النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
• سُؤُرَُّ غَفِلٍ (٤، ٦)
نعيم من حديث جعفر بن برقان وزاد: فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع،
فلما بلغ عمر خبره، قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاً لكم زلَّ زلَّة فسددوه ووثقوه وادعوا الله له
أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شيبة، حدثنا حماد بن واقد، حدثنا أبو عمر الصفار،
حدثنا ثابت البناني قال: كنت مع مصعب بن الزبير رَظ ◌ُّه في سواد الكوفة، فدخلت حائطاً أصلي
ركعتين فافتتحت: ﴿حَمّ ﴾﴾ المؤمن حتى بلغت ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، فإذا رجل
خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية، فقال: إذا قلتُ: ﴿غَافِرِ الذَّتْبِ﴾ فقل: يا غافر الذنب
اغفر لي ذنبي، وإذا قلت: ﴿وَقَابِلِ التَّبِ﴾ فقل: يا قابل التوب اقبل توبتي، وإذا قلت: ﴿شَدِيدِ
الْعِقَابِ﴾ فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني، قال: فالتفت فلم أر أحداً فخرجت إلى الباب،
فقلت: مرَّ بكم رجل عليه مقطعات يمنية، قالوا: ما رأينا أحداً فكانوا يرون أنه إلياس(٢)، ثم
رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه، وليس فيه ذكر إلياس.
2] ﴿مَا يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُُّهُمْ فِى الْبِلَدِ ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوُجِ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمّ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوَةٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمّ
وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَثُ رَيِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَنَهُمْ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾﴾.
فَكَيْفَ كَانَ عِقَاپٍ
يقول تعالى ما يدفع ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان: ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: الجاحدون
لآيات الله وحججه وبراهينه ﴿فَلَ يَغْرُرْكَ تَقَلُهُمْ فِى الْبِلَدِ﴾ أي: في أموالها ونعيمها وزهرتها كما
قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ ١٨ مَتَعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ لَلِهَادُ (١)﴾ [آل
عمران]، وقال تعالى: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظِ ﴾﴾ [لقمان]، ثم قال تعالى:
مسلياً لنبيه محمد 18 في تكذيب من كذبه من قومه بأن له أسوة فيمن سلف من الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم وما آمن بهم منهم إلا قليل فقال: ﴿كَذَّبَتْ
قَّلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان ﴿وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌ﴾ أي: من
كل أمة ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ﴾ أي: حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل
رسوله ﴿وَجَدَلُواْ بِلْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي.
وقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا
معتمر بن سليمان، قال سمعت أبي يحدث عن [حنش](٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس په،
عن النبي ◌ٍّ ﴾ قال: ((من أعان باطلاً ليدحض به حقاً فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة
رسوله ملم)) (٤).
(١) أخرجه أبو نعيم في ترجمة يزيد الأصم بسنده ومتنه (حلية الأولياء ٤/ ٩٧ - ٩٨) وذكره ابن كثير من طريق
أبي نعيم به ثم قال: إسناد جيد وفيه انقطاع (مسند الفاروق ٥١٧/٢).
(٢) سنده ضعيف لضعف حماد بن واقد (التقريب ص١٧٩) وفي متنه غرابة.
(٣) كذا في (حم) و(مح) والمعجم الكبير، وفي الأصل صُحف إلى: ((حنيش)).
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢١٥/١١ ح١١٥٣٩)، وأخرجه الحاكم من طريق علي بن =

٤٨٢
• سُورَةُ غَفِلٍ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام ﴿فَكَيِّفَ كَانَ
عِقَابٍ﴾ أي: فكيف بلغك عذابي لهم ونكالي بهم؟ قد كان شديداً موجعاً مؤلماً. قال قتادة: كان
شديداً واللهِ(١) .
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَيَّكَ عَ الَّذِينَ كَفَرُوّا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾﴾ أي: كما حقت
كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين
كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأخرى، لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك.
﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَ شَىْءٍ رَّحْمَةُ وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَيِ ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ
جَنََّتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
وَقِهِمُ السَّيَِّاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُمْ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ
يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين
بأنهم يسبحون بحمد ربهم؛ أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص والتحميد المقتضي
الإثبات صفات المدح ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ،﴾ أي: خاشعون له أذلاء بين يديه وأنهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ أي: من أهل الأرض ممن آمنوا بالغيب، فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا
للمؤمنين بظهر الغيب كما ثبت في صحيح مسلم ((إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال
الملك: آمين ولكَ بمثله))(٢).
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد وهو ابن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان،
عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضيًا قال: قال
رسول الله : ((صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره)) فقال:
والنسر للأخرى وليث مرصد
زحل وثور تحت رجل يمينه
فقال رسول الله وَلـ: ((صدق)) فقال:
حمراء يصبح لونها [يتورد] (٣)
والشمس تطلع كل آخر ليلة
إلا معذبة وإلا تجلد
تأبى فما تطلع لنا في رسلها
فقال رسول الله وَله: ((صدق))(٤). وهذا إسناد جيد، وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة
فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية كما قال تعالى: ﴿وَيَجِّلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَّهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَّةٌ﴾ [الحاقة:
= عبد العزيز به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن حنش الرحبي ضعيف (المستدرك ١٠٠/٤).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه مسلم من حديث أبي الدرداء به (الصحيح، الذكر، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب
ح ٢٧٣٢).
(٣) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: ((يتردد)).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٨/٤ - ١٥٩ ح٢٣١٤) وضعف سنده محققوه بسبب عنعنة ابن
إسحاق. اهـ. وكذلك في لفظه غرابة.

٤٨٣
• سُورَةُ غَفِلٍ (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
١٧]، وهنا سؤال وهو أن يقال: ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية ودلالة هذا الحديث؟ وبين
الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن
سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب ظُبه قال:
كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صل﴿ فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال: ((ما تسمون
هذه؟)) قالوا: السحاب، قال: ((والمزن)) قالوا: والمزن قال: ((والعنان)) قالوا: والعنان، قال أبو
داود: ولم أتقن العنان جيداً، قال: ((هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟)) قالوا: لا ندري،
قال: ((بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عدَّ
سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل بين سماء إلى سماء، ثم
فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين السماء إلى سماء، ثم على ظهورهن
العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك)) (١). ثم
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سماك بن حرب به وقال الترمذي: حسن
غريب(٢)، وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية كما قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية:
أربعة منهم يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة،
يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك(٣)، ولهذا يقولون: إذا
استغفروا للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: رحمتك تسع ذنوبهم
وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم ﴿فَأَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ
وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه واتبعوا ما
أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجِيمِ﴾ أي: وزحزحهم عن عذاب
الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم ﴿رَبَّنَا وَأَدِْلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ
ءَابَآَبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ﴾ أي: أجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل
متجاورة كما قال: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وََّنْهُمْ ذُرِّيَّنْهُم بِإِيَمَنٍ ◌َلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَّنَهُمْ وَمَآ أَلَنْتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَىْءٍ﴾
[الطور: ٢١] أي: ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني
بل رفعنا ناقص العمل فساويناه بكثير العمل تفضلاً ومنة.
وقال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال:
إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة ثم
تلا سعيد بن جبير هذه الآية ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآيِهِمْ
(١) سنن أبي داود، السنة، باب الجهمية (ح٤٧٢٣)، وسنده ضعيف لضعف الوليد بن أبي ثور (التقريب
ص٥٨٢) وفي متنه غرابة في ذكره للأوعال! وفيه أيضاً عبد الله بن عميرة قال البخاري: لا يعلم له سماع
من الأحنف (التاريخ الكبير ٤٩٤/٥).
(٢) المصدر السابق (ح٤٧٢٥)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الحاقة (ح ٣٣٢٠)، وسنن ابن ماجه،
المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (ح١٩٣)، وفي رواية أبي داود والترمذي متابعة للوليد ولكن يبقى علة
عدم سماع عبد الله بن عميرة من الأحنف.
(٣) سنده ضعيف لإرسال شهر بن حوشب.

٤٨٤
سُودَا زفلٍ (١٤،١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾(١). قال مُطرِّف بن عبد الله بن الشخير: أنصح
عباد الله للمؤمنين الملائكة ثم تلا هذه الآية ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَتِى وَعَدَثَّهُمْ﴾ الآية وأغش
عباده للمؤمنين الشياطين(٢).
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: الذي لا يمانع ولا يغالب وما شاء كان وما لم يشأ
لم يكن الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: فعلها أو وبالها
ممن وقعت منه ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: لطفت به ونجيته
من العقوبة ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اَللَّهِ أَكْبَرُ مِن ◌َقَّتِكُمْ أَنَفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوَّنَ إِلَى
اَلْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ فَأَعْتَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ
ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اَللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴿ هُوَ
﴿ فَادْعُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ
الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، وَيُتَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّ مَن يُذِبُ
لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اٌلْكَفِرُونَ
يقول تعالى مخبراً عن الكفار إنهم ينادون يوم القيامة وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك
عندما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قِبلَ لأحد به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم وأبغضوها غاية
البغض بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار، فأخبرتهم
الملائكة عند ذلك إخباراً عالياً نادوهم نداء بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض
عليهم الإيمان فيكفرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة.
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ اَللَّهِ أَكْبَرُ مِن ◌َّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ
فَتَكْفُرُونَ﴾ يقول: لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه وأبَوا أن
يقبلوه أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة(٣)، وهكذا قال الحسن البصري
ومجاهد والسدي وذرُّ بن عبيد الله الهمداني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير(٤) الطبري
رحمة الله عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿قَالُواْ رَبَّّآ أَمْتََّا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أَنْنَتَيْنِ﴾ قال الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي
الأحوصِ، عن ابن مسعود ظُّه هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا
فَأَخْيَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (®﴾(٥) [البقرة]. وكذا قال ابن عباس
(١) أخرجه الطبري من طريق شريك عن سعيد بنحوه وسنده مرسل.
(٢) أخرجه البُستي والطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن مُطرِّف مع تقديم وتأخير.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) قول الحسن عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وأخرجه البُستي بسند حسن عن الحسن، هو وقول مجاهد
أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
عبد الله بن وهب عنه.
(٥) أخرجه الطبري من طريق الثوري به وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق أبي إسحاق به وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٣٧).

٤٨٥
• سُورَةُ غَفِلٍ (١٠، ١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والضحاك وقتادة وأبو مالك(١). وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية.
وقال السدي: أميتُوا في الدنيا ثم أحيُوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أُميتوا ثم أُحيوا يوم
القيامة(٢).
وقال ابن زيد: أُحيوا حين أُخذ عليهم الميثاق من صلب آدم عليه ثم خلقهم في الأرحام ثم
أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة (٣).
وهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات
وإماتات، والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما.
والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله بك في عرصات
القيامة كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ
صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾﴾ [السجدة]، فلا يُجابون، ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها ونظروا
إلى ما فيها من العذاب والنكال سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة فلا يجابون قال الله
تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْلَنَا نُرَةُ وَلَا تُكَذِّبَ ثَايَتِ رَبِنَا وَنَكُونَ مِنَ الْؤْمِينَ ( بَلْ بَدَا لَمُ
مَا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلٌّ وَلَوْ رُدُوْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
﴾﴾ [الأنعام] فإذا دخلوا النار وذاقوا
مسّها وحسيسها ومقامعها وأغلالها كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم ﴿وَهُمْ يَصْطَرُِّونَ فِيهَا رَبَّنَآ
أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرِ
فَذُوقُواْ فَمَا لِلِظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (*)﴾ [فاطر]، ﴿رَبَّا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ (49) قَالَ أَخْسَنُواْ
فِيَهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (#)﴾ [المؤمنون]، وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال وقدموا بين يدي
كلامهم مقدمة وهي قولهم: ﴿رَبَّنَّا أَمَّتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْبَيْتَنَا أَثْنَتَيْنِ﴾ أي: قدرتك عظيمة فإنك أحييتنا بعد
ما كنا أمواتاً ثم أمتنا ثم أحييتنا فأنت قادر على ما تشاء، وقد اعترفنا بذنوبنا وإننا كنا ظالمين
لأنفسنا في الدار الدنيا ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجَ مِّن سَبِيلٍ﴾ أي: فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى
الدار الدنيا فإنك قادر على ذلك لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا
ظالمون، فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا، ثم علَّل المنع من ذلك بأن
سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تجحده وتنفيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ
اللَّهُ وَحْدَمُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ، تُؤْمِنُواْ﴾ أي: أنتم هكذا تكونون وإن رددتم إلى الدار الدنيا كما
قال: ﴿وَلَوْ رُدُوْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وقوله: ﴿فَاَلْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أي: هو الحاكم في خلقه العادل الذي لا يجور، فيهدي
من يشاء ويضل من يشاء ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء لا إله إلا هو.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمْ ءَايَتِهِ﴾ أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي
والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها ﴿وَيُنَزُّ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول الضحاك
أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.

٤٨٦
• سُورَةُ غَفِلٍ (١٥، ١٧)
وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحسِّ من اختلاف ألوانه
٠
وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء ﴿وَمَا
يَتَذَكَّرُ﴾ أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ أي:
من هو بصير منيب إلى الله تبارك وتعالى.
وقوله: ﴿فَأَدْعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ اَلْكَفِرُونَ ﴾﴾ أي: فأخلصوا لله وحده العبادة
والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا هشام يعني ابن عروة بن الزبير، عن أبي
الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين
يسلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول
ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله
مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: وكان رسول الله وَ ل* يهلل بهنَّ دبر كل صلاة(١)،
ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن
عقبة ثلاثتهم عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله وَّ يقول في دبر كل
صلاة: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له)) وذكر تمامه(٢).
وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير ﴿ها أن رسول الله ور كان يقول عقب الصلوات
المكتوبات: ((لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا
حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله
مخلصين له الدين ولو كره الكافرون))(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا [الربيع، حدثنا الخصيب بن ناصع](٤)، حدثنا صالح يعني المري،
عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ظُه عن النبي وَّ قال: «ادعوا الله تبارك
وتعالى وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه))(٥).
﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلِّفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُذِرَ يَوْمَ النَّلاَقِ
(١٥
يَوْمَ هُمْ بَرِزُونٌ لَا يَخْنَ عَلَى الَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْفَهَّارِ ﴿٨ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ
نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ لَا ◌ُلْمَ الْيَوْمِّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابٍ
يقول تعالى مخبراً عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/٤) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح٥٩٤)، وسنن أبي داود، أبواب الوتر، باب
ما يقول الرجل إذا سلّم (ح١٥٠٧) وسنن النسائي، الصلاة، باب عدد التهليل والذكر بعد التسليم ٧٠/٣.
(٣) ينظر تخريج الرواية السابقة في صحيح مسلم.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: الربيع بن الحصيب ثنا ناصح.
(٥) سنده ضعيف جداً لضعف صالح بن بشير المري، وهو يروي أحياناً الموضوعات كما قال ابن حبان
(المجروحين ٣٧٢/١)، وابن عدي (الكامل ٤ /١٣٨٠).

٤٨٧
سُورَةُ غَفِلٍ (١٧،١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿ تَعْرُجُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ
كالسقف لها كما قال تعالى: ﴿مِّنَ اَللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ
خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾﴾ [المعارج]، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى
الأرض السابعة في قول جماعة من السلف والخلف، وهو الأرجح إن شاء الله.
وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء(١) اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف
سنة، وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة، وقد تقدم في حديث الأوعال(٢) ما
يدل على ارتفاعه عن السموات السبع بشيء عظيم.
وقوله تعالى: ﴿يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،﴾ كقوله تعالى: ﴿يُنْزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ
مِنْ أَمْرِهِ عَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنَذِرُواْ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَتَّقُونِ ﴾ [النحل]، وكقوله: ﴿وَإِنَّهُ
لَغَزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ (٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (9)﴾ [الشعراء]، ولهذا
قال: ﴿لُنْذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يوم التلاق اسم من أسماء يوم
القيامة حذر الله منه عباده(٣).
وقال ابن جريج: قال ابن عباس : يلتقي فيه آدم وآخر ولده (٤).
وقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد(٥).
وقال قتادة والسدي وبلال بن سعد وسفيان بن عيينة: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض
والخالق والخلق(٦).
وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم، وقد يقال: إن يوم التلاق يشمل هذا كله،
ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر كما قاله آخرون(٧).
وقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَدِزُونٌّ لَا يَخَْ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾ أي: ظاهرون بادون كلهم لا شيء يكنُّهم ولا
يظلهم ولا يسترهم ولهذا قال: ﴿يَوْمَ هُمْ بَرِزُونٌّ لَا يَخْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ﴾ أي: الجميع في علمه
على السواء. وقوله: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قد تقدم في حديث ابن عمر ◌ًَّا أنه
تعالى يطوي السموات والأرض بيده ثم يقول أنا الملك أنا الجبار أنا المتكبر، أين ملوك
الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون (٨)؟
وفي حديث الصور أنه تعالى إذا قبض أرواح جميع خلقه فلم يبق سواه وحده لا شريك له
حينئذٍ يقول: لمن الملك اليوم؟ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه قائلاً: ﴿لِّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي:
الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه.
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٣.
(٢) تقدم تخريجه وضعفه في تفسير هذه السورة الكريمة آية ٧.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٤) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن
السدي، وقول سفيان بن عيينة أخرجه البستي بسند صحيح عن ابن أبي عمر عنه.
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.
(٨) سنده صحيح وله حكم الرفع لأنه من الغيب.

٤٨٨
• سُورَةُ غَافِلٍ (١٨، ٢٠)
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن غالب الدقاق، حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر،
عن أبيه، حدثنا أبو نضرة، عن ابن عباس ظًا قال: ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس
أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات قال: وينزل الله إلى سماء الدنيا ويقول: ﴿لِّمَنِ الْمُلَكُ
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾ .
وقوله: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتَّ لَا ◌ُلْمَ الْيَّوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يخبر تعالى
عن عدله في حكمه بين خلقه أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر بل يجزي بالحسنة عشر
أمثالها وبالسيئة واحدة قال تبارك وتعالى: ﴿لَا ◌ُلْمَ الْيَوْمُ﴾ كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي
ذرِّ ◌َظُه، عن رسول الله وَ ر فيما يحكي عن ربه رَّ أنه قال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على
نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا - إلى أن قال : - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها
عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله تبارك وتعالى، ومن وجد غير ذلك فلا
يلومنَّ إلا نفسه))(١).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفساً واحدة كما
قال: ﴿َّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقال: ﴿وَمَآ أَمْرُنَاْ إِلَّا وَحِدَةُ كَمِج
بِالْبَصَرِ ﴾﴾ [القمر].
﴿وَأَنَذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَيْرٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ
﴿﴿ وَاللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ، لَا يَقْضُونَ
يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ
٢٠
◌ِشَىْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
يوم الآزفة اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بذلك لاقترابها كما قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ
﴾ [النجم]، وقال: ﴿اقْتَّرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ اُلْقَمَرُ (!)﴾ [القمر]،
(٥٨)
لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةُ
وقال: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، وقال: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]،
وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةُ سِيْعَتْ وُجُوهُ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِلَ هَذَا الَّذِى كُتُ بِهِ تَّدَّعُونَ (13)﴾ [الملك].
وقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينٌ﴾ قال قتادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف
فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها، وكذا قال عكرمة والسدي وغير واحد، ومعنى كاظمين؛ أي:
ساكتين لا يتكلم أحد إلا بإذنه ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَِّكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ
صَوَابًا (4)﴾ [النبأ).
وقال ابن جريج: ﴿كَظِمِينَ﴾ أي: باكين(٢). وقوله: ﴿مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ حَيْرٍ وَلَا شَفِيعِ يُطَاعُ﴾
أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم بل قد
تقطعت بهم الأسباب من كل خير. وقوله: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَّةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ ﴾﴾ يخبر
تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٤٤.
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.

٤٨٩
• سُوَأَ غْفِلٍ (٢١، ٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ليحذر الناس علمه فيهم فيستحيوا من الله تعالى حق الحياء ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من
يعلم أنه يراه فإنه يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من
الضمائر والسرائر.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ (﴾﴾: هو الرجل يدخل
على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء أو تمرُّ به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ
إليها، فإذا فطنوا غضَّ بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غض، وقد اطلع الله تعالى من
قلبه أنه ودَّ أن لو اطلع على فرجها(١). رواه ابن أبي حاتم.
وقال الضحاك: ﴿خَإِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ هو: الغمز وقول الرجل: رأيت ولم يرَ، أو: لم أرَ، وقد رأى.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة
أم لا(٢)؟ وكذا قال مجاهد وقتادة(٣).
وقال ابن عباس: في قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾ يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني
بها أم لا؟ (٤).
وقال السدي: ﴿وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ﴾ أي: من الوسوسة.
وقوله: ﴿وَاللّهُ يَقْضِى بِالْحَقٌّ﴾ أي: يحكم بالعدل.
قال الأعمش: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾ قادر
على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(٥). وهذا الذي فسر
به ابن عباس ﴿ّ هذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْمُسْنَىَ﴾
[النجم: ٣١]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأوثان والأنداد ﴿لَا يَقْضُونَ
بِشَىْءٌ﴾ أي: لا يملكون شيئاً ولا يحكمون بشيء ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي: سميع الأقوال
خلقه بصير بهم فيهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.
أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبَلِهِذَّ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت
مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِى الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ
تَأْتِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِىٌ شَدِيدُ الْعِقَابِ
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِزَّ﴾ أي: من الأُمم المكذبة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما حلَّ بهم
من العذاب والنكال مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة ﴿وَءَثَارًا فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: أثروا في
(١) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق منصور عن ابن عباس
(المصنف ٤١٠/٣) وسنده ضعيف لأن منصوراً لم يسمع من ابن عباس ويتقوى بما يليه.
(٢) أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٤) الخبر تتمة لقبل سابقه.
(٥) الخبر تتمة لسابقه.

٤٩٠
سُورَة غفاء (٢٣، ٢٧)
الأرض من البنايات والمعالم والديارات ما لا يقدر هؤلاء عليه كما قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ فِيمَا إِن
مَكَتَكُمْ فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم:
٩] أي: مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد أخذهم الله بذنوبهم وهي كفرهم برسلهم ﴿وَمَا كَانَ
لَهُم مِّنَ اُللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق، ثم
ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَأْتِهِمْ
رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ﴾ أي: بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: مع هذا البيان
والبرهان كفروا وجحدوا ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ تعالى أي: أهلكهم ودمر عليهم وللكافرين أمثالها ﴿إِنَّهُ
قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: ذو قوة عظيمة وبطش شديد وهو ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: عقابه أليم شديد
وجيع، أعاذنا الله منه.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَا وَسُلْطَانِ مُبِينٍ ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَقَرُونَ فَقَالُواْ
سَحِرُ كَذَّابٌ ﴿﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبَْآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمٍ وَأَسْتَحْيُواْ
﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلُ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهٌُ إِنّ
نِسَآءَهُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ
أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِ الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِ عُدْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم مِّن
كُلِّ مُتَكٍِ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ
يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد وي ليه في تكذيب من كذبه من قومه ومبشراً له بأن العاقبة والنصرة
له في الدنيا والآخرة كما جرى لموسى بن عمرانظلَّ فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات.
والدلائل الواضحات. ولهذا قال تعالى: ﴿بِئَايَتِنَا وَسُلْطَنِ قُبِينٌٍ﴾ والسلطان هو الحجة
والبرهان ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ وهو ملك القبط بالديار المصرية ﴿وَهَمَانَ﴾ وهو وزيره في مملكته
﴿وَفَرُونَ﴾ وكان أكثر الناس في زمانه مالاً وتجارة ﴿فَقَالُواْ سَحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أي: كذبوه وجعلوه
ساحراً مجنوناً مموهاً كذاباً في أن الله أرسله وهذه كقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَآ أَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن
رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِحُّ أَوْ مَجْنُنُ بِ أَتَوَاصَوْ بِّ بَلَ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (@)﴾ [الذاريات].
﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا﴾ أي: بالبرهان القاطع الدال على أن الله تعالى أرسله إليهم
﴿قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمَّ﴾ وهذا أمر ثانٍ من فرعون بقتل ذكور بني
إسرائيل. أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم
أو لمجموع الأمرين، وأما الأمر الثاني فللعلَّة الثانية ولإهانة هذا الشعب ولكي يتشاءموا
بموسى عليّ* ولهذا قالوا: ﴿أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنَ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ
عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
قال قتادة: هذا أمر بعد أمر (١)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِ ضَلَالٍ﴾ أي:
وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في
ضلال ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِ أَقْتُلْ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهٌُ﴾ وهذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى إلى قتل
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.

٤٩١
• سُورَةِ غفلٍ (٢٨، ٢٩)
0000000000000000000000000 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
موسى عليه الصلاة والسلام؛ أي: قال لقومه: دعوني حتى أقتل لكم هذا ﴿وَلَيَدْعُ رَبَّهٌُ﴾ أي لا
أبالي به، وهذا في غاية الجحد والتهجم والعناد، وقوله قبحه الله: ﴿إِنِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ
أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اٌلْفَسَادَ﴾ يعني: موسى، يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير
رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مْذَكِّراً؛ يعني: واعظاً يشفق على
الناس من موسى لعلّ﴾. وقرأ الأكثرون: ﴿أن يبدِّل دينكم وأن يُظهر في الأرض الفساد﴾ وقرأ
آخرون ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِ الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾(١) وقرأ بعضهم ﴿يَظْهَر في الأرض الفسادُ﴾ بالضم(٢).
وقال موسى: ﴿إِّ عُدْتُ بِرَبِى وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكٍَِّّ لَّا يُؤْمِنُ بِيَّوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: لما بلغه قول
فرعون: ﴿ذَرُونِّ أَقْتُلُ مُوسَى﴾ قال موسى علَّ: استجرت بالله وعذت به من شره وشر أمثاله ولهذا
قال: ﴿إِنّ عُدْتُ بِرَبِ وَرَبِّكُم﴾ أيها المخاطبون ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبٍ﴾ أي: عن الحق مجرم ﴿لَّا يُؤْمِنُ
بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى ◌َظُه أن رسول الله وََّ كان إذا خاف قوماً
قال: ((اللَّهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم))(٣).
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْثُ إِيَمِنَهُ: أَنَفْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ
جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى
يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿ يَقَوِّ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَّوْمَ ظَهِرِينَ فِىِ الْأَرْضِ فَمَن
يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اَللَّهِ إِن جَنَّ قَالَ فِرْعَوْنُ مَّا أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (
المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطياً من آل فرعون قال السدي: كان ابن عم فرعون،
ويقال: إنه الذي نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام(٤)، واختاره ابن جرير وردَّ قول من ذهب
إلى أنه كان إسرائيلياً، لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه وكفّ عن قتل موسى لعظلا، ولو كان
إسرائيلياً لأوشك أن يعاجل بالعقوبة لأنه منهم.
وقال ابن جريج، عن عباس ما لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون
والذي قال: ﴿يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَفْتُلُوَكَ ﴾ [القصص: ٢٠]، رواه ابن أبي حاتم(٥).
وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون:
﴿ذَرُوِّ أَقْتُلٌ مُوسَى﴾ فأخذت الرجل غضبة لله رقم وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر كما
ثبت بذلك الحديث، ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ
رَقَِّ اللَّهُ﴾ اللَّهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه حيث قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا
الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي،
حدثني عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص هـ
أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صل *. قال: بينا رسول الله وَلقر يصلي بفناء الكعبة
(١) القراءتان متواترتان.
(٢) وهي قراءة متواترة أيضاً.
(٣) أخرجه الإمام أحمد وحسنه محققوه (المسند ٤٩٣/٣٢ ح١٩٧١٩).
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس.

٤٩٢
سُورَةُ زفلٍ (٢٨، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله وَّ﴿ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً،
فأقبل أبو بكر به عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن النبي وَّه ثم قال: ﴿أَنْقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبَّ
اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِلْبَيْنَتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾(١). انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي، قال: وتابعه
محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه به(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة، عن هشام؛ يعني: ابن
عروة، عن أبيه، عن عمرو بن العاص به أنه سئل ما أشد ما رأيت قريشاً بلغوا من
رسول الله ◌َّ؟ قال مرَّ ◌َّه بهم ذات يوم فقالوا له: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال:
((أنا ذاك))، فقاموا إليه فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيت أبا بكر به محتضنه من ورائه وهو يصيح
بأعلى صوته وإن عينيه لتسيلان وهو يقول: يا قوم ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَءَكُمْ
بِلْبَيْنَتِ مِن رَبِّكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية كلَّها(٣). وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة فجعله من
﴾(1).
مسند عمرو بن العاص
وقوله تعالى: ﴿وَقَّدْ جَءَكُمْ بِلْبَيْنَتِ مِن رَّبِّكُمْ﴾ أي: كيف تقتلون رجلاً لكونه يقول ربي الله
وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال:
﴿وَإِنِ يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُكُمْ﴾ يعني: إذا لم يظهر
لكم صحة ما جاءكم به فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه، فإن يك
كاذباً فإن الله ◌ُ لَ سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يكن صادقاً وقد آذيتموه
يصبكم بعض الذي يعدكم فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة فمن الجائز عندكم
أن يكون صادقاً فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه. وهكذا
·وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ
أخبر الله عن موسى علَّا أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله : .
قَوّمَ فِرْعَوْنَ وَجَلَّهُمْ رَسُولٌ كَرِيمُ ( أَنْ أَذُواْ إِلَ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّى لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴿ وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللهِّ
ـ®﴾ [الدخان]،
وَإِ عُذْتُ بِرَبِى وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُونِ ﴿ وَإِن لَّمْ نُؤْمِنُواْ لِ فَاعْنِلُونِ
إِّ ءَاتِيَكُ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ
وهكذا قال رسول الله لهو لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله تعالى عباد الله ولا يمسوه بسوء ويصلوا
ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته قال الله تعالى: ﴿قُل لََّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِىِ الْقُرْبِىُّ﴾
[الشورى: ٢٣] أي: أن لا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين
الناس، وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية وكان فتحاً مبيناً، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ
مُسْرِفُ كَذَّابٌ﴾ أي: لو كان هذا الذي يزعم أن الله تعالى أرسله إليكم كاذباً كما تزعمون لكان
أمره بيناً يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، فكانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا
نرى أمره سديداً ومنهجه مستقيماً، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله وأرشده إلى ما
ترون من انتظام أمره وفعله، ثم قال المؤمن: محذراً قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة المؤمن ح٤٨١٥).
(٢) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي وآله وأصحابه من المشركين بمكة (ح٣٨٥٦).
(٣) سنده صحيح.
(٤) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٤٦٢).

•
سورة غفٍ (٣٠، ٣٥)
٤٩٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بهم: ﴿يَقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِ الْأَرْضِ﴾ أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في
الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله وَله
واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَنَا﴾ أي: لا تغني عنكم هذه
الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئاً من بأس الله إن أرادنا بسوء.
قال فرعون لقومه راداً على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك
من فرعون: ﴿مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى﴾ أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي، وقد
كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى لعلّها فيما جاء به من الرسالة ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ
هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقال الله تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ
ظُلْمًا وَعُلُواْ﴾ [النمل: ١٤]، فقوله: ﴿مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا مَآ أَرَى﴾ كذب فيه وافترى وخان الله تبارك وتعالى
ورسوله ◌َ﴿ ورعيته فغشهم وما نصحهم وكذا قوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: وما
أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد، وقد كذب أيضاً في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه
واتبعوه قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَّهُوْ أَمَ فِرْعَوْنٌّ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، وقال
تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (®)﴾ [طه]، وفي الحديث: ((ما من إمام يموت يوم يموت وهو
غاشٌ لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام))(١).
مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ
﴿وَقَالَ الَّذِىّ ءَامَنَ يَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَّكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ اٌلْأَحْزَابِ ()
وَثَمُودَ وَأَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴿ وَيَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ ﴿ يَوْمَ تُوَلُونَ
مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِهٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ لَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (*) وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ
بِالْبَيِّنَتِ فَا زِلْتُمْ فِ شٍَّّ ◌ِمِّمَا جَاءَكُمْ بٌِّ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً
كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴿﴿ الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمّ
كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِرٍ جَبَّارٍ (٣٥)
هذا إخبار من الله بك عن هذا الرجل الصالح مؤمن آل فرعون أنه حذر قومه بأس الله تعالى
في الدنيا والآخرة فقال: ﴿يَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ اٌلْأَحْزَابِ﴾ أي: الذين كذبوا رسل الله
في قديم الدهر كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة كيف حلَّ بهم بأس الله
وما ردّه عنهم راد ولا صدَّه عنهم صاد.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أي: إنما أهلكهم الله تعالى بذنوبهم وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره
فأنفذ فيهم قدره ثم قال: ﴿وَيَقَوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ النَّنَادِ (4)﴾ يعني: يوم القيامة وسُمي
بذلك، قال بعضهم: لِما جاء في حديث الصور أن الأرض إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر
وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضاً(٢).
(١) أخرجه الشيخان من حديث معقل بن يسار ظه. (صحيح البخاري، الأحكام، باب من استُرعي رعية فلم
ينصح ح ٧١٥٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار ح ٢٢٧).
(٢) تقدم تخريج حديث الصور في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.

٤٩٤
سُورَةُ غَفٍ (٣٠، ٣٥)
00 0 0 0 0 00000 0 00 0 0 0 0 0 00 000000000000000000000000000 00000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0
وقال آخرون منهم الضحاك: بل ذلك إذا جيء بجهنم ذهب الناس هِرَاباً منهم فتتلقاهم
الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَابِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]، وقوله:
﴿يَمَعْشَرَ لَلْبِنِّ وَالْإِسِ إِنِ أَسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنَفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ فَأَنفُذُواْ لَا نَفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَنِ
(®﴾ (١) [الرحمن].
وقد روي عن ابن عباس والحسن والضحاك أنهم قرأوا: ((يوم التنادّ)) بتشديد الدال(٢) من ندّ
البعير إذا شرد وذهب، وقيل: لأن الميزان عنده ملك إذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى
صوته: ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفَّ عمله نادى: ألا قد
شقي فلان بن فلان.
وقال قتادة: يُنادي كل قوم بأعمالهم، يُنادي أهلُ الجنة أهلَ الجنة وأهلُ النار أهلَ النار(٣)،
وقيل: سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار ﴿أَن ◌َّدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رََّا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ
حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، ومناداة أهل النار أهل الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيَّنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا
رَزَقَّكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَفِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]، ولمناداة أصحاب الأعراف أهل
الجنة وأهل النار كما هو مذكور في سورة الأعراف، واختار البغوي وغيره أنه سُمي بذلك
لمجموع ذلك، وهو قول حسن جيد، والله أعلم.
وقوله: ﴿يَوْمَ تُوُلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي: ذاهبين هاربين ﴿كَلَّ لَا وَزَرَ ﴿ إِلَى رَبِكَ يَذٍ الْمُشَفَرُ
[القيامة]، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ اَللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ﴾ أي: لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه ﴿وَمَن
يُضْلِلِ اَللَّهُ فَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: من أضله الله فلا هادي له غيره.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ﴾ يعني: أهل مصر، وقد بعث الله فيهم رسولاً
من قبل موسى عليه الصلاة والسلام وهو: يوسف عليه الصلاة والسلام كان عزيز أهل مصر،
وكان رسولاً يدعو إلى الله تعالى أُمته القبط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا لمجرد الوزارة والجاه
الدنيوي ولهذا قال تعالى: ﴿فَا زِلْتُمْ فِ شَكٍ مِّمَّا جََّكُمْ بِهُ حَتَّىَ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَنَ اَللّهُ
مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً﴾ أي: يئستم فقلتم طامعين: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ، رَسُولاً﴾ وذلك لكفرهم
وتكذيبهم ﴿كَذَلِكَ يُضِلُ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ أي: كحالكم هذا يكون حال من يضله الله
لإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُجَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَنَّهُمَّ﴾ أي: الذي يدفعون الحق بالباطل
ويجادلون بالحجج بغير دليل وحجة معهم من الله تعالى فإن الله مك يمقت على ذلك أشد المقت
ولهذا قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: والمؤمنون أيضاً يبغضون من
تكون هذه صفته فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه فلا يعرف بعد ذلك معروفاً ولا ينكر
(١) أخرجه الطبري من طريق أجلح عن الضحاك، وسنده حسن إلى الضحاك لكنه معضل لأن الضحاك تابع
تابعي.
(٢) وهي قراءة شاذة تفسير وهي منسوبة إلى ابن عباس والضحاك كما في المحتسب ٢٤٣/٢، ومختصر الشواذ
(ص١٣٣)، ونسبها الطبري إلى الحسن البصري من غير سند.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.

٤٩٥
• سُورَةِ غَفاٍ (٣٦، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
منكراً ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبٍِّ﴾ أي: على اتباع الحق ﴿حَبَّارٍ﴾
وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة وحكي عن الشعبي أنهما قالا: لا يكون الإنسان جباراً حتى
يقتل نفسین .
وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق.
﴿ ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَهَمَنُ أَبْنٍ لِ صَرْحًا لَّعَلَىَّ أَبْلُغُ الْأَسْبَبَ ® أَسْبَبَ السَّمَوَتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ
مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ
إِلَّا فِی تَبَاپٍ
يقول تعالى مخبراً عن فرعون وعتوه وتمرده وافترائه في تكذيبه موسى عليه الصلاة والسلام أنه
أمر وزيره هامان أن يبني له صرحاً وهو القصر العالي المنيف الشاهق، وكان اتخاذه من الآجر
المضروب من الطّين المشوي كما قال تعالى: ﴿فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الظِينِ فَاجْعَل ◌ِ صَرْحًا﴾
[القصص: ٣٨]، ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون البناء بالآجر وأن يجعلوه في قبورهم
رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿لَّعَلِّ أَبْلُغُ الْأُسْبَبَ
أَسْبَبَ السَّمَوَتِ﴾ قال سعيد بن جبير وأبو صالح: أبواب
السموات(١)، وقيل: طرق السموات(٢). ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَىّ إِلَهِ مُوسَى وَإِ لَأَظُنُّمُ كَذِبًا﴾ وهذا من
كفره وتمرده أنه كذّب موسى عليه الصلاة والسلام في أن الله رَت أرسله إليه قال الله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ زُيِنَ لِفِرْعَوْنَ سُوَّهُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية
أنه يعمل شيئاً يتوصل به إلى تكذيب موسى عليه الصلاة والسلام ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ
فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهد: يعني إلا في خسار(٣).
يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ
] ﴿وَقَالَ الَّذِى ءَامَنَ يَقَوْمِ أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ
الذُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ ﴿٣ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةُ فَلاَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا
رِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ
يقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الجبار الأعلى فقال لهم: ﴿يَقَوْمِ
أَتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ لا كما كذب فرعون في قوله: ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّ سَِلَ الرَّشَادِ﴾
[غافر: ٢٩].
ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروا على الأُخرى وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه
الصلاة والسلام فقال: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا مَتَعٌ﴾ أي: قليلة زائلة فانية عن قريب
(١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وأخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٤٩٦
سُورَةُ غَفٍ (٤١، ٤٦)
9000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000 000000
تذهب وتضمحل ﴿وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الدار التي لا زوال لها ولا انتقال منها ولا
ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم ولهذا قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا﴾
أي: واحدة مثلها ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
يُرْزَقُونَ فِيَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا يتقدر بجزاء بل يثيبه الله ثواباً كثيراً لا انقضاء له ولا نفاد.
﴿﴿ وَيَقَوْمِ مَا لِيِّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَفِىَ إِلَى النَّارِ (٨ تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ
وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَمٌ وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَِّ ﴿ لَا جَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَبِيّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ
دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ اُلْأَخِرَةِ وَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَننَّ الْمُسْرِفِنَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ ﴿ فَسَتَذْكُرُونَ
مَآ أَقُولُ لَكُمَّ وَأُفَوَّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿ فَوَقَدَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ
(٥ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ
وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
يقول لهم المؤمن ما بالي أدعوكم إلى النجاة وهي: عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق
رسوله الله الذي بعثه ﴿وَتَدْعُونَِى إِلَى النَّارِ جَ تَدْعُونَنِ لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ، مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ﴾
أي: على جهل بلا دليل ﴿وَأَنَأْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْفَفَّرِ﴾ أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب
من تاب إليه ﴿لَا جَوَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ﴾ يقول حقاً؟
قال السدي وابن جرير: معنى قوله: ﴿لَا جَرَّمَ﴾: حقاً(١).
وقال الضحاك: ﴿لَا جَمَ﴾ لا كذب.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَا جَرَمَ﴾ يقول: بلى إن الذي تدعونني إليه من
الأصنام والأنداد ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِ الدُّنْيَا وَلَا فِ الْآَخِرَةِ﴾.
قال مجاهد: الوثن ليس له شيء(٢).
وقال قتادة: يعني: الوثن لا ينفع ولا يضر (٣).
وقال السدي: لا يجيب داعيه لا في الدنيا ولا في الآخرة(٤)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ
مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَيْهِمْ غَافِلُونَ () وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ
لَمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ ﴾ [الأحقاف]، ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُواْ دُعَءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ
لَكُمْ ﴾ [فاطر: ١٤].
وقوله: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: في الدار الآخرة فيجازي كلاً بعمله ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ
الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ أي: خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله.
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُلُ لَكُمَّ﴾ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه ونصحتكم
(١) هذا القول الذي قال به الطبري.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٤٩٧
سُورَةُ زفالٍ (٤١، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ووضحت لكم وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفع الندم ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى الَّهِ﴾ أي: وأتوكل
على الله وأستعينه وأقاطعكم وأباعدكم ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِلْعِبَادِ﴾ أي: هو بصير بهم تعالى
وتقدس، فيهدي من يستحق الهداية ويضل من يستحق الإضلال، وله الحجة البالغة والحكمة
التامة والقدر النافذ.
وقوله تعالى: ﴿فَوَقَدَهُ اللَّهُ سَيِّئَاتٍ مَا مَكَرُواْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، وأما في الدنيا فنجاه الله
تعالى مع موسى عليه الصلاة والسلام، وأما في الآخرة فبالجنة ﴿وَحَاقَ بِقَالٍ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ﴾ وهو:
الغرق في اليمِّ ثم النقلة منه إلى الجحيم، فإن أرواحهم تعرض على النار صباحاً ومساء إلى قيام
الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدِْلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي: أشده ألماً وأعظمه نكالاً، وهذه الآية أصل كبير في استدلال
أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور وهي قوله تعالى: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ .
ولكن هنا سؤال وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية وقد استدلوا بها على عذاب القبر في
البرزخ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم هو: ابن القاسم أبو النضر، حدثنا إسحاق بن سعيد
هو: ابن عمرو بن سعيد بن العاص، حدثنا سعيد يعني: أباه، عن عائشة ﴿ّا أن يهودية كانت
تخدمها فلا تصنع عائشة ﴿نا إليها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاكِ الله عذاب
القبر. قالت ﴿يا: فدخل رسول الله وَ﴿ عليَّ فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب قبل يوم
القيامة؟ قال ◌َ: ((لا، من زعم ذلك؟)) قالت: هذه اليهودية لا أصنع إليها شيئاً من المعروف إلا
قالت: وقاكِ الله عذاب القبر. قال ◌َله: ((كذبت يهود وهم على الله أكذب لا عذاب دون يوم
القيامة)) ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملاً بثوبه
محمرة عيناه وهو ينادي بأعلى صوته: ((القبر كقطع الليل المظلم، أيها الناس لو تعلمون ما أعلم
بكيتم كثيراً وضحكتم قليلاً، أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق))(١).
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه.
وروى أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﴿نا قالت:
سألتها امرأة يهودية فأعطتها فقالت لها: وقاكِ الله من عذاب القبر، فأنكرت عائشة ﴿يا ذلك،
فلما رأت النبي ◌َّ ر قالت: له فقال ◌َله: ((لا)) قالت عائشة رضيثنا: ثم قال لنا رسول الله بعد ذلك:
((وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم))(٢). وهذا أيضاً على شرطهما.
فيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية وفيها دلالة على عذاب البرزخ؟
والجواب: أن الآية دلَّت على عرض الأرواح على النار غدواً وعشياً في البرزخ، وليس فيها دلالة
على اتصال تألمها بأجسادها في القبور إذ قد يكون ذلك مختصاً بالروح، فأما حصول ذلك للجسد في
البرزخ وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال: إن هذه
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٦٦/٤١، ٦٧ ح ٢٤٥٢٠)، وصحح سنده محققوه، وسبقهم
الحافظ ابن كثير في تصحيحه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٢/٤٣ ح ٢٦٠٠٨)، وصحح سنده محققوه، وسبقهم الحافظ
ابن كثير.

٤٩٨
سُورَةُ زفاٍ (٤١، ٤٦)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0
الآية إنما دلَّت على عذاب الكفار في البرزخ ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب.
ومما يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري،
عن عروة، عن عائشة ﴿يا أن رسول الله و ﴿ دخل عليها وعندها امرأة من اليهود وهي تقول:
ها :
أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم، فارتاع رسول الله وَ ﴿ وقال: ((إنما يفتن يهود)) قالت عائشة
فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله وسلم: ((ألا إنكم تفتنون في القبور)) وقالت عائشة ﴿ثا: فكان
رسول الله ﴿ بعد يستعيذ من عذاب القبر(١)، وهكذا رواه مسلم عن هارون بن سعيد وحرملة
كلاهما عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري به(٢).
وقد يقال إن هذه الآية دلَّت على عذاب الأرواح في البرزخ ولا يلزم من ذلك أن يتصل في
الأجساد في قبورها، فلما أُوحي إلى النبي ◌َّ﴿ في ذلك بخصوصه استعاذ منه، والله ◌ُ أعلم.
وقد روى البخاري من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن
عائشة ﴿يّا أن يهودية دخلت عليها فقالت: نعوذ بالله من عذاب القبر فسألت عائشة
رسول الله ﴿ عن عذاب القبر فقال ◌َله: ((نعم عذاب القبر حق)) قالت عائشة ضًا: فما رأيت
رسول الله ﴿ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر (٣). فهذا يدل على أنه بادرَ وص له إلى
تصديق اليهودية في هذا الخبر وقرَّر عليه، وفي الأخبار المتقدمة أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي
فلعلهما قضيتان والله سبحانه أعلم وأحاديث عذاب القبر كثيرة جداً.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّ﴾: صباحاً ومساء ما بقيت الدنيا يقال لهم يا آل
فرعون هذه منازلكم توبيخاً ونقمة وصغاراً لهم(٤).
وقال ابن زيد: هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن
ثروان، عن هذيل، عن عبد الله بن مسعود رُبّه قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر
تسرح بهم في الجنة حيث شاؤوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة
حيث شاءت فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود
تغدو على جهنم وتروح عليها فذلك عرضها(٥)، وقد رواه الثوري، عن أبي قيس، عن الهذيل بن
شرحبيل من كلامه في أرواح آل فرعون (٦)، وكذلك قال السدي(٧).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٠/٤٣ ح٢٦١٠٥) وصحح سنده محققوه.
(٢) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب التعوذ من فتنة القبر (ح٥٨٤).
(٣) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر (ح ١٣٧٢).
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) أخرجه عبد الرزاق من طريق الثوري عن عبد الرحمن بن ثروان به بدون ذكر ابن مسعود، والشطر الأول له
شاهد في صحيح مسلم تقدم في تفسير سورة آل عمران آية ١٦٩، وأما الشطر الثاني الذي يذكر آل فرعون
فإنه غريب وتارة يرويه هذيل عن ابن مسعود وتارة من كلامه كما سيأتي في رواية الثوري.
(٦) تقدم تخريجه عن عبد الرزاق في الرواية السابقة.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه من الأمور الغيبية التي لا تؤخذ إلا من الوحي.

٤٩٩
• سُورَةُ غَفٍ (٤١، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رَّلُه، عن
وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري
رسول الله صل8* قال فيه: ((ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله رجال كل رجل منهم بطنه مثل
البيت الضخم مصفدون على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً ﴿وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة
والشجر ولا يعقلون(١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخرم، حدثنا عامر بن مدرك
الحارثي، حدثنا عتبة - يعني: ابن يقظان -، عن قيس بن مسلم، عن طارق، عن شهاب، عن
ابن مسعود به، عن النبيِ وَ﴿ قال: ((ما أحسنَ محسنٌ من مسلم أو كافر إلا أثابه الله تعالى))
قال: قلنا: يا رسول الله ما إثابة الله الكافر؟ فقال: ((إن كان قد وصل رحماً أو تصدق بصدقة أو
عمل حسنة أثابه الله تبارك وتعالى المال والولد والصحة وأشباه ذلك)) قلنا فما إثابته في الآخرة؟
قال وَله: ((عذاباً دون العذاب)) وقرأ ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾(٢).
ورواه البزار في مسنده عن زيد بن أخرم ثم قال: لا نعلم له إسناداً غير هذا(٣).
وقال ابن جرير: حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال:
سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال: رحمك الله رأينا طيوراً تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب
بيضاً فوجاً فوجاً لا يعلم عددها إلا الله ◌َ، فإذا كان العشي رجع مثلها سوداً. قال: وفطنتم
إلى ذلك؟ قال: نعم، قال: إن ذلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار
غدواً وعشياً، فترجع إلى وكورها وقد احترقت أرياشها وصارت سوداً فينبت عليها من الليل ريش
أبيض ويتناثر الأسود ثم تغدو على النار غدواً وعشياً ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في
الدنيا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ قال: وكانوا يقولون
إنهم ستمائة ألف مقاتل(٤) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ظًا قال: قال
رسول الله وَلي: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة
فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله ريك إليه
يوم القيامة))(٥). أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به(٦).
(١) تقدم تخريجه وضعفه في مطلع تفسير سورة الإسراء.
(٢) سنده ضعيف لضعف عتبة بن يقظان (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٠).
(٣) أخرجه البزار كما في مختصر زوائد مسند البزار (٣٩٢/١ ح٦٤٦)، وقال الحافظ ابن حجر: والمتن شاذ
بمرة. وذلك بعد أن نقل كلام الهيثمي في عتبة بن يقظان إذ قال: فيه كلام.
(٤) أخرجه الطبري بسند ومتنه، وسنده ضعيف لأنه مقطوع وحماد بن محمد الفزاري ضعيف (لسان الميزان ٢/
٣٥٣)، ومتنه فيه غرابة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٣/٢) وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، الجنائز، باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (ح١٣٧٩)، وصحيح مسلم،
الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (ح ٢٨٦٦).

٥٠٠
سُورَةُ غَفِلٍ (٤٧، ٥٦)
9000000000000000000000000000000000 000 000000000000000000000000000000 000 000 000000000
﴿وَإِذْ يَتَحَلْجُونَ فِ النَّارِ فَيَقُولُ اُلُّعَفَوْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَُّواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم
◌ُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴿﴿ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ
وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ﴿ قَالُواْ
الْعِبَادِ نَ
أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَغِنَتِّ قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَدُوُاْ الْكَفِرِينَ إِلَّ فِىِ ضَلَلٍ
.
٥٠
يخبر تعالى عن تحاجَ أهل النار في النار وتخاصمهم وفرعون وقومه من جملتهم، فيقول
الضعفاء - وهم الأتباع - للذين استكبروا وهم القادة والسادة والكبراء ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي:
أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال ﴿فَهَلْ أَنْتُم ◌ُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ
النَّارِ﴾ أي: قسطاً تتحملونه عنا ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا﴾ أي: لا نتحمل عنكم شيئاً
كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنكال ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ اٌلْعِبَادِ﴾ أي: فقسم
بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: ٣٨].
﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِ النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (@)﴾ لما علموا
أن الله لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم بل قد قال: ﴿أَخْسَُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:
١٠٨]، سألوا الخزنة وهم كالسجانين لأهل النار أن يدعوا لهم الله تعالى أن يخفف عن الكافرين
ولو يوماً واحداً من العذاب فقالت لهم الخزنة رادين عليهم ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِكُمْ رُسُلُكُم
بِالْبَمِنَتِّ﴾ أي: أو ما قامت عليكم الحجج في الدنيا على ألسنة الرسل ﴿قَالُواْ بَلَّ قَالُواْ فَأَدْعُواْ﴾
أي: أنتم لأنفسكم فنحن لا ندعو لكم ولا نسمع منكم ولا نود خلاصكم ونحن منكم براء ثم
نخبركم أنه سواء دعوتم أو لم تدعوا لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم ولهذا قالوا: ﴿وَمَا دُعَدَوَّا
اَلْكَفِينَ إِلَّا فِ ضَلٍ﴾ أي: إلا في ذهاب ولا يتقبل ولا يستجاب.
يَوْمَ لَا يَنَفَعُ
] ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَاءِيلَ
اَلْظَلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمَّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ
هُدَّى وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴿ فَأَصْبِرْ إِّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ
الْكِتَبَ
وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِّ وَلْإِبْكَرِ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَدِلُونَ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَهُمْ إِن
فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِتِّرٌ مَّا هُم بِبَلِغِيَةٍ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
(٥٦)
قد أورد أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾ سؤالاً فقال: قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية
كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجراً كإبراهيم، وإما إلى السماء
كعيسى فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين:
(أحدهما): أن يكون الخبر خرج عاماً والمراد به البعض قال: وهذا سائغ في اللغة.
(الثاني): أن يكون المراد بالنصر والانتصار لهم ممن آذاهم وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في
غيبهم أو بعد موتهم كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم