النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ • سُوَرَّةُ القَافَاتَ (٧١، ٨٢) وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمَرة رضيعنه أن نبي الله وَّر قال: ((سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم))(١). ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي، عن يزيد بن زريع، عن سعيد وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة به(٢). قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر، وقد روي عن [عمران](٣) بن حصين له، عن النبي وَلّ مثله(٤). والمراد بالروم ههنا هم الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح علّ ثم روي من حديث إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح عليه ثلاثة: سام ويافث وحام، وولد كل واحد من هؤلاء الثلاثة فولد سام: العرب وفارس والروم، وولد يافث: الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وولد حام: القبط والسودان والبربر(٥)، وروي عن وهب بن منبه نحو هذا والله أعلم. وقوله: ﴿وَتَرَّكِّنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِينَ (٨)﴾ قال ابن عباس: يذكر بخير (٦). وقال مجاهد: يعني لسان صدق للأنبياء كلهم(٧). وقال قتادة والسدي: أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين(٨). وقال الضحاك: السلام والثناء الحسن (٩). وقوله تعالى: ﴿سَلَهُ عَلَى نُوحٍ فِ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ مفسر لما أبقى عليه الذكر الجميل والثناء الحسن أنه 0@)﴾ أي: هكذا نجزي من أحسن من يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ العباد في طاعة الله تعالى ونجعل له لسان صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك ثم قال تعالى: ﴿إِنَُّ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِينَ ﴾﴾ أي: المصدقين الموحدين الموقنين ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴾﴾ أي: أهلكناهم فلم يبق منهم عين تطرف ولا ذكر ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩٢/٣٣ ح ٢٠٠٩٩) وضعف سنده محققوه. (٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، المناقب، باب مناقب في فضل العرب ح٣٩٣١) وسنده ضعيف لعنعنة الحسن البصري. (٣) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((عمر)). (٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٤٣/١٨)، والحاكم (المستدرك ٥٤٦/٢)، كلاهما من طريق الحسن عن عمران بن الحصين مرفوعاً وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي: رجاله موثقون (مجمع الزوائد ١/ ٩٨١). ولكن فيه أيضاً عنعنة الحسن. (٥) ذكر الطبري في التفسير من غير سند، وأسنده في (التاريخ ١٩٨/١) من طريق إسماعيل بن عياش به، وإسماعيل فيه مقال، وقد توبع كما في رواية ابن سعد (الطبقات الكبرى ٣٦/١) وفي رواية الحاكم (المستدرك ٤٦٣/٤) فالإسناد ثابت عن سعيد بن المسيب. (٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٧) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٨) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي . (٩) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. ٣٨٢ سُورَةُ الصَّافَاتَ (٨٣، ٩٨) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا ٨٤ إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ 50 ﴿﴿ُ وَإِنَّ مِن شِيعَِهِ، لَاتَزَهِيمَ تَعْبُدُونَ ﴿ أَبِفْكًا ءَالِهَةُ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَتُّكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ يقول من أهل قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿﴿ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ، لَإِزَهِيمَ دينه(١) . وقال مجاهد: على منهاجه وسنته(٢) ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ٨٤) قال ابن عباس: يعني: شهادة أن لا إله إلا الله(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن عوف قلت لمحمد بن سيرين ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور(٤). وقال الحسن: سليم من الشرك(٥) . وقال عروة: لا يكون لغَّاناً. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ (60)﴾ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد ولهذا قال: ﴿أَبِفِكًا ءَالِهَةٌ دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿٨َ فَمَا ظَنُّكُمُ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ . قال قتادة: يعني: ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره؟ ] ﴿فَظَرَ نَظْرَةُ فِ النُّجُومِ فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ M ٨٩ فَنَوَلَوْ عَنْهُ مُذْبِرِينَ ﴿ فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَنِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُونَ ﴿٨َ مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا ﴿ فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَرِفُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْيَا بِلْيَمِينِ ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ نَنْحِنُونَ قَالُواْ أَبْنُواْ لَهُ بُلِيَنَّا فَأَلْقُوهُ فِىِ الْجَحِيمِ فَرَادُواْ بِهِ، كَيْداً ٩٨ ◌َعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ . إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه ذلك ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزِفَ خروجهم إلى عيدٍ لهم، فأحبَّ أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلاماً هو حق في نفس الأمر فهموا منه أنه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه ﴿فَنَوَلَّوْ عَنّهُ مُدْبِينَ ٩٠ قال قتادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم (٦). يعني قتادة: أنه نظر إلى السماء متفكراً فيما يلهيهم به فقال: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف، فأما الحديث الذي رواه ابن جرير ههنا، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة ظُبه أن رسول الله ◌َ﴿ قال: ((لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى(٧). وقوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة: (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) ذكره الطبري بمعناه دون نسبة إلى أحد. (٤) سنده صحيح. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية رقم ٦٢ - ٦٣. ٣٨٣ • سُوْدَةُ الصَّافَاتَ (٨٨، ٩٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 هي أُختي)) فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذمُّ فاعله حاشا وكلا ولمّا، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزاً وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني كما جاء في الحديث: ((إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب))(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ه قال: قال رسول الله وَّ في كلمات إبراهيم عليه الصلاة والسلام الثلاث التي قال ما منها كلمة إلا ما حلَّ بها عن دين الله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّ سَقِيمٌ (٨٩)) وقال: ﴿بَلَ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقال للملك: حين أراد امرأته هي أختي))(٢). قال سفيان في قوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ يعني: طعين وكانوا يفرون من المطعون فأراد أن يخلو فَقَالَ M بآلهتهم(٣)، وكذا قال العوفي عن ابن عباس ﴿يا: في قوله تعالى: ﴿فَظَرَ نَظْرَةً فِ النُّجُومِ إِنِ سَقِيمٌ ﴾﴾ فقالوا له: وهو في بيت آلهتهم: أخرج فقال إني مطعون فتركوه مخافة الطاعون(٤). وقال قتادة، عن سعيد بن المسيب: رأى نجماً طلع فقال: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ كايد نبي الله عن دينه ﴿فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ ﴾﴾(٥). وقال آخرون: ﴿فَقَالَ إِنِ سَقِيمٌ ﴾﴾ بالنسبة إلى ما يستقبل يعني مرض الموت(٦)، وقيل: أراد ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله تعالى. وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم فأرادوه على الخروج فاضطجع على ظهره وقال: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾ وجعل ينظر في السماء فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها (٧). ورواه ابن ﴾ أي: إلى عيدهم، (فراغ إلى آلهتهم) أي: ٩٠ أبي حاتم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَوَلَوْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ذهب إليها بعد ما خرجوا في سرعة واختفاء ﴿فَقَالَ أَلَا تَأْكُونَ﴾؟ وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعاماً قرباناً لتبارك لهم فيه. وقال السدي: دخل إبراهيم علـّل إلى بيت الآلهة فإذا هم في بهو عظيم وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد جعلوا طعاماً ووضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد باركت الآلهة في طعامنا أكلناه، فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى ما بين أيديهم من (٩٣) (٨) الطعام قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَطِقُونَ (١) ذكره البخاري في صحيحه في كتاب الأدب مبوباً بعنوان: باب المعاريض مندوحة عن الكذب، وقد صح موقوفاً على عمران بن الحصين (ينظر السنن الكبرى للبيهقي ١٩٩/١٠ وفتح الباري ٥٩٤/١٠). (٢) أخرجه البستي عن ابن أبي عمر العدني به، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان. (٣) أخرجه البستي عن ابن أبي عمر عن سفيان، وسنده صحيح. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه مجهولان عن سعيد بن جبير بنحوه. (٧) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. (٨) أخرجه الطبري بنحوه مختصراً بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. ٣٨٤ سُورَةُ القَنَافَات (٩٩، ١١٣) 090000000000000000 000000000000 000 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000 وقوله تعالى: ﴿فَرَغَ عَلَيْهِمْ ضَرْيَا بِلْيَمِينِ (١)﴾ قال الفراء: معناه مال عليهم ضرباً باليمين(١). وقال قتادة والجوهري فأقبل عليهم(٢) ضرباً باليمين. وإنما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى ولهذا تركهم جذاذاً إلا كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون كما تقدم في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تفسير ذلك(٣). وقوله تعالى ههنا: ﴿فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُونَ (9)﴾ قال مجاهد: وغير واحد؛ أي: يسرعون(٤)، وهذه القصة ههنا مختصرة وفي سورة الأنبياء مبسوطة فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعيبهم فقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُونَ﴾ أي: أتعبدون من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (@)﴾ يحتمل أن تكون ما مصدرية فيكون تقدير الكلام خلقكم وعملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى: الذي، تقديره والله خلقكم والذي تعملونه وكلا القولين متلازم، والأول أظهر لما رواه البخاري في كتاب أفعال العباد عن علي بن المديني، عن مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حُذيفة ◌َظُه (٥) مرفوعاً قال: ((إن الله تعالى يصنع كل صانع وصنعته)) وقرأ بعضهم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إلى أخذه باليد والقهر فقالوا: ﴿أَبُوْ لَهُ بُلَّا فَأَلْقُوهُ فِى اٌلْجَحِيمِ﴾ وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونجَّاه الله من النار وأظهره عليهم وأعلى حجته ونصرها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَعَلْتَهُمُ الْأَسْفَلِينَ ٩٨ فَبَشَرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِينَ ٩٩ ] ﴿وَقَالَ إِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِّ سَيَهْدِینِ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّ إِنَّ أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىْءَّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ وَتَدَيْنَهُ أَنْ يَكَإِبْرَهِيمُ (١٨) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَقَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَاْ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّ هَذَا لَّوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ سَلَمُ عَلَىَ إِزَهِيمَ وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ اَلْآَخِرِينَ وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقَّ وَمِنْ ذُرِيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُبِيرٌ يقول تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه بعد ما نصره الله تعالى على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة هاجر من بين أظهرهم وقال: ﴿إِنِّ ذَاهِبُ (١) معاني القرآن ٣٨٨/٢. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٣) في الآيات ٥١ - ٦٢. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((والوزيف: النسلان)». (٥) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ص٧٣ وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار ١٥٣/٢ (ح ١٦٠٣). ٣٨٥ • سُوْرَةُ الصَنَافَات (٩٩، ١١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّلِينَ ﴾﴾ يعني: أولاداً مطيعين عوضاً من قومه وعشيرته ٩٩ إِلَى رَبِی سَيَهْدِینِ ﴾ وهذا الغلام هو إسماعيل عظّله، فإنه الذين فارقهم، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ أول ولد بشر به إبراهيم عليّ وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب بل في نصٍّ كتابهم أن إسماعيل علا ولد ولإبراهيم ظلّلا ست وثمانون سنة وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة أخرى بكره، فأقحموا ههنا كذباً وبهتاناً: إسحاق، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنصِّ كتابه، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم وإسماعيل أبو العرب فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا، وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة وهو تأويل وتحريف باطل فإنه لا يقال: وحيد إلا لمن ليس له غيره، وأيضاً فإن أول ولد له مَعزَّة ما ليس لمن بعده من الأولاد فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق وحكي ذلك عن طائفة من السلف حتى نقل عن بعض الصحابة ﴿ه أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا سُنَّة وما أظن ذلك تلقي إلا عن أحبار أهل الكتاب وأخذ ذلك مسلمًا من غير حجة وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل فإنه ذكر البشارة بغلام حليم وذكر أنه الذبيح ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ () ولما بشَّرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] أي: يولد له في حياتهم ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أنه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيراً وإسماعيل وصف ههنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام؟ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ أي: كبُرَ وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد فاران وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنه كان يركب على البُراق سريعاً إلى هناك والله أعلم. وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء الخراساني وزيد بن أسلم وغيرهم(١) ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ بمعنى شبَّ وارتجل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ إِنَّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَتُرْ مَاذَا تَرَى﴾. قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي ثم تلا هذه الآية ﴿قَالَ يَبْنَىَّ إِّ أَرَى فِ اَلْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَّ﴾(٢). وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو عبد الملك الكرندي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: ((العمل))، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه، وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٢) أخرجه البخاري (الصحيح، الوضوء، باب التخفيف في الوضوء ح١٣٨). ٣٨٦ سُورَةُ القَافَاتِ (٩٩، ١١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 رسول الله ◌َى: ((رؤيا الأنبياء في المنام وحي))(١). ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالی وطاعة أبيه. ﴿قَالَ بَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي ﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ﴾ أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله رم، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نِّيَّا (﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ، مَرْضِيًّا (﴾﴾ [مريم]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَُّ لِلْجَبِيِنِ أي: فلما تشهدا وذكرا الله تعالى: إبراهيم على الذبح والولد شهادة الموت، وقيل: أسلما يعني استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله تعالى وإسماعيل طاعة لله ولأبيه قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم(٢)، ومعنى ﴿وَتَلَُّ لِلْجِينِ﴾ أي: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه. قال ابن عباس ظا ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَمِينِ﴾ أكبّه على وجهه(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا سُريج ويونس قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس ◌ًا أنه قال: لما أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالمناسك عرض له الشيطان عند السعي فسابقه فسبقه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم ذهب به جبريل عليه الصلاة والسلام إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات ثم ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، ثم تلَّه للجبين وعلى إسماعيل عليه الصلاة والسلام قميص أبيض فقال: يا أبتِ إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غيره فاخلعه حتى تكفني فيه، فعالجه ليخلعه فنودي من خلفه: ﴿أَنْ يَإِبَهِيمُ ﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين قال ابن عباس: لقد رأيتنا نتتبع ذلك الضرب من الكباش، وذكر تمام الحديث في المناسك بطوله(٤). ثم رواه أحمد بطوله من يونس، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ◌ًا فذكره إلا أنه قال: إسحاق(٥). فعن ابن عباس في تسمية (١) في سنده سماك وفي روايته عن عكرمة اضطراب فتارة رفعه كما هنا وتارة رواه موقوفاً على ابن عباس وهكذا رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٣١/٢) وعليه فالرفع ضعيف. والوقف صحيح. (٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن عكرمة وابن إسحاق. (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه ويتقوى بالآثار التالية فقد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول (المسند ٤٣٨/٤ ح ٢٧٠٧)، قال محققوه: رجاله ثقات رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي فقد روى له أبو داود، وقال أبو حاتم: لا أعرف اسمه ولا أعرفه .. ولمعظم هذا الحديث طرق وشواهد يتقوى بها . (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢/٥ ح٢٧٩٤) وضعف سنده محققوه. . ٣٨٧ • سُورَةُ القَّافَاتَِ (٩٩، ١١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الذبيح روايتان والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق: عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن جعفر بن إياس، عن ابن عباس ظّ في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ (1)﴾ قال: خرج عليه كبش من الجنة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفاً، فأرسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى فرماه بسبع حصيات ثم أفلته عندها فجاء إلى الجمرة الوسطى فأخرجه عندها فرماه بسبع حصيات ثم أفلته فأدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها ثم أخذه فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفس ابن عباس بيده لقد كان أول الإسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة حتى وحش يعني: يبس(١). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، أخبرنا القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب فجعل أبو هريرة ربه يحدث عن النبي وَلير فجعل كعب يحدث عن الكتب فقال أبو هريرة ﴿ته: قال النبي ◌َّه: ((إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني قد خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)) فقال له كعب: أنت سمعت هذا من رسول الله وَله؟ قال: نعم. قال: فداك أبي وأمي - أو فداه أبي وأُمي - أفلا أخبرك عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ إنه لما أري ذبح ابنه إسحاق قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبداً، فخرج إبراهيم عليه الصلاة والسلام بابنه ليذبحه فذهب الشيطان فدخل على سارة فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجته. قال: فإنه لم يغد به لحاجة إنما ذهب به ليذبحه. قالت: ولم يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك قالت: فقد أحسن أن يطيع ربه، فذهب الشيطان في أثرهما، فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته. قال: فإنه لا يذهب بك لحاجة ولكنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم يذبحني؟ قال: يزعم أن ربه أمره بذلك. قال: فوالله لئن كان الله تعالى أمره بذلك ليفعلن. قال: فيئس منه، فتركه ولحق بإبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: أين غدوت بابنك؟ قال: لحاجة. قال: فإنك لم تغد به لحاجة وإنما غدوت به لتذبحه قال: ولم أذبحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك؟ قال: فوالله لئن كان الله تعالى أمرني بذلك لأفعلن. قال: فتركه ويئس أن يطاع(٢)، وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن يزيد، عن ابن شهاب قال: إن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي أخبره أن كعباً قال لأبي هريرة: فذكره بطوله، وقال في آخره: وأوحى الله تعالى إلى إسحاق: إني أعطيتك دعوة أُستجيب لكَ فيها. قال إسحاق: اللَّهم إني أدعوك أن تستجيب لي أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئاً فأدخله الجنة(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، (١) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق به، وسنده ضعيف لعدم تصريح ابن إسحاق بالسماع، وضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي. (٢) أخرجه عبد الرزاق في (التفسير والمصنف رقم ٢٠٨٦٤) وسنده صحيح وما ذكره كعب الأحبار هو من الإسرائيليات. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والخبر أيضاً من الإسرائيليات. ٣٨٨ سورة الصافات (٩٩، ١١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّ: ((إن الله تبارك وتعالى خيرني بين أن يغفر لنصف أُمتي وبين أن يجيب شفاعتي فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكونَ أعمّ لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله تعالى لما فرَّج عن إسحاق کرب الذبح قيل له: يا إسحاق سل تعط؟ فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللَّهم من مات لا يشرك بك شيئاً فاغفر له وأدخله الجنة))(١) هذا حديث غريب منكر وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة وهي قوله: إن الله تعالى لما فرَّج عن إسحاق إلى آخره، والله أعلم. فهذا إن كان محفوظاً فالأشبه أن السياق إنما هو عن إسماعيل وإنما حرَّفوه بإسحاق حسداً منهم كما تقدم وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى من أرض مكة حيث كان إسماعيل لا إسحاق فإنه إنما كان ببلاد كنعان من أرض الشام. وقوله تعالى: ﴿وَدَيْنَهُ أَنْ يَكِرَهِيمُ (49) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَأْ﴾ أي: قد حصل المقصود من رؤياك واضجاعك ولدك للذبح. وذكر السدي وغيره أنه أمرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئاً بل حالٍ بينهما وبينه صفحة من نحاس، ونودي إبراهيم عليه الصلاة والسلام عند ذلك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الزُّؤْباً﴾(٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ غَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد ونجعل لهم من أمرهم فرجاً ومخرجاً كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَن يَنَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهٍ قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا (٣)﴾ [الطلاق]. وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل خلافاً لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة لأن الله تعالى شرع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ذبح ولده ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنما كان المقصود من شرعه أولاً : إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَوَ الْبَتْوَّا الْمُبِينُ )﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك مستسلماً لأمر الله [النجم]. تعالى منقاداً لطاعته ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَفَ وقوله تعالى: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ (1)﴾ قال سفيان الثوري: عن جابر الجعفي، عن أبي الطُفيل، عن علي ◌َُّ ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ (®)﴾ قال بكبش: أبيض أعين أقرن قد ربط بسمرة (٣)(٤) قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطاً بسمرة في ثبير وقال الثوري أيضاً: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس . (١) سنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي مطولاً والخبر من الإسرائيليات. (٣) أي: شجرة على جبل اسمه: ثبير، وهو من جبال مكة. (٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي. ٣٨٩ • سُورَةُ القَنَافَاتِ (٩٩، ١١٣) قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدثنا داود العطار، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ◌ًّا قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثبير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء إسحاق ابنه هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزوناً حتى فدي به إسحاق(٢)، وروي أيضاً عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى فُدي به إسحاق(٣)، وروي أيضاً عن سعيد بن جبير أنه قال: كان الكبش يرتع في الجنة حتى شقق عنه ثبير وكان عليه عهن (٤) أحمر(٥). وعن الحسن البصري أنه قال: كان اسم كبش إبراهيم: جرير (٦). وقال ابن جريج: قال عُبيد بن عُمير: ذبحه بالمقام. وقال مجاهد: ذبحه بمنی عند المنحر(٧). : كان أفتى الذي جعل عليه نذراً أن وقال هشيم: عن سيار، عن عكرمة، عن ابن عباس ينحر نفسه فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك لو كنت أفتيه بكبش لأجزأه أن يذبح كبشاً فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه فُدي بكبش(٨). وقال الثوري: عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ قال: وعل(٩). وقال محمد بن إسحاق: عن عمرو بن عُبيد، عن الحسن أنه كان يقول: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير(١٠). وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، حدثني منصور، عن خاله مسافع، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا أرسل رسول الله و لو إلى عثمان بن طلحة ظه، وقالت مرة: أنها سألت عثمان لم دعاك النبي وَلٍ؟ قال: قال لي رسول الله وَّه: ((إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي)) قال سفيان: لم يزل قرنا الكبش معلقين في البيت حتى احترق البيت فاحترقا (١١). وهذا دليل مستقل على أنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام، فإن قريشاً توارثوا (١) سنده حسن، والخبر من الإسرائيليات. (٢) سنده حسن، والخبر من الإسرائيليات. (٤) أي: صوف. (٣) الخبر من الإسرائيليات. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. (٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وهو قول غريب. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن جريج عن عُبيد بن عمير، ومن طريق ابن جريج عن مجاهد لكنه لم يسمع من مجاهد. (٨) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده جيد. (٩) سنده ضعيف الإبهام شيخ الثوري. (١٠) أخرجه الطبري من طريق محمد بن إسحاق به، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق لم يصرح بالسماع. (١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٦/٢٧ ح ١٦٦٣٧) وصحح سنده محققوه. ٣٩٠ • سُورَةُ الصَّافَاتِ (٩٩، ١١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قرني الكبش الذي فُدي به إبراهيم خلفاً عن سلف وجيلاً بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله وَله. فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟ ذكر من قال: هو إسحاق عليه الصلاة والسلام: قال حمزة الزيات: عن أبي ميسرة كَّلُهُ قال: قال يوسف عليه الصلاة والسلام للملك في وجهه: ترغب أن تأكل معي وأنا واللهِ: يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله(١). وقال الثوري، عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل أن يوسف لعلَّلا قال للملك: كذلك أيضاً (٢)، وقال سفيان الثوري: عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: قال موسى عليه الصلاة والسلام: يا ربِّ يقولون بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب فبمَ قالوا ذلك؟ قال: ((إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه، وإن إسحاق جادَ لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حسن ظن))(٣). وقال شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود رهـ فقال: أنا فلان بن فلان بن الأشياخ الكرام، فقال عبد الله بن مسعود ظه ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله (٤). وهذا صحيح عن ابن مسعود ته، وكذا روى عكرمة عن ابن عباس ﴿يا أنه إسحاق(٥)، وعن أبيه العباس وعن علي بن أبي طالب مثل ذلك، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعبيد بن عمير وأبو ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم بن أبي برزة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبو الهذيل وابن سابط وهذا اختيار ابن جرير، وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنه إسحاق، وهكذا روى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزهري، عن أبي سفيان ابن العلاء بن حارثة، عن أبي هريرة رؤيته، عن كعب الأحبار أنه قال: هو إسحاق. وهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار فإنه لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر ته عن كتبه قديماً، فربما استمع له عمر رُه فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها وليس لهذه الأمة والله أعلم حاجة إلى حرف واحد مما عنده. وقد حكى البغوي القول بأنه إسحاق، عن عمر وعلي وابن مسعود والعباس ﴿ ومن التابعين عن كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة ومقاتل والزهري والسدي قال: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس (٦). وقد ورد في ذلك حديث لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين ولكن لم يصح سنده. (١) سنده مرسل وهو من الإسرائيليات. (٢) سنده مرسل وهو من الإسرائيليات. (٣) سنده مرسل وهو من الإسرائيليات. (٤) أخرجه الحاكم من طريق سُنيد عن حجاج بن محمد عن شعبة به وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بقوله: سُنيد لم يكن بذاك (المستدرك ٥٥٩/٢). (٥) أخرجه الحاكم من طريق عكرمة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٨٨/٢). (٦) معالم التنزيل ٤٦/٧. ٣٩١ سُورَةُ القَنَافَانِ (٩٩، ١١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب بنظ ◌ُه، عن النبي 18َّ في حديث ذكره قال: هو إسحاق(١). ففي إسناده ضعيفان وهما: الحسن بن دينار البصري متروك، وعلي بن زيد بن جدعان منكر الحديث. وقد رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان به مرفوعاً(٢)، ثم قال: قد رواه مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس ظُه وهذا أشبه وأصح. ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح المقطوع به: قد تقدمت الرواية عن ابن عباس ها أنه إسحاق عليه الصلاة والسلام، وقال سعيد بن جبير وعامر الشعبي ويوسف بن مهران ومجاهد وعطاء وغير واحد، عن ابن عباس ها هو: إسماعيل عليه الصلاة والسلام. وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن قيس، عن عطاء بن أبي رياح، عن ابن عباس أنه قال: المفدى إسماعيلعلـّل*، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود(٣). وقال إسرائيل: عن ثور، عن مجاهد، عن ابن عمر ﴿ًا قال: الذبيح إسماعيل(٤). وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد هو إسماعيل ظلّا(٥)، وكذا قال يوسف بن مهران. وقال الشعبي: هو إسماعيل عليه الصلاة والسلام وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة. وقال محمد بن إسحاق: عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري أنه كان لا يشك في ذلك أن الذي أمر بذبحه من ابني إبراهيم إسماعيل عليهلا(٦). قال ابن إسحاق: وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو يقول: إن الذي أمر الله تعالى إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل وإنا لنجد ذلك في كتاب الله تعالى وذلك أن الله تعالى حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال الله تعالى: ﴿وَبَثَّرْنَهُ بِسْحَقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ (٣)﴾ ويقول الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] يقول بابن وابن ابن فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه الموعد بما وعده وما الذي أمر بذبحه إلا إسماعيل(٧). قال ابن إسحاق: سمعته يقول ذلك كثيراً . (١) سنده ضعيف جداً لأن الحسن بن دينار متروك كما قرر الحافظ ابن كثير. (٢) سنده کسابقه. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق ابن وهب به مختصراً على ذكر الشفاعة (الصحيح، الإيمان، باب اختباء النبي وهو دعوة الشفاعة لأمته ح ٣٣٧). (٤) سنده صحيح. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن جريج عن ابن أبي نجيح به. (٦) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق وسنده ضعيف لأن الحسن بن دينار متروك (لسان الميزان ٢٠٣/٢) وعمرو بن عبيد فيه مقال. (٧) أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به وسكت عنه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٥٥/٢) وسنده حسن وقد صرح ابن إسحاق بالسماع. ٣٩٢ ، سُورَةُ القَنَّافَاتِ (٩٩، ١١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن إسحاق: عن بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظي أنه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز ظله وهو خليفة إذ كان معه بالشام فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه وكان يرى أنه من علمائهم فسأله عمر بن عبد العزيز ظُبه عن ذلك قال محمد بن كعب وأنا عند عمر بن عبد العزيز فقال له عمر: أي: ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكر الله تعالى منه لصبره لما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لكون إسحاق أباهم والله أعلم أيهما كان، وكلٌّ قد كان طاهراً طيباً مطيعاً لله ﴾(١). وقال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل تَخُّْ: سألت أبي عن الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل. ذكره في كتاب الزهد. وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام، قال: وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل. وقال البغوي في تفسيره: وإليه ذهب عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب والسدي والحسن البصري ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي وهو رواية عن ابن عباس، وحكاه أيضاً عن أبي عمرو بن العلاء(٢). وقد روى ابن جرير في ذلك حديثاً غريباً فقال: حدثني محمد بن عمار الرازي، حدثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، عن أبيه، حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق فقال: على الخبير سقطتم: كنا عند رسول الله ◌َي﴿ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله عد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله * فقيل له: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله له أمرها عليه ليذبحن أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل(٣). وهذا حديث غريب جداً وقد رواه الأُموي في مغازيه: حدثنا بعض أصحابنا أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن القرشي، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية نظـ (١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به. (٢) معالم التنزيل ٧/ ٤٧. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فقد أخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن عبيد به وسكت عنه وقال الذهبي: إسناده واوٍ (المستدرك ٥٥٤/٢) وضعفه السيوطي في الدر المنثور. ٣٩٣ • سُورَّةُ الصَنَافَاتِ (٩٩، ١١٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق وذكره(١)، كذا كتبته من نسخة [مغلوطة](٢)، وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ (®﴾ فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلٍَ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي؛ أي: العمل، ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضاً. قال: وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم بل هو بعيد جداً والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت وأصح وأقوى والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِسْحَقَ نَبَّا مِّنَ الصَّلِحِينَ (٢٧)﴾ لما تقدمت البشارة بالذبيح وهو إسماعيل عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق وقد ذكرت في سورتي هود والحجر (٣). وقوله تعالى: ﴿نِيًّا﴾ حال مقدرة؛ أي: سيصير منه نبي صالح. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﴿ّ الذبيح إسحاق قال: وقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِسْحَقَ نِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ (٣)﴾ قال بشَّر بنبوته قال، وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَئِنَآَ أَخَاهُ هَرُونَ نِيََّ (13)﴾ [مريم]، قال: كان هارون أكبر من موسى ولكن أراد وهب له نبوته(٤). وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت داود يحدث، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿ه في هذه الآية: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾﴾ قال: إنما بشر به نبياً حين فداه الله من الذبح ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده(٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّلِحِينَ (٢٧)﴾ قال: بشر به حين ولد وحين نُبئ(٦). وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ قال: بعد ما كان أمره لما جاد الله تعالى بنفسه. وقال الله: ﴿وَبَرَّكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَّ إِسْحَقَّ﴾(٧) . وقوله: ﴿وَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىَ إِسْحَقُّ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحِنٌّ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، مُّبِينٌ (٣)﴾ كقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَنُحُ أَهْبِطْ بِسَلٍَ مِّنَا وَبَكَتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمٍَّ مِّمَن مَّعَكَتْ وَأُمَّمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمِ مِنَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (@)﴾ [هود]. (١) سنده ضعيف الإبهام شيخ الأُموي. (٢) كذا في نسخة (مح) وفي (حم) بلفظ: (كذا"، ولم تذكر هذه الكلمة في الأصل. (٣) في الآية ٧١ من سورة هود، وفي الآية ٥٣ من سورة الحجر. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٦) سنده حسن. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٧) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ٣٩٤ • سُوَرَّةُ القَنَّافَانَ (١١٤، ١٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وَنَّيْنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ اُلْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿وَلَقَدْ مَنَتَّا عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ وَنَصَرْنَهُمْ ١١٥ وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ فَكَانُواْ هُمُ الْغَلِينَ (١) وَءَانِيْنَهُمَا اُلْكِنَبَ اُلْمُسْتَبِينَ وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِمَا فِى إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا سَلَهُ عَلَى مُوسَى وَهَرُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَّجْزِى الْمُحْسِنِينَ الْآَخِرِينَ (١٩) اُلْمُؤْمِنینَ يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قوم فرعون وقومه وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في أخس الأشياء، ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقرَّ أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم، ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين وهو التوراة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءُ﴾ [الأنبياء: ٤٨]، أي: في الأقوال وَهَدَيْنَهُمَا اُلْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ وقال ههنا: ﴿وَءَانِيْنَهُمَا اُلْكِنَبَ الْمُسْتَبِينَ والأفعال ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِ اَلْآَخِرِينَ (3)﴾ أي: أبقينا لهما من بعدهما ذكراً جميلاً وثناء حسناً ثم إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ فسره بقوله تعالى: ﴿سَلَمُ عَلَى مُوسَى وَهَدُرُونَ الْمُؤْمِنِينَ ٢٢ 2- ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (g) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَثَّقُونَ أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَهُمْ لَمُحْضَرُوٌ اَْلِقِينَ (٣٥) اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآَبِكُمُ الْأَوَّلِين (١٣) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِىِ الْآَخِرِينَ (١٠) سَلَمُّ عَلَى إِلَّ يَاسِينَ ٢٨ الْمُؤْمِنِينَ (T). قال قتادة ومحمد بن إسحاق: يقال: إلياس هو: إدريس(١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيدة بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود رضيبه قال: إلياس: هو إدريس(٢). وكذا قال الضحاك. وقال وهب بن منبه: هو إلياس بن تسبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران بعثه الله تعالى في بني إسرائيل بعد حزقيل بَّلها، وكانوا قد عبدوا صنماً يقال له: بعل(٣)، فدعاهم إلى الله تعالى ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتدَّ واستمروا على ضلالتهم ولم يؤمن به منهم أحد، فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر فسأل الله أن يقبضه إليه، وكان قد نشأ على يديه اليسع بن (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) سنده حسن وأخرجه عبد بن حميد في تفسير عن أبي نعيم به (ينظر: تغليق التعليق ٢٩٤/٤) وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٦/ ٣٧٣). (٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وفيه عنعنة ابن إسحاق. ٣٩٥ • سُورَةُ الصَّافَاتَ (١٢٣، ١٣٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أخطوب عليهما الصلاة والسلام، فأمر إلياس أن يذهب إلى مكان كذا وكذا فمهما جاءه(١) فليركبه ولا يهبه فجاءته فرس من نار فركب وألبسه الله تعالى النور وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكاً إنسياً سماوياً أرضياً(٢). هكذا حكاه وهب بن منبه عن أهل الكتاب والله أعلم بصحته . ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَا نَنَّقُونَ (٣)﴾ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِفِينَ (٣٥)﴾ قال ابن عباس ﴿ه ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي: بعلاً يعني: رباً(٣). قال عكرمة وقتادة: وهي لغة أهل اليمن(٤)، وفي رواية عن قتادة قال: وهي لغة أزد شنوءة. وقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها: بعل(٥). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: عن أبيه، هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها بعلبك غربي دمشق(٦) . وقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه(٧) اَللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ وقوله تعالى: ﴿أَنَدْعُونَ بَعْلًا﴾؟ أي: أتعبدون صنماً ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ اْخَلِقِينَ ءَبَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٣)﴾ أي: هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٨)﴾ أي: للعذاب يوم الحساب ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٣٨)﴾ أي: الموحدين منهم وهذا استثناء منقطع من مثبت. ٣)﴾ كما يقال وقوله تعالى: ﴿وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ (9)﴾ أي: ثناء جميلاً ﴿سَلَمُّ عَ إِلَّ يَاسِينَ في إسماعيل: إسماعين وهي لغة بني أسد، وأنشد بعض بني تميم في ضبِّ صاده: يقول رب السوق لما جينا هذا ورب البيت [إسرائينا](٨)(٩) ويقال ميكال وميكائين وإبراهيم وإبراهام وإسرائيل وإسرائين وطور سيناء وطور سينين، وهو (١٠) ، ◌َنَّه موضع واحد وكل هذا سائغ وقرأ آخرون ((سلام على إدراسين)) وهي قراءة ابن مسعود ره (١) كذا في الأصل، وفي تفسير الطبري بلفظ: ((فماذا جاءك من شيء)). (٢) أخرجه الطبري بالسند المتقدم عن ابن إسحاق، وليس فيه عن وهب بن منبه. (٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم (ينظر تغليق التعليق ٢٩٤/٤)، والطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري من طريق عمارة عنه، ولم أعرف من هو عمارة، وقول قتادة سيأتي في الرواية التالية، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه. (٤) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح. (٥) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده ضعيف الإبهام شيخ ابن إسحاق. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد. (٧) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٨) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: صُحف إلى: ((أنس بينا)). (٩) استشهد به الفراء (معاني القرآن ٣٩١/٢)، والطبري دون نسبة. (١٠) ذكرها الطبري عن ابن مسعود من غير سند، وهي قراءة شاذة. ٣٩٦ • سُورَةُ القَنَافَات (١٣٣، ١٤٨) وقرأ آخرون (سلام على آل ياسين)) (١) يعني: آل محمد رَِّ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى قد تقدم تفسيره. اُلْمُحْسِنِينَ (٣) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٣٠) ثُمَّ دَمَّرْنَا ﴿ إِذْ نَخَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينٌَ (﴿َ) إِلَّا عَجُوزًا فِىِ الْغَبِينَ ﴿وَإِنَّ لُوطَاً لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ وَبِأَيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (جَ)). الْأَخَرِينَ (٣) وَإِنَّكُمْ لَكُونَ عَلَيْهِم مُّصِْحِينَ يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوطعليّا أنه بعثه إلى قومه فذكبوه فنجاه الله تعالى من بين أظهرهم هو وأهله إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح وجعلها بسبيل مقيم وَبِأَيَّلُّ أَفَلَا عَلَيْهِم مُصْبِحِينَ يمر بها المسافرون ليلاً ونهاراً ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمُرُونَ تَعْقِلُونَ (٣٨)﴾ أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟ - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿َ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤٢) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُلْحَضِينَ لَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ٦ْ أَنَّهُ كَانَ مِنَ آلْمُسَبِّحِيُّ فَالْنَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (٣) ، وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِْقَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون وَأَنْتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِّنْ يَقْطِينٍ فَبَذْنَهُ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ فَامَنُواْ فَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (٦)؛ قد تقدمت قصة يونس عليه الصلاة والسلام في سورة الأنبياء (٢)، وفي الصحيحين عن رسول الله ﴿ أنه قال: ((ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى))(٣) ونسبه إلى أُمه وفي رواية إلى أبيه. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٣)﴾ قال ابن عباس: هو الموقر؛ أي: المملوء بالأمتعة (٤). ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلوبين، وذلك أن السفينة تلعبت بها الأمواج من كل جانب وأشرفوا على الغرق فساهموا على من تقع عليه القرعة يلقى في البحر لتخف بهم السفينة فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه الصلاة والسلام ثلاث مرات وهم يضنون به أن يلقى من بينهم فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك، وأمر الله تعالى حوتاً من البحر الأخضر أن يشق البحار وأن يلتقم يونس معلّ فلا يهشم له لحماً ولا يكسر له عظماً، فجاء ذلك الحوت وألقى يونس ظلّله نفسه فالتقمه الحوت وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت حسب أنه قد مات ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي فقام فصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: يا ربِّ اتخذت لك مسجداً في موضع لم يبلغه أحد من الناس، واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت فقيل: ثلاثة أيام (١) وهي قراءة متواترة. (٢) آية ٨٧ - ٨٨. (٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ [الصافات] (ح ٣٣٩٥) وصحيح مسلم، الفضائل، باب في ذكر يونس لعلا (ح ٢٣٧٧). (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ٣٩٧ • سُورَةُ الصَنَّافَاتِ (١٣٩، ١٤٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قاله قتادة(١). وقيل: سبعة قاله جعفر الصادق ـلف، (٢) وقيل: أربعين يوماً قاله أبو مالك(٣). وقال مجاهد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، والله تعالى أعلم بمقدار ذلك، وفي شعر أُمية بن أبي الصلت: وأنت بفضل منك نجيتَ يونسا وقد بات في أضعاف حوت لياليا (٤) وقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ (٣) لَلِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣)﴾ قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء قاله الضحاك بن قيس وأبو العالية ووهب بن منبه وقتادة (٥) وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده إن شاء الله تعالى ما يدل على ذلك إن صحَّ الخبر، وفي حديث ابن عباس: ((تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة))(٦). وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وعطاء بن السائب والسدي والحسن وقتادة: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينُّ ®﴾ يعني: المصلين(٧)، وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه، وقيل: المراد ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِِّحِينٌّ (٣)﴾ هو قوله: ﴿فَنَادَى فِ اُلُّلُمَتِ أَن لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء]، قاله سعيد بن جبير (١٨ وغيره. (٨) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الْغَمَّ وَكَذَلِكَ نُنَجِى الْمُؤْمِنِينَ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر، أن يزيد الرقاشي حدثه أنه سمع أنس بن مالك ره، ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله وسلم: ((إن يونس النبي عليه الصلاة والسلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت فقال: اللَّهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحفُّ بالعرش، قالت الملائكة: يا ربِّ هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة غريبة، فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا ربِّ ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي (١) نسبه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. (٢) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٨٧، ٨٨، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق السدي عن أبي مالك. (٤) استشهد به ابن هشام (السيرة النبوية ٢٢٨/١). (٥) قول الضحاك بن قيس أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣٧٥/١٣)، والطبري كلاهما من طريق جعفر عن ميمون بن مهران عنه، وجعفر لم يتبين لي من هو، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. (٦) أخرجه الإمام أحمد بلفظه وأطول (المسند ١٩/٥ ح ٢٨٠٣)، وصحح سنده محققوه. وهو حسن الإسناد. (٧) قول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق والبُستي والطبري بسند حسن من طريق أبي رزين عنه، وقول سعيد بن جبير، أخرجه الطبري من طريق أبي الهيثم عنه ويشهد له سابقه ولاحقه، وقول السدي، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمران القطان عنه. (٨) ينظر تفسير سورة الأنبياء آية ٨٧، ٨٨. ٣٩٨ • سُوَرَّةُ القَنَّافَاتَ (١٣٩، ١٤٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مستجابة. قالوا: يا ربِّ أولا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه في البلاء، قال: بلى فأمر الحوت فطرحه بالعراء)»(١) ورواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب به، زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حُميد بن زياد: فأخبرني ابن قُسَيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة ته يقول: طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء. قال أبو هريرة ظه: وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من حشائش الأرض، قال فتتفشح عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى [نبت](٢) وقال أُمية بن أبي الصلت في ذلك بيتاً من شعره وهو: فأنبت يقطيناً عليه برحمة من الله لولا الله ألقى ضاحيا (٣) وقد تقدم حديث أبي هريرة به مسنداً مرفوعاً في تفسير سورة الأنبياء(٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَبَدْنَهُ﴾ أي: ألقيناه ﴿بِالْعَرَآءِ﴾ قال ابن عباس ظّ وغيره: وهو الأرض التي ليس بها نبت ولا بناء(٥). قيل: على جانب دجلة(٦) وقيل: بأرض اليمن فالله أعلم ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف البدن. قال ابن مسعود ربه: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش (٧). وقال السدي: كهيئة الصبي(٨) حين يولد وهو المنفوس، وقاله ابن عباس وابن زيد أيضاً (٩). (٣)﴾ قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد قالوا كلهم: اليقطين هو القرع(١٠). وقال هشيم، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: وكل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين (١١)، وفي رواية عنه كل شجرة تهلك من عامها فهي من اليقطين(١٢). (١) تقدم تخريجه في تفسير الأنبياء آية ٨٧، ٨٨. (٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: ((ثبت)). (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن أبي صخر به، وأخرجه عبد الرزاق عن أبي صخر به، وسنده حسن. (٤) تقدم في سورة الأنبياء آية ٨٧، ٨٨، ولكن بدون ذكر الشعر وبلفظ آخر. (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((القيناه بالساحل))، وأما اللفظ المذكور أعلاه أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٦) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر عن سعيد بن جبير. (٧) أخرجه البستي بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود. (٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق فيه ابن إسحاق معنعنا، وأخرجه أيضاً الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زید. (١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (١١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده صحيح. (١٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الأصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير. ٣٩٩ سُورة القنافَات (١٣٩، ١٤٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب وجودة تغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئاً ومطبوخاً بلبه وقشره أيضاً. وقد ثبت أن رسول الله ﴿ كان يحب الدباء ويتتبعه من نواحي الصحفة(١). وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِائَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٣)﴾ روى شهر بن حوشب، عن ابن ـّا أنه قال: إنما كانت رسالة يونس عليه الصلاة والسلام بعد ما نبذه الحوت، رواه ابن عباس , جرير، حدثني الحارث، حدثنا أبو هلال عن شهر به (٢). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت(٣). (قلت): ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولاً أمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت فصدقوه كلهم وآمنوا به. وحكى البغوي: أنه أرسل إلى أُمة أخرى بعد خروجه من الحوت كانوا مائة ألف أو يزيدون (٤). وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عنه: بل يزيدون وكانوا مائة وثلاثين ألفاً (٥)، وعنه مائة ألف وبضعة وثلاثين ألفاً (٦) وعنه مائة ألف وبضعة وأربعين ألفاً (٧) والله أعلم. وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفاً(٨). وقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعت زهيراً يحدث عمن سمع أبا العالية يقول: حدثني أبي بن كعب نظره أنه سأل رسول الله وَ ل عن قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (٣)﴾ قال: يزيدون عشرين ألفاً(٩). ورواه الترمذي، عن علي بن حجر، عن الوليد بن مسلم، عن زهير، عن رجل، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب به وقال غريب (١٠). ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به (١١). قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك معناه: إلى المائة الألف أو كانوا يزيدون عندكم، يقول كذلك كانوا عندكم (١٢). ولهذا سلك ابن جرير ههنا ما سلكه عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا فِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٌ﴾ [النساء: ٧٧]، وقوله تعالى: (١) أخرجه البخاري من حديث أنس بن مالك ظه (الصحيح، الأطعمة، باب من ناول، أو قدم إلى صاحبه، على المائدة شيئاً ح٥٤٣٩). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده فيه شهر بن حوشب فيه مقال. (٣) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به. (٤) معالم التنزيل ٢٣/٤ ط. المعرفة. (٥) أخرجه الطبري من طريق الحكم بن عبد الله الأزور عن ابن عباس، ولم أقف على ترجمة الحكم. (٦) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. (٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف الإبهام الراوي عن أبي العالية. (١٠) السنن، التفسير، باب ومن سورة الصافات (ح٣٢٢٩) وسنده ضعيف كسابقه. (١١) سنده ضعيف كسابقه. (١٢) ذكره الطبري بلفظه. ٤٠٠ • سُؤَدَّةُ الصَنَافَاتَ (١٤٩، ١٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴾ [النجم]، المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد وقوله تعالى: ﴿فَكَنَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴿فَامَنُواْ﴾ أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس لعلا جميعهم ﴿فَمَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت آجالهم كقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُوْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَثَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ (٦)﴾ [يونس]. ظَ أَلَاّ - ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَهِدُونَ (١٥) مَا لَكُرْ كَيْفَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ ١٥٢٠ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَّذِبُونَ إِنَهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونٌ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلِنَّةِ أَفَلَ نَذَكَّرُونَ (٦٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (﴿ فَأَتُواْ بِكِنَبِكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ تَشْكُمُونَ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿) إِلَّا عِبَادَ اَللَّهِ الْمُخْلَصِينَ نَسَبِّ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ يقول تعالى منكراً على هؤلاء المشركين في جعلهم الله تعالى البنات سبحانه ولهم ما يشتهون أي: من الذكور؛ أي: يودون لأنفسهم الجيد ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالْأُنَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل] أي: يسوؤه ذلك ولا يختار لنفسه إلا البنين، يقول تعالى فكيف نسبوا إلى الله تعالى القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سلهم على سبيل الإنكار عليهم ﴿أَلِرَئِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذُّكَرُ وَلَهُ الْأُنْقَ ﴿٦َ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى (بي﴾ [النجم]. وقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَنَّا وَهُمْ شَهِدُونَ (6)﴾ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم كقوله: ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ [الزخرف] أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة. سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ وقوله: ﴿أَلَّ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي: من كذبهم ﴿لَيَقُولُونٌَ ﴿ وَلَدَ اللَّهُ﴾ أي: صدر منه الولد ﴿وَإِنَهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ فذكر الله تعالى عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب، فأولاً جعلوهم بنات الله فجعلوا لله ولداً تعالى وتقدس، وجعلوا ذلك الولد أنثى ثم عبدوهم من دون الله تعالى وتقدس وكل منها كاف في التخليد في نار جهنم. ثم قال تعالى منكراً عليهم: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَّاتِ عَلَى الْبَنِينَ (٣)﴾ أيْ: أيّ شيء يحمله على أن يختار البنات دون البنين كقوله: ﴿أَفَأَصْفَكُمْ رَبُّكُمْ بِلْنِينَ وَاَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِ إِنَّأَ إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (63)﴾ أي: ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون (٥)﴾ [الإسراء] ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿أَفَلَ نَذَّكَُّونَ (٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ ﴿4﴾ أي: حجة على ما تقولونه، ﴿فَأَنُواْ بِكِتَبِكُمْ إِن كُمْ صَدِقِينَ (6)﴾ أي: هاتوا برهاناً على ذلك يكون مستنداً إلى كتاب منزل من السماء عن الله تعالى أنه اتخذ ما تقولونه فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل بل لا يجوزه العقل بالكلية. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اَلِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو بكر ﴿به فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن(١)، وكذا قال قتادة وابن (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأما قول أبي بكر عض له فالإسناد منقطع لأن مجاهداً لم يسمع منه.