النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ سُورَةُ الشِورَى (٤٧، ٤٨) قال مجاهد: يعني ذليل(١)؛ أي: ينظرون إليها مسارقة خوفاً منها والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ ءَامَنُّوْ﴾ أي: يقولون يوم القيامة ﴿إِنَّ الْخَسِرِينَ﴾ أي: الخسار الأكبر ﴿الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ أي: ذهب بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد وخسروا أنفسهم، وفرق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم وأهاليهم وقراباتهم فخسروهم ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ أي: دائم سرمدي أبدي لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اَللَّهُ فَا لَهُم مِن سَبِيلٍ﴾ أي: ليس له خلاص. ] ﴿أُسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ الَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجٍَ يَوْمَيِذٍ وَمَا لَكُمْ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًّاً إِنْ عَلَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا مِن نَکیرٍ ﴾ (٤٨) رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَمَتْ أَبْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ لما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة، حذر منه وأمر بالاستعداد له، فقال: ﴿أُسْتَجِبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: إذا أمر بکونه فإنه کلمح البصر یکون، وليس له دافع ولا مانع. وقوله: ﴿مَا لَكُم مِّن مَّلْجَمٍ يَوْمَيٍِ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾ أي: ليس لكم حصن تتحصنون فيه ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه فتغيبون عن بصره تبارك وتعالى، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته، فلا ملجأ منه إلا إليه ﴿يَقُولُ الْإِسَنُ يَوْمٍَ أَيْنَ اَلْغَرُّ ﴿ كَلَّا لَا وَزَرَ ﴿ إِلَى رَبِكَ يَذٍ الْمُنَفَرُّ [القيامة] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ﴾ يعني: المشركين ﴿فَمَّ أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لست عليهم بمسيطر، وقال رَّ: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَدَّةُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنََّا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا اَلْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال تعالى: [ههنا](٢): ﴿إِنْ عَلَيَّكَ إِلَّا الْبَلَغُ﴾ أي: إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةٌ فَرَحَ بِهَا﴾ أي: إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾ يعني: الناس ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب وبلاء وشدة ﴿فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ أي: يجحد ما تقدم من النعم ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط، كان قال رسول الله وَ ل﴿ للنساء: ((يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار)) فقالت امرأة: ولم يَا رسول الله؟ فقال ◌َله: ((لأنكن تُكثرن الشكاية وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يوماً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط))(٣) وهذا حال أكثر النساء، إلا من هداها الله تعالى وألهمها رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال له: ((إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) زيادة من (حم) و(مح). (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٨٢. ٥٦٢ سُورَة الشورى (٤٩، ٥٣) · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن))(١) . ﴿ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَنْ كَشَآءُ إِنَثًا وَبَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَشْشَاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمَاْ إِنَّهُ عَلِيمٌ فَدِيرٌ ﴾﴾. يخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثًا﴾ أي: يرزقه البنات فقط. قال البغوي: ومنهم لوط عليه الصلاة والسلام(٢). ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾ أي: يرزقه البنين فقط، قال البغوي: كإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لم يولد له أنثى(٣) . ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَثَآ﴾ أي: يعطي لمن يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى؛ أي: هذا وهذا . قال البغوي: كمحمد ويلي (٤). ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا﴾ أي: لا يولد له. قال البغوي: كيحيى وعيسى ◌َلِسَّلاَةَ(٥) فجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكوراً وإناثاً، ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيماً لا نسل له ولا ولد له. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام ﴿قَدِيرٌ﴾ أي: على من يشاء من تفاوت الناس في ذلك، وهذا المقام شبيه بقوله تبارك وتعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] أي: دلالة على قدرته تعالى وتقدس حيث خلق الخلق على أربعة أقسام، فآدم عليه الصلاة والسلام مخلوق من تراب لا من ذكر وأنثى، وحواء لا مخلوقة من ذكر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى علم من ذكر وأنثى، وعيسى ظلَّلا من أنثى بلا ذكر، فتمت الدلالة بخلق عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ﴾ فهذا المقام في الآباء، والمقام الأول في الأبناء، وكل منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير. وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوجِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِىّ حَكِيمٌ ﴾ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا اُلْكِنَبُ وَلَا اُلْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْتَهُ نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿٥ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيُ اَلْأُمُورُ (﴾﴾﴾ . هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جناب الله رم، وهو أنه تعالى تارة يقذف في روع النبي وَلـ (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٥٣. (٣) ذكره البغوي (المصدر السابق). (٥) ذكره البغوي بنحوه (المصدر السابق) (٢) ذكره البغوي بنحوه (معالم التنزيل ١٣٢/٤). (٤) ذكره البغوي بنحوه (المصدر السابق). ٥٦٣ سُورَةُ الشُِّورَى (٥٣،٥١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 شيئاً لا يتمارى فيه أنه من الله رقم، كما جاء في صحيح ابن حبان، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لم تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب))(١) . وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِن وَرَآبٍ حَادٍ﴾ كما كلَّم موسى عليه الصلاة والسلام، فإنه سأل الرؤية بعد التکلیم فحجب عنها . وفي الصحيح أن رسول الله وَلو قال لجابر بن عبد الله ظؤُها: ((ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً)(٢) كذا جاء في الحديث، وكان قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا. وقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ كما ينزل جبريل عليه الصلاة والسلام وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿إِنَّهُ عَلِىّ حَكِيمٌ﴾ فهو علي عليم خبير حكيم. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ يعني: القرآن ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَبُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي: على التفصيل الذي شرع لك في القرآن ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ﴾ أي: القرآن ﴿نُورًا تَهْدِى بِهِ، مَن ◌َّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَ أُوْلَكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ﴾ أي: يا محمد ﴿لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الخلق القويم، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿صِرَّطِ اللَّهِ﴾ أي: وشرعه الذي أمر به الله ﴿الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِّ﴾ أي: ربهما ومالكهما والمتصرف فيهما والحاكم الذي لا معقب لحكمه ﴿أَلَاّ إِلَى الَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي: ترجع الأمور فيفصلها ويحكم فيها [مَ عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً](٣) . آخر تفسير سورة الشورى. والحمد لله رب العالمين. (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٧. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٦٩ وليس في الصحيح. (٣) زيادة من (مح). ٥٦٤ سُورَةُ الزّخزف (١، ٨) POD 47 00000 سُورَةُ الرَّحْفُ وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم وَإِنَّهُ فِيَ أُمِّ ﴿حَمْ ﴾ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ إِنَّا جَعَلَنَهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( وَكَمْ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ ﴿﴿ أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ وَمَا يَأْنِهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا أَرْسَلْنَا مِن نَّبِّ فِىِ الْأَوَِّينَ وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ أي: البيِّن الواضح الجلي المعاني والألفاظ؛ وَاَلْكِتَبِ اَلْهُبِينِ يقول تعالى: ﴿حمّ لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَنَهُ﴾ أي: أنزلناه ﴿قُزْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: بلغة العرب فصيحاً واضحاً ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمونه وتتدبرونه، کما قال: ﴿پِلِسَانٍ عَرٍ مُبِیٍ (D)﴾ [الشعراء]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِيَّ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ ﴾﴾ بيّن شرفه في الملأ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿فِيَّ أُمِّ الْكِتَبِ﴾ أي: اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس ومجاهد(١): ﴿لَدَيْنَا﴾ أي: عندنا، قاله قتادة وغيره(٢) ﴿لَعَلِىُّ﴾ أي: ذو مكانة وشرف وفضل قاله قتادة(٣). ﴿حَكِيمُ﴾ أي: محكم بريء من اللبس والزيغ. وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِمُ (٨٧) فِ كِنَبٍ مَّكْنُونِ (٨) لَّا يَمَشُّهُ إِلَّ الْمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنْزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ٨٠ [الواقعة] وقال تعالى: ﴿كَلَّ إِنََّ نَذْكِرَةٌ ﴾ فَنْ شَآءَ ذَكَرُ (١) فِ سُحُفٍ مُكَرََّةِ ﴿٣ ◌َرْفُوعَةِ مُطَهَّرَمِ (٣)﴾ [عبس] ولهذا استنبط العلماء رحمهم الله من هاتين الآيتين أن كِرَامِ بَدَقَ بِأَيْدِى سَفَرَةِ (®) المحدث لا يمس المصحف كما ورد به الحديث (٤) إن صح؛ لأن الملائكة يعظمون المصاحف (١) نسبه السيوطي إلى ابن مردويه من طريق طاوس عن ابن عباس، وأخرجه بمعناه الطبري بسند صحيح من طريق عروة بن عامر عن ابن عباس . (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٣) الأثر تتمه لسابقه. (٤) الحديث هو ما ورد في كتاب رسول الله ﴿ لعمرو بن حزم إلى أهل اليمن وفيه: ((أن لا يمس القرآن إلا طاهر)) أخرجه الدارمي (السنن، الطلاق، باب لا طلاق قبل نكاح ١٦١/٢)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٨/ ١٨٠ ح٦٥٢٥) وسنده حسن وله شواهد تؤكد ثبوته. ٥٦٥ • سُوْدَةُ الرَّحْرُونَ (٨،١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى؛ لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَُّ فِيَّ أُمِّ الْكِتَبِ لَدَيْنَا لَعَلِىُّ حَكِيمُ (ج)﴾. وقوله: ﴿أَفَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِنَ ﴾﴾ اختلف المفسرون في معناها : فقيل: معناها: أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به، قاله ابن عباس وأبو صالح ومجاهد والسدي واختاره ابن جرير(١). وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾؟: والله لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاه إليهم عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك(٢)، وقول قتادة لطيف المعنى جداً، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه بل أمر به ليهتدي به من قدر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته. ثم قال تعالى مسلياً لنبيه وَ ﴿ في تكذيب من كذبه من قومه وآمراً له بالصبر عليهم: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن ◌َّبِّ فِ اٌلْأَوَّلِينَ ﴾﴾ أي: في شيع الأولين ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّن نَّبِيّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴾ أي: يكذبونه ويسخرون به. وقوله: ﴿فَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشاً من هؤلاء المكذبين لك يا محمد، كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِ اَلْأَرْضِ فَيَنَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر: ٨٢] والآيات في ذلك كثيرة جداً. وقوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ اُلْأَوَّلِينَ﴾ قال مجاهد: سنتهم(٣) . وقال قتادة: عقوبتهم". وقال غيرهما: عبرتهم؛ أي: جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ٥٦ [الزخرف] وكقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِى قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِ﴾﴾ [غافر: ٨٥] وقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بالآثار التالية فقد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه أيضاً الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح، وأخرجه أيضاً الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كما في تغليق التعليق (٣٠٩/٤) كلاهما بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٥٦٦ سُورَة الحرف (٩، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَلَيِنِ سَأَلْنَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿ وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْئًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴿﴿ وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُ مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَرَكَبُونَ ـَ ﴿ لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أُسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا ١٤ وَإِنَّ إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (٣) يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله، العابدين معه غيره ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي: ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ أي: فراشاً قراراً ثابتة تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتنصرفون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: طرقاً بين الجبال والأودية ﴿لَّمَّلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم. ﴿وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَْ بِقَدَرٍ﴾ أي: بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم. وقوله: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا﴾ أي: أرضاً ميتة، فلما جاءهم الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ثم نبه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها، فقال: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِى خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا﴾ أي: مما تنبت الأرض من سائر الأصناف من نبات وزروع وثمار وأزاهير وغير ذلك، ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّنَ الْفُلْكِ﴾ أي: السفن ﴿ وَالْأَنْعَمِ مَا تَكَبُونَ﴾ أي: ذللها لكم وسخرها ويسرها لأكلكم لحومها وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها، ولهذا قال: ﴿لِتَسْتَوُاْ عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: لتستووا متمكنين مرتفعين ﴿عَ ظُهُورِهِ﴾ أي: على ظهور هذا الجنس ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما سخر لكم ﴿إِذَا أُسْتَوَيُّمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مقاومين، ولولا تسخير الله لنا هذا ما قدرنا عليه. قال ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد: مقرنين؛ أي: مطيقين (١)، ﴿وَإِنّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقِلُونَ (٤) أي: لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَرِشًا وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه آدم والطبري أيضاً بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضاً بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد. ٥٦٧ سُورَةُ الرّحْرُّف (٩، ١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة: حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة، قال: رأيت علياً ﴿به أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما وَإِنَّا إِلَى رَيْنَ استوى عليها قال: الحمد لله ﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (5) لَمُنْقَلِبُونَ ﴾﴾ ثم حمد الله تعالى ثلاثاً وكبر ثلاثاً، ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ثم ضحك، فقلت له: مم ضحكت يا أمير المؤمين؟ فقال له: رأيت رسول الله (18 فعل مثلما فعلت ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال ◌َله: ((يعجب الربُّ تبارك وتعالى من عبده إذا قال ربِّ اغفر لي، ويقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري)»(١). وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي الأحوص، زاد النسائي ومنصور عن أبي إسحاق السبيعي، عن علي بن ربيعة الأسدي الوالبي به. وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة: قلت لأبي إسحاق السبيعي: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من يونس بن خباب، فلقيت يونس بن خباب فقلت: ممن سمعته؟ فقال: من رجل سمعه من علي بن ربيعة، ورواه بعضهم عن يونس بن خباب، عن شقيق بن عقبة الأسدي، عن علي بن ربيعة الوالبي به(٢). حديث عبد الله بن عباس قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الله بن عباس، قال: إن رسول الله وَر أردفه على دابته، فلما استوى عليها كبر رسول الله وَلـ ثلاثاً، وحمد ثلاثاً، وهلَّل واحدة، ثم استلقى عليه وضحك، ثم أقبل عليه فقال: ((ما من امرئ مسلم يركب فيصنع كما صنعت، إلا أقبل الله رَ عليه، فضحك إليه كما ضحكت إليك))(٣) تفرد به أحمد. حديث عبد الله بن عمر قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله البارقي، عن عبد الله بن عمر ظريها قال: إن النبي ◌َّ و كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثاً ثم قال: ((سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم يقول: اللَّهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللَّهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد، اللَّهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا واخلفنا في (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٨/٢ ح٧٥٣) وقال محققوه: حسن لغيره. (٢) سنن أبي داود - الجهاد - باب ما يقول الرجل إذا ركب (ح٢٦٠٢)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما جاء ما يقول إذا ركب دابة (ح٣٤٤٦) والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة (ح ٨٨٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٢٦٧). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٦/٥ ح٣٠٥٧) وضعف سنده محققوه. ٥٦٨ سُورَةُ الرّحزو (٢٠،١٥) أهلنا)). وكان ◌َ ﴿ إذا رجع إلى أهله قال: ((آيبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون))(١). وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج، والترمذي من حديث حماد بن سلمة، كلاهما عن أبي الزبير به(٢). حديث آخر قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان، عن أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله وَّر على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه، فقال ◌َله: ((ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله (ملك))(٣). أبو لاس اسمه: محمد بن الأسود بن خلف. حديث آخر في معناه. قال أحمد: حدثنا عتاب، أخبرنا عبد الله، وعلي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، أخبرنا أسامة بن زيد، أخبرني محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله واله يقول: ((على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسموا الله لك ثم لا تقصروا عن حاجاتكم)) (٤). ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينُ ﴿ أَمِ أَمَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ يِلْبَنِينَ ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا وَهُوَ كَظِيمُ ( أَوَمَن يُنَشَؤُأ فِى الْعِلْيَةِ وَهُوَ فِىِ الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَّا وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمَّ مَا لَهُم بِذَالِكَ مِنْ عِلَّمٌ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَنُهُمْ وَيُسْئَلُونَ إِنّ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يقول تعالى مخبراً عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها لله تعالى، كما ذكر الله عنهم في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَِّ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ اَلْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَِّ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَِّنَا فَمَا كَانَ لِتُّرَكَبِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَبِهِمَّ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ (٣)﴾ [الأنعام] وكذلك جعلوا له في قسمى البنات والبنين أخسهما وأردأهما وهو البنات، كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْقَ ٨ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى (٣)﴾ [النجم] وقال لههنا: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَنَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ ﴾﴾ ثم قال: ﴿أَمِ أَّخَذَ مِمَا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَنَكُمْ يِلْبَنِينَ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٤/٢) وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره (ح ١٣٤٢) وسنن أبي داود، الجهاد، باب ما يقول الرجل إذا سافر (ح٢٥٩٩)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما يقول إذا ركب (ح٣٤٤٧)، والسنن الکبری (ح ١٠٣٨٢). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥٨/٢٩ ح١٧٩٣٨) وحسن سنده محققوه لأن ابن إسحاق صرح بالسماع في الرواية التي تلي هذه المذكورة (ح١٧٩٣٩). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢٦/٢٥ ح ١٦٠٣٩) وحسن سنده محققوه. ٥٦٩ • سُورَةُ الزّزُونَ (٢٠،١٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثم ذكر تمام الإنكار، فقال: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلَا ظَلَ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمُ ﴾﴾ أي: إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء ما بشر به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك، يقول تبارك وتعالى: فكيف تأنفون من ذلك وتنسبونه إلى الله رَك؟ ثم قال ◌َلَ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُّأْ فِىِ الْعِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرٌ مُبِينٍ (٣)﴾ أي: المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة وإذا خاصمت فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عبية أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم، فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه ليجبر ما فيها من نقص كما قال بعض شعراء العرب : من حُسن إذا الحسن قَصَّرا وما الحلي إلا زينة من نقيصة يُتمّم كحسنك لم يحتج إلى أن يزوَّرا وأما إذا كان الجمال مؤَّفراً وأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بُشر ببنت: ما هي بنعم الولد نصرها بكاء، وبرها سرقة. وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَبِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنًا﴾ أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك فقال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ أي: شاهدوه وقد خلقهم الله إناثاً ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ﴾ أي: بذلك ﴿وَيُسْشَلُونَ﴾ عن ذلك يوم القيامة وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَهُمْ﴾ أي: لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: أحدها: جعلهم الله تعالى ولداً، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً. الثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً . الثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله رَك، بل بمجرد الآراء والأهواء والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء والخبط في الجاهلية الجهلاء. الرابع: واحتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدراً، وقد جهلوا في هذا الإحتجاج جهلاً كبيراً، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار فإنه منذ بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهي عن عبادة ما سواه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُنَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّغُوتَ فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ حَقَتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (﴾﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَآَ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ◌َالِهَةَ يُعْبَدُونَ ﴾﴾ [الزخرف] وقال في هذه الآية بعد أن ذكر حجتهم هذه: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٌ﴾ أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أي: يكذبون ويتقولون. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٌ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: يعني: ما يعلمون ٥٧٠ سُورَة الخزف (٢١، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قدرة الله على ذلك(١). ﴿ بَلّ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآَنَا عَلَىَّ أُمٍَّ 40 ﴿أَّ ءَانِيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ، فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتَرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآَنَا وَإِنَّا عَلَى ءَاثَزِهِم ◌ُهْتَدُونَ ﴿ فَلَ أَوَلَوْ ◌ِثْتُكُ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَّ عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَائَرِهِم ◌ُقْتَدُونَ أُزْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴿ فَأَتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (®﴾. يقول تعالى منكراً على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة: ﴿أَمَّ مَانَيْنَهُمْ كِتَبًا مِّن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل شركهم ﴿فَهُم بِهِ، مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: فيما هم فيه ليس الأمر كذلك، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَا فَهُوَ يَتَكَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ، يُشْرِكُونَ (٢٥)﴾ [الروم] أي: لم يكن ذلك. ثم قال تعالى: ﴿بَلّ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآَنَا عَلَىَّ أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَىّ ءَاثَرِهِم ◌ُهْتَدُونَ (49)﴾ أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين لههنا. وفي قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّئُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] وقولهم: ﴿وَإِنَّا عَلَىّ ءَاثَزِهِم﴾ أي: وراءهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾ دعوى منهم بلا دليل. ثم بيَّن تعالى أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم فقالوا مثل مقالتهم ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّنِ زَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِحُرٍ أَوْ مَجْنُونُ ﴿ أَتَوَاصَوْ بِهٍ، بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات] وهكذا قال لهُهنا: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَنَا عَلَى أُمَّذٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَِهِم ◌ُقْتَدُونَ ثم قال تعالى: ﴿قَلَ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أَوَلَوْ حِثْتُكُ بِأَهْدَى مِنَّا وَجَدْتُمْ عَلَيَّهِ ءَابَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ أي: لو علموا وتيقنوا صحة ما جئتم به لما انقادوا لذلك لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله. قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب كما فصله تعالى في قصصهم ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِِّينَ﴾ أي: كيف بادوا وهلكوا؟ وكيف نجى الله المؤمنين؟ ٢٧ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبَهِيُمُ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَا تَعْبُدُونَ ﴿٨ إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِینِ (١٨) بَلّ مَتَعْتُ هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّى جَآءَ هُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَّةٌ فِى عَقِهِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢٩ وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِخْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَغِرُونَ ﴿٢) وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَيْنِ عَظِيمِ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكَّ نَخْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنَّا وَرَحْمَتُ رَبِكَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ ﴿ وَلَوَّلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ لَّجَعَلْنَا وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَبَاً وَسُرُرًا عَلَيْهَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ () وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ يَتَّكُونَ وَشَـ يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء ووالد من بعث بعده من الأنبياء الذي (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ٥٧١ ،سُورَةُ الّعرُّفِ (٢٦، ٣٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿إِنَّنِى ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ﴾ أي: هذه الكلمة بَرَآءٌ مِّمَا تَعْبُدُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِى فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِینِ وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله؛ أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إليها . قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَقِيَّةً فِى عَقِهِ﴾ يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها(١)، وروي نحوه عن ابن عباس(٢) وقال ابن زيد: كلمة الإسلام(٣). وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة. ثم قال جلَّ وعلا: ﴿بَلْ مَثَّعْتُ هَؤُلاءِ﴾ يعني المشركين ﴿ وَءَابََّهُمْ﴾ أي: فتطاول عليهم العمر في ضلالهم ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي: بيّن الرسالة والنذارة. أي: كابروه وعاندوه ودفعوا بالصدور ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ، كَفِرُونَ ﴾﴾ والراح كفراً وحسداً وبغياً ﴿وَقَالُوا﴾ أي: كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أي: هلَّا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون: مكة والطائف، قاله ابن عباس (٤)، وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وابن زيد(٥)، وقد ذكر غير واحد منهم أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي(٦). وقال مالك، عن زيد بن أسلم(٧)، والضحاك والسدي: يعنون الوليد بن المغيرة ومسعود بن عمرو الثقفي (٨). وعن مجاهد: يعنون عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي وعنه أيضاً أنهم يعنون عتبة بن ربيعة. وعن ابن عباس: جباراً من جبابرة قريش، وعنه ها أنهم يعنون: الوليد بن المغيرة وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. (١) أخرجه الفريابي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (ينظر تغليق التعليق ٣٠٦/٤)، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما سبق. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد. (٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بما يليه: (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، لكنه مرسل، بلفظ: ((الرجل)): الوليد بن المغيرة قال: لو كان ما يقول محمد حقاً أنزل عليَّ هذه القرآن أو على أبي مسعود الثقفي، والقريتان: الطائف ومكة، وأبو مسعود الثقفي من الطائف واسمه: عروة بن مسعود، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بنحوه. (٦) تقدم عن قتادة وعبد الرحمن بن زيد كما في الرواية السابقة. (٧) سنده صحیح لكنه مرسل. (٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، عن الضحاك عن ابن عباس، وهو لم يلق ابن عباس. ٥٧٢ سُورَةُ الرَّحْرُو (٣٥،٢٦) • 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وعن مجاهد: يعنون عتبة بن ربيعة بمكة وابن عبد ياليل بالطائف(١). وقال السدي: عَنَوا بذلك: الوليد بن المغيرة وكنانة بن عمرو بن عمير الثقفي(٢)، والظاهر أن مرادهم رجل كبيرٍ من أي البلدتين كان قال الله تبارك وتعالى رادًّا عليهم في هذا الإعتراض: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَّ﴾؟ أي: ليس الأمر مردوداً إليهم. بل إلى الله رَ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلباً ونفساً. وأشرفهم بيتاً، وأطهرهم أصلاً. ثم قال تعالى مبيّناً أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنيَأْ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ وقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنًا﴾ قيل: معناه ليسخر بعضهم بعضاً في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي(٣) وغيره. وقال قتادة والضحاك ليملك بعضهم بعضاً (٤) وهو راجع إلى الأول. ثم قال: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا . ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه فيجتمعوا على الكفر لأجل المال هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغيرهم(٥) ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾ أي: سلالم ودرجاً من فضة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم(٦) ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يصعدون ولبيوتهم أبواباً؛ أي: أغلاقاً على أبوابهم ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكُِّونَ﴾ أي: جميع ذلك يكون فضة ﴿وَزُخْرُفَا﴾ أي: وذهباً، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد (٧). ثم قال: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّ﴾ أي: إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى؛ أي: يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب ليوافوا الآخرة، وليس لهم عند الله تبارك وتعالى حسنة يجزيهم بها كما ورد به الحديث الصحيح(٨). وورد في حديث آخر: ((لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء)) أسنده البغوي (١) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بلفظ: ((العبيد والخدم سخرّ الله له))، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٦) أخرجه الطبري بالأسانيد المتقدمة عن ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد. (٧) أخرجه الطبري بالأسانيد المتقدمة عنهم أربعتهم. (٨) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك بنحوه (الصحيح، صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة ح٢٨٠٨). ٥٧٣ • سُورَةُ الْحُرُو (٣٦، ٤٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 من رواية زكريا بن منظور، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﴿به، عن النبيِ وَّ فذكره(١). ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ◌َّ: ((لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما أعطى كافراً منها شيئاً))(٢). ثم قال: ﴿وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا لما قال عمر بن الخطاب ظبه لرسول الله وَ الل حين صعد إليه في تلك المشربة لما آلى وَليه من نسائه، فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله وَ ل﴿ متكئاً فجلس وقال: ((أو فيَّ شاك أنت يا ابن الخطاب؟)) ثم قال وَّله: ((أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا))(٣) وفي رواية ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)). وفي الصحيحين أيضاً وغيرهما أن رسول الله وَالخير قال: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة)) (٤) وإنما خولهم الله تعالى في الدنيا لحقارتهم كما روى الترمذي وابن ماجه من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَله: ((لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء أبداً)) قال الترمذي: حسن صحيح(٥). ﴿ وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ هَ وَلَن حَتَّىَ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِيْنُ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ تُمُهْتَدُونَ يَنفَعَكُمُ الْيَّوْمَ إِذ ◌َلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿﴿ أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ الصَُّّ أَوْ تَهْدِى أَلْعُمْىَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَفِمُونَ ﴿ أَوْ نُرِيَّكَ اَلَّذِى وَعَدْتَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم ﴿﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ وَسَوْفَ فَأَسْتَمْسِكْ بِلَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( مُقْتَدِرُونَ تُشْتَلُونَ ﴿ وَسْتَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَّ يُعْبَدُونَ (@) يقول تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ﴾ أي: يتعامى ويتغافل ويعرض ﴿عَن ذِكْرِ اُلَّحْمَنِ﴾ والعشا في العين: ضعف بصرها، والمراد لهُهنا عشا البصيرة ﴿نُقَيِّضّ لَهُمْ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اُلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّ وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًا (19)﴾ [النساء]، وكقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوَاْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وكقوله: ﴿﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرْئَّةَ فَزَيَّنُوْ لَهُم ◌َا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِىَّ أُمَرٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ اُلِْنِّ (١) أخرجه البغوي من طريق زكريا بن منظور به (معالم التنزيل ١١٣٨/٤)، وأخرجه ابن ماجه (السنن، الزهد، باب مثل الدنيا ح ٤١١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٣١٨). (٢) المعجم الكبير ١٧٨/٦ (ح ٥٩٢١) وفي سنده زمعة بن صالح وهو ضعيف لكنه توبع في الرواية السابقة. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ١٣١. (٤) صحيح البخاري، الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض (ح٥٤٢٦)، وصحيح مسلم، اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة (ح ٢٠٦٧). (٥) تقدم تخريجه قبل روايتين. ٥٧٤ • سُورَةُ الّزُو (٣٦، ٤٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 (١٥) [فصلت]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ وَاُلْإِنسِّ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَسِرِينَ حَقَّ إِذَا جَاءَنَا﴾ أي: هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله أَنَّهُم ◌ُهْتَدُونَ (َ) ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به ﴿قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِيْنُ﴾ وقرأ بعضهم ((حتى إذا [جاءانا](١))(٢)؛ يعني: القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله تعالى إلى النار، فذلك حين يقول: ﴿يَلَيَّتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ اَلْقَرِيْنُ﴾(٣). والمراد بالمشرقين هاهنا هو: ما بين المشرق والمغرب وإنما استعمل هاهنا تغليباً كما يقال: القمران والعمران والأبوان، قاله ابن جرير وغيره (٤). [ولما كان الاشتراك في المصيبة في الدنيا يحصل به تسلية لمن شاركه في مصيبته، كما قالت الخنساء تبكي أخاها : على قتلاهم لقتلتُ نفسي ولولا كثرةُ الباكين حولي أسلِّي النفسَ عنه بالتأسي وما يَبكون مثل أخي ولكن قطع الله بذلك بين أهل النار، فلا يحصل لهم بذلك تأسي وتسلية وتخفيف](٥). أي: لا يغني عنكم (٣٩) فقال تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَّوْمَ إِذ ◌َظَلَمْتُمْ أَتَّكُمْ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم. وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُشْمِعُ الْضَُّّ أَوْ تَهْدِى الْعُمْىَ وَمَنْ كَانَ فِ ضَلَلٍ مُبِينٍ ﴾﴾ أي: ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحكم العدل في ذلك. ثم قال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَا مِنْهُم ◌ُنْتَقِمُونَ ﴾﴾ أي: لا بدّ أن ننتقم منهم ونعاقبهم ولو ذهبت أنت ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ﴾﴾ أي: نحن قادرون على هذا وعلى هذا ولم يقبض الله تعالى رسوله وَّر حتى أقرَّ عينه من أعدائه وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم! هذا معنى قول السدي(٦) واختاره ابن جرير. قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر قال: تلا قتادة: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم تُمْنَقِمُونَ ﴾﴾ فقال: ذهب النبي وَّه وبقيت النقمة، ولن يري الله نبيه صلّ في أمته شيئاً يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم وصلات. قال: وذُكر لنا أن رسول الله و ﴿ أري ما يصيب أمته من بعده فما رئي ضاحكاً منبسطاً حتى (١) كذا في (حم) وفي الأصل و(مح): ((جانا)). (٢) وهي قراءة متواترة. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وسنده مرسل لأن سعيداً رواه بلاغاً. (٥) زيادة من (حم). (٤) ذكره الطبري بمعناه. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٥٧٥ • سُورَةُ الَّرُّق (٣٦، ٤٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قبضه الله رَ(١)، وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه(٢)، ثم روى ابن جرير، عن الحسن نحو ذلك أيضاً (٣). وفي الحديث: ((النجوم أمَنَة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أَمَنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون»(٤). ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْتَمْسِكْ بِالَّذِىّ أُوْجِىَ إِلَيْكٌ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾﴾ أي: خذ القرآن المنزل على قلبك، فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم الموصل إلى جنات النعيم والخير الدائم المقيم. ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ قيل: معناه لشرف لك ولقومك، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد(٥)، واختاره ابن جرير ولم يحكِ سواه، وأورد البغوي لهُهنا حديث الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن معاوية به قال: سمعت رسول الله وَله يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين)) (٦). رواه البخاري (٧)، ومعناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخُلَّص من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم، وقيل معناه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ﴾ أي: لتذكيرٍ لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرَّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾﴾ [الأنبياء] وكقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ (َ﴾ [الشعراء]. ﴿وَسَوْفَ تُشْشَلُونَ﴾ أي: عن هذا القرآن، وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له؟ وقوله: ﴿وَمَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةَّ يُعْبَدُونَ ﴾﴾ أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمٍَّ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] قال مجاهد في قراءة عبد الله بن مسعود ربه: ((واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا))(٨)، (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل. (٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة به وهو مرسل أيضاً. (٣) أخرجه الطبري من طريق أبي الأشهب عن الحسن وهو مرسل أيضاً، ويتقوى بسابقه. (٤) أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ته (الصحيح، فضائل الصحابة، باب بيان أن بقاء النبي وليه أمان لأصحابه ح٢٥٣١). (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((إن القرآن شرف لك)) وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة (المصنف ٤٥٦/١١) بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسنده صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زید. (٦) أخرجه البغوي من طريق شعيب عن الزهري به (معالم التنزيل ١٤٠/٤) وسنده صحيح. (٧) أخرجه البخاري من طريق شعيب به (الصحيح، المناقب، باب مناقب قريش ح ٣٥٠٠). (٨) أخرجه الطبري من طريق مجاهد به، وسنده ضعيف لأن مجاهداً لم يسمع من ابن مسعود، والقراءة شاذة تفسيرية. ويتقوى بالآثار التالية: ٥٧٦ • سُورَةُ الزّحرّية (٤٦، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000 000 000000 وهكذا حكاه قتادة والضحاك والسدي عن ابن مسعود(١)، وهذا كأنه تفسير لا تلاوة، والله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: واسألهم ليلة الإسراء، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعوا(٢) له، واختار ابن جرير الأول. ، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَئِنَّا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِبْهِ، فَقَالَ إِنِ رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ فَلَمَّاً ٤٦ ◌َآءَهُم بِثَايَئِنَآ إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ ﴿﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿ وَقَالُواْ يَأَيُّهَ السَّاحِرُ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنََّا لَمُهْتَدُونَ ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٥٠ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُونَ يقول تعالى مخبراً عبده ورسوله موسىفِلَّا أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء والقادة والأتباع والرعايا من القبط وبني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بعث معه آيات عظاماً كيده وعصاه، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكذبوها وسخروا منها وضحكوا ممن جاءهم بها ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ ومع هذا ما رجعوا عن غيِّهم وضلالهم، وجهلهم وخبالهم وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات يضرَّعون إلى موسى عليه الصلاة والسلام ويتلطفون له في العبارة بقولهم: ﴿يَأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ أي: العالم، قاله ابن جرير(٣). وكان علماء زمانهم هم السحرة. ولم يكن السحر في زمانهم مذموماً عندهم فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منهم لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم، ففي كل مرة يعدون موسى ظلّ إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به ويرسلوا معه بني إسرائيل، وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا عليه، وهذا كقوله: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْعُلُوفَانَ وَالْجَادَ وَاَلْقُمَّلَ وَالضَّفَائِعَ وَالَّمَ ءَايَتٍ مُّفَضَّلَتٍ فَأُسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكٌ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ كَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنَكُونَ (٢٥)﴾ [الأعراف]. 2- ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيَّسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِىٍ مِن تَحْنِىِّ أَفَلَ فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ تُبْصِرُونَ ﴿ أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا أَلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِينُ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا فَأَسْتَخَفَ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ جَ مَعَهُ الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ( (٥٦) فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَبْمَعِينَ يقول تعالى مخبراً عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده، أنه جمع قومه فنادى فيهم متبجحاً (١) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك عن ابن مسعود وهو لم يلق ابن مسعود أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه وهو لم يلق ابن مسعود. (٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن، وسنده معضل. (٣) ذكره الطبري بمعناه. ٥٧٧ • سُوَرَّةُ الرّحْرُونَ (٥١، ٥٦) 00000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000 000 000000 000000 مفتخراً بملك مصر وتصرفه فيها: ﴿أَلَيَّسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِىٍ مِن تَحْنِىّ﴾ قال قتادة: قد كانت لهم جنات وأنهار ماء(١). ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك؛ يعني: موسى وأتباعه فقراء ﴿ فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَىِ (٢َ فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ آلْأَخِرَةِ وَالْأُوَّ ضعفاء وهذا كقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٥) ﴾ [النازعات]. وقوله: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا أَلَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾ قال السدي: يقول: بل أنا خير من هذا الذي هو مهين، وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن أم لههنا بمعنى: بل، ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها ((أما أنا خير من هذا الذي هو مهين))(٢). قال ابن جرير: ولو صحّت هذه القراءة لكان معناها صحيحاً واضحاً، ولكنها خلاف قراءة الأمصار فإنهم قرأوا ﴿أَمْ أَنَأْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ﴾ على الاستفهام(٣) . (قلت): وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون لعنه الله بذلك أنه خير من موسى عليه الصلاة والسلام، وقد كذب في قوله هذا كذباً بيناً واضحاً، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: ﴿مَهِينٌ﴾ كما قال سفيان: حقير. وقال قتادة والسدي: يعني ضعيف(٤). وقال ابن جرير: يعني لا ملك له ولا سلطان ولا مال(٥) ﴿وَلَا يَكَادُ يُِينُ﴾ يعني: لا يكاد يفصح عن كلامه فهو عيي حصر. قال السدي: ﴿وَلَا يَكَادُ يُِينٌ﴾ أي: لا يكاد يفهم. وقال قتادة والسدي وابن جرير: يعني عيي اللسان(٦). وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فمه وهو صغير، وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد وهو ينظر إلى موسى عليه الصلاة والسلام بعين كافرة شقية، وقد كان موسى ظلّل من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب. وقوله: ﴿مَهِينٌ﴾ كذب. بل هو المهين الحقير خلقة وخلقاً وديناً، وموسى هو الشريف الصادق البار الراشد. وقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُينٌ﴾ افتراء أيضاً فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) معاني القرآن ٣٥/٣ وهي قراءة شاذة تفسيرية. (٣) ذكره الطبري بنحوه. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٥) ذكره الطبري بنحوه. (٦) أخرجه الطبري بالسند المتقدم عن قتادة، وأخرجه أيضاً بالسند المتقدم عن السدي بلفظ: ((الكلام)). ٥٧٨ • سُورَةُ الْف (٥١، ٥٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 جهة تلك الجمرة، فقد سأل الله مت أن يحلَّ عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وقد استجاب الله له [ذلك](١) في قوله: ﴿قَدْ أُوِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾ [طه: ٢٦] وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يسأل إزالته، كما قاله الحسن البصري وإنما سأل زوال ما يحصل معه الإبلاغ والإفهام، فالأشياء الخلقية التي ليست من فعل العبد لا يُعاب بها ولا يُذم عليها، وفرعون وإن كان يفهم وله عقل، فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته فإنهم كانوا جهلة أغبياء وهكذا قوله: ﴿فَلَوْلَا أُلْفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾ وهي ما يجعل في الأيدي من الحلي. قاله ابن عباس وقتادة(٢) وغير واحد ﴿أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ أي: يكنفونه خدمة له ويشهدون بتصديقه، نظر إلى الشكل الظاهر ولم يفهم السر المعنوي هو أظهر مما نظر إليه لو كان يفهم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ, فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: استخف عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ءَاسَفُونَا﴾ أسخطونا(٣). وقال الضحاك عنه: أغضبونا، وهكذا قال ابن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وغيرهم من المفسرين(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا ابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم التجيبي، عن عقبة بن عامر أن رسول الله و 8* قال: ((إذا رأيت الله تبارك وتعالى يعطي العبد ما يشاء وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له)) ثم تلا وَّله: (٥) ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد الله، فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن (٦) (٥٥) وحسرة على الكافر، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ . وقال عمر بن عبد العزيز رضيالله: وجدت النقمة مع الغفلة، يعني: قوله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّ ءَاسَفُونَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْتَهُمْ أَجْمَعِينَ وقوله: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ٥٦ (١) زيادة من (حم) و(مح). (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى برواية قتادة التي أخرجها الطبري بالسند المتقدم عن قتادة. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بسابقه ولاحقه فقد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٤٥. (٦) سنده ضعيف لضعف يحيى بن عبد الحميد الحماني. ٥٧٩ • سُورَةُ الرَّحْقَةَ (٥٧، ٦٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال أبو مجلز: ﴿سَلَفًا﴾ لمثل من عمل بعملهم. وقال هو ومجاهد: ﴿وَمَثَلًا﴾ أي: عبرة لمن بعدهم(١). وَقَالُواْ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرُ أَمَ هُوَّ مَا oV ﴿﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَهُ مَثَلًا لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونَ هَذَا صِرَطٌ ٦٠ وَلَوَّ نَشَآءُ لَعَلْنَا مِنْكُمْ مَّلَئِكَةً فِىِ الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِلْبَيِّنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ مُسْتَقِيمٌ ﴾ وَلَا يَصُدَتَّكُمُ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهٌ هَذَا بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيْنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيَّةٍ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (َ) صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ فَخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابٍ يَوْمٍ أَلِيمٍ يقول تعالى مخبراً عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل: ﴿﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ ﴾﴾ قال غير واحد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والسدي والضحاك: [يضجون](٢)(٣)؛ أي: أعجبوا بذلك. [وقال قتادة: يجزعون ويضحكون](٤). وقال إبراهيم النخعي: يعرضون(٥)، وكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول الله رَ﴿، فيما بلغني، يوماً مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلَّم رسول الله وَّج، فعرض له النضر بن الحارث فكلَّمه رسول الله وَ ل حتى أفحمه، ثم تلا عليه ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ (®) ... ﴾ الآيات [الأنبياء]. ثم قام رسول الله وَّيهم وأقبل عبد الله بن الزبعري التميمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة له: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، سلوا محمداً أكلَّ ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد: عُزيراً، والنصارى تعبد: المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري، ورأوا أنه قد احتجَّ وخاصم، فذكر ذلك لرسول الله وَّ﴿ فقال: ((كلُّ من أحبَّ أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته)) فأنزل الله رقم : (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) كذا في (حم) و(مح) والطبري، وفي الأصل والطبعات صحف بلفظ: ((يضحكون)). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند ضعيف لإبهام شيخه ولكنه يتقوى بما سبق. (٤) زيادة من (حم) و(مح) وأخرجه الطبري بالسند الصحيح المتقدم. (٥) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر. ٥٨٠ • سُورَةُ الزّزُفَ (٥٧، ٦٥) (٣)﴾ [الأنبياء] أي: عيسى وعُزير ومن عبد ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْفَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ معهما من الأحبار والرهبان، الذين مضوا على طاعة الله ◌َ، فاتخذهم من بعدهم من أهل الضلالة أرباباً من دون الله، ونزل فيما يذكر من أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله ﴿وَقَالُواْ ، الآيات (يوسف]، ونزل فيما يذكر من أمر أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَأْ سُبْحَتَهْ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَُّونَ عيسى عليه الصلاة والسلام، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضر من حجته وخصومته ﴿﴿ وَلَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (@)﴾ أي: يصدون أمرك بذلك من قوله. ثم ذكر عيسى عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدُّ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَحَعَلْنَهُ مَثَلًاً لِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ (®) وَلَوْ نَشَآءُ لَعَلْنَا مِنْكُم مَّلَئِكَةً فِ اَلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾ أي: ما وضع على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلاً على علم الساعة يقول: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَ بِهَا وَأَتَّبِعُونَ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾(١). وذكر ابن جرير من رواية العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَوَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (@)﴾ قال: يعني قريشاً، لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ ﴾ [الأنبياء] إلى آخر الآيات. فقالت له قريش: فما ابن حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَرِدُونَ مريم؟ قال: ((ذاك عبد الله ورسوله)) فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً؟ فقال الله تعالى: ﴿مَا ضَرَيُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلْ بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي رزين، عن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري، قال: قال ابن عباس: لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، ولا أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها أو لم يفطنوا لها فيسألوا عنها؟ ثم طفق يحدثنا، فلما قام تلاومنا أن لا نكون سألناه عنها، فقلت: أنا لها إذا راح غداً، فلما راح الغد قلت: يا ابن عباس ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها . قال: نعم إن رسول الله وَ ل﴿ قال لقريش: ((يا معشر قريش إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير)) وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، وما تقول في محمد*؟ فقالوا: يا محمد ألست تزعم أن عيسى عليه الصلاة والسلام كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً، فإن كنت صادقاً كان آلهتهم لكما يقولون. قال: فأنزل الله: ﴿﴿ وَلَنَّا ضُرِبَ أَبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُونَ ﴾﴾ قلت: ما يصدون؟ قال: يضحكون ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلِسَّاعَةِ﴾ قال: هو خروج عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام قبل يوم القيامة(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يعقوب الدمشقي، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي أحمد مولى الأنصار، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ويليه: (١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية ٣٥٨/١، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق رواه بلاغاً. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٥/٥ - ٨٦ ح ٢٩١٨) وحسن سنده محققوه.