النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
• سُورَلاَظِ﴾ (٣٤، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
خير منها، وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا
أسرع وخير من الخيل(١).
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي
قتادة وأبي الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا: أتينا على رجل من أهل البادية فقال لنا
البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﴿ فجعل يعلمني مما علمه الله تعالى وقال: ((إنك لا تدع شيئاً
اتقاء الله تعالى إلا أعطاك الله ك خيراً منه))(٢).
جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ،
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًاً لَّا
١٣٤
وَالشَّيَطِيْنَ كُلَّ
﴿ فَسَخَّنَا لَهُ الْرِّيَجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رُغَةً حَيْثُ أَصَابَ (ج)
يَكْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ (
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا
وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِ الْأَصْفَادِ ﴿ هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
.((
◌ُلْفَ وَحُسْنَ مَثَابٍ
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ﴾ أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ، جَسَدًا﴾ قال
ابن عباس طًا ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم يعني: شيطاناً(٣) ﴿ثُمَّ أَنَبَ﴾ أي:
رجع إلى ملكه وسلطانه وأُبهته.
قال ابن جرير: وكان اسم ذلك الشيطان صخراً، قاله ابن عباس وقتادة(٤).
وقيل: آصف، قاله مجاهد(٥)
وقيل: آصر، قاله مجاهد أيضاً (٦).
وقيل: حبقيق، قاله السدي(٧)، وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة.
وقد قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: أمر سليمان عليه الصلاة والسلام ببناء بيت
المقدس فقيل له: ابنه ولا يسمع فيه صوت حديد، قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه، فقيل: إن
شيطاناً في البحر يقال له: صخر شبه المارد. قال: فطلبه وكانت في البحر عين يردها في كل
سبعة أيام مرة فنزع ماءها وجعل فيها خمراً فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر. فقال: إنك لشراب
(١) ولكن ما قاله الطبري هو الصحيح الذي استند على رواية الصحابي الجليل بن عباس ظُه، وأما القول
الآخر فمشهور في كتب أهل الكتاب.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٢/٣٤ ح ٢٠٧٣٨)، وصحح سنده محققوه، وقال الهيثمي:
رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٩٦/١٠).
(٣) قول ابن عباس: أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى برواية علي بن أبي طلحة عن
ابن عباس بلفظ: ((صخر الجنّ)) أخرجها الطبري أيضاً، وأخرجه الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق ابن
أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، وأخرجه
الطبري أيضاً بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بالسندين المتقدمين عنهما .
(٥) أخرجه الطبري بالسند المتقدم.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي في خبر طويل في آخره.

٤٢٢
سُورَة ضِ﴾ (٣٤، ٤٠)
طيب، إلا أنكِ تُصبين(١) الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً، قال: ثم رجع حتى عطش عطشاً شديداً
ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلاً، قال: ثم شربها
حتى غلب على عقله قال: فأُري الخاتم أو ختم به بين كتفيه فذل، قال: وكان ملكه في خاتمه
فأتى به سليمان عليه الصلاة والسلام فقال: إنَّا قد أمرنا ببناء هذا البيت.
وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى ببيض الهدهد، فجعل عليه زجاجة فجاء
الهدهد فدار حولها فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليها فقطعها به
حتى أفضى إلى بيضه فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة، وكان سليمان عليه الصلاة
والسلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخل بالخاتم فانطلق يوماً إلى الحمام، وذلك
الشيطان صخر معه وذلك عند مقارفة قارف فيها بعض نسائه. قال: فدخل الحمام وأعطى
الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة ونزع ملك سليمان منه، وألقي على الشيطان شبه
سليمان قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه فجعل يقضي
بينهم وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: فتن نبي الله، وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن
الخطاب به في القوة فقال: والله لأجربنه قال: فقال: يا نبي الله وهو لا يرى إلا أنه نبي الله
أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمداً حتى تطلع الشمس أترى عليه بأساً؟ قال:
لا فبينما هو كذلك أربعين ليلة إذ وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني
ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم ﴿وَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر(٢).
وقال السدي: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيَْنَ﴾ أي: ابتلينا سليمان ﴿وَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَدًا﴾ قال: شيطاناً
جلس على كرسيه أربعين يوماً قال: كان لسليمان عليه الصلاة والسلام مائة امرأة وكانت امرأة
منهم يقال لها جرادة وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولم
يأمن عليه أحداً من الناس غيرها فأعطاها يوماً خاتمه ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته
فقال: هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان عليه الصلاة والسلام وخرج
سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا وخرج وكأنه تائه
ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوماً قال فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل
وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا لهن: إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد
ذهب عقله وأنكرنا أحكامه. قال: فبكى النساء عند ذلك. قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوه
فأحدقوا به ثم نشروا يقرءون التوراة. قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه
ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر.
وقال: وأقبل سليمان عليه الصلاة والسلام في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من
صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فسألهم من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان. فقام إليه
بعضهم فضربه بعصى فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم
(١) أي: تجعلينه يفعل فعل أهل اللهو.
(٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة به. وهو من الإسرائيليات.

٤٢٣
سُورَةَ صِزْ﴾ (٣٤، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الذي ضربه فقالوا: بئس ما صنعت حيث ضربته. قال: إنه زعم أنه سليمان، قال: فأعطوه
سمكتين مما قد مذر عندهم ولم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشقَّ
بطونهما فجعل يغسل فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فردّ الله عليه بهاءه وملكه
فجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان عليه الصلاة والسلام، فقام القوم يعتذرون
مما صنعوا فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الأمر لا بدّ
منه. قال: فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من
حديد ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه حتى
تقوم الساعة، وكان اسمه: حقيق(١). قال: وسخر الله له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك
وهو قوله: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَلْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ .
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا﴾ قال
شيطانا يقال: له آصف، فقال له سليمان عليه الصلاة والسلام: كيف تَفتنون الناس؟ قال: أرني
خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان عليه الصلاة والسلام وذهب
ملكه وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله تبارك وتعالى من نساء سليمان فلم يقربهنّ ولم يقربنه
وأنكرنه. قال: فكان سليمان عليه الصلاة والسلام يستطعم فيقول: أتعرفوني؟ أطعموني أنا
سليمان، فيكذبونه حتى أعطته امرأة يوماً حوتاً ففتح بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه
وفرَّ آصف فدخل البحر(٢).
وأرى هذه كلها من الإسرائيليات، ومِن أَنكرِها ما قاله ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن
الحسين، حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا: حدثنا أبو معاوية،
أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ◌ًّا في قوله تعالى:
﴿وَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ﴾ قال: أراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يدخل الخلاء
فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة
سليمان، فقال: لها: هاتي خاتمي. فأعطته إياه، فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين،
فلما خرج سليمان عليّ من الخلاء. قال لها: هاتي خاتمي. قالت: أعطيته سليمان [قال: أنا
سليمان. قالت: كذبت](٣) لست بسليمان فجعل لا يأتي أحداً يقول له أنا سليمان إلا كذبه حتى
جعل الصبيان يرمونه بالحجارة فلما رأى ذلك سليمان عرف أنه من أمر الله رغبت .
قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله تبارك وتعالى أن يردّ على سليمان سلطانه
ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان. قال: فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهنَّ: أتنكرنَّ
من سليمان شيئاً؟ قلن: نعم، إنه يأتينا ونحن حُيَّض وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان
أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتباً فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وهو من الإسرائيليات.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به، وهو من الإسرائيليات.
(٣) زيادة من (حم) و(مح).

٤٢٤
• سُورَةُ ظٍِ﴾ (٣٤، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أثاروها وقرءوها على الناس، وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفرَ الناسُ
سليمانَ عليه الصلاة والسلام فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في البحر
فتلقته سمكة فأخذته، وكان سليمان ظلَّلا يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكاً
فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان عليه الصلاة والسلام فقال: تحمل لي هذا
السمك؟ فقال: نعم. قال: بكم؟ قال: بسمكة من هذا السمك.
قال: فحمل سليمان عليه الصلاة والسلام السمك ثم انطلق إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى
بابه أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان عليه الصلاة والسلام فشقَّ بطنها
فإذا بالخاتم في جوفها فأخذه فلبسه، قال: فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى
حاله وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان عليه الصلاة والسلام في
طلبه وكان شيطاناً مريداً، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوماً نائماً فجاؤوا فبنوا
عليه بنياناً من رصاص، فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أنماط معه من
الرصاص، قال: فأخذوه فأوثقوه وجاؤوا به إلى سليمان عليه الصلاة والسلام، فأمر به فنقر له
تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سدّ بالنحاس، ثم أُمر به، فطرح في البحر فذلك قوله
تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْتَنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًّا ◌ُمَّ أَنَبَ (٣)﴾ يعني: الشيطان الذي كان
سلط عليه(١). إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي﴿ها إن صحَّ
عنه من أهل الكتاب وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه الصلاة والسلام فالظاهر أنهم
يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور عن مجاهد وغير
واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله منه تشريفاً
وتكريماً لنبيه ظلِّله.
كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم
وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف
وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.
قال يحيى بن أبي عروبة الشيباني: وجد سليمان خاتمه بعسقلان فمشى في خرقة إلى بيت
المقدس تواضعاً لله رَ، رواه ابن أبي حاتم(٢).
وقد روى ابن أبي حاتم، عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام خبراً
عجيباً فقال: حدثنا أبي كَّتُهُ، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، أخبرني أبو إسحاق المصري، عن
كعب الأحبار أنه لما فرغ من حديث إرم ذات العماد قال له معاوية: يا أبا إسحاق أخبرني عن
كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام وما كان عليه ومن أي شيء هو، فقال: كان كرسي سليمان
من أنياب الفيلة مرصعاً بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ، وقد جعل له درجة منها مفصصاً بالدر
والياقوت والزبرجد، ثم أمر بالكرسي فحفّ من جانبيه بالنخل: نخل من ذهب شماريخها من
ياقوت وزبرجد ولؤلؤ، وجعل على رؤوس النخل التي على يمين الكرسي طواويس من ذهب ثم
(١) قوى سنده الحافظ ابن كثير وجزم أن هذا الخبر من الإسرائيليات التي تخالف مقام الأنبياء.
(٢) وهذا الخبر أيضاً من الإسرائيليات.

٤٢٥
• سُورةِ ضِ) (٣٤، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جعل على رؤوس النخل التي على يسار الكرسي نسوراً من ذهب مقابلة الطواويس، وجعل على
يمين الدرجة الأولى شجرتي صنوبر من ذهب وعلى يسارها أسدان من ذهب، وعلى رؤوس
الأسدين عمودان من زبرجد، وجعل من جانبي الكرسي كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل
عناقيدهما دراً وياقوتاً أحمر، ثم جعل فوق درج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان
محشوان مسكاً وعنبراً، فإذا أراد سليمانعليَّ أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم
يقعان فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام ثم
يوضع منبران من ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان، ثم يوضع
أمام كرسيه سبعون منبراً من ذهب يقعد عليها سبعون قاضياً من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل
الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبراً من ذهب ليس عليها
أحد فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه
وما عليه ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد سليمان عليه الصلاة
والسلام على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وينشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى
سليمان عليه الصلاة والسلام على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور
عظيم تاج سليمان عليه الصلاة والسلام فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي
بما فيه كما تدور الرحى المسرعة.
[فقال معاوية](١): وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه وهو
عظيم مما عمله صخر الجني فإذا أحست بدورانه دارت تلك الأسود والنسور والطواويس التي في
أسفل الكرسي دُرْنَ إلى أعلاه فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رؤوسهن على رأس سليمان عليه
الصلاة والسلام وهو جالس ثم ينضحن جميعاً ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس
سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام. ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر
التوراة فتجعلها في يده فيقرؤها سليمان عليه الصلاة والسلام على الناس(٢). وذكر تمام الخبر
وهو غريب جداً.
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكًا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ قال بعضهم: لا ينبغي
لأحد من بعدي؛ أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي كما كان من قضية الجسد الذي ألقي
على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس، والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكاً لا
يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبذلك وردت الأحاديث
الصحيحة من طرق عن رسول الله واله .
قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح ومحمد بن جعفر،
عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﴿ه، عن النبي وسلم قال: ((إن عفريتاً من الجن
تفلت عليّ البارحة - أو كلمة نحوها - ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله تبارك وتعالى منه وأردت
أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل حُرف إلى: ((إسحاق)).
(٢) الخبر من الإسرائيليات أيضاً.

٤٢٦
• سُورَةِ فِزْ) (٣٤، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ﴾)) قال روح: فردَّه
خاسئاً(١).
وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به.
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن
معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن زيد، عن أبي إدريس الخولاني(٢)، عن أبي الدرداء .
قال: قام رسول الله وَ ل﴿ يصلي فسمعناه يقول: ((أعوذ بالله منك - ثم قال : - ألعنك بلعنة الله))
ثلاثاً وبسط يده كأنه يتناول شيئاً فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة
شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال ◌َ: ((إن عدو الله إبليس جاء بشهاب
من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم
يتأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة سليمان لأصبح موثقاً يلعب به صبيان أهل
المدينة))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا [مسرَّة] (٤) بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب
سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي فذهبت أمرُّ بين يديه فردّني ثم قال: حدثني
أبو سعيد الخدري به أن رسول الله وَّ ر قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه
القراءة فلما فرغ من صلاته قال: ((لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت
برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً بسارية
من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة
أحد فليفعل))(٥). وقد روى أبو داود منه: ((من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد
فليفعل)) عن أحمد بن أبي سريج، عن أبي أحمد الزبيري به(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا
الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد بن عبد الله الديلمي قال: دخلت على عبد الله بن عمرو
وهو في حائط له بالطائف يقال له: الوهط(٧) وهو مُخاصر، فتى من قريش يُزَنُّ(٨) بشرب الخمر،
فقلت بلغني: عنك حديث أنه ((من شرب شربة من الخمر لم يقبل الله له توبة أربعين صباحاً، وإن
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ ... ﴾ [صّ:
٣٥] ح ٤٨٠٨).
(٢) صحيح مسلم، المساجد، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة (ح٥٤١)، والسنن الكبرى للنسائي،
التفسير (ح ١١٤٤٠).
(٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٥٤٢).
(٤) مسرة كذا في (حم)، والمسند وترجمته، وفي الأصل صحف إلى: ((ميسرة))، وفي (مح) صحف إلى:
((مرة)).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٢/١٨ ح ١١٧٨٠) وحسن سنده محققوه.
(٦) سنن أبي داود، الصلاة، باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه (ح٦٩٩)، وقال الألباني: حسن
صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٦٤٧).
(٧) الوهط يقع في قرية بين الطائف وجبل الشفا.
(٨) أي: یتهم.

٤٢٧
• سُورَوَ جِزْ} (٣٤، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الشقي من شقي في بطن أمه، وإنه من أتى البيت المقدس لا ينهزُهُ(١) إلا الصلاة فيه خرج من
خطيئته مثل يوم ولدته أمه)) فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق فقال
عبد الله بن عمر ها: إني لا أُحلُّ لأحد أن يقول عليَّ ما لم أقل سمعت رسول الله يقول: ((من
شرب الخمر شربة لا تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد كان حقاً
على الله تعالى أن يسقيه من ردغة(٢) الخبال يوم القيامة)) قال: وسمعت رسول الله صل* يقول:
((إن الله رحمك خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذٍ اهتدى، ومن
أخطأه ضلَّ فلذلك أقول جفَّ القلم على علم الله رَّت)).
وسمعت رسول الله * يقول: ((إن سليمان ظلّا سأل الله ثلاثاً فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن
تكون لنا الثالثة، سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده،
فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته
كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله رأيك قد أعطانا إياها))(٣) وقد روى هذا الفصل الأخير
من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن
عمرو خيًّا قال: قال رسول الله وَ له: ((إن سليمان عليه الصلاة والسلام لما بني بيت المقدس سأل
ربه من خلالاً ثلاثاً)) وذكره(٤).
وقد روي من حديث رافع بن عمير رائه بإسناد وسياق غريبين. فقال الطبراني: حدثنا
محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، حدثنا
إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي الزاهرية، عن رافع بن عمير قال: سمعت رسول الله يقول:
((قال الله ريت لداود عليه الصلاة والسلام ابن لي بيتاً في الأرض، فبنى داود بيتاً لنفسه قبل البيت
الذي أمر به فأوحى الله إليه يا داود نصبت بيتك قبل بيتي قال: يا ربِّ هكذا قضيت من ملك
استأثر ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تمَّ السور سقط ثلاثاً فشكا ذلك إلى الله ريم. فقال: يا
داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتاً، قال: ولم يا ربِّ؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء،
قال: يا ربِّ أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم، فشقَّ
ذلك عليه فأوحى الله إليه: لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان.
فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه ولما تمّ قرّب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل،
فأوحى الله إليه قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك قال: أسألك ثلاث خصال حكماً
يصادف حكمك، وملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه
خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه - قال رسول الله وَله - أما الثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون
قد أعطي الثالثة))(٥).
(١) أي: لا يخرجه.
(٢) أي: عصارة أهل النار.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده وفي آخره: قد أعطانا إياها. (المسند ٢٢٠/١١ ح٦٦٤٤)، وصحح سنده محققوه.
(٤) سنن النسائي، الأشربة، باب توبة شارب الخمر ٣١٧/٨، وسنن ابن ماجه، الأشربة، باب من شرب الخمر
لم تقبل له صلاة (ح٣٣٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٧٢٢).
(٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٤/٥ ح ٤٤٧٧)، وسنده ضعيف جداً لأن محمد بن أيوب بن =

٤٢٨
• سُورَوَ صِنْ﴾ (٣٤، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس بن سلمة
الأكوع، عن أبيه ظ به قال: ما سمعت رسول الله و ﴿ دعا إلا استفتحه بـ((سبحان الله ربي العلي
الأعلى الوهاب))(١).
وقد قال أبو عبيد: حدثنا على بن ثابت، عن جعفر بن برقان، عن صالح بن مسمار قال: لما
مات نبي الله داود عليّ أوحى الله تبارك وتعالى إلى ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام: أن سلني
حاجتك قال: أسألك أن تجعل لي قلباً يخشاك كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما
كان قلب أبي، فقال الله: أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني
وأن أجعل قلبه يحبني، لأهبنَّ له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، قال الله تعالى: ﴿فَخَرْنَا لَّهُ الْرِيَجَ
تَجْرِى بِأَمْرِه رُفَ حَيْثُ أَصَابَ () والتي بعدها قال فأعطاه ما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه
هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان عليه الصلاة والسلام في تاريخه (٢).
وروي عن بعض السلف أنه قال: بلغني عن داود عليه الصلاة والسلام أنه قال: إلهي كن
لسليمان كما كنت لي، فأوحى الله إليه: أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنت لي أكن له كما
كنت لك(٣).
وقوله: ﴿فَسَخَرْنَا لَهُ الْرِّيَعَ تَّجْرِى بِأَمْرِهِ رُفَ حَيْثُ أَصَابَ (٣)﴾ قال الحسن البصري تَخْتُهُ: لما عقر
سليمان عليه الصلاة والسلام الخيل غضباً لله رب عوضه الله تعالى ما هو خير منها وأسرع، الريح
التي غدوها شهر ورواحها شهر (٤).
وقوله: ﴿حَثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من البلاد.
وقوله: ﴿وَالشَّيَطِيْنَ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ (٣)﴾ أي: منهم ما هو مستعمل في الأبنية الهائلة من
محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر
عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء
النفيسة التي لا توجد إلا فيها ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِ اْأَصْفَادِ ﴾ أي: موثقون في الأغلال والأكبال
ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى.
أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام
وقوله: ﴿هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك؛ أي: مهما فعلت
فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله وَ ل﴿ لما خُير بين
أن يكون عبداً رسولاً - وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس كما أمره الله
تعالى به - وبين أن يكون نبياً ملكاً يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار
= سويد الرملي متهم بالوضع (مجمع الزوائد ٨/٤).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٤/٢)، وسنده ضعيف لضعف عمر بن راشد اليمامي (التقريب
ص٤١٢).
(٢) الخبر من الإسرائيليات.
(٣) الخبر کسابقه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، والخبر من الإسرائيليات كما تقدم من أن العقر
مرجوع والصواب إنه مسح بيديه على عراقيبها .

٤٢٩
• سُورَةِ ظِ﴾ (٤١، ٤٤)
المنزلة الأولى بعدما استشار جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال له: تواضع. فاختار المنزلة
الأولى لأنها أرفع قدراً عند الله وأعلى منزلة في المعاد، وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع
الملك عظيمة أيضاً في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر تعالى ما أعطى سليمان عليه الصلاة
والسلام في الدنيا نبه تعالى على أنه ذو حظ عند الله يوم القيامة أيضاً فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا
لَوْفَ وَحُسْنَ مَثَابٍ ﴾﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
] ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَبُوُّبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِى مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصٍْ وَعَذَابٍ ﴿٨ أَزَكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُعْتَلٌ
بَرِدٌ وَشَرَابٌ ﴿﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمَثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْتًا فَأَضْرِبِ بِّهِ،
وَلَا تَحْتَثُّ إِنَّا وَجَدْتَهُ صَاِرَأْ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ( أَوَبٌ
يذكر تبارك وتعالى عبده ورسوله أيوب عليه الصلاة والسلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر
في جسده وماله وولده حتى لم يبق في جسده مغرز إبرة سليماً سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا
شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله،
فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحواً من ثماني عشرة سنة، وقد كان قبل ذلك في
مال جزيل وأولاد وسعة طائلة في الدنيا، فسلب جميع ذلك حتى آلَ به الحال إلى أن أُلقي على
إلّا فإنها كانت
مزبلة من مزابل البلدة (١) هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوی زوجته .
لا تفارقه صباحاً ومساءً إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريباً، فلما طال المطال، واشتد
الحال، وانتهى القدر، وتم الأجل المقدر تضرع إلى ربِّ العالمين وإله المرسلين فقال: ﴿أَنّ
مَسَّفِىَ الضُُّّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وفي هذه الآية الكريمة قال: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُوَبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ، أَنِي مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
٤١
قيل: بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي، فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن
يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله، ففعل فأنبع الله تعالى عيناً وأمره أن يغتسل منها،
فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عيناً
أخرى وأمره أن يشرب منها، فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهراً
وباطناً، ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ
قال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعاً: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني
نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك نظبه قال: إن رسول الله وَ ل ◌ٍ قال:
((إن نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا
رجلين كانا من أخصِّ إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد
أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة
لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه
الصلاة والسلام: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان
(١) هذا الكلام لا يليق بمقام نبي الله تعالى داود وَالر، وهو من الإسرائيليات.

٤٣٠
• سُؤْرَةُظِرْ﴾ (٤١، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق.
قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم
أبطأ عليها فأوحى الله تبارك وتعالى إلى أيوب عليه الصلاة والسلام أن ﴿أَرَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَلٌ
بَرِدٌ وَشَرَابٌ ﴾﴾ فاستبطأته فالتفتت تنظر فأقبل عليها وقد أذهب الله ما به من البلاء وهو على
أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ فوالله القدير
على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً. قال: فإني أنا هو.
قال: وكان له أندران(١): أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت
إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى
فاض (٢)، هذا لفظ ابن جرير نَّتُهُ.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا
أبو هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه جراد من ذهب
فجعل أيوب عليه الصلاة والسلام يحثو في ثوبه فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟
قال عليه الصلاة والسلام: بلى يا ربِّ ولكن لا غنى بي عن بركتك))(٣). انفرد بإخراجه البخاري
من حديث عبد الرزاق به (٤)، ولهذا قال تبارك وتعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى
٤٣)
لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
قال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم(٥).
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي: به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه استكانته ﴿وَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾
أي: لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة. وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا
فَأَضْرِب ◌ِّهِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ وذلك أن أيوب عليه الصلاة والسلام كان قد غضب على زوجته ووجد عليها
في أمر فعلته، قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله تعالى
ليضربنها مائة جلدة، وقيل: لغير ذلك من الأسباب فلما شفاه الله وعافاه كان جزاؤها مع هذه
الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله ومت أن يأخذ ضغئاً وهو:
الشمراخ فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة، وقد برَّت يمينه وخرج من حنثه ووقَّى بنذره،
وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِأَ نِعْمَ
الْعَبْدُ إِنَّهُ، أَوَّابٌ﴾ أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ أي: رجاع منيب، ولهذا
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا ﴿﴿ وَبِرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبٌ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، واستدل
كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها. وقد أخذوها بمقتضاها
[ومنعت طائفة أخرى من الفقهاء من ذلك وقالوا: لم يثبت أن الكفارة كانت مشروعة في شرع
(١) الأندر: هو المخزن الكبير للطعام.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وهذا الخبر من الإسرائيليات ولبعضه شاهد صحيح كما سيأتي.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣١٤/٢)، وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، الغسل، باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة (ح٢٧٨).
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن.

٤٣١
سورةضِ﴾ (٤٥، ٤٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أيوب ظلّلا، فلذلك رخص له في ذلك، وقد أغنى الله هذه الأمة بالكفارة](١).
إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى
﴿وَذَكُرْ عِبَدَنَا إِبَهِيَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَارِ
الذَّارِ
٤٨
6) وَأَذَّكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَعَ وَذَا الْكِفْلِّ وَكُلُّ مِّنَ الْأَخْيَارِ
وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ اٌلْأَخْيَارِ
هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَثَابٍ
يقول تبارك وتعالى مخبراً عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين ﴿وَأَذْكُرْ عِبَدَنَآ إِنَزَهِيَمَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ
يعني بذلك العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة
٤٥
والبصيرة النافذة.
قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿ه ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى﴾ يقول أولي القوة والعبادة
﴿وَالْأَبْصَرِ﴾ يقول الفقه في الدين(٢).
وقال مجاهد: ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى﴾ يعني: القوة في طاعة الله تعالى والأبصار يعني: البصر في
الحق(٣).
وقال قتادة والسدي: أعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين(٤).
وقوله: ﴿إِنَّ أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ ﴾﴾ قال مجاهد: أي: جعلناهم يعملون للآخرة
ليس لهم غيرها(٥) وكذا قال السدي: ذكرهم للآخرة وعملهم لها (٦).
وقال مالك بن دينار: نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة
وذكرها، وكذا قال عطاء الخراساني.
وقال سعيد بن جبير يعني بالدار: الجنة يقول أخلصناها لهم بذكرهم لها .
وقال في رواية أخرى: ذكرى الدار عقبى الدار(٧).
وقال قتادة: كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها (٨).
وقال ابن زيد: جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة(٩).
وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾﴾ أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم
أخيار مختارون.
وقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِّ وَكُلُّ مِّنَ الْأَخْيَارِ ®﴾ قد تقدم الكلام على
(١) زياد من (حم).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من
طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن مجاهد وهو لم يسمع منه.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٧) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف.
(٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.

٤٣٢
• سُورَةِ جِزْ) (٥٠، ٥٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أغنى عن إعادته
ههنا .
وقوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر، قال السدي: يعني القرآن(١).
- ﴿َنَّتِ عَدّنٍ مُغَنَّحَةً لَهُ الْأَوَبُ
﴿﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَّوْمِ الْحِسَابِ (٨٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ
وَعِندَهُمْ قَضِرَتُ اَلَّرْفِ أَنْرَبُ
مُتَّكِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيَهَا بِفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ
۵٠
٥١٦
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة لحسن مآب وهو المرجع
والمنقلب ثم فسره بقوله: ﴿جَنَّتِ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب والألف واللام ههنا
بمعنى الإضافة كأنه يقول: مفتحة لهم أبوابها؛ أي: إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد [بن ثواب] (٢) الهباري، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا
عبد الله بن مسلم يعني: ابن هرمز، عن ابن سابط، عن عبد الله بن عمرو ظًا قال: قال
رسول الله : ((إن في الجنة قصراً يقال له: عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب
عند كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله - أو لا يسكنه - إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام
عدل))(٣). وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة.
وقوله: ﴿مُتَّكِينَ فِيهَا﴾ قيل: متربعين على سرر تحت الحجال ﴿يَدْعُونَ فِيَهَا بِفَكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾
أي: مهما طلبوا وجدوا وأحضر كما أرادوا ﴿وَشَرَابٍ﴾ أي: من أي أنواعه شاؤوا أتتهم به الخدام
﴿ بَأَكْوَبٍ وَأَبَرِيقَ وَكَأْسِ مِّنْ مَعِيزِ ﴾﴾ [الواقعة].
﴿وَعِندَهُمْ قَضِرَتُ الَّرْفِ﴾ أي: عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن ﴿أَزْرَابُ﴾ أي:
متساويات في السن والعمر هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب
والسدي(٤).
(٣)﴾ أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ اَلْحِسَابِ
المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.
ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا
مَا لَهُ مِن ◌َّفَادٍ ﴾﴾ كقوله تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنَفَدَّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، وكقوله: ﴿عَطَاءُ
غَيّرَ مَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨] وكقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير مقطوع وكقوله:
﴿أُكُلُهَا دَآَبِمٌ وَظِلُّهَأْ تِلْكَ عُقْبَىَ الَّذِينَ أَتَّقُواْ وَعُقْبَىَ الْكَفِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]، والآيات في هذا
كثيرة جداً .
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) زيادة من (حم) و(مح).
(٣) سنده ضعيف لضعف عبد الله بن مسلم بن هرمز (التقريب ص٣٢٣).
(٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((الأمثال))، وأخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٤٣٣
• سُورَةِ ضِ﴾ (٥٥، ٦٤)
﴿هَذَا وَإِنَّ لِلَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَلْسَ الِهَادُ
٥٧
(٥) قَالُواْ بَلْ أَنْتُمْ
وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ: أَزْوَجُ ٨َ هَذَا فَوَجٌ مُّقْنَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمَّ إَِهُمْ صَالُواْ النَّارِ
قَالُواْ رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِىِ النَّارِ (
لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لََّ فَبِئْسَ الْقَرَارُ
أَّخَذْتَهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ ( إِنَّ ذَلِكَ
وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىُ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ اْأَشْرَارِ
.
٦٤
لَقٌ تَخَاصُ أَهْلِ النَّارِ
لما ذكر تبارك وتعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم
وحسابهم فقال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلَّغِينَ﴾ وهم الخارجون عن طاعة الله المخالفون لرسل الله وَّ
﴿لَشَرَّ مَثَابٍ﴾ أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله جل وعلا: ﴿جَهَّمَ يَصْلَوَّنَها﴾ أي: يدخلونها
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيرٌ وَغَسَاقٌ ﴾﴾ أما الحميم فهو الحار
فتغمرهم من جميع جوانبهم ﴿فَلْسَ أَلمِهَادُ
الذي قد انتهى حره، وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم.
أي: وأشياء من هذا القبيل: الشيء وضده يعاقبون بها .
٥٨)
ولهذا قال: ﴿وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أزواجَ
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن أبي الهيثم،
عن أبي سعيد عظُله، عن رسول الله وَ ﴿ أنه قال: ((لو أن دلواً من غسَّاق يهراق في الدنيا لأنتن
أهل الدنيا))(١) ورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشدين بن سعد، عن
عمرو بن الحارث، عن دراج به ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين(٢)، كذا قال وقد تقدم
في غير حديثه، ورواه ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن
الحارث به(٣).
وقال كعب الأحبار: غسَّاق عين في جهنّم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب
وغير ذلك، فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن
العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه (٤)، رواه ابن
أبي حاتم.
وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَءَآخَرُ مِن شَكْلِهِ: أَزْوَجُ ﴾﴾: ألوان من العذاب(٥)،
وقال غيره كالزمهرير(٦) والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوي إلى غير ذلك من
الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه.
(@) هذا إخبار من الله تعالى عن
وقوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمُ مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمَّ إِنَّهُمْ صَالُواْ النَّارِ
قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّمَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] يعني:
بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨/٣) وسنده ضعيف، لضعف رواية درَّاج عن أبي الهيثم.
(٢) سنن الترمذي، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار (ح٢٥٨٤)، وسنده كسابقه.
(٤) سنده ضعيف لإرسال كعب.
(٣) أخرجه الطبري عن یونس به، وسنده کسابقه.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن علية عن أبي رجاء عن الحسن (المصنف ١٦٧/١٣ رقم ٦٠١٤)
وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عن مُرَّة عن ابن مسعود.

٤٣٤
سُورَةَ طِ﴾ (٦٥، ٧٠)
أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية ﴿هَذَا فَوْجٌ مُّقْنَحِمٌ﴾ أي: داخل ﴿مَّعَكُمْ لَا مَرْحَبً بِهِمَّ إِنَهُمْ
صَالُواْ النَّارِ﴾ أي: لأنهم من أهل جهنم ﴿قَالُواْ بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أي: فيقول لهم الداخلون
﴿بَّ أَنْتُمُ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَذَّمْتُمُوهُ لَناً﴾ أي: دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير ﴿فَّئْسَ
اَلْقَرَارُ﴾ أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِ النَّارِ
(٤) كما [قال: ﴿قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئِهُمْ رَبَّنَ هَؤُلاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ﴾](١) قال:
﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] أي لكل منكم عذاب بحسبه ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَى
رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الْأَشْرَارِ ﴿﴿ أَّخَذْتَهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَُ ﴾﴾ هذا إخبار عن الكفار
في النار أنهم يفقدون رجالاً كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا:
ما لنا لا نراهم معنا في النار؟
قال مجاهد: هذا قول أبي جهل يقول: ما لي لا أرى بلالاً وعماراً وصهيباً (٢) وفلاناً وفلاناً،
وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل
أَنَّخَذْنَهُمْ
الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَىْ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ اْأَشْرَارِ
سِخْرِيًا﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَرُ﴾؟ يُسَلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم
معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم، فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو
قوله: ﴿وَنَدَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَّدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رََّا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم ◌َا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَدَّ
فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّلِمِينَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿أَدْخُلُواْ الَّْةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَّ أَنْتُمْ
تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٤ - ٤٩].
أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من
، تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَّقٌّ تَخَاصُ أَهْلِ النَّارِ (9)﴾
تخاصم أهل النار بعضهم في بعض ولعن بعضهم لبعض لحق لا مرية فيه ولا شك.
- ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللَّهُ الْوَبِدُ الْقَهَّارُ ﴿ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا يَبْنَهُمَا الْعَزِيزُ
إِن
﴿ مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِالْعَلَ الْأَى إِذْ يَخْصِمُو
. ﴿ قُلُّ هُوَ نَّ عَظِيمُ ﴿ أَنُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (
يُوحَىّ إِلَّ إِلَّ أَنََّّ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينُ
يقول تعالى آمراً رسوله * أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله إنما أنا منذر
لست كما تزعمون ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه ﴿رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه ﴿اُلْعَزِيزُ الْغَفَّرُ﴾ أي: غفار مع
عظمته وعزته.
﴿قُلْ هُوَ نَبَأْ عَظِيمٌ ﴾﴾ أي: خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم ﴿أَتُ عَنْهُ
مُعْرِضُونَ (4)﴾ أي: غافلون، قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأْ عَظِيمُ
يعني: القرآن (٣) .
(١) زيادة من (حم) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات بنحوه لكنه مرسل.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق =

٤٣٥
سُورَة ◌ِ﴾ (٧١، ٨٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أي: لولا الوحي من أين كنت أدري
وقوله: ﴿مَا كَنَ لِىَ مِنْ عِلِّمٍ بِلْعَلَا الْأَعْلَى إِذْ يَخْصِمُونَ
باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني: في شأن آدم عليه الصلاة والسلام وامتناع إبليس من السجود له
ومحاجته ربه في تفضيله عليه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو سعيد
مولى بني هشام، حدثنا جهضَم اليماميَّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أبي سلَّام، عن أبي
سلَّام، عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن يخامر، عن معاذ نظرته قال: احتبس علينا
رسول الله ◌َقر ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس فخرج به لل سريعاً فئوب
بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته، فلما سلَّم قال ◌َله: ((كما أنتم)) ثم أقبل إلينا فقال: ((إني قمت
من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي في أحسن صورة
فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قلت: لا أدري يا ربِّ - أعادها ثلاثاً - فرأيته
وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلَّ لي كل شيء وعرفت فقال: يا
محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام
في الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما
الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام، قال: سل، قلت: اللَّهم إني
أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة
بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك. وقال
رسول الله وَله: إنها حق [فادرسوها](١) وتعلموها))(٢). فهو حديث المنام المشهور، ومن جعله
يقظة فقد غلط وهو في السنن من طرق، وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث
جهضم بن عبد الله اليمامي به، وقال حسن صحيح(٣)، وليس هذا الاختصام هو الاختصام
المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر، وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو في
قوله تعالى :
] ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ
فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣) إِلَّ إِبْلِيسَ أُسْتَكْبَرَ وَكَنَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴿ قَالَ بَإِبْلِسُ مَا
سَجِدِينَ
قَالَ أَنَأْ خَيْرٌّ ◌ِنَّةٌ خَلَقْنَنِى مِنْ ثَارٍ وَخَلَقْنَهُ مِن
مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىِّ أَسْتَكْبَتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٥ِ)
طِینِ
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِيّ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
قَالَ فَأَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (٨٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِىّ إِلَى يَوْرِ الدِّينِ
٧٦
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِنَ ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ﴾ قَالَ فَبِعِزَّنِكَ لَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ إِلَّا عِبَادَكَ
٨٥)
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِّعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
قَالَ فَاَلْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ ◌َ
مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
هذه القصة ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة البقرة وفي أول سورة الأعراف وفي سورة الحجر
= محمد بن سيرين عن شريح القاضي، وأخرجه أيضاً الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صُحف إلى: ((فارسوها)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢٢/٥ - ٤٢٣ ح ٢٢١٠٩)، وضعفه محققوه لاضطرابه ومداره
على عبد الرحمن بن عائش، ولكن لبعضه شواهد.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿صٍ﴾ (ح ٣٢٣٥).

٤٣٦
• سُورَةِ طِ﴾ (٨٦، ٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000000
وسبحان والكهف وههنا وهي أن الله ◌َوَ أعلمَ الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام بأنه
سيخلق بشراً من صلصال من حما مسنون، وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته
فليسجدوا له إكراماً وإعظاماً واحتراماً وامتثالاً لأمر الله رَت، فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى
إبليس ولم يكن منهم جنساً كان من الجن، فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن
السجود لآدم وخاصم ربه رَ فيه وادَّعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين
والنار خير من الطين في زعمه، وقد أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى وكفر بذلك فأبعده الله
وأرغم أنفه وطرده من باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه إبليس إعلاماً له بأنه قد
أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذموماً مدحوراً إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث
فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه. فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة تمرد وطغى.
وقال: ﴿فَبِعِزَّنِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٧ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ كما قال: ﴿أَرَيْنَكَ هَذَا الَّذِى
كَرَّمْتَ عَلَى لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وهؤلاء هم
المستثنون في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَنْ وَكَفَى بِرَيْكَ
وَكِيلًا ﴾﴾ [الإسراء].
120
لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنْكَ وَمَن تَيِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
وقوله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ
قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع الحق الأول وفسره مجاهد بأن معناه أنا الحق والحق
أقول(١)، وفي رواية عنه: الحق مني وأقول الحق(٢)، وقرأ آخرون بنصبهما(٣).
قال السدي: هو قسم أقسم الله به (٤).
(قلت): وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ اُلْقَوْلُ مِنِى لَأَمْلَأَنَ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣] وكقوله تعالى: ﴿قَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَّآءُ مَّوْفُورًا
﴾ [الإسراء].
وَلَنَعَلَمُنَّ نَبَأَهُ
- ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَّا أَنَّأْ مِنَ الْمُكَلِفِينَ ﴿﴿ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ
بَعْدَ حِينٍ (M].
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجراً
تعطونيه من عرض الحياة الدنيا ﴿وَمَا أَنَأْ مِنَ الْتَّكَلِّفِينَ﴾ أي: وما أريد على ما أرسلني الله تعالى به
ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك
وجه الله مك والدار الآخرة.
قال سفيان الثوري: عن الأعمش ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن
(١) أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد يقوي بعضها بعضاً عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، ويتقوى بما سبق.
(٣) وقراءة فالحقُّ بالرفع وبالنصب: فالحقَّ كلتاهما متواترتان.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٤٣٧
سور®ظِ﴾ (٨٦، ٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مسعود ظه فقال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من
العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيكم وَله: ﴿قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِ مِنْ أَجْرٍ
وَمَآ أَنَأْ مِنَ الُْكِفِينَ ﴾﴾ أخرجاه من حديث الأعمش به(١).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ (٨٧)﴾ يعني: القرآن ذكر لجميع المكلفين به من الإنس
والجن، قاله ابن عباس(٢).
وروى ابن أبي عن حاتم أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل: حدثنا قيس، عن عطاء بن
السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾ قال: الجن والإنس(٣).
وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ
اُلْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَمُنَّ نَمُ﴾ أي: خبره وصدقه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي: عن قريب قال قتادة: بعد
الموت (٤).
وقال عكرمة: يعني يوم القيامة(٥)، ولا منافاة بين القولين فإن من مات فقد دخل في حكم
القيامة.
ـية)﴾: قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَنَعْلَمُنَّ نَمُ بَعْدَ حِينٍ
يأتيك الخبر اليقين (٦).
ولله الحمد المنَّة.
(١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَآ أَنَأْ مِنَ الْتُكَلِّفِينَ﴾ [ص] (ح٤٨٠٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين
(ح٢٧٩٨).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير مطلع سورة الفاتحة.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير مطلع سورة الفاتحة.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب السختياني عن عكرمة بمعناه وأطول.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن الحسن.

٤٣٨
• سُوْرَةِ الْعِزّ (١، ٤)
00000
000
سُورَةُ الزُّفِرْ
وهي مكية
قال النسائي: حدثنا محمد بن النضر بن مساور، حدثنا حماد، عن مروان أبي لبابة، عن
عائشة ؤها قالت: كان رسول الله ﴾ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما
يريد أن يصوم، وكان ◌ّيه يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر (١).
بسم الله الرحمن الرحيم
] ﴿تَزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ إِنّا أَنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا
لَّهُ الدِّينَ ﴿ أَلَا لِلَّهِ الذِّينُ الْخَالِصَُّ وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ
زُلْفَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبٌ كَفَّارُ جَ لَّوْ
أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءِ سُبْحَنَةُ هُوَ اَللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ ﴾.
يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى فهو الحق الذي لا
مرية فيه ولا شك كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَغِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ نَزَّلَ بِهِ اُلُُّعُ الْأَمِينُ (١) عَى قَلِكَ
لِتَّكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِقٍ مُبِينٍ (٤٥﴾ [الشعراء]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ
﴿﴿ لَّا يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ [فصلت]، وقال هاهنا:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اَللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب ﴿اَلْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه
وقدره .
﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَأَعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ﴾﴾ أي: فاعبد الله وحده لا شريك
له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريك ولا
عديل ولا نديد ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصَُّ﴾ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه
العامل لله وحده لا شريك له.
وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الذِينُ الْخَالِصَُّ﴾: شهادة أن لا إله إلا الله(٢).
ثم أخبر تعالى عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اَللَّهِ
زُلْفَ﴾ أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة
المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم
(١) تقدم تخريجه في مطلع تفسير سورة الإسراء.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.

٤٣٩
• سُوَرَّةُ الرَّزّ (١، ٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له
كافرين به .
قال قتادة والسدي ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى الَّهِ زُلْفَى﴾ أي:
ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة (١)، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك
لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.
وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله
وسلامه عليهم أجمعين بردّها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأنّ
هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمٍَّ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الَّاغُوتَّ﴾ [النحل: ٣٦] ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّكُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَأَعْبُدُونِ (9)﴾ [الأنبياء].
وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا
يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم
فيما أحبه الملوك وأبوه ﴿فَلَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الْأَمْثَالُ﴾ [النحل: ٧٤]، تعالى الله عن ذلك.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فِ مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونُ﴾ أي: سيفصل بين
الخلائق يوم معادهم ويجزي كل عامل بعمله ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَتِكَةِ أَهَؤُلَاءٍ إِيََّكُمُ كَانُواْ
يَعْبُدُونَ ﴿ قَالُواْ سُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ
٤١
[سبأ]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبُ كَفَّارُ﴾ أي: لا يرشد إلى الهداية من قصده
الكذب والافتراء على الله تعالی وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه.
ثم بيَّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة والمعاندون من اليهود
والنصارى في العزير وعيسى فقال: ﴿لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِنَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي:
لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال وإنما قصد
تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَنَّخِذَ لَوَّ لََّتَّخَذْنَهُ مِن لَُّنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ
﴾ [الأنبياء]، ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَِدِينَ ﴾﴾ [الزخرف]، كل هذا من باب
الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم.
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَحِدُ الْقَهَارُ﴾ أي: تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له
ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه وهو الغني عما سواه
الذي قد قهر الأشياء فدانت وذلّت وخضعت [تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً
كبيراً](٢).
(١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق أسباط عنه، وقول مالك عن زيد بسنده صحيح، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٢) زيادة من (مح).

٤٤٠
• سُؤَدَّةُ الزُّفَِزّ (٦،٥)
﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اَلَيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى أَلَيْلِّ وَسَخَّرَ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَنَّى أَلَا هُوَ اُلْعَزِيزُ الْغَفَّرُ @ خَلَقَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ
جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِ يَخْلُقُكُمْ فِ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقِ فِى
◌ُلُمَاتٍ ثَلَثَّ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوِّ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء وبأنه مالك الملك
المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره ﴿يُكَوِّرُ الَتْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَ الَيْلِّ﴾ أي: سخرهما
يجريان متعاقبين لا يفتران كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً كقوله: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ
حَثِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]، هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم(١).
وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلِ تُسَتَّىَّ﴾ أي: إلى مدة معلومة عند الله
تعالى ثم ينقضي يوم القيامة ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّرُ﴾ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه وهو غفار
لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.
وقوله: ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم
وألوانكم من نفس واحدة وهو آدم عليه الصلاة والسلام (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ظَلُ
كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّنْ نَفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءُ﴾ [النساء: ١].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ﴾ أي: خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية
أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجِّ مِّنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنٍ﴾
[الأنعام: ١٤٣]، ﴿وَمِنَ اَلْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَغَرِ أَثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وقوله: [﴿يَخْلُقُكُمْ فِ بُطُونِ
أُتَّهَتِكُمْ﴾ أي](٢): يذرأكم في بطون أمهاتكم ﴿خَلْقًا مِّنُ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ يكون أحدكم أولاً نطفة ثم
يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً وينفخ فيه الروح فيصير
خلقاً آخر ﴿فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وقوله: ﴿فِ تُلُمَتِ ثَلَثٍ﴾ يعني: في ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية
على الولد وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة
والسدي وابن زيد(٣).
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، أخرجه الطبري بسند
حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) زيادة من (حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بما يليه: وأخرجه آدم والطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه البُستي والطبري بسند حسن من طريق سماك عن
عكرمة، وأخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك، وأخرجه الطبري بسند حسن
من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.