النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سُؤَدَّةُ الأَخْزَابِ (٥٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومن ذلك أنه يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره وَ له. قال أبو داود: حدثنا ابن
[عوف](١) هو محمد، حدثنا المقري، حدثنا حيوة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن
عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لاير قال: ((ما منكم من أحد يسلم علي إلا ردَّ الله
عليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) (٢). تفرد به أبو داود وصححه النووي في ((الأذكار)): ثم قال
أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع، أخبرني ابن أبي ذئب، عن
سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا
قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم))(٣). تفرد به أبو داود أيضاً. وقد رواه
الإمام أحمد، عن سُريج، عن عبد الله بن نافع وهو الصائغ به (٤)، وصححه النووي أيضاً.
وقد روي من وجه آخر متصلاً قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه ((فضل الصلاة على
النبي (9ّ): حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عمَّن أخبره من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن علي أن
رجلاً كان يأتي كل غداة فيزور قبر النبي وقَّه ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن
الحسين، فقال له علي بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحبُّ السلام على النبي ◌َّ فقال
له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثاً عن أبي؟ قال: نعم. قال له علي بن الحسين:
أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله وَّر: ((لا تجعلوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم
قبوراً وصلوا عليَّ وسلموا حيثما كنتم، فتبلغني صلاتكم وسلامكم))(٥). في إسناده رجل مبهم لم
یسم.
وقد روي من وجه آخر مرسلاً قال عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري، عن ابن عجلان، عن
رجل يقال له سهيل، عن الحسن بن الحسن بن علي قال: رأى قوماً عند القبر فنهاهم وقال: إن
النبي 18ّ قال: ((لا تتخذوا قبري عيداً، ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن
صلاتكم تبلغني))(٦). فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم فوق الحاجة فنهاهم. وقد روي أنه
رأى رجلاً ينتاب القبر فقال: يا هذا ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء؛ أي: الجميع يبلغه
صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين.
وقال الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا سعيد بن أبي
(١) كذا في (ح) و(حم) وسنن أبي داود، وفي الأصل صُحف إلى: ((عف)).
(٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، المناسك، باب زيارة القبور ح ٢٠٤١) وحسنه الألباني في صحيح
سنن أبي داود (ح١٧٩٥).
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٢٠٤٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ١٧٩٦).
(٤) (المسند ٣٦٧/٢).
(٥) أخرجه إسماعيل القاضي بسنده ومتنه (فضل الصلاة على النبي وَ ◌ّر رقم ٢٠)، وسنده ضعيف لإبهام الراوي
عن علي بن الحسين ويشهد له ما سبق.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ٦٧٢٦).
وحكمه كسابقه في العلة والشاهد.

٢٤٢
• سُورَةُ الأَخْزَابِ (٥٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي
طالب ه، عن أبيه أن رسول الله وسلم قال: ((صلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني))(١).
ثم قال الطبراني: حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد
الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون بن أبي شيبان، عن الحكم بن عبد الله بن [خطاف](٢)، عن أُم
أنيس بنت الحسن بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله وَ له: ((أرأيت قول الله ريق: ﴿إِنَّ اللَّهَ
وَمَتِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾؟)) فقال: ((إن هذا من المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه ما
أخبرتكم، إن الله ◌َ وَّلَ بي مَلَكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي عليَّ إلا قال ذانك الملكان
غفر الله لك، وقال الله وملائكته جواباً لذينك الملكين: آمين، ولا يصلي عليَّ أحد إلا قال ذانك
الملكان: غفر الله لك، ويقول الله وملائكته جواباً لذينك الملكين: آمين))(٣). غريب جداً،
وإسناده فيه ضعف شدید.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن
عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﴿ه قال: ((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أُمتي
السلام)) (٤). وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش كلاهما
عن عبد الله بن السائب به(٥) .
فأما الحديث الآخر: ((من صلَّى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى عليَّ من بعيد بلغته)) ففي
إسناده نظر تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير وهو متروك، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة مرفوعاً(٦).
قال أصحابنا: ويستحب للمُحرِم إذا لبَّى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ◌َّ﴿ لما رواه
الشافعي والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر
الصديق قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي وَّرِ على كلِّ حال(٧).
وقال إسماعيل القاضي: حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا،
عن الشعبي، عن وهب بن الأجدع قال: سمعت عمر بن الخطاب رُه يقول: إذا قدمتم فطوفوا
بالبيت سبعاً وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت فكبروا
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٨٢/٢ والمعجم الأوسط ح٣٦٧)، قال الهيثمي: فيه حميد بن
أبي زينب لم أعرفه (مجمع الزوائد ١٦٢/١٠)، وله شواهد ثابتة سابقة.
(٢) كذا في المعجم الكبير ومجمع الزوائد وفي الأصل صُحف إلى: ((خطاب)).
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٨٩/٣ ح٢٧٥٣) وسنده ضعيف جداً لأن الحكم بن عبد الله بن
خطاف كذاب (مجمع الزوائد ٧/ ٩٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٦٠ ح ٤٢١٠)، وصحح سنده محققوه.
(٥) سنن النسائي، السهو، باب السلام على النبي وَل ٤٣/٣.
(٦) أخرجه العقيلي من طريق محمد بن مروان السدي به (الضعفاء الكبير ١٣٦/٤)، وسنده ضعيف جداً لأن
السدي الصغير متروك.
(٧) أخرجه الشافعي من طريق صالح بن محمد بن زائدة به (الأُم، الحج، باب ما يستحب من القول في أثر
التلبية ١٣٤/٢) وسنده مرسل.

٢٤٣
سُؤَدَّةُ الأَجْزَابِ (٥٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سبع مرات تكبيراً بين حمد الله وثناء عليه وصلاة على النبي ◌َّر ومسألة لنفسك، وعلى المروة
مثل ذلك(١) . إسناد جيد حسن قوي.
قالوا: ويستحب الصلاة على النبي ◌َّل مع ذكر الله عند الذبح، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا
لَكَ ذِكْرَكَ ﴾﴾ [الشرح]، قال بعض المفسرين: يقول الله تعالى: لا أذكر إلا ذكرت معي،
وخالفهم في ذلك الجمهور وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الله تعالى كما عند الأكل والدخول
والوقاع وغير ذلك مما لم ترد فيه السُّنة بالصلاة على النبي ◌َّر.
حديث آخر: قال إسماعيل القاضي: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون،
عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ل قال: ((صلوا على
أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني))(٢)، في إسناده ضعيفان، وهما: عمر بن هارون وشیخه،
والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق، عن الثوري، عن موسى بن عبيدة الربذي به (٣) .
ومن ذلك أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن إن صحَّ الخبر في ذلك على أن الإمام أبا
بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا معمر بن
محمد بن عبيد الله، عن علي بن أبي رافع، عن أبيه، عن أبي رافع قال: قال رسول الله وَلين:
((إذا طنَّت أذن أحدكم فليذكرني وليصلِّ عليَّ وليقل ذكر الله من ذكرني بخير)) (٤). إسناده غريب،
وفي ثبوته نظر، والله أعلم.
مسألة: وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي ونَ﴿ كلما كتبه، وقد ورد
في الحديث من طريق كادح بن رحمة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال
رسول الله وَل: ((من صلى عليَّ في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك
الكتاب))(٥). وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة وقد روي من حديث أبي هريرة ولا
يصح أيضاً (٦)، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي شيخنا أحسبه موضوعاً، وقد روي نحوه عن أبي
بكر وابن عباس ولا يصح من ذلك شيء والله أعلم.
وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه (الجامع لآداب الراوي والسامع) قال: رأيت بخط الإمام
أحمد بن حنبل تَّثُ كثيراً ما يكتب اسم النبي وَّ من غير ذكر الصلاة عليه كتابة قال: وبلغني
أنه كان يصلي عليه لفظاً(٧) .
(١) أخرجه إسماعيل القاضي بسنده ومتنه فضل الصلاة على النبي وَ ﴾ رقم ٨١. وحسنه الحافظ ابن كثير.
(٢) فضل الصلاة على النبي وَ ر رقم ٤٥ وسنده ضعيف جداً.
(٣) مصنف عبد الرزاق رقم ٣١١٨ وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي.
(٤) أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير ١٢٠/٢ ح ١١٠٤)، وابن عدي (الكامل في الضعفاء ٦/ ٤٥١)،
معمر بن محمد به، وقال ابن عدي: معمر بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه منكر الحديث. اهـ. وسنده
ضعيف جداً.
(٥) أخرجه الأصبهاني من طريق كادح بن رحمة به (الترغيب ح١٦٩٩) والحديث موضوع كما قرر الحافظ
الذهبي، وكادح بن رحمة: وضاع (ينظر لسان الميزان ٤٨١/٤).
(٦) المعجم الأوسط للطبراني (ح ٢٣٤).
(٧) الجامع لأخلاق الراوي والسامع ٢٧١/١.

٢٤٤
• سُوَّةُ الأَخْزَابِ (٥٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فصل
وأما الصلاة على غير الأنبياء فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث اللَّهم صل
على محمد وآله وأزواجه وذريته، فهذا جائز بالإجماع وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير
الأنبياء بالصلاة عليهم فقال قائلون: يجوز ذلك، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلِى
عَلَيْكُمْ وَمَلَتِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وبقوله: ﴿أُوْلَكَ عَلَهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:
١٥٧]، وبقوله: ﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةُ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]،
وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ◌َ﴿ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: ((اللَّهم
صلِّ عليهم)) فأتاه أبي بصدقته فقال: ((اللَّهم صلَّ على آل أبي أوفى)) أخرجاه في الصحيحين(١)،
وبحديث جابر أن امرأته قالت يا رسول الله صلِّ علي وعلى زوجي، فقال: ((صلى الله عليك
وعلى زوجك))(٢).
قال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة لأن هذا قد صار شعاراً للأنبياء
إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم فلا يقال: قال أبو بكر صلى الله عليه أو قال علي صلى الله
عليه، وإن كان المعنى صحيحاً، كما لا يقال: قال محمد رَت، وإن كان عزيزاً جليلاً لأن هذا
من شعار ذكر الله رَق، وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسُّنَّة على الدعاء لهم، ولهذا لم
يثبت شعاراً لآل أبي أوفى ولا لجابر وامرأته، وهذا مسلك حسن.
وقال آخرون: لا يجوز ذلك لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء،
يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدى بهم في ذلك والله أعلم.
ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم أو الكراهة التنزيهية أو خلاف الأولى؟
على ثلاثة أقوال، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار. ثم قال: والصحيح الذي
عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه لأنه شعار أهل البدع وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو
ما ورد فيه نهي مقصود. قال أصحابنا والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في لسان
السلف بالأنبياء، كما أن قولنا: رَك مخصوص بالله تعالى فكما لا يقال: محمد رَ وإن كان
عزيزاً جليلاً لا يقال: أبو بكر أو علي صلى الله عليه(٣)، هذا لفظه بحروفه.
قال: وأما السلام؟ فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة فلا
يستعمل في الغائب ولا يفرد به غير الأنبياء فلا يقال: علي ظلَّ* وسواء في هذا الأحياء
والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به فيقال: سلام عليك، وسلام عليكم أو السلام عليك أو
عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى ما ذكره.
(قلت): وقد غلب هذا في عبارة كثيرة من النساخ للكتب أن ينفرد علي ظه بأن يقال فالتنمية
من دون سائر الصحابة أو كرم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحاً، لكن ينبغي أن يسوى
(١) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية من سورة الأحزاب.
(٢) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية من سورة الأحزاب.
(٣) الأذكار ص١٥٩.

٢٤٥
• سُورَةُ الأَخْزَانَ (٥٧، ٥٨)
00000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000000000000000000000000
بين الصحابة في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى
بذلك منه رضي الله عنهم أجمعين.
قال إسماعيل القاضي: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن
عبادة بن حنيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا تصح الصلاة على أحد إلا على
النبي ◌َّ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة(١).
وقال أيضاً: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن برقان، قال
كتب عمر بن عبد العزيز كَخَّتُهُ: أما بعد فإن ناساً من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن
ناساً من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي وَّر،
فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعوا ما
سوی ذلك. أثر حسن (٢).
قال إسماعيل القاضي: حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني خالد بن یزید،
عن سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب أن كعباً دخل على عائشة رضيؤها فذكروا رسول الله وَّل
فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون
بأجنحتهم ويصلون على النبي و # سبعون ألفاً بالليل وسبعون ألفاً بالنهار حتى إذا انشقت عنه
الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة يزفونه(٣).
فرع
قال النووي: إذا صلى على النبي وَّر فليجمع بين الصلاة والتسليم فلا يقتصر على أحدهما فلا
يقول: صلى الله عليه فقط، ولا عليه السلام فقط، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي
قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ فالأولى أن يقال صلى الله عليه وسلم تسليماً.
وَالَّذِينَ
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأَعَذَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنًا وَإِنَّمَا قُِّينًا
يقول تعالى متهدداً ومتوعداً من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك
وإيذاء رسوله بعيب أو بنقص - عياذاً بالله من ذلك - قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في المصورين(٤) .
وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة
(١) نسبه الحافظ ابن حجر إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي في أحكام القرآن وصحح سنده (فتح
الباري ٥٣٤/٨).
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر نقلاً عن كتاب ((أحكام القرآن)) للقاضي الجهضمي بسنده ومتنه وحسّن سنده. (فتح
الباري ٥٣٤/٨).
(٣) أخرجه إسماعيل القاضي الجهضمي بسنده ومتنه (فضل الصلاة على النبي (ص 8* رقم ١٠٢) وسنده مرسل.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤٥٨/٨)، والطبري كلاهما من طريق سلمة بن الحجاج عن عكرمة، وسلمة
مقبول كما في التقريب.

٢٤٦
سُورَةُ الأَخْزَاب (٥٧، ٥٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: قال رسول الله يقول: ((يقول الله لك: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره))(١).
ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر فعل بنا كذا وكذا، فيسندون أفعال الله
وتعالى إلى الدهر ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله رك فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي
وأبو عبيدة وغيرهما من العلماء رحمهم الله.
وقال العوفي: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في الذين
طعنوا على النبي ◌َّ في تزويجه صفية بنت حُييّ بن أخطب(٢).
والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد
أطاع الله كما قال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عبيدة [بن أبي
رائطة](٣) الحذاء التيمي عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال
رسول الله قال: ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن
أبغضم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن
يأخذه)»(٤). وقد رواه الترمذي من حديث عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن
عبد الله بن المغفل به، ثم قال: وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ﴾ أي: ينسبون إليهم ما هم
برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ﴿فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَئًا وَإِنْمَا قُِّينًا﴾ وهذا هو البهت الكبير أن يحكى أو
ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل
في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله
منه ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم فإن الله ريك قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين
والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا
فعلوه أبداً فهم في الحقيقة، منكسو القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين.
وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز يعني: ابن محمد، عن العلاء، عن أبيه،
عن أبي هريرة أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: ((ذكرك أخاك بما يكره)) قيل: أفرأيت إن كان
في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)) (٦).
وهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي به ثم قال حسن صحيح(٧).
(١) صحيح البخاري، التفسير، سورة الجاثية (ح٤٨٢٦)، وصحيح مسلم، الألفاظ من الأدب، باب النهي عن
سب الدهر (ح٢٢٤٦).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٣) كذا في المسند وفي الأصل و(ح) و(حم) صُحف إلى: ((رابطة)).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٨/٢٧ ح ١٦٨٠٣) وضعف سنده محققوه.
(٥) السنن، المناقب، باب فيمن سبَّ أصحاب رسول الله ويتلفو (ح ٣٨٦٢) وسنده ضعيف كسابقه.
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب في الغيِّبة ح٤٨٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن
أبي داود (ح٤٠٧٩).
(٧) السنن، البر والصلة، باب ما جاء في الغيبة (ح ١٩٣٤).

٢٤٧
• سُورَةُ الأخْزَائ (٥٩، ٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن
عمار بن أنس، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَ له لأصحابه: ((أي الربا أربى
عند الله؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ((أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم)) ثم قرأ
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا أَكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَنَا وَإِنْمَا مُبِينًا (®)﴾(١).
﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَيْهِنَ مِن جَِهِنَّ ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ
﴿ لَِّن لَّرْ يَهِ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى
٥٩
اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ
مَّلْعُونِينٌ أَيْنَمَا تُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِلُواْ تَفْتِيلًا
اُلْعَدِينَةِ لَنُغْرِيَتَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُحَاوِرُونَكَ فِيَهَا إِلَّ قَلِيلًا.
سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
٦١
يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم تسليماً أن يأمر النساء المؤمنات - خاصة أزواجه
وبناته لشرفهنَّ - بأن يدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ ليتميزنَّ عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء،
والجلباب هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن
جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد(٢)، وهو بمنزلة الإزار اليوم.
قال الجوهري: الجِلباب الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلاً لها:
مشيَ العذارى عليهن الجلابيب(٣)
تمشي النسور إليه وهي لاهيةٌ
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في
حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويُبدينَ عيناً واحدة(٤).
وقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدة السلماني عن قول الله رَ: ﴿يُدْنِينَ عَِّنَّ مِن جَبِيبِهِنَّ﴾
فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى(٥).
وقال عكرمة: تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها(٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني فيما كتب إليَّ، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا
معمر، عن ابن خيثم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ
عَلَّهِنَّ مِن جَئِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهنَّ الغربان من السكينة وعليهنَّ أكسية سود
يلبسنها(٧) .
(١) سنده ضعيف لضعف عمار بن أنس، ومعاوية بن هشام صدوق له أوهام، وفي متنه غرابة في زيادة قراءة
الآية بعد الحديث.
(٢) قول ابن مسعود هو الرداء عزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وقول عبيدة سيأتي بعد الرواية التالية وقول قتادة
هو: أخذ الله عليهن إذا خرجنَ أن يقنعن على الحواجب، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعد بن
أبي عروبة عنه.
(٣) الصحاح ١٠١/١.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن سيرين عن عَبيدة السلماني.
(٦) عزاه السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٧) أخرجه أبو داود من طريق معمر به مختصراً لبس النساء، باب في قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَهِنَّ مِنْ جَلَبِهِنَّ﴾
[الأحزاب: ٥٩] (ح٤١٠١) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٥٧).

٢٤٨
• سُورَةُ الأخْرَائ (٥٩، ٦٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثنا يونس بن يزيد قال:
وسألناه يعني الزهري هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن
كانت متزوجة وتنهى عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات وقد قال الله
تعالى: ﴿َّأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِينَ يُدْنِينَ عَهِنَّ مِن ◌َِّهِنَّ﴾(١).
وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة وإنما نهى عن ذلك
الخوف الفتنة لا لحرمتهن واستدل بقوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنُّ﴾ أي: إذا فعلنَّ ذلك عُرفنَّ أنهنَّ حرائر، لسن بإماء ولا
عواهر.
قال السدي في قوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَ مِن جَلَبِهِنَّ
ذَلِكَ أَدْفَ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌ﴾ قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام
إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة فإذا كان الليل خرج النساء إلى
الطرق يقضين حاجتهنّ، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهنَّ، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب قالوا :
هذه حرة فكفُّوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا: هذه أمة فوثبوا عليها(٢).
وقال مجاهد: يتجلبين فيعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة(٣).
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن
عندهن علم بذلك، ثم قال تعالى متوعداً للمنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر:
﴿وَِّنَ فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضُِّ﴾ قال عكرمة وغيره: هم الزناة(٤) ههنا.
﴿﴿وَالْمُرْجِقُونَ فِ اٌلْمَدِينَةِ﴾ يعني: الذين يقولون جاء الأعداء وجاءت الحروب، وهو كذب وافتراء
﴿لْتُغْرِيَنْكَ
لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أي: لنسلطنك عليهم(٥).
وقال قتادة: لنحرشنَّك بهم(٦) .
وقال السدي: لنعلمنك بهم(٧) .
مَّلْعُونِينٌ﴾ حال منهم في مدة إقامتهم
﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيَهَا﴾ أي: في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا
٦٠
في المدينة مدة قريبة مطرودين مُبعدين ﴿أَيْنَمَا تُقِفُواْ﴾ أي: وجدوا ﴿أُخِذُواْ﴾ لذلتهم وقلتهم
﴿وَقُتِّلُواْ تَفْتِيلًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلٌ﴾ أي: هذه سنته في
(١) سنده صحيح.
(٢) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده مرسل، والسدي فيه تشيع.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس ومجاهد بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن مالك بن دينار عن عكرمة، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٨/
٣٠٩).
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.

٢٤٩
• سُوَّةُ الأَجْزَائِ (٦٣، ٦٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه أن أهل الإيمان يسلطون عليهم
ويقهرونهم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.
إِنَّ
﴿يَسْتَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
خَلِينَ فِيهَا أَبَدَاً لَا يَجِدُونَ وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًا (٢٥ يَوْمَ تُقَلَبُ وُجُوهُهُمْ
(٦٤
اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا
فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَيْتَنَآ أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ ﴿﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَ السَّبِيلَأْ
رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَمْنَا كَبِيرًا
يقول تعالى مخبراً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه لا علم له بالساعة وإن سأله الناس عن
ذلك، وأرشده أن يردّ علمها إلى الله رَك كما قال الله تعالى في سورة الأعراف وهي مكية، وهذه مدنية
فاستمر الحال في ردِّ علمها إلى الذي يقيمها لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ
﴾ [القمر]، وقال: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ
قَرِيبًا﴾ كما قال تعالى: ﴿اقْتَّرَبَتِ السَّاعَةُ وَأُنشَقَّ الْقَمَرُ
وَهُمْ فِى غَفْلَةِ مُعْرِضُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]، وقال: ﴿أَفَ أَمْرُ اَللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُهُ﴾ [النحل: ١].
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ﴾ أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَعَدَّ لَمْ سَعِيرًا﴾ أي: في الدار
الآخرة ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها ﴿لَّا
يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه.
أي: يُسحبون
ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اَللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ
في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنّم يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في
الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله:
﴿وَيَوْمَ
يَوَيْلَ لَيْتَنِى لَوْ أَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
يَعَضُّ الظَالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِى أَتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِلا ◌َ
لَّقَدْ أَضَلَّنِ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (4)﴾ [الفرقان]، وقال
تعالى: ﴿زُّبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾﴾ [الحجر]، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم
هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا
وَكُبَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٣)﴾، وقال طاوس: سادتنا يعني: الأشراف، وكبراءنا يعني: العلماء،
رواه ابن أبي حاتم.
أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئاً
وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء ﴿رَبَّنَآ ءَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: بكفرهم
وإغوائهم إيانا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا﴾ قرأ بعض القراء بالباء الموحدة، وقرأ آخرون بالثاء المثلثة(١)
وهما قريباً المعنى كما في حديث عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء
أدعو به في صلاتي قال: ((قل اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت
فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)) أخرجاه في الصحيحين(٢)، يروى
(١) وهي قراءة شاذة تفسيرية قرأ بها الحسن البصري (ينظر: إتحاف فضلاء البشر ص٣٥٦).
(٢) أخرجاه من حديث أبي بكر به صحيح البخاري الأذان، باب الدعاء قبل السلام (ح٨٣٤) وصحيح =

٢٥٠
• سُوَرَّةُ الأَخْزَابِ (٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كثيراً وكبيراً (١) وكلاهما بمعنى صحيح واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه
وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة وهذا تارة كما أن القارئ مُخيّر بين القراءتين(٢)
أيهما قرأ فَحَسَن وليس له الجمع بينهما، والله أعلم.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضِرار بن صُرَد، حدثنا
علي بن هاشم، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه في تسمية من شهد مع علي ظ له الحجّاج بن
عمرو بن [غزية](٣)، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر الأنصار أتريدون أن تقولوا لربنا
إذا لقيناه: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاْ ﴿ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ
لَعْنَّا كَبِيرًا (جَ﴾(٤)؟
[2] ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا
(٦٩)
.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا
عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة ◌َُّه، قال: قال رسول الله وَّو إن موسىٍ كان
رجلاً حييّاً وذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُوْ كَّذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ
عِندَ اُللَّهِ وَجِهًا
[®﴾(٥). هكذا أورد هذا الحديث ههنا مختصراً جداً وقد رواه في أحاديث الأنبياء
بهذا السند بعينه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((إن موسى عليَّلا كان رجلاً حييّاً ستيراً لا
يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بنى إسرائيل فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من
عيب في جلده إما برص وإما أدرة(٦) وإما آفة)). وإن الله رَك أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى الظلام
فخلا يوماً وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا
بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من
بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله وَت وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه
وطفق بالحجر ضرباً بعصاه فوالله إن بالحجر لندباً (٧) من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، قال:
فذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ءَذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا
(٨)
. وهذا سياق حسن مطول وهذا الحديث من إفراد البخاري دون مسلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن النبي ◌َ﴾. وخلاس ومحمد،
= مسلم، الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (ح ٢٧٠٥).
(١) قراءة: كثيراً شاذة، وقراءة كبيراً متواترة.
(٢) أي: القراءتين المتواترتين.
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((غرمة)).
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢٢٣/٣) وفي سنده ضراء بن صُرَد: صدوق له أوهام وخطأ
ورمي بالتشيع كما في التقريب ص ٢٨٠، وكذلك علي بن هاشم فيه تشيّع.
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْ مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩]
ح ٤٧٩٩).
(٦) أي: نفخة في الخصية.
(٧) الندب أي: أثر العصا.
(٨) أخرجه البخاري بالسند المتقدم في الحديث السابق ومتنه. (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب رقم ٢٨
ح ٣٤٠٤).

٢٥١
سُورَةُ الأَجْزَابِ (٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عن أبي هريرة، عن النبيِ وَّ أنه قال في هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَذَوْاْ مُوسَى
فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (٣)﴾ قال: قال رسول الله: ((إن موسى كان رجلاً حييّاً
ستيراً لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه)). ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولاً(١).
ورواه عنه في تفسيره عن روح عن عوف به(٢). ورواه ابن جرير من حديث الثوري، عن جابر
الجعفي، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي وَله بنحو هذا(٣). وهكذا رواه من حديث
سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير وعبد الله بن الحارث،
عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَى﴾ قال: قال قومه له إنك آدر فخرج ذات يوم
يغتسل فوضع ثيابه على صخرة فخرجت الصخرة تشد بثيابه وخرج يتبعها عرياناً حتى انتهت به
مجالس بني إسرائيل فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: ﴿فَبََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾(٤). وهكذا رواه العوفي
عن ابن عباس ضًا سواء.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا : حدثنا
يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس، عن النبي وَّ قال: ((كان
موسى لِل ◌ّهلا رجلاً حيياً وإنه أتى - أحسبه قال الماء - ليغتسل فوضع ثيابه على صخرة وكان لا
يكاد تبدو عورته فقال بنو إسرائيل(٥): إن موسى آدر أو به آفة - يعنون أنه لا يضع ثيابه -
فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن
الرجال)) - أو كما قال - فذلك قوله: ﴿فَبََّهُ اَللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِنْدَ الَّهِ وَحِيمًا﴾(٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن
حسين، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ◌ٌ﴿يّ في قوله:
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾ قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون علَّلا فقال بنو إسرائيل
لموسى ◌ِلَّا أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حياء، فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته
فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته فما عرف موضع قبره إلا الرخم وإن الله جعله
أصم أبكم(٧). وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام(٨) به. ثم
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥١٤/٢) وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري من طريق روح به (المصدر السابق).
(٣) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي ويشهد له ما سبق.
(٤) أخرجه الطبري من أبي معاوية عن الأعمش به، وسنده حسن، ويشهد له ما سبق في رواية البخاري
وأحمد.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالشواهد السابقة.
(٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه قال الحافظ ابن حجر: هذا إسناد حسن، له شاهد في الصحيح من حديث أبي
هريرة (مختصر زوائد مسند البزار ١٠٢/٢ ح ١٥٠٠) وهذا الشاهد تقدم في الحديث السابق في رواية
البخاري وأحمد.
(٧) ذكره الحافظ ابن حجر وقال: إسناده قوي (فتح الباري ٥٣٤/٨). وأخرجه الحاكم من طريق عباد بن
العوام به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٧٩/٢).
(٨) أخرجه بسنده ومتنه، وحکمه كسابقه.

٢٥٢
• سُوَّرَّةُ الأَجْزَارِ (٦٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى وجائز أن يكون الأول هو المراد فلا قول أولى من
قول الله ريت .
(قلت): يحتمل أن يكون الكل مراداً وأن يكون معه غيره، والله أعلم.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قسم
رسول الله * ذات يوم قسماً فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أُريد بها وجه الله قال:
فقلت: يا عدو الله أما لأخبرنَّ رسول الله وَّه بما قلت، فذكرت ذلك للنبي ◌َ ﴿ فاحمرَّ وجهه ثم
قال: ((رحمة الله على موسى لقد أُوذي بأكثر من هذا فصبر))(١). أخرجاه في الصحيحين من
حديث سليمان بن مهران الأعمش به(٢).
طريق أخرى: قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي
هشام مولى الهمداني، عن زيد بن زائدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله دوله
لأصحابه: ((لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً فإني أُحب أن أخرج إليكم وأنا سليم
الصدر)) فأتى رسول الله وَّللر مال فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه والله ما
أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة، قال: فتثبت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت
رسول الله ﴿ فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا: ((لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئاً)) وإني مررت
بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا، فاحمرَّ وجه رسول الله وَ لَّ وشقَّ عليه ثم قال: ((دعنا منك
لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر))(٣).
وقد رواه أبو داود في الأدب عن محمد بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف الفريابي،
عن إسرائيل، عن الوليد بن أبي هشام به مختصراً: ((لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد
شيئاً إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر)) (٤). وكذا رواه الترمذي في المناقب عن
الذهلي سواء إلا أنه قال زيد بن زائدة، ورواه أيضاً عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن
محمد، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما، عن إسرائيل، عن السدي، عن
الوليد بن أبي هشام به مختصراً أيضاً فزاد في إسناده السدي، ثم قال: غريب من هذا
الوجه(٥)
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ أي: له وجاهة وجاه عند ربه رّ .
قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله (٦)، وقال غيره من السلف: لم يسأل الله
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٠/١) وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب رقم ٢٨ (ح٣٤٠٥)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة
قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٢ ح٣٧٥٩)، وضعف مسنده محققوه وقالوا: لبعضه
شواهد.اهـ. ثم سردوا تلك الشواهد. ومن هذه الشواهد: الرواية التالية.
(٤) السنن، الأدب، باب في رفع الحديث (ح ٤٨٦٠) وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود.
(٥) السنن، المناقب، باب فضل أزواج النبي ◌َ و (ح ٣٨٩٧).
(٦) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. ومعناه صحيح.

٢٥٣
• سُورَةُ الأَخْزَابِ (٧٠، ٧١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
شيئاً إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء . وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة عند الله
أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه فأجاب الله سؤاله فقال: ﴿وَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَيِنَآَ أَخَاهُ
هَرُونَ نِيًّا (٥٢)﴾ [مريم].
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا (٥)
﴾.
وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾
أي: مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا انحراف ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح
لهم أعمالهم؛ أي: يوفقهم للأعمال الصالحة وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم
في المستقبل يُلهمهم التوبة منها ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وذلك
أن يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، حدثنا خالد، عن ليث، عن أبي
بردة، عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله وَّر صلاة الظهر، فلما انصرف
أومأ إلينا بيده فجلسنا فقال: ((إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولاً
سديداً))(١) .
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب (التقوى): حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن
عمران الزهري، حدثنا عيسى بن سمرة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مؤيّا قالت: ما
قام رسول الله وَّ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا
الآية(٢)، غريب جداً.
وروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس
موقوفاً: من سرَّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله(٣).
قال عكرمة: القول السديد لا إله إلا الله (٤).
وقال غيره: السديد الصدق(٥).
وقال مجاهد: هو السداد(٦).
وقال غيره: هو الصواب. والكل حق.
(١) سنده ضعيف لما قيل في ليث وهو ابن أبي سُليم، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ليث به (المسند
٣٩١/٤) .
(٢) سنده ضعيف لضعف عبد العزيز بن عمران كما في لسان الميزان.
(٣) سنده ضعيف جداً لأن عبد الرحيم بن زيد العمي وهو: متروك. (التقريب ٣٥٤).
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الكلبي، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي
عروبة عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري وآدم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٢٥٤
سُورَةُ الأخراب (٧٢، ٧٣)
·
] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَجَلَهَا الْإِنسَنُ
إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (﴿َ لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَوَبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم
فلم يطقنها فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل
أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا ربِّ وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، فأخذها
آدم فتحملها فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ ◌ِنَّهُ كَنَ ظَلُوَمَا جَهُولًا﴾(١).
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات
والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير
معصية، ولكن تعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله
تعالى: ﴿وَحَلَهَا الْإِنَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ يعني غِرَّاً بأمر الله(٢).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَّوَتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت
غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلت فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك
اليوم حتى أصاب الخطيئة(٣)، وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريباً من هذا (٤)، وفيه نظر
وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن
البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض(٥)، وقال آخرون: هي الطاعة (٦).
وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة
أؤتمنت على فرجها(٧).
وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود (٨).
وقال بعضهم: الغسل من الجنابة.
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالروايتين التاليتين.
(٢) أخرجه الطبري وابن الأنباري (الأضداد ص٣٨٩) بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه الطبري والبُستي بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق شعبة به وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٤٢٢/٢).
(٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك بدون ذكر ابن عباس ها، ويتقوى
بسابقه .
(٥) قول الضحاك تقدم في الرواية السابقة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن
عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عُبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٧) أخرجه الطبري والحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٢٢/٢).
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

٢٥٥
• سُورَةُ الأَخْزَائِ (٧٢، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 000 000 000 000 000
وقال مالك: عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة(١).
وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي
بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه
إلا من وفق الله وبالله المستعان.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة [البصري](٢)، حدثنا حماد بن
واقد؛ يعني: أبا عمر الصفار سمعت أبا معمر يعني: عون بن معمر يحدث عن الحسن، يعني:
البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ قال: عرضها على
السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة
وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت قالت: لا ثم
عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها هل
تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت
عوقبت، قالت: لا، ثم عرضها على الجبال الشمِّ الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها:
هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت
عوقبت، قالت: لا(٣).
وقال مقاتل بن حيان: إن الله تعالى حين خلق خلقه جمع بين الإنس والجن والسموات
والأرض والجبال فبدأ بالسموات فعرض عليهن الأمانة، وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه
الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ فقلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر
وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون، ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة
وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب، ولا
نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا نعصيك في شيء أمرتنا به. ثم قرّب آدم فقال له: أتحمل هذه
الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت
ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل، وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت، ولم ترعها
حق رعايتها، وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار، قال: رضيت يا ربِّ، وتحمّلها،
فقال الله ◌َ عند ذلك قد حملتكها فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ﴾ رواه ابن أبي حاتم(٤).
وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السموات فقالت: يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء
وما ذكر وما أريد ثواباً ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا ربِّ غرست
فيَّ الأشجار وأجريت فيَّ الأنهار وسكان الأرض وما ذكر وما أريد ثواباً ولا أحمل فريضة،
وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَحَلَهَا الْإِنسَنِّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا﴾ في عاقبة أمره(٥)،
(١) سنده صحيح.
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((بدون)).
(٣) سنده ضعيف لضعف حماد بن واقد وإرسال الحسن البصري ولبعضه شواهد تقدمت عن ابن عباس.
(٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده ضعيف معضل ويشهد لبعضه ما تقدم عن ابن عباس.
(٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وهو مرسل.

٢٥٦
• سُوَرَّةُ الأَجْزَا (٧٢، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000070000000000000000000000000000000000000000000000
وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ضججن
إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، وقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل ولا نريد الثواب(١).
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا
أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾. فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي، فقال الله : إني معينك عليها، إني
معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا
نازعك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على فرجك بلباس فلا تكشفه إلى ما أكره (٢). ثم روي عن
أبي حازم نحو هذا(٣).
وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، قال: إن الله تعالى عرض
عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ويجعل لهن ثواباً وعقاباً، ويستأمنهن على الدين، فقلن
لا، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً، قال: وعرض الله تبارك وتعالى على آدم
فقال: بين أذني وعاتقي، قال ابن زيد: قال الله تعالى له: أما إذا تحملت هذا فسأعينك، أجعل
لبصرك حجاباً فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرخَّ عليه حجابه وأجعل للسانك باباً
وغلقاً، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباساً فلا تكشفه إلا على ما أحللت [لك](٤)(٥).
وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن
موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير ◌َظُه، وكان من أصحاب النبي وَّ، قال: قال
رسول الله وَ ر: ((إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فأرسلوا به، فمنهم رسول الله،
ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، وأنزلت العجمية والعربية، فعلموا أمر
القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله تعالى شيئاً من أمره مما يأتون وما يجتنبون
وهي الحجج عليهم إلا بيّنه لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة
أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب،
فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله
إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، فالحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم
أيكم أحسن عملاً))(٦). هذا حديث غريب جداً، وله شواهد من وجوه أخرى.
ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي،
حدثنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش، عن خُليد العصري، عن أبي
الدرداء عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ((خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة:
(١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وهو معضل.
(٢) سنده صحيح لكنه مرسل.
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده مرسل.
(٤) كذا في تفسير الطبري، ولم ترد في الأصل وفي (حم) (ح).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف معضل.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، واستغربه الحافظ ابن كثير، ولبعضه شواهد.

٢٥٧
• سورة الاجْزَابِ (٧٢، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة
من ماله طيب النفس بها - وكان يقول : - وايمُ الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة)). قالوا:
يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال له: الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم
على شيء من دينه غيره(١). وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي
علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن دوار القطان به(٢).
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن
عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ظُه، عن النبي وَّر أنه قال: ((القتل في
سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال - يكفر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدّ
أمانتك، فيقول أنى يا ربِّ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أدِّ أمانتك، فيقول: أنَّى يا ربِّ وقد ذهبت
الدنيا؟ فيقال له: أدّ أمانتك، فيقول: أنَّى يا ربِّ وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى أُمه
الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها
فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها
أبد الآبدين)) قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء، والأمانة في
الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق.
وقال شريك: وحدثنا عياش العامري، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود نظر ته، عن النبي وَلّ
بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء(٣)، إسناده جيد، ولم يخرجوه.
ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش،
عن زيد بن وهب، عن حذيفة ظوبه قال: حدثنا رسول الله وَ ﴿ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا
أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن
وعلموا من السُّنَّة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه،
فيظل أثرها مثل أثر المجل(٤) كجمر دحرجته على رجلك، تراه منتبراً (٥) وليس فيه شيء، قال:
ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال: فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى
يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة
خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أُبالي أيكم بايعت إن كان مسلماً ليردنَّه علي دينه،
وإن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنَّه على ساعيه(٦)، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أبو داود من طريق أبي العوام عمران بن دواد القطان به (السنن،
الصلاة، باب المحافظة على وقت الصلوات ح٤٢٩) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤١٤).
وأراه موقوفاً أو مرسلاً عن التابعين وأن الذي رفعه أبو العوام عمران فإنه صدوق يهم (التقريب ص٤٢٩)،
وقد أخرجه الطبراني من طريق عمران به بدون ذكر أبي الدرداء (المعجم الصغير ٥/٢) وكذا أخرجه أبو
نعيم من طريق عمران به بدون ذكر أبي الدرداء ظ به (أخبار أصبهان ١٨٩/٢).
(٢) تقدم تخرجه في الرواية السابقة.
(٣) أخرجه الطبري بطريقيه ومتنه، وجوّد سنده الحافظ ابن كثير، لكن في سند شريك وفيه مقال في حفظه.
(٥) أي: منتفخاً.
(٤) أي: أثر العمل بالأشياء الصلبة الخشنة.
(٦) أي: رئيسهم.

٢٥٨
سُورَةُ الأَجْزَائ (٧٢، ٧٣)
0000000000000000 00000000000000000 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
وفلاناً (١). وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به (٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن
عبد الله بن عمرو ﴿ها أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا.
حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة)) هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما(٣).
وقد قال الطبراني في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب ﴿يا: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري،
حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حجيرة، عن عبد الله بن
عمر قال: قال رسول الله وَالر: ((أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق
حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة))(٤). فزاد في الإسناد ابن حجيرة وجعله في مسند ابن عمر ظًا.
وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: حدثنا شريك،
عن أبي إسحاق الشيباني، عن خناس بن سحيم أو قال: [جَبَلَة](6) بن سحيم، قال: أقبلت مع
زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي فظننت أني أتيت
أمراً عظيماً، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم، كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف
بالأمانة أشد النهي(٢). وقد ورد في ذلك حديث مرفوع قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن
يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بريدة، عن أبيه ◌ُبه قال: قال
رسول الله وَل: ((من حلف بالأمانة فليس منا))(٧) تفرد به أبو داود تَخُّْ .
وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اَللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ﴾ أي: إنما حمل بني آدم
الأمانة وهي التكاليف، ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفاً
من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِتِ﴾ وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على
الشرك بالله ومخالفة رسله ﴿وَيَوُبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ أي: وليرحم المؤمنين من الخلق
الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله العالمين بطاعته ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ .
[آخر تفسير سورة الأحزاب، والحمد لله رب العالمين](٨).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨٣/٥) وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، الفتن، باب إذا بقي حثالة من الناس (ح٧٠٨٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب رفع
الأمانة (ح ١٤٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٧/٢) وفي سنده ابن لهيعة وفي حفظه مقال، وهنا رواه من
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي هذه الرواية والتالية رواه من حديث عبد الله بن عمر.
(٤) عزاه الهيثمي إلى الطبراني وحسن سنده (مجمع الزوائد ١٤٥/٤)، ولكن فيه ابن لهيعة ولا يحسن على
الإطلاق وإنما إذا عرف أن الراوي عنه قبل احتراق كتب ابن لهيعة.
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((خيله)).
(٦) أخرجه عبد الله بن المبارك بسنده ومتنه (الزهد رقم ٢١٣) وفي سنده شريك في حفظه مقال، ويشهد له الخبر التالي.
(٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأيمان والنذور، باب كراهية الحلف بالأمانة ح٣٢٥٣) وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٧٨٨).
(٨) زيادة من (ح).

٢٥٩
• سُورَلأَسَبًا (١، ٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
00C
سُؤْرَةُ سَبًّا
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
] ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِ الْآَخِرَةُ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَيْرُ
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل
على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ
اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ لَهُ الْحَمْدُ فِ الْأُوْلَى وَالْآَخِرَةُّ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص]، ولهذا قال
تعالى لهُهنا: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ اَلْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت
(١)﴾ [الليل].
كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلَّخِرَةَ وَآلْأُولَ
ثم قال: ﴿وَلَّهُ الْخَمْدُ فِى الْآَخِرَةَ﴾ فهو المعبود أبداً، المحمود على طول المدى.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ﴿اَلْخِيرُ﴾ الذي لا تخفى
عليه خافية ولا يغيب عنه شيء.
وقال مالك، عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره(١)، ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِىِ الْأَرْضِ وَمَا
يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور، والكامن فيها،
ويعلم ما يخرج من ذلك عدده وكيفيته وصفاته ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَآءِ﴾ أي: من قطر ورزق، وما
يعرج فيها؛ أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ أي: الرحيم بعباده، فلا
يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَ السَّاعَةٌ قُلْ بَلَى وَرَبٍ لَتَأْتِنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبِّ لَا يَغْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ
فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَلَّ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ تُبِينٍ ﴾ لِيَجْزِىَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿﴿ وَالَّذِيْنَ سَعَوْ فِيَّ ◌َايَتِنَا مُعَجِزِينَ
أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْرٍ أَلِيمٌ ﴾ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ
وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾﴾.
هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهنَّ مما أمر الله تعالى رسوله وَطّر أن يقسم بربه
(١) سنده صحيح.

٢٦٠
• سُؤْرَأُشَيًّا (٧، ٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
العظيم على وقع: المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهنَّ في سورة
﴿ وَيَسْتَُّونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِّ إِنَّهُ لَحَنٌّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ
يونس عظللإ، وهي قوله تعالى : .
﴿6﴾ [يونس]، والثانية هذه ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ قُلْ بَلَى وَرَبِ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾، والثالثة في
سورة التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿َزَعَمَ اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَ لَّنْ يُبْعَثُوْ قُلْ بَى وَرَبِّ ◌َنُعَنُنَّ ثُمَّ لَهُوَنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ
وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾﴾ [التغابن]، فقال تعالى: ﴿قُلْ بَى وَرَبِّ لَتَأْتَنَّكُمْ﴾ ثم وصفه بما يؤكد ذلك
ويقرره، فقال: ﴿عَلِمِ الْغَيْبٍ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اَلْأَرْضِ وَلَّ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ
وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ شُبِينٍ﴾.
قال مجاهد وقتادة: لا يعزب عنه لا يغيب عنه (١)؛ أي: الجميع مندرج تحت علمه، فلا يخفى
عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، أين تفرقت، ثم يعيدها
كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم. ثم بيّن حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة، بقوله
تعالى: ﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِّ أُوْلَبِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقُّ كَرِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ سَعَّوْ فِىّ
ءَيَِّنَا مُعَجِزِينَ﴾ أي: سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن
رِجْرٍ أَلِيمٌ﴾ أي: لينعم السعداء من المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال رغمت: ﴿لَا
﴾ [الحشر]، وقال تعالى: ﴿أَمْ
يَسْتَوِىّ أَمْحَبُ النَّارِ وَأَعْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآيِزُونَ
نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِ اُلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُنَّقِينَ كَلْفُجَّارِ (جـ)﴾ [ص].
وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ هذه حكمة أخرى
معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة
الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذٍ عين اليقين،
ويقولون يومئذٍ أيضاً: ﴿لَقَدْ جَمَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالَّ﴾ [الأعراف: ٤٣]، ويقال أيضاً: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ
الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]. ﴿لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اَللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَكَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾
[الروم: ٥٦]، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ
الْحَمِيدِ ﴾﴾ العزيز هو المنيع الجناب الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كلَّ شيء وغلبه،
الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله.
] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُكُمُ عَلَى رَجُلِ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ
أَفْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا أَم ◌ِهِ، جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ فِ الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ ﴿ أَفَلَمْ يَرَوَأ
إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضَِّ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًّا
ج).
مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
هذا إخبار من الله بك عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم بالرسول وَّر في
إخباره بذلك ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُّكُرْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِقْتُمْ كُلَّ مُعَزَّقٍ﴾ أي: تفرقت
أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أي: بعد هذا الحال
(١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.