَى أَجَلٍ فَرِيبٍ تُجِبْ دَعَوَتَكَ وَتَّبِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالِ (﴿4﴾ [إبراهيم]. وهكذا قال ههنا: ﴿أَنَّ لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَمَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمُ تَجْنُونُ ®﴾ يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولاً بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه وما وافقوه بل كذبوه ﴿وَقَالُواْ مُعَلٌَّ تَجْنُونُ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَرُ الْإِنسَنُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ الآية [الفجر: ٢٣] وكقوله رَى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ فَزِعُواْ فَلَ فَوْنَ وَأَخِذُواْ مِن ◌َكَانٍ قَيِدٍ وَقَالُوَاْ ءَمَنَّا بِهِ وَّى لَمُ التَّنَاؤُثُ مِنْ تَكَانٍ بَعِيدٍ ﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبٍ ٥١ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْبَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَهُمْ كَانُواْ فِ شَكٍّ ◌ُرِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ (٥) (@)﴾ [سبأ]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوْ اَلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمُ عَبِدُونَ (٣)﴾ يحتمل معنيين: (أحدهما): أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى: ﴿﴿ وَلَوْ رَمْنَهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍ لَّلَجُواْ فِي ◌ُغْيَنِهِمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. (٧٥)﴾ [المؤمنون] وكقوله: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ يَعْمَهُونَ و(الثاني): أن يكون المراد إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلاً بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم كقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَقْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِيِ فِ اُلْحَيَوْقِ الدُّنْيَا وَمَثَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضاً أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى إخباراً عن شعيب ◌ِلَّا أنه قال لقومه حين قالوا: ﴿لَنُخْرِجَتَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِ مِلَّتِنَاً قَالَ أَوْلَوْ كُنَّا كَرِهِينَ ﴿ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَنَّنَا اللّهُ مِنْهًا﴾ [الأعراف: ٨٨، ٨٩] وشعيب لعلَّ* لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم. وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله(١). وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ اَلْبَطْشَةَ الْكُبْرَّ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾﴾﴾ فسر ذلك ابن مسعود قاله بیوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدخان بما تقدم(٢)، وروي أيضاً عن ابن عباس من رواية العوفي عنه وعن أبي بن كعب، وهو محتمل، والظاهر أن ذلك يوم القيامة وإن كان يوم بدر يوم بطشة أيضاً. (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٢) تقدم تخريجه في أول تفسير هذه الآيات المفسّرة. ٥٩٦ سُورَّةُ الدُّخَانِ (١٧، ٣٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال ابن جرير: حدثني ابن علية، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة(١)، وهذا إسناد صحيح عنه وبه يقول الحسن البصري وعكرمة في أصح الروايتين عنه(٢). ) أَنْ أَذُواْ إِلَ عِبَادَ اللَّهِ إِ لَ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولُ كَرِيمُ ( وَإِنِ عُذْتُ بِرَبِى وَرَبِّكُنْ أَنْ تَجُونِ رَسُولُ أَمِينٌ ﴿ وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ ءَاتِيَكُم بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ٢٠ (٢٣) فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَّيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَإِن ◌َّزْ نُؤْمِنُواْ لِى فَاكْتَرُونِ ﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَتُؤُلَاءٍ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ وَنَعْمَتِ وَأَتْرُكِ اَلْبَحْرَ رَهْوًّا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿ وَزُرُوعِ وَمَفَاءٍ كَرِيمٍ (٣) كَانُواْ فِيَهَا فَكِينَ ﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَتِهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ وَلَقَدِ ﴿ مِن فِرْعَوْن ◌ِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدْ نَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنَ اُلْعَذَابِ اٌلْمُهِينِ ٢٩٦ وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ مَا فِيهِ بَلَا شُبِرُ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ يقول تعالى: ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون وهم قبط مصر ﴿وَجَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمُ﴾ يعني: موسى كليمه عليه الصلاة والسلام ﴿أَنْ أَذُواْ إِلَ عِبَادَ اللَّهِ﴾ كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرََّيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ جِثْنَكَ بِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكْ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنِ أَتَّبَعَ الْمُدَكَ﴾ [طه: ٤٧]. وقوله: ﴿إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ﴾ أي: مأمون على ما أبلغكموه. وقوله: ﴿وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا تستكبروا عن اتباع آياته والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. ﴿إِنّ ◌َاتِيْكُم بِسُلْطَانِ تُبِينٍ﴾ أي: بحجة ظاهرة واضحة وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والأدلة القاطعات. ﴿وَإِي عُذْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُونِ (٣)﴾ قال ابن عباس وأبو صالح: هو الرجم باللسان(٣) وهو الشتم . وقال قتادة: الرجم بالحجارة(٤) أي: أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم من أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل. ﴿وَإِن لَّْ نُؤْمِنُواْ لِ قَأْثَرُونِ ﴾﴾ أي: فلا تتعرضوا لي ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا، فلما طال مقامه وال﴿ بين أظهرهم وأقام حجج الله تعالى عليهم. كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفراً وعناداً، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاً إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّمُ زِينَةٌ وَأَمْوَا فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لُِضِلُواْ عَن سَبِيلِكُ رَبَّنَا أَلْمِسْ عَّ أَمْوَلِهِمْ (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن البصري. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٥٩٧ • سُورَّةُ الدُّخَانَ (١٧، ٣٣) 9000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَأَسْتَقِيمًا﴾ [يونس: ٨٨، M وَأَشْدُدْ عَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَّى يَرَوْ اْلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ٨٩] وهكذا قال ههنا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءٍ قَوْمٌ تُجْرِمُونَ (1) فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه ولهذا قال: ﴿فَسَرِ بِعِبَادِى لَيّلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَمْ طَرِيقًا فِىِ الْبَحْرِ يَسًا لَّا تَخَفُ دَرَّكَا وَلَا تَخْشَى (َ﴾ [طه]. وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام وقوله ههنا: ﴿وَآَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلاً بينهم وبين فرعون فلا يصل إليهم، فأمره الله تعالى أن يتركه على حاله ساكناً وبشره بأنهم جند مغرقون فيه وأنه لا يخاف دركاً ولا يخشى. وقال ابن عباس: ﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّا﴾ كهيئته وامضه(١). وقال مجاهد: رهواً طريقاً يبساً كهيئته(٢). يقول: لا تأمره يرجع اتركه حتى يرجع آخرهم، وكذا قال عكرمة والربيع بن أنس والضحاك وقتادة وابن زيد، وكعب الأحبار وسماك بن حرب وغير واحد(٣). ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِنْ جَنَّتٍ﴾ وهي البساتين ﴿وَعُونٍ وَزُرُوِعٌ﴾ والمراد بها الأنهار ٣٢٥ والآبار ﴿وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ﴾ وهي المساكن الأنيقة والأماكن الحسنة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ المنابر(٤) . وقال ابن لهيعة: عن وهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال: نيل مصر سيد الأنهار سخر الله تعالى له كل نهر بين المشرق والمغرب وذلله له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله تبارك وتعالى له الأرض عيوناً، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله جل وعلا أوحى الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره(٥). وقال في قول الله تعالى: ﴿كَمْ تَرَّكُوْ(٦) مِن جَّتٍ وَعُونِ (٢٥) وَزُرُوِعْ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ (٨َ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيَهَا فَكِهِينَ قال: كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعاً، ما بين أسوان إلى رشيد، وكان له تسع خُلُج: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما بين الجبلين (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((سمتاً)). اهـ. أي: طريقاً. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) قول عكرمة وسماك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق شعبة عن سماك عن عكرمة، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. (٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق إسماعيل بن أمية عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند جيد من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. (٥) في سنده عبد الله بن وهب فيه مقال وفيه تدليس لم يقبل إلا إذا صرح بالسماع وقد عنعنه. (٦) في الأصل و(مح) و(حم): بلفظ: ((فأخرجناهم)). اهـ. وهو خلط مع سورة الشعراء آية ٥٧. ٥٩٨ • سُوَدَّةُ اللَّخَانَ (١٧، ٣٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعاً لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها(١). ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيَهَا فَكِهِينَ (3)﴾ أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية (٩)﴾ [الشعراء]. وقال والممالك القبطية بنو إسرائيل كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَهَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ في موضع آخر: ﴿وَأَوْرَتْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَكَرِبَهَا الَِّى بَرَّكْنَا فِيَهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَفِّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (g)﴾ [الأعراف]. وقال ههنا: ﴿ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴾﴾ وهم بنو إسرائيل كما تقدم. وقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني يزيد الرقاشي، حدثني أنس بن مالك ظه، عن النبي وَليه قال: ((ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه)). وتلا هذه الآية ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملاً صالحاً يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم(٢). ورواه ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي(٣). وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن طلحة، حدثني عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله وسلم: ((إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ. ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض)) ثم قرأ رسول الله وَّهِ ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَّهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ثم قال: ((إنهما لا يبكيان على الكافر»(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري، حدثنا العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل علياً به هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من قبلك، إنه ليس من (١) الخبر تتمة لسابقه. (٢) مسند أبي يعلى ٧/ ١٦٠ وسنده ضعيف لضعف موسى والرقاشي. (٣) سنده كسابقه. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله، ومطلعه له شواهد صحيحة. ٥٩٩ سُورَةُ الدُّحَّان (١٧، ٣٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عبد إلا له مصلى في الأرض ومصعد عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ في الأرض ولا عمل يصعد في السماء ثم قرأ علي مُنْظَرِينَ ﴾﴾(١). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريم، حدثنا طلق بن [غنام](٢)، عن زائدة، عن منصور، عن منهال، عن سعيد بن جبير قال: أتى ابن عباس رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت قول الله تعالى: فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنَظَرِينَ لِّ نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ففقده بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض(٣)، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا(٤). وقال سفيان الثوري: عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحاً(٥)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد، وقال مجاهد أيضاً: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً (٦)، قال: قلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟ وقال قتادة: كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض(٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد السلام بن عاصم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا المستورد بن سابق، عن عبيد المكتب، عن إبراهيم قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين، قلت لعبيد: أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه حيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء السماء؟ قلت: لا. قال: تحمر وتصير وردة كالدهان، إن يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام لما قتل احمرت السماء وقطرت دماً، وإن الحسين بن علي لما قتل احمرت السماء(٨). وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو زنيج، حدثنا جرير، عن يزيد بن احمرت آفاق السماء أربعة أشهر، قال يزيد: أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي (١) سنده ضعيف لضعف عباد بن عبد الله وهو الأسدي الكوفي (التقريب ص٢٩٠). (٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: ((غشام)). (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق الفضيل بن عياض عن منصور به . (٤) أخرجه الطبري من طريق العوفي به وسنده ضعيف ويتقوى بسابقه. (٥) سنده ضعيف لأن أبا يحيى القتات لين الحديث (التقريب ص٦٨٤). (٦) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات من طريق منصور عن مجاهد لكنه مرسل. (٧) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد والطبري. (٨) سنده ضعيف لإرسال إبراهيم. ٦٠٠ • سُوَرَّةُ الدُّخَّانِ (١٧، ٣٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 واحمرارها: بكاؤها (١)، وهكذا قال السدي الكبير(٢)، وقال عطاء الخراساني: بكاؤها أن تحمر أطرافها(٣). وذكروا أيضاً في مقتل الحسين أنه ما قلب حجر يومئذٍ إلا وجد تحته دم عبيط، وأنه كسفت الشمس واحمر الأفق وسقطت حجارة، وفي كل من ذلك نظر، والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين ظُه ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء من ذلك، وعثمان بن عفان قتل محصوراً مظلوماً ولم يكن شيء من ذلك. وعمر بن الخطاب ربه قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله (چ، وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة، يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم ابن النبي ◌َّ خسفت الشمس فقال الناس: خسفت لموت إبراهيم! فصلى بهم رسول الله وَل و صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته (٤). وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ نَّنَا بَنِىّ إِسْرَِّيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٥َ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ يمتن عليهم تعالى بذلك حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله لهم، اُلْمُسْرِفِينَ (®)﴾ وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة. وقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنٌ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾ أي: مستكبراً جباراً عنيداً كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي اُلْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] وقوله: ﴿فَأُسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦] من المسرفين؛ أي: مسرفاً في أمره سخيف الرأي على نفسه. وقوله: ﴿وَلَقَدٍ أُخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ (٣)﴾ قال مجاهد: ﴿أَخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ على من هم بين ظهریه(٥). وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك، وكان يقال: إن لكل زمان عالماً(٦)، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَمُوسَى إِى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: أهل زمانه ذلك كقوله لمريم ◌َ ◌ّ: ﴿وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] أي: في زمنها فإن خديجة ◌َّ إما أفضل منها أو مساوية لها في الفضل، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وقوله: ﴿وَءَانَيْنَهُم مِّنَ الْآَيَتِ﴾ أي: الحجج والبراهين وخوارق العادات ﴿مَا فِيهِ بَلَوَّأْ مُِّينٌ﴾ أي: اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به. (١) سنده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد (التقريب ص٦٠١). (٢) أخرجه الطبري روايته لهذا المتن غير مقبولة لأن السدي يتشيع. (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء، وسنده ضعيف لإرسال عطاء. (٤) أخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة ظراته. (صحيح البخاري، الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس ح ١٠٤٣) وصحيح مسلم، الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف (ح٩١٥). (٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.