النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
• سُورَةُ شَبًا (١٠، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من
قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد،
لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون، ولهذا قالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ، جِنَّةٌ﴾
قال الله وَك رادًّاً عليهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ فِ الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾ أي: ليس الأمر كما
زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد # هو الصادق البار الراشد، الذي جاء بالحق، وهم
الكذبة الجهلة الأغبياء ﴿فِي الْعَذَابِ﴾ أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى ﴿ وَالضَّلَلِ
اَلْبَعِيدِ﴾ من الحق في الدنيا.
ثم قال تعالى منبهاً لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمَّ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: حيثما توجهوا وذهبوا، فالسماء مطلة عليهم، والأرض
تحتهم، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا بِأَبْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤) وَالْأَرْضَ فَرَشْتَهَا فَنِعْمَ الْمَدِهِدُونَ
٤٨
[الذاريات].
قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَفَلَمَّ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِّ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك،
أو من خلفك، رأيت السماء والأرض(١).
وقوله تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَهِمْ كِسَفَّا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ أي: لو شئنا
لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا، ثم قال: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ .
قال معمر، عن قتادة: ﴿مُنِيبٍ﴾ تائب(٢).
وقال [شيبان](٣)، عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله تعالى(٤)؛ أي: إن في النظر إلى خلق
السموات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجَّاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث
الأجساد ووقع المعاد، لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه
الأرضين في انخفاضها، وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من
العظام، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ بَلَى﴾
[يس: ٨١]، وقال تعالى: ﴿لَخَلَّقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
﴾ [غافر].
لَا يَعْلَمُونَ (
﴿﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَدُ وَاَلْظَيْرِّ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ® أَنِ أَعْمَلْ
سَئِغَتٍ وَقَّذِرْ فِ السَّرْدِّ وَأَعْمَلُواْ صَِحًاً إِّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام مما آتاه من الفضل
(١) سنده صحيح.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٣) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((سفيان)).
(٤) سنده صحيح وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((المُقبل التائب)).

٢٦٢
سُؤْرَأُ سَبًا (١١،١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من
الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له
الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات.
وفي الصحيح أن رسول الله وَلخير، سمع صوت أبي موسى الأشعري ◌ُبه يقرأ من الليل، فوقف
فاستمع لقراءته، ثم قال ◌َّر: (لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود))(١).
وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج(٢) ولا بربط(٣) ولا وتر أحسن من صوت أبي
(٤)
موسى الأشعري
ومعنى قوله تعالى: ﴿أَوِّبِ﴾ أي: سبحي، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد(٥).
وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة، وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو
الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها (٦).
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه (الجُمل)(٧) في باب النداء منه
﴿يَجِبَالُ أَوِّبِ مَعَهُ﴾ أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب سير النهار كله، والإساد سير الليل
كله، وهذا لفظه، وهو غريب جداً لم أره لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة،
لكنه بعيد في معنى الآية لههنا، والصواب أن المعنى في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِ مَعَهُ﴾ أي: رجعي
مسبحة معه كما تقدم، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا
يحتاج أن يدخله ناراً ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط(٨)، ولهذا قال تعالى:
﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَاتٍ﴾ وهي: الدروع.
قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح(٩).
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنبياء آية ٧٩.
(٢) الصنج صحيفة مدورة من نحاس يضرب بها على أخرى مثلها، وهي من الآلات الموسيقية.
(٣) أي: العود وهو من الآلات الموسيقية.
(٤) أخرجه القاسم بن سلام أبو عبيد عن إسماعيل بن إبراهيم حدثنا سليمان التيمي - أو نبئت عنه - حدثنا أبو
عثمان النهدي فذكره.
(ينظر فضائل القرآن لابن كثير ص٩٦) وفي سنده تردد إسماعيل بن إبراهيم لم يجزم هل سمعه عن سليمان
التيمي أم بواسطة.
(٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣٤٤/٦)، والطبري كلاهما بسند حسن من طريق سعيد بن
جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٥٦٠/١١)، والطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي
ميسرة .
(٧) كذا في (حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((المجمل)).
(٨) قول الحسن عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه
بنحوه.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

٢٦٣
• سُوْرَةُ سَبًا (١١،١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة، حدثنا ابن ضمرة، عن ابن
شوذب قال: كان داود علّ* يرفع في كل يوم درعاً فيبيعها بستة آلاف درهم، ألفين له ولأهله،
وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري(١).
﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ﴾ هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود علّل في تعليمه صنعة الدروع.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ﴾ لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه
فيقصمها واجعله بقدر (٢).
وقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه فيقصم، ولا تدقه فيقلق(٣)، وهكذا روي عن قتادة وغير
واحد (٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد حلق الحديد(٥).
وقال بعضهم: يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر:
(٧)
داود أو صَنَع السوابغ تبعُ
وعليهما مسرودتان [قضاهما](٦)
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه الصلاة والسلام من طريق إسحاق بن بشر،
وفيه كلام، عن أبي إلياس، عن وهب بن منبه ما مضمونه أن داود عليّا كان يخرج متنكراً،
فيسأل الرُكبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحداً إلا أثنى عليه خيراً في عبادته وسيرته وعدله لعلّلا.
قال وهب: حتى بعث الله تعالى ملكاً في صورة رجل، فلقيه داود عليه الصلاة والسلام فسأله
كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان
كاملاً. قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك
نصب داود ظلّل إلى ربه رَك في الدعاء أن يعلمه عملاً بيده يستغني به ويغني به عياله،
فألان الله مت له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدروع، وهو أول من عملها، فقال الله
تعالى: ﴿أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ﴾ يعني: مسامير الحلق.
قال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع، باعها فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما
يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوماً بيوم إلى أن يعمل غيرها، وقال: إن الله أعطى داود
شيئاً لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ
بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج (٨)، إلا على أصناف
(١) سنده مرسل وهو من الإسرائيليات.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والبستي والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن عيينة عن أبيه عن الحكم.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٦) كذا في (حم) وديوان الهذليين ١٩/١، وفي الأصل صحف إلى: ((معناهما)). ومعنى قضاهما أي: فرغ
منهما .
(٧) هو ملك من ملوك حمير في اليمن.
(٨) تقدم تعريفهما في رواية أبي عثمان النهدي السابقة.

٢٦٤
• سُؤْرَةُ شَبًّا (١٢، ١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
صوته عليّ*، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان
قد أعطي سبعين مزماراً في حلقه(١).
وقوله تعالى: ﴿وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ أي: في الذين أعطاكم الله تعالى من النعم ﴿إِنِّ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ أي: مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليَّ من ذلك شيء.
﴿ ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيَحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ أَلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ
يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَّخَرِيبَ
وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ زَّاسِيَتٍّ أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ﴾﴾.
لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام
من تسخير الريح له، تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر.
قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل باصطخر (٢) يتغذى بها ويذهب
رائحاً من اصطخر فيبيت بكابل(٣)، وبين دمشق واصطخر شهر كامل للمسرع، وبين اصطخر
وكابل شهر كامل للمسرع(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِ﴾ قال ابن عباس ﴿ه ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني
وقتادة والسدي ومالك، عن زيد بن أسلم وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: القطر
(٥)
النحاس .
قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان عليّا(٦).
قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام(٧) .
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: وسخرنا له الجن يعملون بين
يديه بإذن ربه؛ أي: بقدره وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك ﴿وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ
عَنْ أَمْرِنَا﴾ أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وهو الحريق.
وقد ذكر ابن أبي حاتم لههنا حديثاً غريباً، فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا
معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني ظُه أن
رسول الله ﴾ قال: ((الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٥/ ٧٠٨، والخبر من الإسرائيليات التي يكثر منها وهب بن منبه.
(٣) هي عاصمة أفغانستان حالياً .
(٢) وهي بلدة من أقدم بلاد فارس.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وأخرجه البستي بسند صحيح من طريق قرة بن
سليمان عن الحسن.
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد عزاه السيوطي
إلى عبد بن حميد بلفظ: ((الصفر"، وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وقول قتادة أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

٢٦٥
• سُؤْرَأُسَبًا (١٢، ١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون))(١) رفعه غريب جداً.
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن محمد بن
بحير، عن ابن أنعُم أنه قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف
طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب.
قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه
يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين (٢).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة؛ يعني: ابن الفضل،
عن إسماعيل، عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن
هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً، فهو
ولي الله تعالى، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان(٣).
وقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ﴾ أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو
أشرف شيء في المسكن وصدره.
وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور
وقال الضحاك: هي المساجد(٥).
وقال قتادة: هي القصور والمساجد(٦)
.
وقال ابن زيد: هي المساكن(٧).
وأما التماثيل، فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل: الصور (٨).
قال مجاهد: وكانت من نحاس(٩) .
وقال قتادة: من طين وزجاج(١٠).
وقوله تعالى: ﴿وَحِفَانٍ كَلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ﴾ الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي
يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس :
(١) في سنده معاوية بن صالح وهو صدوق له أوهام وأخشى الرفع من طرفه، وأخرجه الحاكم من طريق أبي
صالح به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٥٦/٢).
(٢) سنده ضعيف لضعف بن أنعم وهو عبد الرحمن بن زياد الإفريقي.
(٣) سنده ضعيف لإرساله، وفي سنده أيضاً سلمة بن الفضل وهو صدوق كثير الخطأ كما في التقريب.
(٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.
(٨) قول عطية العوفي عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق
جویبر عنه.
(٩) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة من زجاج وشبه.

٢٦٦
• سُورَةُ سباٍ (١٢، ١٣)
كجابية الشيخ العراقي تَفَهقُ(١)(٢)
تروح على آل المحلق جفنة
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿ًّا ﴿كَالْجَوَابِ﴾ أي: كالجوبة من الأرض(٣).
وقال العوفي عنه كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم(٤). والقدور
الراسيات؛ أي: الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها، كذا قال مجاهد
والضحاك وغيرهما(٥).
وقال عكرمة: أثافيها منها(٦).
وقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ أي: وقلنا لهم: اعملوا شكراً على ما أنعم به عليكم
في الدين والدنيا، وشكراً مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على
أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية، كما قال:
أفادتكم النعماء منِّي ثلاثةً
يدي ولساني والضمير المحجبا
قال أبو عبد الرحمن الحُبِّي: الصلاة شكر والصيام شكر، وكل خير تعمله لله رَّك شكر،
وأفضل الشكر الحمد(٧)، رواه ابن جرير، وروى هو وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب
القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح(٨)، وهذا لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان
آل داود عل ◌ّ كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولاً وعملاً.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر؛ يعني: ابن
سليمان، عن ثابت البناني، قال: كان داود ظلَّ قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان
لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية
﴿أَعْمَلُوَاْ ءَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾(٩).
وفي الصحيحين عن رسول الله وَ ليل أنه قال: ((إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان
ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحبُّ الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم
يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى))(١٠).
وقد روى أبو عبد الله ابن ماجه من حديث سُنيد بن داود: حدثنا يوسف بن محمد بن
(٢) استشهد به الطبري.
(١) الفهق: أي: الامتلاء والاتساع.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه أيضاً بسند صحيح من طريق
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. وأخرجه أيضاً هو والبُستي بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.
(٥) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه البستي بسند حسن من
طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٦) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر والطبري عن ابن عباس ولم أجده في تفسير الطبري.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق زهرة بن معبد عن أبي عبد الرحمن.
(٨) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي. ضعيف.
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق جعفر بن سليمان به (المصنف ٤٦٤/٧) وسنده مرسل.
(١٠) أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ها (صحيح البخاري، التهجد، باب من نام عند
السحر ح ١١٣١، وصحيح مسلم، الصيام، باب النهي عن صوم الدهر ح١١٥٩).

٢٦٧
• سُؤْرَأُسَبًّا (١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المنكدر، عن أبيه، عن جابر وظبه قال: قال رسول الله وَ له: ((قالت أم سليمان بن داود للقـ
لسليمان، يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيراً يوم القيامة))(١).
وروى ابن أبي حاتم، عن داود عليه الصلاة والسلام لههنا أثراً غريباً مطولاً جداً وقال أيضاً:
حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في
قوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ قال داود: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال:
((الآن شكرتني حين قلت إن النعمة مني))(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ إخبار عن الواقع.
﴿فَلَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ اَلْمَوْتَ مَا دَّمْ عَلَى مَوْنِ، إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَّهُ فَلَمَّا خَرَّ نَتِ
اَلِنُّ أَن لَّوْ كَانُوْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ
يذكر تعالى كيفية موت سليمان علَّهُ، وكيف عمَّى الله موته على الجان المسخرين له في
الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئاً على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس ضًا ومجاهد
والحسن وقتادة وغير واحد(٣)، مدة طويلة نحواً من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي
الأرضة، ضعفت وسقطت إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. وتبينت الجن
والإنس أيضاً أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. وقد ورد في
ذلك حديث مرفوع غريب وفي صحته نظر.
قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا
إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ◌ًّا، عن
النبي وَّر قال: ((كان نبي الله سليمانلعلّها إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما
اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت،
فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال:
لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان عليّ *: اللَّهم عمٍّ على الجن موتي حتى
يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصاً فتوكأ عليها حولاً ميتاً والجن تعمل،
فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين)»
قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء(٤)،
وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب
أن يكون موقوفاً، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة.
(١) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل ح١٣٣٢)، وضعف سنده
البوصيري (مصباح الزجاجة ٤٣٣/١) والخبر من الإسرائيليات.
(٢) سنده ضعيف لإرساله، والخبر من الإسرائيليات.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم
بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عن معمر عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأعله الحافظ ابن كثير بعطاء الخراساني.

٢٦٨
• سُورَةُ شَبًا (١٤)
وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك، عن أبي صالح، عن ابن عباس ظًا وعن مرة
الهمداني، عن ابن مسعود ظُبه، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلحاضره. قال: كان سليمان
عليه الصلاة والسلام يتحرر(١) في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقلّ من
ذلك وأكثر، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه
لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها: فيقول ما اسمك؟
فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت تنبت دواء قالت: نبت
دواء كذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ قالت:
أنا الخروبة، قال ولأي شيء نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد، قال سليمان عليه الصلاة
والسلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس،
فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه، فمات ولم تعلم
به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج عليهم فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع
حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع
يقول: ألست جلداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر،
فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليّ في المحراب إلا احترق،
فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر
إلى سليمان عليهلا قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عليه فأخرجوه.
ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات،
فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد
مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود ظُه، فمكثوا يدينون له من بعد موته حولاً كاملاً،
فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم يطلعون على الغيب، لعلموا بموت
سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله عَيْت: ﴿مَا دَّمْ عَلَى مَوْقِ إِلَّا دَابَّةُ
اُلْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَّا خَرَّ نَيَنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِىِ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾
يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين
الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك
الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في
جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكراً لها(٢). وهذا الأثر - والله أعلم - إنما هو مما
تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما
خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.
وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تبارك وتعالى:
﴿مَا دَّمْ عَلَى مَوْنِ إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: قال سليمان عَلَّا لملك الموت: إذا
(١) كذا في النسخ الخطية، وفي رواية الطبري: يتجرد.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد الصحيحة والضعيفة، وضعف
سنده الحافظ ابن حجر في مقدمة العجاب في بيان الأسباب.

٢٦٩
• سُؤْرَأُسَبًا (١٧،١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أمرت بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين
فبنوا عليه صرحاً من قوارير وليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك
الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فراراً من ملك الموت، قال: والجن
تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله رَ دابَّة الأرض، قال: والدابة
تأكل العيدان يقال لها: القادح، فدخلت فيها فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل
عليها فخر ميتاً، فلما رأت ذلك الجن، انفضُّوا وذهبوا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿مَا دَّمْ عَلَى
مَوْتِ: إِلَّا دَابَةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَنَّهُ﴾ قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل
أن يخر، وذكر غير واحد من السلف نحواً من هذا (١).
﴿ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينِ وَشِمَالِ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُوا لَهُّ
بَّدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ ﴿ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِ وَبَذَلْنَهُمْ بِجَنََّبِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ
وَأَثَلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجْزِىَ إِلَّا الْكَفُورَ
كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة
والسلام من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم
وثمارهم، وبعث الله تبارك وتعالى إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده
وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل
والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مذر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله وبيانه قريباً وبه
الثقة .
قال الإمام أحمد تَّتُهُ: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن
عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: إن رجلاً سأل رسول الله وسل# عن سبأ: ما
هو أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال ◌َلاير: ((بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة،
والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون، فمذحج وكِندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما
الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسان))(٢) ورواه عبد عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة به (٣).
وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، وقد رواه الحافظ أبو عمر ابن عبد البر. في كتاب (القصد
والأمم، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم) من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة (٤)، عن
ابن عباس ټ، فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر.
(١) سنده رجاله ثقات لكن الخبر من الإسرائيليات كسابقه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الله بن وهب عن
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٢) أخرجه الإمام بسنده بلفظ: ((وإنمار وحمير عرباء كلها)). (المسند ٧٥/٥ ح ٢٨٩٨)، وحسن سنده محققوه ..
وأخرجه الحاكم من طريق أبي عبد الرحمن به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٢٣/٢)، وحسنه
الحافظ ابن کثیر ویشهد له ما یلیه.
(٣) وسنده كسابقه.
(٤) كذا ذكره: علقمة بن وعلة، وفي رواية أحمد السابقة: عبد الرحمن بن وعلة، ولعله التبس على ابن لهيعة.

٢٧٠
سُورَةُسَبًّا (١٥، ١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 00 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقال الإمام أحمد أيضاً وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا [أبو جناب يحيى بن
أبي حية](١) الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عروة، عن فروة بن مسيك ظ به قال: أتيت
رسول الله ﴿ فقلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم، قال رسول الله وَليقول: ((نعم فقاتل
بمقبل قومك مدبرهم)) فلما وليت دعاني فقال: ((لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام)) فقلت: يا
رسول الله أرأيت سبأ، وادٍ هو أو جبل أو ما هو؟ قال ◌َله: ((لا بل هو رجل من العرب، ولد له
عشرة فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، تيامن الأزد والأشعريون وحِميّر وكِندة ومذحج وأنمار، الذين
يقال لهم بجيلة وخثعم، وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسان))(٢). وهذا أيضاً إسناد جيد وإن كان
فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه لكن رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن العنقري، عن
أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه - شك أسباط - قال: قدم
فروة بن مسيك به على رسول الله وَ* فذكره(٣).
طريق أخرى لهذا الحديث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن
وهب، حدثني ابن لهيعة، عن توبة بن نمر، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند
عبيدة بن عبد الرحمن بأفريقية، فقال يوماً: ما أظن قوماً بأرض إلا وهم من أهلها، فقال علي بن
رياح: كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مسيك الغطيفي انه قدم على رسول الله وسلم فقال: يا
رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عزّ في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟
فقال ◌َ: ((ما أمرت فيهم بشيء بعد)) فأنزلت هذه الآية ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ﴾
الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله أن رسول الله وله
سئل عن سبأ ما هو: أبلد أم رجل أم امرأة؟ قال ◌َله: ((بل رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن
منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد الأشعريون وأنمار وحِميّر غير ما
حلها، وأما الشام فلخم وجذام وغسان وعاملة))(٤). فيه غرابة من حيث ذكر نزول الآية بالمدينة،
والسورة مكية كلُّها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الحسن بن الحكم،
حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيك الغطيفي ظلبه قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني
عن سبأ ما هو: أرض أم امرأة؟ قال ◌َله: ((ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من
الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين
تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومِذحج وحمِيّر وأنمار)) فقال رجل: ما أنمار؟ قال ◌َله: ((الذين
(١) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل: ((أبو خباب بن أبي)).
(٢) لم يرد في المسند، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف المسند ١٧٨/٥. وجود سنده الحافظ ابن كثير
بالمتابعة التالية الواردة في تفسير الطبري.
(٣) أخرجه الطبري عن أبي كريب به.
(٤) سنده ضعيف لإبهام شيخ علي بن رباح، ويتقوى إذ توبع في رواية الترمذي فأخرجه من طريق أبي سبرة
النخعي عن فروة بن مسيك به وقال: حسن غريب (السنن، التفسير، باب ومن سورة سبأ ح٣٢٢٢) وقال
الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الحاكم من طريق سعيد بن أبيض عن فروة،
وصححه ووافقه الذهبي). (المستدرك ٤٢٤/٢) وحسنه ابن عبد البر كما سيأتي بعد الرواية التالية.

٢٧١
• سُؤْرَأُسَبًا (١٧،١٥)
000000000000000000
منهم خثعم وبجيلة))(١). ورواه الترمذي في جامعه عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا: حدثنا أبو
أسامة فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب (٢).
وقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا
أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير هو عثمان بن كثير، عن
الليث بن سعد، عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين، عن تميم الداري ﴿ته قال: إن رجلاً
أتى رسول الله بر جر فسأله عن سبأ، فذكر مثله(٣)، فقوي هذا الحديث وحسن. قال علماء النسب
- منهم محمد بن إسحاق -: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان(٤).
وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له الرائش لأنه أول من غنم في
الغزو، فأعطى قومه فسمي الرائش، والعرب تسمي المال ريشا ورياشاً. وذكروا أنه بشّر
برسول الله وَّر في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعراً:
نبي لا يُرَخِّصُ في الحرام
سيملك بعدنا ملكاً عظيماً
يدينوه العباد بغير ذام
ويملك بعده منهم ملوك
يصير الملك فينا باقتسام
ويملك بعدهم منا ملوك
تقي مخبت خير الأنام
ويملك بعد قحطان نبي
أعمر بعد مبعثه بعام
وسُمِي أحمداً يا ليت أني
فأعضده وأحبوه بنصري
بكل مدجج وبكل رام
ومن يلقاه يبلغه سلامي
متى يظهر فكونوا ناصره
ذكر ذلك الهمداني في كتاب (الإكليل) واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال:
(أحدها): أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاثة
طرائق.
(والثاني): أنه من سلالة عابر، وهو هود عليه الصلاة والسلام، واختلفوا أيضاً في كيفية نسبه
به على ثلاثة طرائق أيضاً.
(والثالث): أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، واختلفوا في
كيفية اتصال نسبه على ثلاث طرائق أيضاً. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن
عبد البر النمري رحمة الله تعالى عليه في كتابه المسمّى: (الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة).
ومعنى قوله وَّل: ((كان رجلاً من العرب))؛ يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل عليه
الصلاة والسلام من سلالة سام بن نوح، وعلى القول الثالث كان من سلالة الخليل علَّل*، وليس
هذا المشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في صحيح البخاري أن رسول الله وَّ مرّ بنفر من أسلم
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم تخريجه وتصحيحه في الرواية السابقة.
(٢) تقدم تخريجه في الرواية قبل السابقة.
(٣) القصد والأمم بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم ص٢٠.
(٤) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١٠/١).
(٥) هذه الأبيات ذكرها الحافظ ابن كثير (البداية والنهاية ١٥٨/٢).

٢٧٢
• سُؤْرَأُ سَبًّا (١٥، ١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ينتضلون، فقال: ((ارموا بني إسماعيل؟ فإن أباكم كان رامياً)) (١). فأسلم قبيلة من الأنصار
- والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ - نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في
البلاد حين بعث الله ك عليهم سيل العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما قيل: باليمن، وقيل
لهم غسان بماء نزلوا عليه قيل: إنه قريب من المشلل، كما قال حسان بن ثابت
الأزد نسبتنا والماء غسان (٢)
إما سألت فإنا معشر نجب
ومعنى قوله : ((ولد له عشرة من العرب)»؛ أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع
إليهم أصول القبائل من عرب اليمن لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان
والثلاثة، والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب.
ومعنى قوله : ((فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة))؛ أي: بعد ما أرسل الله تعالى عليهم
سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان
الماء يأتيهم من بين جبلين. وتجتمع إليه أيضاً سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم
فبنوا بينهما سداً عظيماً محكماً، حتى ارتفع الماء وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا
الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف
منهم قتادة أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل وهو الذي تخترف
فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف لكثرته
ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب. بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد
مأرب، وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء
من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تبارك
وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ﴾ ثم فسرها بقوله رَّ: ﴿جَنَّتَانِ عَنِ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ أي:
من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك ﴿كُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهِّ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ أي:
غفور لكم إن استمررتم على التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُواْ﴾ أي: عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى
عبادة الشمس من دون الله، كما قال الهدهد لسليمان عليه الصلاة والسلام ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَلٍ بِنَكٍ
يَقِنٍ ﴿ إِ وَجَدتُ امْرَأَةُ تَعْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَخْرٍ وَلَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴿ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ
لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل].
وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: بعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبياً (٣).
وقال السدي: أرسل الله بك إليهم اثني عشر ألف نبي، والله أعلم (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِ﴾ المراد بالعرم المياه، وقيل: الوادي، وقيل: الجرذ،
(١) أخرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع ظه (صحيح البخاري، المناقب، باب نسبة اليمن إلى
إسماعيل ح٣٥٠٧).
(٢) ديوان حسان ته ٢٥١ واستشهد به ابن هشام في السيرة ١/ ١٠١.
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، والخبر من الإسرائيليات.
(٤) الخبر من الإسرائيليات.

٢٧٣
• سُؤْرَأُ سَبًا (١٥، ١٧)
وقيل: الماء الغزير، فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته مثل مسجد الجامع وسعيد كرز،
حكى ذلك السهيلي(١).
وذكر غير واحد منهم ابن عباس ووهب بن منبه وقتادة والضحاك: إن الله رم لما أراد
عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض يقال لها: الجرذ نقبته(٢).
قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ فكانوا
يرصدون عنده السنانير برهة من الزمن فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السد
فنقبته فانهار عليهم(٣).
وقال قتادة وغيره: الجرذ هو الخلد، نقبت أسافله حتى إذا ضعف ووهى (٤)، وجاءت أيام
السيول صدم الماء البناء فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي وخرب ما بين يديه من الأبنية
والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست
وتحطمت وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَبَدَّلْنَهُمْ
بِجَنَهِمْ جَنََّيْنِ ذَوَقَى أُكُلٍ خَطٍ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والحسن وقتادة والسدي: وهو الأراك(٥)
وأُكُلُهُ البرير (٦) (٧).
﴿وَقْلٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: هو الطرفاء(٨).
وقال غيره هو شجر يشبه الطرفاء، وقيل: هو السمر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَشَىْءٍ مِّن سِذْرٍ قَلِيلٍ﴾ لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال:
﴿وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة، والمناظر
الحسنة، والظلال العميقة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي
الشوك الكثير والتمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى
الباطل، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيَْهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ تُجَرِيّ إِلَّا الْكَفُوَرَ (٣)﴾ أي: عاقبناهم
بکفرهم.
(١) ذكره في الروض الأنف ١/ ١٥.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه ويتقوى بالآثار التي تليه فقول وهب
أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي
عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.
(٣) أخرجه الطبري بالسند المتقدم.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وقول الحسن أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي
عروبة عنه، وقول السدي عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٦) البرير: هو ثمر شجر الأراك.
(٧) أخرجه الطبري بالسند المتقدم بلفظ: «أُكلُهُ بريره)).
(٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.

٢٧٤
سُورَةُسَبًا (١٨، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور (١).
وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور.
وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا
حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء، عن هشام بن صالح التغلبي، عن ابن خيرة، وكان من
أصحاب علي ربه، قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في
اللّذة، قيل: وما التعسر في اللّذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصُه إياها(٣).
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا قُرَى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فَِهَا السَّيْرِّ سِيرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ
وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُعَزَّقَّ إِنَّ فِ
ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن
الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض مع كثرة أشجارها، وزروعها وثمارها بحيث
أن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمراً، ويقيل في قرية
ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اَلْقُرَى
الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا﴾ .
قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء، وكذا قال أبو مالك(٤).
وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ومالك، عن زيد بن أسلم وقتادة والضحاك والسدي
وابن زيد وغيرهم؛ يعني: قرى الشام(٥)، يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى
ظاهرة متواصلة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها بيت المقدس(٦)، وقال العوفي عنه
أيضاً: هي قرى عربية بين المدينة والشام ﴿قُرَى ظَاهِرَةً﴾ أي: بينة واضحة يعرفها المسافرون يقيلون
في واحدة ويبيتون في أخرى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فَِهَا السَّيْرِّ﴾ أي: جعلناها بحسب ما
يحتاج المسافرون إليه ﴿سِيْرُواْ فِيَهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾ أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلاً ونهاراً
﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ﴾ وقرأ آخرون: ﴿بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾(٧) وذلك أنهم بطروا
(١) أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه.
(٣) لم أقف على ترجمة أبي البيداء.
(٤) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق حصين، وهو ابن عبد الرحمن، عن أبي مالك.
(٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن
عبد الرحمن بن زيد، وأخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٧) وهي قراءة متواترة.

٢٧٥
• سُؤْرَةُسَبًا (١٨، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هذه النعمة كما قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد (١)، وأحبوا مفاوز ومهامة يحتاجون
في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير فى الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى
أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في
عيش رغيد في منّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم:
﴿أَبْلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْفَ بِلَّذِى هُوَ خَّرْ أَهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم ◌َا سَأَلْتُمُّ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَةُ
وَالْمَسْكَنَّةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ الَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بَِايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا
عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَتِ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾
[القصص: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ
مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَذَقَهَا اللَّهُ لِيَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (٣)﴾ [النحل]. وقال
تعالى في حق هؤلاء. ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بكفرهم ﴿فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ
وَمَزَّقْنَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: جعلناهم حديثاً للناس وسمراً يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم
وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد لههنا ولههنا، ولهذا تقول
العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ، وتفرقوا شَذَرَ مَذَرَ(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن
الشهيد قال: سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي
مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: ١٥، ١٦]
وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء،
فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال وأنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا وأن العذاب قد
أظلَّهم، فلم يدرِ كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه وهو أعزُّهم
أخوالاً: يا بُني إذا كان غداً وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا لطمتك
فالطمني، قال: يا أبتِ لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد، قال: يا بني قد حدث أمر لا بدّ
منه، فلم يزل به حتى وافاه على ذلك، فلما أصبحوا واجتمع الناس قال: يا بني افعل كذا وكذا،
فأبى فانتهره أبوه، فأجابه فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه فلطمه، فوثب على أبيه فلطمه،
فقال: ابني يلطمني؟ علي بالشفرة، قالوا: ما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه، قالوا تريد أن تذبح
ابنك؟ الطمه أو اصنع ما بدا لك، قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك، فجاء
أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك فأبى إلا أن يذبحه، قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه، قال: فإذا
كان الحديث هكذا، فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ابني فيه، اشتروا مني دوري،
اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه
قال: أي قوم إن العذاب قد أظلكم وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم داراً جديداً وحمى
شديداً وسفراً بعيداً، فليلحق بعُمان، ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير. وكلمة قال إبراهيم
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أي: تفرقوا في كل ناحية.

٢٧٦
سُورَةُ سَبًّا (١٨، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لم أحفظها، فليلحق ببصرى، ومن أراد الراسخات في الوحل: المطعمات في المحل، المقيمات
في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قومه، فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت
غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل، قال: فأتوا
على بطن مر، فقال بنو عثمان هذا مكان صالح لا نبغي به بدلاً، فأقاموا به فسموا لذلك خزاعة،
لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان
إلى عمان وتوجهت غسان إلى بصرى(١). هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن
عامر أحد رؤوساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان
أول من خرج من بلاد اليمن بسبب استشعاره بإرسال العرم عليهم، فقال: وكان سبب خروج
عمرو بن عامر من اليمن فيما حدثني به أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذاً يحفر في سد مأرب
الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على
ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، فكادَ قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه
فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيها أصغر ولدي وعرض
أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو، فاشتروا منه أمواله وانتقل هو في
ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه،
فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك وكانت حربهم سجالاً، ففي
اله :
ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي
وعك بن عدنان الذين تغلَّبُوا
بغسان حتى ظُرّدوا كل مطرد
وهذا البيت من قصيدة له. قال: ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان، فنزل آل جفنة بن
عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مراً، ونزلت أزدُ السراةِ
السراةَ، ونزلت أزدُ عُمانٍ عُمانَ، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك
أنزل الله من هذه الآيات(٢). وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن
إسحاق، إلا أنه قال: فأمر ابن أخيه مكان ابنه، إلى قوله: فباع ماله وارتحل بأهله فتفرقوا، رواه
ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، أخبرنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: يزعمون أن عمرو بن
عامر وهو عمّ القوم، كان كاهناً فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم، فقال
لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هم بعيد وحمل شدید، ومزاد حديد،
فليلحق بكاس أو كرود. قال: فكانت وادعةُ بن عمرو. ومن كان منكم ذا همِّ مُدنٍ، وأمرٍ
ذعر، فليلحق بأرض شنٍّ، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم: بارق، ومن كان
منكم يريد عيشاً آيناً(٣)، وحرماً آمناً فليلحق بالأرزين، فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد
(١) رجاله ثقات إلى عكرمة لكن الحافظ ابن كثير استغربه، ولعله أخذه عكرمة من أخبار أهل الكتاب.
(٢) سنده ضعيف، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١٠/١ - ١٢).
(٣) العيش الآين: الرافه الوادع.

٢٧٧
سُورَةُ سَبًا (١٨، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل(١)، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس
والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار ومن كان منكم يريد خمراً وخميراً وذهباً وحريراً،
وملكاً وتأميراً، فليلحق بكوثى (٢) وبُصرى(٣)، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام ومن كان
منهم بالعراق.
قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة
عمرو بن عامر(٤). وكانت كاهنة فرأت في كهانتها ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان.
وقال سعيد، عن قتادة، عن الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب،
وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعُمان(٥). فمزقهم الله كل ممزق. رواه ابن أبي
حاتم وابن جرير.
ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى - أعشى بني قيس بن ثعلبة -
واسمه: ميمون بن قيس :
ومأرب عفى(٦) عليها العرم
وفي ذاك للمؤتسي أسوة
إذا جاء مواره(٧) لم يرم
رُخام بنته لهم حُمير
على سعة ماؤهم إذ قسم
فأروى الزروع وأعنا بها
منه على شرب طفل فُطِم (٨)
فصاروا أيادي ما يقدرون
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: إن في هذا الذي حل بهؤلاء من
النقمة والعذاب وتبديل النعمة وتحويل العافية عقوبة على ما ارتكبوه من الكفر والآثام، لعبرة
ودلالة لكل عبد صبار على المصائب شكور على النعم.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن وعبد الرزاق المعني قالا: أخبرنا سفيان، عن أبي
إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن عمر بن سعد، عن أبيه هو: سعد بن أبي وقاص ر ◌ُبه قال:
قال رسول الله وَله: ((عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر، وإن
أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في
امرأته))(٩). وقد رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي إسحاق السبيعي به(١٠)، وهو حديث
عزيز من رواية عمر بن سعد، عن أبيه، ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي
(٢) مدينة تقع في جنوب العراق.
(١) أي: الجوع الشديد.
(٣) مدينة في سوريا.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة به، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة به.
(٧) أي: الشديد المور.
(٦) أي: أذهب معالمها.
(٨) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ١٤/١).
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٢/٣ ح ١٤٨٧) وحسنه محققوه، وله شاهد في الصحيح كما
سيأتي.
(١٠) السنن الكبرى (ح ١٠٩٠٦) وحكمه كسابقه.

٢٧٨
سُورَةُسَبًا (٢١،٢٠)
هريرة : ((عجباً للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر
فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن))(١).
قال عبد: حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ قال:
كان مطرف يقول: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر (٢).
﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِسُ ظَنَّهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن
سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِعَنْ هُوَ مِنْهَا فِ شٍَّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّطُ
لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن
أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِلِيسُ
ظَنَّهُ﴾ .
قال ابن عباس طها وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن إبليس حين امتنع من السجود
لآدم عليه الصلاة والسلام، ثم قال: ﴿أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾(٣) [الإسراء: ٦٢]. وقال: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِمْ
وَعَنْ شَآيَلِهِمَّ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَكِينَ (٣)﴾ [الأعراف] والآيات في هذا كثيرة.
وقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة ومعه حواء، هبط
إبليس فرحاً بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف،
وكان ذلك ظناً من إبليس، فأنزل الله وَت: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِسُ ظَنَهُ فَأَتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِقًا مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أعده وأمنيه وأخدعه،
فقال الله تعالى: ((وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا
أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفر إلا غفرت له))(٤)، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّنِ سُلْطَانٍ﴾ قال ابن عباس رضيًّا: أي: من حجة.
وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً
وأماني، دعاهم إليها فأجابوه، وقوله رَى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْأَخِرَةِ مِعَنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَاءٍ﴾
أي: إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيحسن
عبادة ربه رت في الدنيا ممن هو منها في شك.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيَّظُ﴾ أي: ومع حفظه ضلَّ من ضلَّ من أتباع إبليس،
وبحفظه وكلاءته سَلِمَ من سَلِمَ من المؤمنين أتباع الرسل.
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٩٥ من حديث صهيب ظه في صحيح مسلم.
(٢) سنده صحيح. وعبد هو عبد بن حُميد الكُشي صاحب التفسير والمسند. وأخرجه الطبري من طريق سعيد بن
أبي عروبة عن قتادة به وسنده صحيح.
(٣) ذكره السيوطي بنحوه ونسبه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٤) سنده ضعيف لإرسال الحسن البصري.

٢٧٩
• سُورَةُ سبًا (٢٢، ٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ اللّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّقِ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ
وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ * وَلَا نَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُمْ حََّ إِذَا
فُزَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكِيرُ
يُبين تبارك وتعالى أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو
المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ
اللّهِ﴾ أي: من الآلهة التي عُبدت من دونه ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّقْ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ﴾ كما
قال تبارك وتعالى: ﴿ وَلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣].
وقوله: ﴿وَمَا لَّمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ أي: لا يملكون شيئاً استقلالاً ولا على سبيل الشركة ﴿وَمَا
لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ أي: وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق
کلهم فقراء إليه عبيد لديه.
قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ﴾ من عون يعينه بشيءٍ(١).
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا نَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي: لعظمته وجلاله وكبريائه لا
يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا
﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِ السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَنُهُمْ
الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ"﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال:
شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَ (﴾﴾ [النجم]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمِنْ
أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن
رسول الله ◌َ﴿ وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في
الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال: ((فأسجد لله تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني،
ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه،
واشفع تشفع)) الحديث بتمامه(٢).
وقوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَذَا قَالَ رَّكُمَّ قَالُواْ الْحَقٌ﴾ وهذا أيضاً مقام رفيع في
العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه، أرعدوا من الهيبة حتى
يلحقهم مثل الغشي، قاله ابن مسعود ربه ومسروق وغيرهما(٣).
﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ أي: زال الفزع عنها، قال ابن عباس وابن عمر حثّ وأبو عبد الرحمن
السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله رَك: ﴿حَتَّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ
قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقّ﴾ يقول: جُلِّي عن قلوبهم (٤)، وقرأ بعض السلف، وجاء مرفوعاً: إذا فُرغ،
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٧٩.
(٣) قول ابن مسعود أخرجه الطبري بسند رجاله ثقات من طريق عامر الشعبي عن ابن مسعود، ولكن الشعبي لم
يسمع من ابن مسعود ويتقوى بالشاهد التالي عن أبي هريرة في صحيح البخاري، وقول مسروق أخرجه بسند
رجاله ثقات، لكنه مرسل ويشهد له أيضاً حديث أبي هريرة
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه آدم والطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وأخرجه البستي =

٢٨٠
• سُؤْرَةُ سَبًاٍ (٢٢، ٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بالغين المعجمة(١) ويرجع إلى الأول، فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضاً ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك
حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا،
ولهذا قال تعالى: ﴿قَالُواْ الْحَقَّ﴾ أي: أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِرُ﴾.
وقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: المشركين عند الاحتضار
ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة
قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا(٢).
قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ كشف عنها الغطاء يوم القيامة (٣).
وقال الحسن: ﴿حَّ إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما فيها من الشك والتكذيب(٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: ما فيها من الشك قال:
فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم ﴿قَالُواْ مَذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَلْحَقِّ وَهُوَ
اٌلْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ قال: وهذا في بني آدم هذا عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار(٥)، وقد
اختار ابن جرير القول الأول: إن الضمير عائد على الملائكة، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه
لصحة الأحاديث فيه والآثار، ولنذكر منها طرفاً يدل على غيره.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان،
حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ظُه يقول: إن نبي الله وَلقر قال: ((إذا
قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على
صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير،
فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بيده فحرفها،
ونشر بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى
يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن
يدركه، فيكذب معها مائة كذبه فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا فيصدّق بتلك
الكلمة التي سمعت من السماء)»(٦). انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه
أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به، والله أعلم(٧).
= بسند فيه مجهول عن ابن عمر
(١) وهي قراءة شاذة تفسيرية نسبها الطبري إلى الحسن البصري، وأخرجه البستي بسند صحيح من طريق قرة بن
خالد عن الحسن.
(٢) أخرجه بنحوه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) نسبة السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد.
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ... ﴾ [سبأ: ٢٣]
ح ٤٨٠٠).
(٧) سنن أبي داود، الحروف والقراءات، باب (١) (ح٣٩٨٩) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٣٣٧٤)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة سبأ (ح٣٢٢٣)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب
فيما أنكرت الجهمية (ح١٩٤).