النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سُورَةُ الزَُّزّ (٥٩،٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (٣)﴾ [المائدة] ثم قال: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
وَيَسْتَغْفِرُونَةُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (9)﴾ [المائدة]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَّ
بَتُوبُواْ﴾ [البروج: ١٠].
قال الحسن البصري رحمة الله عليه: انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم
إلى التوبة والمغفرة والآيات في هذا كثيرة جداً.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد رَبُه، عن رسول الله وَ ل﴿ حديث الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً
ثم ندم وسأل عابداً من عباد بني إسرائيل هل له من توبة، فقال: لا فقتله وأكمل به مائة ثم سأل
عالماً من علمائهم هل له من توبة فقال ومن يحل بينك وبين التوبة. ثم أمره بالذهاب إلى قرية
يعبد الله فيها فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب
فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فوجدوه أقرب إلى الأرض
التي هاجر إليها فقبضته ملائكة الرحمة، وذكر أنه نأى بصدره عند الموت وأن الله تبارك وتعالى
أمر البلدة الخيرة أن تقترب وأمر تلك البلدة أن تتباعد(١)، هذا معنى الحديث وقد كتبناه في
موضع آخر بلفظه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ ﴿ها في قوله: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَ أَنْفُسِهِمْ لَا
نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إلى آخر الآية. قال: قد دعا الله تعالى إلى مغفرته
من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله،
ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول الله تعالى
لهؤلاء: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (9)﴾ [المائدة] ثم دعا إلى التوبة
من هو أعظم قولاً من هؤلاء، من قال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِّمْتُ
لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨].
قال ابن عباس: من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد
أن یتوب حتی یتوب الله علیه(٢).
وروى الطبراني من طريق الشعبي عن [شُتير](٣) بن شَكل أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول إن
أعظم آية في كتاب الله ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وإن أجمع آية في القرآن
بخير وشر ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ وإن أكثر آية في القرآن فرجاً في سورة الزمر ﴿قُلّ
يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ الَّهِ﴾ وإن أشد آية في كتاب الله تفويضاً ﴿وَمَنْ
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَمًا ﴾ وَبَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٢، ٣] فقال له مسروق صدقت(٤).
(١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب رقم ٥٤ ح٣٤٧٠، وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل
وإن كثُر قتله (ح٢٧٦٦).
(٢) عزاه بطوله السيوطي إلى الطبري وابن المنذر. ولم أجده في تفسير الطبري.
(٣) كذا في (حم) والطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ((سنيد)).
(٤) أخرجه الطبراني من طريق منصور عن الشعبي به (المعجم الكبير ح٨٦٥٩ و٨٦٦٠)، وأخرجه البستي من
طريق منصور عن الشعبي عن مسروق وشتير به، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق منصور به.

٤٦٢
• سُوَرَّةُ الزَِّّزّ (٥٣، ٥٩)
9000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وقال الأعمش: عن أبي سعيد، عن أبي الكنود قال: مرَّ عبد الله - يعني: ابن مسعود رَ ؤُه -
على قاص وهو يذكر الناس فقال: يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله؟ ثم قرأ ﴿قُلْ يَعِبَادِىَّ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾(١). رواه ابن أبي حاتم.
ذكر أحاديث فيها نفي القنوط.
قال الإمام أحمد: حدثنا [سريج] (٢) بن النعمان، حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله،
حدثني أخشن السدوسي قال: دخلت على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فقال: سمعت
رسول الله ◌َي يقول: ((والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض
ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد ◌ّ# بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم
يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم)) (٣). تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني الليث، حدثني محمد بن قيس قاص
عمر بن عبد العزيز، عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري ◌َلُبه أنه قال حين حضرته الوفاة:
قد كنت كتمت منكم شيئاً سمعته من رسول الله وَ اليه يقول: ((لولا أنكم تذنبون لخلق الله مت قوماً
يذنبون فيغفر لهم)» (٤) هكذا رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه والترمذي جميعاً عن
قتيبة، عن الليث بن سعد به(٥). ورواه مسلم من وجه آخر به عن محمد بن كعب القرظي، عن
أبي صرمة وهو الأنصاري صحابي، عن أبي أيوب ﴿ًا به (٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك
النُكري، قال: سمعت أبي يحدث، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ظًا قال: قال
رسول الله : ((كفارة الذنب الندامة)) وقال رسول الله وسلم: ((لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم
يذنبون فيغفر لهم» (٧). تفرد به أحمد.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني عبد الأعلى بن حماد القرشي، حدثنا داود بن
عبد الرحمن، حدثنا أبو عبد الله مسلمة بن عبد الله الرازي، عن أبي عمرو البجلي، عن
عبد الملك بن سفيان الثقفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن محمد بن الحنفية، عن أبيه
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَّه: ((إن الله تعالى يحب العبد
المُفتَّن التواب)»(٨). ولم يخرجوه من هذا الوجه.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية ويعلى بن عبيد عن الأعمش به (المصنف ١٠٧/٨) وسنده حسن.
(٢) كذا في المسند، وفي الأصل و(حم) و(مح) صحف إلى: ((شُريح).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٦/٢١ ح١٣٤٩٣)، وصححه محققوه بالشواهد.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤١٤/٥) وسنده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار (ح٩/٢٧٤٨)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب
فضل التوبة والاستغفار (ح٣٥٣٩).
(٦) المصدر السابق (ح ٢٧٤٨ /١٠).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧٩/٤ ح٢٦٢٣)، وقال محققوه: حسن لغيره.
(٨) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٢ ح ٦٠٥) وقال محققوه:
إسناده ضعيف جداً شبه موضوع.

٤٦٣
• سُؤَدَّةُ الزَُِّّزّ (٥٩،٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت وحميد،
عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: إن إبليس لعنه الله تعالى قال: يا ربِّ إنك أخرجتني من الجنة
من أجل آدم وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك قال: فأنت مسلط، قال: يا ربِّ زدني، قال: لا يولد له
ولد إلا ولد لك مثله، قال: يا ربِّ زدني، قال: أجعل صدورهم مساكن لكم وتجرون منهم مجرى
الدم. قال: يا ربِّ زدني قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم
وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، فقال آدم عليه الصلاة والسلام: يا ربِّ قد سلطته عليَّ وإني لا
أمتنع إلا بك. قال تبارك وتعالى: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال:
يا ربِّ زدني قال: الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يا ربِّ زدني. قال: باب
التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال: يا ربِّ زدني. قال: ﴿يَعِبَادِىّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(١).
وقال محمد بن إسحاق: قال نافع: عن عبد الله بن عمر، عن عمر ظّ في حديثه قال: وكنا
نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء
أصابهم قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم.
قال: فلما قدم رسول الله وَ﴿ المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿يَعِبَادِىَ
الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (
وَأَنِيِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ (@)
وَأَتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ
٥٥)
إِلَيْكُمْ مِّن زَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْنَةٌ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ
.
قال عمر ريه: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص ظُه قال: فقال
هشام: لما أتتني جعلت [أقرؤها](٢) بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها حتى قلت:
اللَّهم أفهمنيها، فألقى الله في قلبي أنها إنما نزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا
فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله 183 بالمدينة(٣)، ثم استحث تبارك وتعالى
عباده إلى المسارعة إلى التوبة فقال: ﴿وَأَنِبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ... ﴾ إلخ؛ أي: ارجعوا
إلى الله واستسلموا له ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُصَرُونَ﴾ أي: بادروا بالتوبة والعمل
الصالح قبل حلول النقمة ﴿وَنَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم﴾ وهو القرآن العظيم ﴿مِن قَبْلِ
أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْنَةٌ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا تعلمون ولا تشعرون ثم قال: ﴿أَنَ
تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَفَ عَلَى مَا فَرَّطَّتُ فِى جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة
والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله رَّت، وقوله رغمت: ﴿وَإِن كُنْتُ لَمِنَ
السَّخِرِينَ﴾ أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ
أَنَّ اللَّهَ هَدَنِنِ لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَّ لِ كَرَّةٌ فَأَكُنَ مِنَ
أي: تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل.
الْمُحْسِنِينَ (%)
(١) سنده مرسل لأن عبيد بن عمير تابعي.
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: ((بياض)).
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق لم يسمع من نافع.

٤٦٤
سُورَةُ الرُّهَزِّ (٦٠، ٦١)
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أخبر الله ◌ُلَ ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم
قبل أن يعملوه، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِتُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَتَ عَلَى مَا
فَرَّطَتُ فِ جَنْبِ اللَّهِ وَإِن كُنْتُ لَمِنَ السَّخِرِينَ ﴿٨ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَنِى لَكُنتُ مِنَ الْمُنَّقِينَ
﴾﴾ (١).
٥٨)
جَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوَ أَنَّ لِ كَرَّةً فَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
فأخبر الله تعالى أن لورُدّوا ما قدروا على الهدى وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أسود، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَله: (كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول:
لو أن الله هداني فتكون عليه حسرة، قال: وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا
أن الله هداني. قال: فيكون له الشكر))(٢). ورواه النسائي من حديث أبي بكر بن عياش به(٣).
ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله
وقال الله جل: ﴿بَلَ قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَتِ فَكَذَّبْتَ بِهَا وَأَسْتَكْبَرْتَ وَّكُنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴾﴾ أي: قد
جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا وقامت حججي عليك فكذبت بها
واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها .
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَِّرِينَ
.@
وَيُنَِّّى اللَّهُ الَّذِينَ أَنَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُهُمُ السُّوَهُ وَلَ هُمْ يَحْزَُّنَ
٦٠
يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة
والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة قال تعالى ههنا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ
عَلَى اللّهِ﴾ أي: في دعواهم له شريكاً وولداً ﴿وُجُوهُهُم مُسْوَدَّهُ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم وقوله
تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَى لِّلْمُتَكَِّينَ﴾؟ أي: أليست جهنم كافية لهم سجناً وموئلاً لهم فيها
الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عيسى بن أبي
عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ظبه أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((إن المتكبرين
يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجناً من
النار في واد يقال له: بولس من نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار ومن طينة الخبال))(٤).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٢/١٦ ح ١٠٦٥٢) وصحح سنده محققوه.
(٣) السنن الكبرى، التفسير رقم ١١٤٥٤.
(٤) سنده ضعيف جداً لأن عيسى بن أبي عيسى الحناط: متروك (التقريب ٤٤٠)، ولشطره الأول شاهد، أخرجه
الترمذي من طريق عمرو بن شعيب به وقال: حسن صحيح (السنن، صفة القيامة ح٢٤٩٢)، وحسنه الألباني
في صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن شعيب به وحسنه محققوه (المسند ١١/
٢٤٠ ح٦٦٥٩).

٤٦٥
• سُؤْرَّةُ الزَُِّّزّ (٦٢، ٦٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَيُنَجِى اَللَّهُ الَّذِينَ أَتَّقَوْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله ﴿لَا
يَمَسُّهُمُ السُّوَّهُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون
من كل فزع، مزحزحون عن كل شر نائلون كل خير.
﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿﴿ لَّهُ مَقَالِيهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَالَّذِينَ
كَفَرُواْ بِعَايَتِ اَللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوّنِ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ (9) وَلَقَدْ أُوْحِىَ
إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ وَّكُنْ مِنَ
الشَّكِرِينَ
يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها وكل تحت تدبيره وقهره
وكلاءته، وقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِ﴾ قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية(١)،
وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينة (٢).
وقال السدي: ﴿لَُّ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خزائن السموات والأرض(٣)، والمعنى على
كلا القولين أن أزمة الأمور بيده تبارك وتعالى له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولهذا
قال: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ بِحَايَتِ اللَّهِ﴾ أي: حججه وبراهينه ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾.
وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً جداً وفي صحته نظر ولكن نحن نذكره كما ذكره فإنه
قال: حدثنا يزيد بن سنان البصري بمصر، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا الأغلب بن تميم، عن
مخلد بن هذيل العبدي، عن عبد الرحمن المدني، عن عبد الله بن عمر، عن عثمان بن عفان
أنه سأل رسول الله وَله، عن تفسير قوله تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: ((ما سألني
عنها أحد قبلك يا عثمان)) قال ◌َّ﴾: ((تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده،
أستغفر الله ولا قوة إلا بالله، الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت وهو على
كل شيء قدير. من قالها يا عثمان إذا أصبح عشر مرار أعطي خصالاً ستاً: أما أولاهن فيحرس
من إبليس وجنوده، وأما الثانية فيعطى قنطاراً من الأجر، وأما الثالثة فترفع له درجة في الجنة،
وأما الرابعة فيتزوج من الحور العين، وأما الخامسة فيحضره اثنا عشر ملكاً، وأما السادسة فيعطى
من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وله مع هذا يا عثمان من الأجر، كمن حج
وتقبلت حجته واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه طبع عليه بطابع الشهداء)»(٤). ورواه أبو
يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد به مثله وهو غريب وفيه نكارة شديدة والله أعلم(٥).
وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوِّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ ﴾﴾؟ ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد (في تفسير سورة
الشورى آية ١٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
عبد الله بن وهب عن ابن زید.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) سنده ضعيف جداً لأن الأغلب بن تميم متفق على ضعفه (ميزان الاعتدال ٢٧٣/١) وذكره ابن الجوزي في
الموضوعات (١٤٤/١)، وقال ابن عرَّاق عن ابن حجر: إنه منكر من جميع طرقه (تنزيه الشريعة ١٩٢/١).
(٥) عزاه الهيثمي إلى أبي يعلى في المسند الكبير (مجمع الزوائد ١١٥/١٠).

٤٦٦
• سُرَّةُ الزُّفِزّ (٦٧)
حاتم وغيره عن ابن عباس ◌ًّا أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله وَيهو إلى عبادة آلهتهم
﴿ وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن
ويعبدوا معه إلهه فنزلت: ﴿قُلّ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّنِّ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ
قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾﴾(١). وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ
عَنْهُمِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨].
أي: أخلص العبادة الله وحده لا شريك له
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ
أنت ومن اتبعك وصدقك.
- ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَتَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِنَّتٌ بِمِينِهِ،
سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
يقول تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍ،﴾ أي: ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه
غيره وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شيء المالك لكل شيء وكل شيء تحت قهره
وقدرته.
قال مجاهد: نزلت في قريش (٢).
وقال السدي: ما عظموه حق عظمته (٣).
وقال محمد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوا.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ظؤه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ،﴾ هم الكفار الذين لم
يؤمنوا بقدرة الله عليهم. فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم
يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره (٤).
وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف
وهو إمراراها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قال البخاري: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ،﴾، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن منصور،
عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ظُه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله وَلقوله
فقال: يا محمد إنا نجد الله ريك يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبع، والشجر على
أصبع، والماء والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع فيقول: أنا الملك، فضحك
رسول الله وَّ﴿ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبّر، ثم قرأ رسول الله وَّهِ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية(٥). ورواه البخاري أيضاً في غير هذا الموضع
من صحيحه، والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما كلهم من حديث
(١) أخرجه الطبري في تفسير سورة الكافرون وابن أبي حاتم كلاهما من طريق أبي خلف عبد الله بن عيسى عن
داود عن عكرمة عن ابن عباس، وأبو خلف ضعيف (ينظر: فتح الباري ٧٣٣/٨).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٩١.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ﴾ [الزمر: ٦٧] ح ٤٨١١).

٤٦٧
• سُوَرَّةُ الرَُّّزِّ (٦٧)
سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن ابن مسعود رضي الله بنحوه (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن
عبد الله به قال: جاء رجل إلى النبي وَ﴿ من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم أبلغك أن الله
تعالى يحمل الخلائق على أصبع والسموات على أصبع، والأرضين على أصبع، والشجر على
أصبع، والماء والثرى على أصبع؟ قال: فضحك رسول الله ( * حتى بدت نواجذه قال:
وأنزل الله رَبَّ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، ... ) إلى آخر الآية(٢)، وهكذا رواه البخاري ومسلم
والنسائي من طرق عن الأعمش به(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن أبي
الضحى، عن ابن عباس ضًا قال: مرَّ يهودي برسول الله وسلم وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا
القاسم يوم يجعل الله ◌ُعَلَ السماء على ذه - وأشار بالسبابة - والأرض عل ذه والجبال على ذه
وسائر الخلق على ذه - كل ذلك يشير بأصابعه -؟ قال: فأنزل الله رَّ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ﴾
الآية (٤). وكذا رواه الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن
الصلت أبي جعفر، عن أبي كدينة يحيى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى
مسلم بن صبيح به وقال حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٥).
ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن
مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة مظ لته قال: سمعت
رسول الله* يقول: ((يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين
ملوك الأرض)»(٦). تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر(٧).
وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن محمد، حدثنا عمي القاسم بن يحيى، عن
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ◌ًا، عن رسول الله وَل قال: ((إن الله تبارك وتعالى يقبض يوم
القيامة الأرضين على أصبع وتكون السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك)) (٨).
تفرد به أيضاً من هذا السياق وأطول فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا
ـّا قال: إن رسول الله ول
إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر (
(١) المصدر السابق (ح ٧٤١٤)، والمسند ٤٢٩/١، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح٢٧٨٦)، وسنن
الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الزمر (ح٣٢٣٨)، والسنن الكبرى، التفسير (ح١١٤٥١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧٨/١)، وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]
(ح ٧٤٥١)، وصحيح مسلم، صفة القيامة (ح ٢١/٢٧٨٦)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٥٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢٦/٤ ح٢٢٦٧)، وقال محققوه: حسن لغيره.
(٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الزمر (ح ٣٢٤٠).
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبَضَتُهُ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]
ح ٤٨١٢).
(٧) صحيح مسلم، صفة القيامة (ح ٢٧٨٧).
(٨) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ ﴾ [صَ: ٧٥]
ح٧٤١٢).

٤٦٨
• سُورَةُ الرَّزِّ (٦٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (49) ورسول الله وَله يقول هكذا بيده
يحركها: يُقبل بها ويُدبر ((يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم))
فرجف برسول الله وَ﴿ المنبر حتى قلنا ليخرنَّ به(١). وقد رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من
حديث عبد العزيز بن أبي حازم زاد مسلم ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي حازم، عن
عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر ظًا به نحوه. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا
الحديث أنه نظر إلى عبد الله بن عمر ﴿ا كيف يحكي النبي ولو قال: يأخذ الله تبارك وتعالى
سمواته وأرضيه بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر
يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله وَالية (٢)؟
وقال البزار: حدثنا سليمان بن سيف، حدثنا أبو علي الحنفي، حدثنا عباد المنقري، حدثني
ثمّ قال: إن رسول الله وَ قرأ هذه الآية على
محمد بن المنكدر قال: حدثنا عبد الله بن عمر
المنبر ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حتى بلغ ﴿سُبْحَنَهُ وَتَعَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فقال المنبر هكذا فجاء
وذهب ثلاث مرات(٣). والله أعلم، ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبيد بن
عمير، عن عبد الله بن عمرو ◌ًا وقال صحيح.
وقال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي، حدثنا حيان بن
نافع، عن صخر بن جويرية، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن
[خنيس] (٤)، عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير ظُه قال: قال رسول الله واله
لنفر من أصحابه ﴿ه: ((إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمر فمن بكى منكم وجبت له
الجنة)) فقرأها رَّ من عند: ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ فَدْرِهِ، ... ﴾ إلى آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا
من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك فقال ◌َّير: ((إني
سأقرؤها عليكم فمن لم يبك فليتباك))(٥). هذا حديث غريب جداً، وأغرب منه ما رواه في
المعجم الكبير أيضاً: حدثنا هاشم بن زيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي،
حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله وَله:
((إن الله تعالى يقول: ثلاث خلال غيبتهن عن عبادي لو رآهن رجل ما عمل بسوء أبداً: لو كشفت
غطائي فرآني حتى استيقن، ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم؟ وقبضت السموات بيدي ثم
قبضت الأرضين، ثم قلت: أنا الملك من ذا الذي له الملك دوني فأَريهم الجنة وما أعددتُ لهم
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٧٢) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، صفة القيامة (ح٢٧٨٨)، والسنن الكبرى للنسائي (ح٧٦٨٩)، وسنن ابن ماجه، المقدمة،
باب فيما أنكرت الجهمية (ح١٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٤٤٩).
(٣) سنده ضعيف لأن عباد بن ميسرة المنقري لين الحديث (التقريب ص٢٩١).
(٤) كذا في (حم) و(مح)، والمعجم الكبير للطبراني، وفي الأصل صُحف إلى: ((حبيس)).
(٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٩٨/٢ ح٢٤٥٩)، وسنده ضعيف جداً لأن بكر بن خنيس
متروك (مجمع الزوائد ٧/ ١٠٤).

٤٦٩
سُورَةُ الرََّّزّ (٦٨، ٧٠)
فيها من كل خير، فيستيقنوها وأُريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن
عمداً غيّبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون وقد بينته لهم)) (١). وهذا إسناد متقارب وهي نسخة
تروى بها أحاديث جمة والله أعلم.
- ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ اَلْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِاْتَّ بِلنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ
٦٨
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ
٧٠
وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
٦٩
بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
يقول تعالى مخبراً عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة
فقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الشُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ هذه النفخة
هي الثانية وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السموات والأرض إلا من
شاء الله كما جاء مصرحاً به مفسراً في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى
يكون آخر من يموت ملك الموت وينفرد الحي القيوم الذي كان أولاً وهو الباقي آخراً بالديمومة
والبقاء ويقول: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمٌ﴾ [غافر: ١٦]، ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: ﴿اللَّهِ
الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء وحكمت بالفناء على كل
شيء، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل ويأمره أن ينفخ بالصور مرة أخرى وهي النفخة الثالثة
نفخة البعث قال الله رَى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَفْظُرُونَ﴾ أي: أحياء بعدما كانوا عظاماً
ورفاتاً صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ﴾ فَإِذَا
هُم بِالسَّاهِرَةِ ﴾﴾ [النازعات]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْنَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِن ◌َِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
(63)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَئِهِ: أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهٍ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِّنَ
الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم].
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم قال: سمعت
يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت رجلاً قال لعبد الله بن عمرو ضًا إنك تقول
الساعة تقوم إلى كذا وكذا قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئاً إنما قلت سترون بعد قليل أمراً
عظيماً، ثم قال عبد الله بن عمرو ﴿ها: قال رسول الله وسلم: ((يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم
أربعين لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً أو أربعين ليلة، فيبعث الله تعالى عيسى
ابن مريم عليه الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيظهر فيهلكه الله تعالى ثم يلبث الناس
بعده سنين سبعاً ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله تعالى ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في
قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى لو أنّ أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه)) قال: سمعتها
من رسول الله ◌َقيقة: ((ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا يُنكرون
منكراً قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، فيعبدونها وهم في
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٩٤/٣) وسنده ضعيف لأن محمد بن إسماعيل بن عياش لم
یسمع من أبيه.

٤٧٠
• سُوَرَّةُ الزَُِّّزّ (٧٠،٦٨)
ذلك دارة أرزاقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى له وأول من يسمعه
رجل يلوط حوضه فيصعق ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله أو ينزل الله مطراً كأنه الظَّل - أو
الظل شك نعمان - فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يُقال: أيها
الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوَُّ إِنَّهُم ◌َسْتُولُونَ ﴾ [الصافات] قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار
قال: فيُقال: كم؟ فيُقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيومئذٍ تبعث الولدان شيباً ويومئذٍ
يكشف عن ساق))(١). انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه(٢).
حديث أبي هريرة
وقال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا
صالح، قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث عن النبي ◌َّ﴿ وقال: ((ما بين النفختين
أربعون)) قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال رضي الله تعالى عنه: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟
قال: أبيت، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت. ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه
يركب الخلق(٣).
وقال أبو يعلى: حدثنا يحيى بن معين، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن
عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة له، عن النبي وَلو قال: ((سألت
جبريل عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ
إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ﴾)) من الذين لم يشأ الله تعالى أن يصعقهم؟ قال: ((هم الشهداء يتقلدون أسيافهم
حول عرشه تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير مد
خطاها مد أبصار الرجال يسيرون في الجنة يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا لننظر
كيف يقضي بين خلقه؟ يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه)) (٤).
رجاله كلهم ثقات إلا شيخ إسماعيل بن عياش فإنه غير معروف والله ◌َ أعلم. وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ
الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا﴾ أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق تبارك وتعالى للخلائق لفصل القضاء.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ﴾ قال قتادة: كتاب الأعمال ﴿وَجِاْتَّ بِلنَّيْنَ﴾.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوا رسالات الله إليهم
﴿وَالشُّهَدَآءِ﴾ أي: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم
بِلْحَقِ﴾ أي: بالعدل ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَتَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ
نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وقال
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَُّنْهُ أَجْرًّا عَظِيمًا
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٦/٢) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال (ح ٢٩٤٠).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَنُفِخَ فِى اُلُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِى
الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] ح ٤٨١٤).
(٤) أخرجه الحاكم من طريق أبي أسامة عن عمر بن محمد به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٥٣/٢) وفيه
متابعة إسماعيل بن عياش وشیخه.

٤٧١
• سُوَرَّةُ الْفَزِّ (٧١، ٧٤)
[النساء] ولهذا قال: ﴿وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ أي: من خير وشر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
- ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًّا حَتَّىَ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَُهَا أَلَمَّ
يأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ
قِيلَ أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَاً فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُنَّكَذِينَ
اُلْعَذَابِ عَلَى الْكُفِرِينَ
يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار وإنما يساقون سوقاً عنيفاً، بزجر
وتهديد ووعيد كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَغًا ﴾﴾ [الطور] أي: يدفعون إليها
دفعاً، وهذا وهم عطاش ظماء كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَوَمَ نَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٥)
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾﴾ [مريم]، وهم في تلك الحال صم وبكم وعمي منهم من يمشي
على وجهه ﴿وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبُكْمًا وَصُمَّا مَّأْوَهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَتْ زِدْنَهُمْ
سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧].
وقوله: ﴿حَّ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعاً لتعجل
لهم العقوبة ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية الذين هم غلاظ الأخلاق شداد القوى على وجه التقريع
والتوبيخ والتنكيل ﴿أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُ﴾ أي: من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم.
﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه
﴿وَيُذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم، فيقول الكفار لهم ﴿بَلَ﴾ أي:
قد جاءونا وأنذرونا وأقاموا علينا الحجج والبراهين ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾
أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا من الشقوة التي كنا نستحقها حيث عدلنا عن الحق
إلى الباطل كما قال تعالى مخبراً عنهم في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا أُلْفِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَلَهُمْ خَفْهَا أَلَمْ يَأْيِّكُ
نَذِيرٌ ﴾ قَالُواْ بَ قَدْ جَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَّلَ اللهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِ ضَلَلِ كَبِيرٍ ﴿ وَقَالُواْ لَوْ
كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَا فِ أَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك] أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة
﴿فَاعْتَرَفُواْ بِذَئِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَبِ السَّعِيرِ ﴾﴾ [الملك] أي: بعداً لهم وخساراً.
وقوله ههنا: ﴿قِيلَ أَدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: كل من رآهم وعلم حالهم يشهد
عليهم بأنهم مستحقون للعذاب، ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين بل أطلقه ليدل على أن
الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم ولهذا قال جلَّ
وعلا: ﴿قِيْلَ أَدْخُلُوْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا خروج لكم منها ولا زوال
لكم عنها ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُنَّكَِّينَ﴾ أي: فبئس المصير وبئس المقيل لكم بسبب تكبركم في الدنيا
وإبائكم عن اتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه فبئس الحال وبئس المآل.
- ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًّاً حَقَّى إِذَا جَءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَرَفَتُهَا
وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَثَنَا الْأَرْضَ نَقَبَوَّأُ
سَلَمُ عَلَيْكُمْ لِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ
مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ
وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حيث يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة زمراً؛ أي:

٤٧٢
• سُوَرَّةُ الزَُِّّزّ (٧٣، ٧٤)
جماعة بعد جماعة: المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من
يناسبهم: الأنبياء والصديقون مع أشكالهم والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم وكل
صنف مع صنف كل زمرة يناسب بعضها بعضاً ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إلى أبواب الجنة
بعد مجاوزة الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا
حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا
إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول فيقصدون آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم
موسى ثم عيسى ثم محمداً وَ﴿ وعليهم أجمعين كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم
إلى الله ك أن يأتي لفصل القضاء ليظهر شرف محمد ﴿ على سائر البشر في المواطن كلها،
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس عظُبه قال: قال رسول الله وَله: ((أنا أول شفيع في الجنة))(١)
وفي لفظ لمسلم: ((وأنا أول من يقرع باب الجنة))(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك عظُبه قال:
قال رسول الله عليه: ((آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: محمد،
قال: فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك))(٣). ورواه مسلم عن عمرو بن محمد الناقد
وزهير بن حرب كلاهما، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان وهو ابن المغيرة القيسي،
عن ثابت، عن أنس څبه به(٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة
قال: قال رسول الله صل ى: ((أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون
فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة
ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا
اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله تعالى بكرة وعشياً))(٥). ورواه
البخاري عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك(٦). ورواه مسلم عن محمد بن رافع، عن
عبد الرزاق كلاهما عن معمر بإسناده نحوه(٧)، وكذا رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة
رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله { آ(٨) .
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي
ـّه قال: قال رسول الله وَالله: ((أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر
زرعة، عن أبي هريرة
(١) صحيح مسلم، الإيمان، باب قول النبي عليه: ((أنا أول الناس يشفع في الجنة)) (ح ٣٣٠/١٩٦).
(٢) المصدر السابق (ح٣٣١/١٩٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٦/٣) وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم - الباب السابق - (ح ١٩٧).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٦/٢)، وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٤٥).
(٧) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها (٢٨٣٤).
(٨) صحيح البخاري، الباب السابق، (ح٣٢٤٦).

٤٧٣
• سُوَرَّةُ الرَّزّ (٧٣، ٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ليلة البدر والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب درّي في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون
ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب والفضة، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة
وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في
السماء))(١). وأخرجاه أيضاً من حديث جرير(٢).
وقال الزهري: عن سعيد، عن أبي هريرة به، عن رسول الله وَالر قال: ((يدخل الجنة من
أمتي زمرة هم سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر)) فقام عكاشة بن محصن فقال:
يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: ((اللَّهم اجعله منهم)) ثم قام رجل من الأنصار
فقال: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم. فقال ◌َلجر: ((سبقك بها عكاشة)) أخرجاه(٣)
وقد روى هذا الحديث - في السبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب - البخاري ومسلم، عن ابن
عباس ظًا وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وابن مسعود ورفاعة بن عرابة الجهني وأُم قيس
بنت محصن ﴿ه، ولهما عن أبي حازم، عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله واله
قال: ((ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألفٍ آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم
وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر))(٤).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد قال: سمعت أبا
أمامة الباهلي ظُبه يقول: سمعت رسول الله وَّيل يقول: ((وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي
سبعون ألفاً مع كل ألف سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب وثلاث حثيات من حثيات
ربي ))(٥). وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن [سليم](٦) بن عامر، عن
أبي اليمان عامر بن عبد الله بن لحيّ، عن أبي أمامة (٧). ورواه الطبراني عن عتبة بن عبد السلمي:
(ثم مع كل ألف سبعين ألفاً))(٨). ويروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري وله شواهد من
وجوه كثيرة.
وقوله: ﴿حََّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنْهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾
لم يذكر الجواب ههنا، وتقديره حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكراماً
(١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٤٧٠/١٠ ح ٦٠٨٤)، وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح ٣٣٢٧)، وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها
(ح ٢٨٣٥/ ١٧).
(٣) صحيح البخاري، اللباس، باب البرود والحبر والشملة (ح٥٨١١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل
على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (ح٣٦٩/٢١٦).
(٤) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح٣٢٤٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، الباب
السابق (ح٢١٩).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٤٧١/١١)، وأخرجه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن عياش به
(السنن، الزهد، باب صفة أمة محمد { ل ح٤٢٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه
(ح٣٤٥٩).
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحف إلى: (حكيم)).
(٧) المعجم الكبير (١٨٧/٨).
(٨) المعجم الكبير (١٢٦/١٧).

٤٧٤
• سُورَةُ الزَُِّّزّ (٧٣، ٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وتعظيماً وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء لا كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب
والتأنيب، فتقديره إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم،
وإذا حذف الجواب ههنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل، ومن زعم أن الواو في
قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾ واو الثمانية واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية فقد أبعد النجعة
وأغرق في النزع(١)، وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن،
العبّه قال: قال رسول الله وَله: ((من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دُعي
عن أبي هريرة
من أبواب الجنة وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من
أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان
من أهل الصيام دُعي من باب الريان)) فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله ما على
أحد من ضرورة دُعي من أيها دُعي فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال وَّى: ((نعم
وأرجو أن تكون منهم)) (٢). رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه(٣).
صّ له أن رسول الله وَلّ قال:
وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد
((إن في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون)) (٤).
وفي صحيح مسلم، عن عمر بن الخطاب ظانه قال: قال رسول الله وَلفيه: ((ما منكم من أحد
يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا
فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء)) (٥).
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين،
عن شهر بن حوشب، عن معاذ ظه قال: قال رسول الله وَله: ((مفتاح الجنة: لا إله إلا الله))(٦).
ذكر سعة أبواب الجنة - نسأل الله من فضله العظيم أن يجعلنا من أهلها -:
وفي الصحيحين من حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة ظه في حديث الشفاعة الطويل:
((فيقول الله تعالى: يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن وهم شركاء
الناس في الأبواب الأخر، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ما
بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر (٧) - أو هجر ومكة - وفي رواية مكة وبُصرى(٨)(٩).
(١) واستبعد هذا القول العلامة ابن قيم الجوزية (بدائع الفوائد ٥٤/٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦٨/٢)، وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، الصوم، باب الريان للصائمين (ح١٨٩٧)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب من جمع الصدقة
وأعمال البر (ح١٠٢٧).
(٤) صحيح البخاري، الباب السابق (ح١٨٩٦)، وصحيح مسلم، الصيام (ح ١١٥٢).
(٥) صحيح مسلم، الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (ح٢٣٤).
(٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق إسماعيل بن عياش، وضعفه محققوه للانقطاع بين شهر ومعاذ به (المسند
٤١٨/٣٦ ح٢٢١٠٢).
(٧) هي قرية في البحرين.
(٩) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٧٩ في آخرها .
(٨) هي مدينة في سوريا.

٤٧٥
سُورَةُ الزَِّّزّ (٧٣، ٧٤)
وفي صحيح مسلم، عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها: ولقد ذكر لنا أن ما بين
مصراعين من مصاريع الجنة أربعين سنة، وليأتيَّن عليه يوم وهو كظيظ من الزحام(١).
وفي المسند عن حكيم بن معاوية، عن أبيه ته، عن رسول الله وَي مثله(٢).
وقال عبد بن حميد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي
الهيثم، عن أبي سعيد عظته، عن رسول الله وَ * قال: ((إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة
أربعين سنة))(٣).
وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَمُ عَلَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ﴾ أي: طابت أعمالكم وأقوالكم وطاب سعيكم
وطاب جزاؤكم كما أمر رسول الله ﴿ أن ينادي بين المسلمين في بعض الغزوات ((إن الجنة لا
يدخلها إلا نفس مسلمة (٤) - وفي رواية - مؤمنة)).
وقوله: ﴿فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ أي: ماكثين فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر والعطاء
والنعيم المقيم والملك الكبير يقولون عند ذلك ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: الذي
كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام كما دعوا في الدنيا ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخِزْنَا
)﴾ [آل عمران]، ﴿وَقَالُواْ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنْنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ
يَوْمَ اٌلْقِيَمَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْيَعَادَ
لَوْلَآ أَنْ هَدَنَا اللهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِاَلَيِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا
الَّذِىّ أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَا فِهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَشُنَا
اْخَزَنَّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ
(٣٥)﴾ [فاطر] .
فِيَهَا لُغُوبٌ
وقوله: ﴿وَأَوَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَيَعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾. قال أبو العالية وأبو
صالح وقتادة والسدي وابن زيد؛ أي: أرض الجنة(٥). فهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا
فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ (٣)﴾ [الأنبياء]، ولهذا قالوا: ﴿نَتَبَوَّأُ
مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٌ﴾ أي: أين شئنا حللنا فنعم الأجر أجرنا على عملنا.
وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس به في قصة المعراج قال النبي تليفون: ((أدخلت
الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك))(٦).
وقال عبد بن حميد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي
نضرة، عن أبي سعيد ظبه قال: إن رسول الله وَ ﴿ سأل ابن صائد، عن تربة الجنة، فقال:
(١) صحيح مسلم، الزهد (ح ٢٩٦٧).
(٢) (المسند ٣/٥) وسنده حسن.
(٣) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب رقم ٩٢٤) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.
(٤) أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود الله (صحيح البخاري، الرقاق، باب الحشر ح٦٥٢٨، وصحيح
مسلم، الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة ح٢٢١/ ٣٧٧).
(٥) قول أبي العالية أخرجه هناد بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه (الزهد رقم ١٥٩)، وقول قتادة أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق
أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٦) تقدم تخريجه في بداية تفسير سورة الإسراء.

٤٧٦
• سُوَّرَّةُ الزُِّزّ (٧٣، ٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
دَرْمَكَةُ (١) بيضاء مسك خالص، فقال رسول الله وَاليه: ((صدق))(٢). وكذا رواه مسلم من حديث أبي
سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ربه به، ورواه مسلم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن
أبي أُسامة، عن الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ◌َُّه قال: إن ابن صائد سأل
رسول الله (ص84* عن تربة الجنة فقال: ((در مكة بيضاء مسك خالص))(١
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبي غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا إسرائيل، عن
أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ظُه في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ
أَنَّقَوْاْ رَبَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ قال: سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة، فوجدوا عندها
شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة
النعيم، فلم تغير أبشارهم بعدها أبداً ولم تُشعَث أشعارهم أبداً بعدها، كأنما دهنوا بالدهان ثم
عمدوا إلى الأخرى كأنما أمروا بها فشربوا منها فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى،
وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ ◌ِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ﴾ وتلقى كل غلمان
صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة أبشر قد أعدَّ الله لك من الكرامة كذا
وكذا، وقد أعدَّ الله لك من الكرامة كذا وكذا.
قال: وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان باسمه في الدنيا.
فيقلن: أنت رأيته؟ فيقول: نعم. فيستخفهنَّ الفرح حتى تخرج إلى أسكفة الباب. قال: فيجيء
فإذا هو بنمارق مصفوفة وأكواب موضوعة وزرابي مبثوثة، قال: ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا
هو قد أسس على جندل (٤) اللؤلؤ بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض ومن كل لون، ثم يرفع طرفه
إلى سقفه فلولا أن الله تعالى قدره له لألم أن يذهب ببصره إنه لمثل البرق ثم ينظر إلى أزواجه
من الحور العين ثم يتكئ على أريكة من أرائكه ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنََّ
لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اللّهُ﴾(٥) [الأعراف: ٤٣].
ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا سلمة بن جعفر
البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن علياً ظبه كان ذات يوم عند رسول الله وَّيهم فقال
النبي ◌َّهو: ((والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون - أو يؤتون - بنوق لها أجنحة
وعليها رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع
من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا
تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون - أو فيأتون - باب
الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها
(١) أي: المسك الخالص والدرمك الدقيق الأبيض خالص البياض.
(٢) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب رقم ٨٧٦)، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق الجريري
به (الصحیح الفتن، باب ذکر ابن صياد ح٢٩٢٨).
(٣) المصدر السابق ٩٢/٢٩٢٨ و٩٣.
(٤) أي: القبة.
(٥) أخرجه عبد الرزاق عن معمر، وابن أبي شيبة (المصنف ٧٤/٨)، كلاهما من طريق إسرائيل به، وسنده
حسن .

٤٧٧
• سُوْرَةُ الزَُِّّزّ (٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
طنين بأعلى، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيِّمها، فيفتح لها فإذا رآه خرّ له - قال
مسلمة أراه قال ساجداً - فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيِّمك وُكِّلتُ بأمرك فيتبعه ويقفو أثره،
فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر الياقوت حتى تعتنقه ثم تقول: أنت حبي وأنا
حِبّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط،
وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بناؤه على جندل
اللؤلؤ: طرائق أصفر وأخضر وأحمر ليس فيها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريراً،
على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ
ساقها من باطن الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد
((أنهار من ماء غير آسن))، قال: صافٍ لا كدر فيه، ((وأنهار من لبن لم يتغير طعمه))، قال: لم
يخرج من ضروع الماشية: ((وأنهار من خمرة لذة للشاربين)) قال: لم تعصرها الرجال بأقدامهم،
((وأنهار من عسل مصفى))، قال: لم يخرج من بطون النحل، يستجني الثمار فإن شاء قائماً وإن
﴾ [الإنسان] فيشتهي
شاء قاعداً وإن شاء متكئاً، ثم تلا ﴿وَدَانِيَّةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا (وَ)
الطعام فيأتيه طير أبيض - قال: وربما قال: أخضر - قال: فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها؛
أي: الألوان شاء ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم تلكم الجنة أورثتموها بما
كنتم تعملون، ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت في الأرض لأضاءت الشمس معها سواداً في
نور))(١). هذا حديث غريب وكأنه مرسل، والله أعلم.
] ﴿وَتَرَى الْمَلَئِكَةَ حَافِيْنَ مِنْ حَوّلِ الْعَشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمٌّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار وأنه نزّل كلّاً في المحل الذي يليق به ويصلح له
وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد
يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل
القضية وقضي الأمر وحكم بالعدل ولهذا قال: ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الخلائق ﴿بِالْقِ﴾ .
ثم قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: نطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمه لله رب العالمين
بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع
المخلوقات شهدت له بالحمد.
قال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام:
١]، واختتم بالحمد في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(٢) .
(١) سنده ضعيف لضعف أبي معاذ البصري وهو سليمان بن أرقم. كما في التقريب.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة.

٤٧٨
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000
07 00000
POD
00C
.00000
سُورَةٌ غَافِلٍ
وهي مكية
قد كره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال: الحواميم، وإنما يقال: آل حم (١).
قال عبد الله بن مسعود نظره: آل حم ديباج(٢) القرآن(٣).
وقال ابن عباس ﴿ّ: إن لكل شيء لباباً ولباب القرآن آل حم أو قال: الحواميم(٤).
وقال مسعر بن كدام: كان يُقال لهنَّ: العرائس(٥)، وروى ذلك كله الإمام العالم أبو
عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب (فضائل القرآن).
وقال حميد بن زنجويه: حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي
الأحوص، عن عبد الله رَؤُبه قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلاً فمرَّ بأثر
غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمئات(٦) فقال: عجبت من الغيث
الأول فهذا أعجب وأعجب، فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء
الروضات الدمئات مثل آل حم في القرآن. أورده البغوي(٧).
وقال ابن لهيعة: عن يزيد بن أبي حبيب، أن الجراح بن أبي الجراح حدثه، عن ابن عباس ﴿
قال: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم(٨).
وقال ابن مسعود ◌َله: إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات أتأنق فيهن(٩).
وقال أبو عبيد: حدثنا الأشجعي، حدثنا مسعر هو ابن كدام، عمن حدثه، أن رجلاً رأى أبا
(١) أخرجه أبو عبيد بسند صحيح عن محمد بن سيرين (فضائل القرآن ص ١٨٧).
(٢) الديباج نوع من الثياب يصنع من الإبريسم (ينظر النهاية ٢/ ٩٧).
(٣) أخرجه مسلم بن خالد الزنجي في تفسيره (ص٦١)، وأبو عبيد (المصدر السابق)، وابن أبي شيبة (المصنف
٧/ ٢٠٣)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٤٣٧) كلهم من طريق مجاهد، عن ابن مسعود، وسكت عنه الحاكم
والذهبي، إلا أن مجاهداً لم يسمع من ابن مسعود.
(٤) أخرجه أبو عبيد والبغوي بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن ابن عباس (التفسير ٩٠/٤).
(٥) أخرجه الدارمي من طريق مسعر عن سعد بن إبراهيم (السنن، فضائل القرآن، باب في فضل حم والدخان
والحواميم ٤٥٨/٢). وسنده صحيح إلى سعد لكنه مقطوع.
(٦) أي: لينات التربة.
(٧) أخرجه البغوي من طريق حميد بن زنجويه به (التفسير ٩٠/٤) وسنده حسن.
(٨) سنده ضعيف تقدم في حاشية رقم (٤).
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق معن بن عبد الرحمن عن ابن مسعود (المصنف ٢٠٣/٧)، وسنده ضعيف
لأن معناً لم يسمع من ابن مسعود.

٤٧٩
سُورَةُ زفالٍ (١، ٣)
الدرداء به يبني مسجداً فقال له: ما هذا؟ فقال: أبنيه من أجل آل حم (١)، وقد يكون هذا
المسجد الذي بناه أبو الدرداء ظه هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق، وقد يكون
صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وضع له فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء كما قال
رسول الله يقول لأصحابه في بعض الغزوات: ((إن بيَّتم الليلة فقولوا: حم لا ينصرون - وفي رواية:
لا تنصرون ))(٢).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن الحكم بن ظبيان بن خلف المازني ومحمد بن
الليث الهمداني قالا: حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن
زُرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ◌ُبه قال: قال رسول الله وَلي: ((من قرأ آية
الكرسي وأول حم المؤمن عصم ذلك اليوم من كلِّ سوء)» ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا
الإسناد. ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال: تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه(٣).
بسم الله الرحمن الرحيم
تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ
ذِى الَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ
﴿حم
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته لههنا،
وقد قيل: إن ﴿حم Q) اسم من أسماء الله رَق (٤)، وأنشدوا في ذلك بيتاً:
يذكرني حمّ والرمح شاجر فهلا تلا حمّ قبل التقدم(٥)
وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن
المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني مَن سمع رسول الله وَّه يقول: ((إن بيَّتم الليلة فقولوا: حمّ لا
ينصرون))(٦). وهذا إسناد صحيح، واختار أبو عبيد أن يروى فقولوا: حم لا ينصروا؛ أي: إن
قلتم ذلك لا ينصروا جعله جزاءً لقوله: فقولوا.
وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾﴾ أي: تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من الله
ذي العزة والعلم فلا يرام جنابه ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢٠٣/٧) وأبو عبيد (فضائل القرآن ص ١٨٧) كلاهما من طريق رجل مبهم
عن أبي الدرداء، وسنده ضعيف بسبب الإبهام.
(٢) سيأتي تخريجه في تفسير الآية الأولى.
(٣) أخرجه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي به (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في
فضل سورة البقرة وآية الكرسي ح٢٨٧٩). وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن (التقريب ص٣٣٧).
(٤) أخرجه البستي والطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٥) استشهد به أبو عبيدة (مجاز القرآن ١٩٣/٢)، والطبري ونسبه إلى شُريح بن أوفى العبسي.
(٦) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الرجل ينادي بالشعار (ح٢٥٩٧)، وسنن الترمذي، الجهاد، باب ما جاء
في الشعار (ح٢٦٨٢) وصحح سنده الحافظ ابن كثير والألباني (صحيح سنن أبي داود ح ٢٢٦٢)، وأخرجه
الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٠٧).

٤٨٠
سُورَةُ غَافِلٍ (١، ٣)
·
8000000000000000000000000000000 000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّبِ﴾ أي: يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن
تاب إليه وخضع لديه.
وقوله: ﴿شَدِيدِ اٌلْعِقَابِ﴾ أي: لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى
وبغى وهذه كقوله: ﴿﴿ نَبِىّ عِبَادِىّ أَنِ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (﴿ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيرُ
٥٠
[الحجر]، يقرن هذين الوصفين كثيراً في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء
والخوف.
وقوله تعالى: ﴿ذِى اُلَّوْلِ﴾ قال ابن عباس: يعني السعة والغنى(١)، وهكذا قال مجاهد
وقتادة(٢) .
وقال يزيد بن الأصم: ﴿فِى الَّوْلٌ﴾ يعني: الخير الكثير.
وقال عكرمة: ﴿ذِى الطَوْلِ﴾ ذي المن(٣).
وقال قتادة: ذي النعم،
والفواضل، والمعنى أنه المتفضل على عباده المتطول عليهم بما هم
(٤)
فيه من المنة والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لَا تُحْصُوهَاَ﴾
الآية [إبراهيم: ٣٤].
وقوله: ﴿لََّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ﴾ أي: لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره فلا إله ولا رب سواه
﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب فيجازي كل عامل بعمله ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١].
وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: جاء رجل إلى عمر بن
الخطاب به فقال: يا أمير المؤمنين إني قتلت فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر له: ﴿حمّ ﴾
تَنْزِيلُ اَلْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِمِ ﴾ غَافِرِ الذَّتْبِ وَقَائِلِ التَّبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ وقال: اعمل ولا
تيأس(٥). رواه ابن أبي حاتم: واللفظ له وابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا عمر - يعني ابن
أيوب -، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس،
وكان يفد إلى عمر بن الخطاب ظُه ففقده عمر فقال: ما فعل فلان بن فلان، فقالوا: يا أمير
المؤمنين تتابع في هذا الشراب. قال: فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى
فلان بن فلان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب
شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن
يقبل بقلبه ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر ظُه جعل يقرؤه ويردده ويقول: غافر
الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٦/ ٤٠٠)، والطبري كلاهما من طريق أبي بكر بن عياش به، وسنده ضعيف
لأن أبا إسحاق السبيعي لم يسمع من عمر