النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سُورَةُ الأَجْزَاب (٧، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وآخى عثمان رظُه رجلاً من بني زريق بن سعد الزرقي، ويقول بعض الناس غيره، قال الزبير ظُه: وواخيت أنا كعب بن مالك فجئته فابتعلته، فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، والله يا بني لو مات يومئذٍ عن الدنيا ما ورثه غيري حتى أنزل الله تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا(١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآئِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ أي: ذهب الميراث وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية. وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾ أي: هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يُبدل ولا يُغيَّر، قاله مجاهد وغير واحد(٢)، وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي. - ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَقًا غَلِيظًا ﴿ لِيَسْتَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمَّ وَأَعَدَّ لِلْكَفِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾﴾ يقول الله تعالى مخبراً عن أولي العزم الخمسة وبقية الأنبياء أنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله تعالى، وإبلاغ رسالته والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّيْنَ لَمَآ ءَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ ﴾﴾ [آل عمران]، فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا، ونصَّ من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد صرح بذكرهم أيضاً في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الَّذِينِ مَا وَضَّى بِهِ، نُوحًا وَلَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بِةٌ ◌ِتَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُواْ فِيَّهِ﴾ [الشورى: ١٣]، فذكر الطرفين، والوسط الفاتح، والخاتم، ومن بينهما على الترتيب، فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيمٌ﴾ فبدأ في هذه الآية بالخاتم لشرفه صلوات الله عليه، ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة ظُه، عن النبي ◌َّ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ التَِّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوحٍ﴾ الآية. قال النبي ◌َّ: (كنت أول النبيين في الخلق، وآخرهم في البعث [فبدأ بي](٣) قبلهم)) (٤) سعيد بن بشير فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (١) في سنده عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد (تهذيب التهذيب ٦/ ١٧٢ - ١٧٣)، والراوي عنه من أهل بغداد كما صرح ابن أبي حاتم، وهذه من دقة فنه في النقد أن يذكر الراوي إنه من ساكني بغداد. (٢) لم أجد من أخرجه عن مجاهد أو غيره. (٤) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير. (٣) زيادة من (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. ١٦٢ سُورَةُ الأَخْزَاءِ (٩، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مرسلاً وهو أشبه (١)، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفاً: والله أعلم. وقال أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حمزة الزيات، حدثنا عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ه قال: خيار ولد آدم خمسة: نوحٍ وإِبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وخيرهم محمد رَّ﴾(٢). موقوف وحمزة فيه ضعف. وقد قيل: إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذرِّ من صلب آدم عليه الصلاة والسلام، كما قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم يعني ذريته، وأن فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: ربِّ لو سويت بين عبادك، فقال: إِني أحببت أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْنَ بِشَقَهُمْ وَمَنكَ وَمِنْ نُوْجِ وَإِنْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْمٌ﴾(٣). وهذا قول مجاهد أيضاً (٤). وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد (٥). وقوله تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن الرسل(٦). وقوله تعالى: ﴿وَأَعَذَّ لِلْكَفِينَ﴾ أي: من أممهم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: موجعاً فنحن نشهد أن الرسل قد بلغوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق الجلي الذي لا لبس فيه ولا شك ولا امتراء، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، فما جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال. ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُدَاً لَّمْ تَرَوَهَاَ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿ إِذْ جَّمُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ اُلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُونَ بِاَللَّهِ الظُّنُونَ ﴾ يقول تعالى مخبراً عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا، وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى بن عقبة وغيره(٧): كان في سنة أربع، وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفراً من (١) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً، وسنده صحيح إلى قتادة لكنه مرسل. (٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٣٦٨)، وعلى الرغم مما قيل في حمزة، فإن معناه صحيح وله شواهد من القرآن والسنة، وقال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٥٨/٨). (٣) سنده جید. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((في ظهر آدم)). (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويشهد له ما سبق. (٦) أخرجه آدم والطبري كسابقه عن مجاهد. (٧) ذكره في البداية والنهاية (٩٣/٤). ١٦٣ • سُوَّرَّةُ الأَخْزَابَ (٩، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أشراف يهود بني النضير الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله وَّ من المدينة إلى خيبر، منهم سلام بن أبي الحقيق وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة فاجتمعوا بأشراف قريش وألبّوهم على حرب النبي ◌َّ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضاً، وخرجت قريش في أحابيشها ومن تابعها وقائدها أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله وَ﴿ بمسيرهم، أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسي رؤيته، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول الله و التراب وحفر، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريباً من أحد، ونزلت طائفة منهم أعالي أرض المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، وخرج رسول الله مح له ومن معه من المسلمين وهم نحو ثلاثة آلاف، وقيل: سبعمائة، فأسندوا ظهورهم إلى سلع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الخيالة والرجال أن تصل إليهم، وجعل انساء والذراري في آطام(١) المدينة، وكانت بنو قريظة وهم طائفة من اليهود لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي 180 وذمة وهم قريب من ثمانمائة مقاتل، فذهب إليهم حُيي بن أخطب النضري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد ومالؤوا الأحزاب على رسول الله وَالز، فعظم الخطب واشتد الأمر وضاق الحال، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَلَا شَدِيدًا ﴾﴾ [الأحزاب] ومكثوا محاصرين للنبي وسلم وأصحابه قريباً من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم ولم يقع بينهم قتال، إلا أن عمرو بن عبد ودّ العامري وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية، ركب ومعه فوارس، فاقتحموا الخندق وخلصوا إلى ناحية المسلمين، فندب رسول الله ﴿ خيل المسلمين إليه، فيقال إنه لم يبرز أحد فأمر علياً ظُه فخرج إليه فتجاولا ساعة ثم قتله علي تظله، فكان علامة النصر. ثم أرسل الله ربك على الأحزاب ريحاً شديدة الهبوب قوبة حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء، ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين، كما قال الله ريات: ﴿يَأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَتَّكُمْ جُدٌ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبْحًا وَحُنُودًا﴾(٢) . قال مجاهد: وهي الصبا(٣)، ويؤيده الحديث الآخر: (نُصرت بالصبا، وأُهلكت عاد بالدبور))(٤). وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول الله وَ﴿، فقالت الشمال: إن الحرة لا (١) الآطام جمع أُظُم: وهو البناء المرتفع. (٢) هذه الغزوة وردت في صحيح البخاري في جملة من الأحاديث (كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ح٤٠٩٧ - ٤١٢٢)، وفي صحيح مسلم، الجهاد، باب غزوة الأحزاب (ح١٧٨٨)، وسردها الحافظ ابن كثير مفصلة في البداية والنهاية (٩٣/٤ - ٩٩). (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه البخاري من طريق مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً (الصحيح، الاستسقاء، باب قول النبي مير: نُصرت بالصبا ح١٠٣٥). ١٦٤ • سُوَّرَةُ الأَجْزَابِ (٩، ١٠) تسري بالليل، قال: فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا(١). ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس ◌ًا، فذكره. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ثًا قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون صوته ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: أئتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله وَل فأذن لي وقال: ((من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا))، قال: فذهبت والريح تسفي كل شيء، فجعلت لا ألقى أحداً إلا أمرته بالرجوع إلى النبي ◌َلي قال: فما يلوي أحد منهم عنق، قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه علي، وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفي فأبعدها إلى الأرض (٢). وقوله: ﴿وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَهَا﴾ هم الملائكة زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إِلي، فيجتمعون إِليه، فيقول: النجاء، النجاء لما ألقى الله دمك في قلوبهم من الرعب. وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان ربه: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله وَل وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة ظله: يا ابن أخي والله لو رأيتنا مع رسول الله وَ ر بالخندق، وصلى رسول الله وَ ل هوياً من الليل، ثم التفت فقال: ((من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ يشترط له النبي ◌ّ ر أن يرجع أدخله الله الجنة))، قال: فما قام رجل، ثم صلى رسول الله ◌َّ هوياً من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله، فما قام منا رجل، ثم صلى رسول الله ◌َي هوياً من الليل، ثم التفت إلينا فقال: ((من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع؟ يشترط له رسول الله وَله الرجعة، أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة)) فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله وَلتر ، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال ◌َله: (يا حذيفة اذهب فأدخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنّ شيئاً حتى تأتينا)). قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله مق تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قراراً ولا ناراً ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش، لينظر كل امرئ من جليسه، قال حذيفة ربه: فأخذت بيد الرجل إلى جنبي فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، والله ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. ١٦٥ • سُورَةُ الأَجْزَانِ (٩، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله وَ ج4- إليَّ أن لا تحدث شيئاً حتى تأتيني لو شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة ربه: فرجعت إلى رسول الله وَّله وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلما رآني أدخلني بين رجليه وطرح عليَّ طرف المرط، ثم ركع وسجد، وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا (١) راجعين إلى بلادهم(٢). وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: كنا عند حذيفة بن اليمان ظُبه فقال له رجال: لو أدركت رسول الله ﴿ ﴿ قاتلت معه وأبليت، فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صل﴾ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر(٣)، فقال رسول الله وَلجر: ((ألا رجل يأتي بخبر القوم يكون معي يوم القيامة)) فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله، ثم قال رَّاج: ((يا حذيفة قم فأتنا بخبر من القوم)) فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم فقال: ((ائتني بخبر القوم ولا تَذْعَرهُم علي)) قال: فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهماً في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله وَله: لا تذعرهم عليَّ، ولو رميته لأصبته، قال: فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله وَّة، ثم أصابني البرد حين فرغت وقررت، فأخبرت رسول الله ﴿ وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً حتى الصبح، فلما أصبحت قال رسول الله وسلم: ((قم يا نومان))(٤)(٥). ورواه يونس بن بكير عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: إن رجلاً قال لحذيفة مظ لته: نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله صل﴾، إنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره، فقال حذيفة ظُه: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه، والله لا تدري يا ابن أخي لو أدركته كيف كنت تكون، لقد رأيتنا مع رسول الله صل﴿ ليلة الخندق في ليلة باردة مطيرة، ثم ذكر نحو ما تقدم مطولاً(٦). وروى بلال بن يحيى العبسي، عن حذيفة به نحو ذلك أيضاً (٧)، وقد أخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة ظه مشاهدهم في رسول الله وَله فقال جلساؤه: أما والله لو شاهدنا ذلك كنا فعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: لا تمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعوداً، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة لليهود أسفل منا نخافهم. على ذرارينا، وما أتت علينا قط أشد ظلمة ولا أشد ريحاً في أصوات ريحها أمثال الصواعق (١) انشمروا: مطاوع شمره، والمراد أسرعوا. (٢) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفيه عدم تصريح ابن إسحاق بالتحديث، وفيه أيضاً ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ويتقوى بالروايات التالية. (٣) القُرُّ: البرد. (٤) أي: كثير النوم. (٥) صحيح مسلم، الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب (ح١٧٨٨). (٦) أخرجه البيهقي من طريق يونس بن بكير به (دلائل النبوة ٤٥٤/٣)، وسنده مرسل ويشهد له السابق واللاحق. (٧) أخرجه البيهقي من طريق بلال به (دلائل النبوة ٣/ ٤٥٠)، وأخرجه الحاكم من طريق بلال العبسي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١/٣). ١٦٦ • سُوَرَّةُ الأَجْزَابِ (٩، ١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي وَ ﴿ ويقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله رجلاً رجلاً، حتى أتى علي وما علي جُنَّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، قال: فأتاني رَّه وأنا جَاثٍ على ركبتي فقال: ((من هذا؟)) فقلت: حذيفة. قال: ((حذيفة؟)) فتقاصرت الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم، فقمت فقال: ((إنه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم)) قال: وأنا من أشد الناس فزعاً وأشدهم قهراً. قال: فخرجت فقال رسول الله وير: ((اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته)) قال: فوالله ما خلق الله تعالى فزعاً ولا قرّاً في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئاً، قال: فلما وليت، قال وَله: ((يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئاً حتى تأتني))، قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، فإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته، ويقول: الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهماً من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله ويل قي: ((لا تحدثن فيهم شيئاً حتى تأتيني))، قال: فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي، ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبراً، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفَرَسَتْهم (١)، الريح تضربهم بها، ثم خرجت نحو النبي ◌َّ فلما انتصفت في الطريق أو نحواً من ذلك إذ أنا بنحو من عشرين فارساً أو نحو ذلك معتمين، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم، فرجعت إلى رسول الله (ص98 وهو مشتمل في شملته يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القُرُّ، وجعلت أقرقف فأومأ إلى رسول اللهِ وَيه بيده وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل عليّ شملته، وكان رسول الله وَّ﴿ إذا حزبه أمر صلَّى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أني تركتهم يرتحلون، وأنزل الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةً اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَءَتَّكُمْ جُوٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْحًا وَحُودًا لَّمْ تَرَوْهَأْ وَكَانَ اَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾﴾(٢). وأخرج أبو داود في سننه منه، وكان رسول الله وَّر إذا حزبه أمر صلّى، من حديث عكرمة بن عمار به. وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أي: الأحزاب ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ تقدم عن حذيفة بنو قريظة ﴿وَإِذْ زَاغَتِ اٌلْأَبْصَرُ وَبَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ أي: شدة الخوف والفزع(٣) ﴿ وَتَظُونَ بِاللَّهِ اُلُونَ﴾ قال ابن جرير: ظنَّ بعض من كان مع رسول الله وَّر أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سیفعل ذلك. وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَنَظُنُّونَ بِاللَّهِ الْقُلُنُونَا﴾ ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق، حتى قال معتِّب بن قُشير أخو بني عمرو بن (١) فَرَسَتهمُ: فتكت بهم. (٢) أخرجه البيهقي من طريق عكرمة بن عمار به (دلائل النبوة ٤٥١/٣) ويشهد له السابق واللاحق. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٤٥. ١٦٧ • سُوَّةُ الأَجْزَائِ (١١، ١٣) عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط(١). وقال الحسن في قوله رَ: ﴿وَتَظُونَ بِاللَّهِ القُلُونَ﴾ ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمداً وَلَه وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن [عاصم](٣) الأنصاري، حدثنا أبو عامر، (ح) وحدثنا أبي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا الزبير يعني: ابن عبد الله مولى عثمان ظُه، عن [رُبيح] (٤) بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي سعيد ◌ُه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ◌َله: نعم، قولوا: ((اللَّهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا)) قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح(٥). وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي عامر العقدي(٦). ـ ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوْ زِلْزَلَا شَدِيدًا ﴿﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا (٨٦) وَإِذْ قَالَت ◌َائِفَةٌ مِنْهُمْ يَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا هُقَامَ لَكُمْ فَأَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَ يَقُولُونَ إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (٣)﴾. يقول الله تعالى مخبراً عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله وق لقه بين أظهرهم، أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالاً شديداً، فحينئذٍ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُ: إِلَّا غُرُورًا ﴾﴾، أما المنافق فنجم (٧) نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسيكة (٨) لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال. وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَت ◌َائِفَةٌ مِنْهُمْ بَّأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعني: المدينة. كما جاء في الصحيح: ((أريت في المنام دار هجرتكم، أرض بين حرتين، فذهب وهلي أنها هجر فإذا هي يثرب)) وفي لفظ: المدينة(٩). (١) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن ابن إسحاق، وأخرجه ابن إسحاق مطولاً بأسانيد مرسلة يقوي بعضها بعضاً كما في تفسير الطبري والسيرة النبوية لابن هشام (٢٤٦/٢). (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف - وهو الأعرابي -، عن الحسن البصري. (٣) كذا في (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((عصام)). (٤) كذا في (حم) والمسند، وفي الأصل: (ررح)) بدون نقط. (٥) سنده ضعيف لأن رُبيح بن عبد الرحمن مقبول. (التقريب ص٢٠٥). (٦) أخرجه الإمام أحمد عن أبي عامر به (المسند ٢٧/١٧ ح١٠٩٩٦) وضعف سنده محققوه للسبب السابق. (٧) نجم الشيء: طلع وظهر. ونجم له رأي: بدا . (٨) الحسيكة: الحقد والعداوة. (٩) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري مظ انه (صحيح البخاري، المناقب، علامات النبوة ح ٣٦٢٢، وصحيح مسلم، الرؤيا، باب رؤيا النبي أَلير ح ٢٢٧٢). ١٦٨ 0000000000000000000000000000000 • سُورَةُ الأَجْزَابِ (١٤، ١٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000 فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ظُه قال: قال رسول الله وَله: ((من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى، إنما هي طابة هي طابة)) (١) تفرد الإمام أحمد، وفي إسناده ضعف، والله أعلم. ويقال كان أصل تسميتها يثرب برجل نزلها من العماليق يقال له يثرب بن عبيل بن مهلاييل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، قاله السهيلي(٢). قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها في التوراة أحد عشر اسماً: المدينة وطابة وطيبة والمسكينة والجابرة والمحبة والمحبوبة والقاصمة والمجبورة والعذراء والمرحومة. وعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة يقول الله تعالى للمدينة: يا طيبة ويا طابة ويا مسكينة [لا تُقلي الكنوز أرفع أحاجرك على أحاجر القرى](٣). وقوله: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي: لههنا يعنون عند النبي ◌َّ في مقام المرابطة ﴿فَأَرْجِعُواْ﴾ أي: إلى بيوتكم ومنازلكم ﴿وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ◌ُّ: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السراق(٤)، وكذا قال غير واحد. وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي(6)، يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة؛ أي: ليس دونها ما يحجبها من العدو، فهم يخشون عليها منهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ﴾ أي: ليست كما يزعمون ﴿إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ أي: هرباً من الزحف. 2- ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَّهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَنَوَّهَا وَمَا تَلَبَثُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١) وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ﴿ قُل لَّنْ يَنَفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَّتُم مِنَ الْمَوْتِ أَوِ اٌلْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٨ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِى يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً أَوْ أَرَدَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَمُ مِّن دُونِ الَِّ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا يخبر تعالى عن هؤلاء الدين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعاً، وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع، هكذا فسرها قتادة وعبد الرحمن بن زيد (٦) وابن جرير، وهذا ذمِّ لهم في غاية الذمّ. ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي: وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لا بدّ من ذلك، ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم ولا يطول أعمارهم بل ربما كان ذلك سبباً في تعجيل أخذهم غرَّة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَّا تُمَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: بعد هربكم وفراركم ﴿قُلّ مَنَعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَاَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى﴾ [النساء: ٧٧]. (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٨٣/٣ ح ١٨٥١٩)، وضعف سنده محققوه لضعف يزيد بن أبي زياد. (٣) زيادة من (ح) و(حم). (٢) التعريف والإعلام ص ١٠٢. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٥) ذكره الطبري ابن هشام (السيرة النبوية ٢٢٢/٢). (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد. ١٦٩ • سُورَةُ الأجْزَائِ (١٨، ٢٠) 0000000008000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِى يَعْضِمُّكُم مِّنَ الَّهِ﴾ أي: يمنعكم ﴿إِنْ أَرَدَ بِكُمْ سُوءً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةٌ وَلَا يَجِدُونَ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغیث . ، ﴿﴿وَ قَدْ يَعْلَمُ اللّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُ وَالْعَائِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنًا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِخَةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِّ فَإِذَا ذَهَبَ اْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلِّنَةٍ حِدَادٍ أَشِخَّةٌ عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَلَهُمَّ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الَّهِ يَسِيرًا يخبر تعالى عن إِحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم؛ أي: أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم ﴿هَلُّمَّ إِلَيْنَا﴾ إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿ أَشِخَةً عَلَيْكُمْ﴾ أي: بخلاء بالمودة والشفقة عليكم. وقال السدي: ﴿أَشِخَّةً عَلَيْكُمْ﴾ أي: في الغنائم(١)، ﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال ﴿فَإِذَا ذَهَبَ اٌلْنَوْفُ سَلَفُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَارٍ﴾ أي: فإذا كان الأمن تكلموا كلاماً بليغاً فصيحاً عالياً، وادَّعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك. وقال ابن عباس ◌ًَّا: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ أي: استقبلوكم. وقال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة: أعطونا أعطونا قد شهدنا معكم (٢)، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق(٣)، وهم مع ذلك أشحة على الخير؛ أي: ليس فيهم خير قد جمعوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر: أفي السلم أعياراً جَفاءً وغلظة وفي الحرب أمثالَ النساء العوارِكِ (٤) أي: في حال المسالمة كأنهم الحمر، والأعيار جمع عير وهو الحمار، وفي الحرب كأنهم النساء الحيّض، ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمَّ يُؤْمِنُواْ فَأَحْبَطَ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلاً هيناً عنده. ] ﴿يَحْسَبُونَ الْأَخْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِ اَلْأَعْرَادِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبَآئِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِكُم ◌َّا قَلِئَلُواْ إِلَّا قَلِلًا ٢٠ وهذا أيضاً من صفاتهم القبيحة في الجبن والخور والخوف ﴿يَحْسَبُونَ الْأَخَبَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ بل هم قريب منهم وإن لهم عودة إليهم ﴿وَإِن يَأَتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِ الْأَعْرَابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنَْآئِكُمْ﴾ أي: ويودُّون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة، بل في (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) البيت لهند بنت عتبة استشهد به ابن هشام (السيرة النبوية ٦٥٦/١). ١٧٠ سُورَةُ الأحزاب (٢٤،٢١) 000000000000 000 000 000 100000 1000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 البادية يسألون عن أخباركم وما كان من أمركم مع عدوكم ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِكُم مَّا قَئَلُواْ إِلَّا قَلِلًا﴾ أي: ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلاً لكثرة جبنهم وذلتهم وضعف يقينهم. ﴿ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَةُ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَنَكَرَ اللّهَ كَثِيرًا وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا ﴾﴾ هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله وَ لّ في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي ول# يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه من، صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين، ولهذا قال تعالى للذين تقلقوا وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ﴾ أي: هلَّ اقتديتم به وتأسيتم بشمائله وَ ليه، ولهذا قال تعالى: ﴿لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ . ثم قال تعالى مخبراً عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولٌ﴾، قال ابن عباس ﴿ّ وقتادة: يعنون قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ اُلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّهُ وَزُلْزِلُواْ حَى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ [البقرة] أي: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء (١) مَعَهُ مَقَ نَصْرُ اُللَّهُ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولَةٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا﴾ دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قال جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص، وقد قررنا ذلك في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة. ومعنى قوله جلت عظمته: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ أي: ذلك الحال والضيق والشدة ﴿إِلَّ إِيمَنَا﴾ بالله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ أي: انقياداً لآوامره وطاعة لرسوله الخله. 2] ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْةٍ فَمِنْهُم ◌َن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم ◌َن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً لِيَجْزِىَ اللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا لما ذكر ربك عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولّون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق: ﴿صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيّْةٍ فَمِنْهُم مَّن قَضَى (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى برواية قتادة التي أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وأخرجها عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر، عن قتادة. ١٧١ سُورَةُ الأُخْزَائ (٢٣، ٢٤) نَحْبَهُ﴾ قال بعضهم: أجله(١). وقال البخاري: عهده(٢). وهو يرجع إلى الأول ﴿وَمِنْهُم مَن يَنْتَظِّرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهد الله ولا نقضوه ولا بدلوه. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله وَ ل# يقرؤها: لم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ظه، الذي جعل رسول الله وَلر شهادته بشهادة رجلين ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ﴾(٣) تفرد به البخاري دون مسلم، وأخرجه أحمد في مسنده والترمذي والنسائي في التفسير من سننهما من حديث الزهري به. وقال الترمذي: حسن صحيح (٤). وقال البخاري أيضاً: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس بن مالك الله قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر عَظ ◌ُه ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ﴾ الآية(٥)، انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: عمِّي أنس بن النضر ◌َظ ◌ُله سميت به لم يشهد مع رسول الله وَل يوم بدر فشق عليه، وقال: أول مشهد شهده رسول الله وَ غُيّت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهداً فيما بعد مع رسول الله وَله ليرين الله رحمك ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ولي يوم أحد فاستقبل سعد بن معاذ پته، فقال له أنس به: يا أبا عمرو أين واهاً (٦) لريح الجنة إني أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قُتل ◌َظُبه، قال: فوجد في جسده بضع وثمانين بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر -: فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال: فنزلت هذه الآية ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم ◌َن يَنْتَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا (٣)﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه (٧). ورواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به. ورواه النسائي أيضاً وابن جرير من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس مظ لته به نحوه(٨). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن (١) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن البصري (ينظر فتح الباري ٥١٨/٨). (٢) ذكره البخاري من غير نسبته إلى أحد (الصحيح، التفسير سورة الأحزاب، باب ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٣]). (٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح٤٧٨٤). (٤) المسند ١٨٨/٥، وسنن الترمذي، التفسير، باب من سورة التوبة (ح٣١٠٤)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٠١). (٥) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٣] (ح ٤٧٨٣). (٦) كلمه حنان وتلهف. (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٣/٣) وسنده صحيح. (٨) صحيح مسلم، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد (ح١٩٠٣) وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح ٣٢٠٠)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٠٤). ١٧٢ • سُوَرَّةُ الأَخْزَابَ (٢٣، ٢٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أنس رظُه قال: إن عمه يعني أنس بن النضر ◌َظُبه، غاب عن قتال بدر، قال: غُيّبت عن أول قتال قاتله رسول الله وَ﴿ المشركين، لئن الله أشهدني قتالاً للمشركين ليرين الله تعالى ما أصنع، قال: فلما كان يوم أُحد انكشف المسلمون، فقال: اللَّهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني: أصحابه - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني: المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ رضـ دون أُحد، فقال: أنا معك. قال سعد ربه: فلم أستطع أن أصنع ما صنع، فلما قتل قال: فوجد فيه بضعٍ وثمانون ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم، وكانوا يقولون: فيه وفي أصحابه نزلت ﴿فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنْنَظِرٌ﴾(١)، وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن يزيد بن هارون به. وقال الترمذي: حسن(٢). وقد رواه البخاري في المغازي عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة، عن مصرف، عن حميد، عن أنس رُه به، ولم يذكر نزول الآية. ورواه ابن جرير من حديث المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس ر به به(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة قال: لما أن رجع رسول الله وَ ◌ّر من أحد صعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر، ثم قرأ هذه الآية ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ الآية كلها، فقام إليه رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت وعليَّ ثوبان أخضران حضرميان، فقال: ((أيها السائل: هذا منهم)) وكذا رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به. وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضاً، وابن جرير من حديث يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما ظُهُ به. وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس(٤). وقال أيضاً: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عامر - يعني: العقدي -، حدثني إسحاق - يعني: ابن طلحة بن عبيد الله -، عن موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية ظُه، فلما خرجت دعاني فقال: ألا أضع عندك يا ابن أخي حديثاً سمعته من رسول الله وَله؟ أشهد لسمعت رسول الله وَيقر يقول: ((طلحة ممن قضى نحبه))(٥). ورواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي، عن موسى بن طلحة قال: قام معاوية بن أبي سفيان ظُّه فقال: إني سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((طلحة ممن قضى نحبه))(٦). (١) سنده صحيح ويشهد له ما تقدم في الصحيحين. (٢) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة الأحزاب (ح٣٢٠١)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير (ح ١١٤٠٣). (٣) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة أحد (ح ٤٠٤٨). (٤) أخرجه الطبري والترمذي بالسند المذكور (سنن الترمذي التفسير باب ومن سورة الأحزاب ح٣٢٠٣) وقال الألباني حسن صحيح. (صحيح سنن الترمذي ح ٢٥٦٠). (٥) أخرجه الترمذي من طريق إسحاق بن طلحة به. (المصدر السابق ح٣٢٠٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٥٥٩). (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الحميد الحماني فيه مقال لكنه توبع بما سبق فيتقوى إلى الحسن. ١٧٣ • سُورَّةُ الأَجْزَابِ (٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: عهده ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌ﴾، قال: يوماً فيه القتال فيصدق فى اللقاء(١). وقال الحسن: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ يعني: موته على الصدق والوفاء، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلاً(٢)، وكذا قال قتادة وابن زيد(٣). وقال بعضهم، نحبه: نذره(٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهدهم وبدلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّ فِرَارًا ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُونَ الْأَدْبَرَ﴾ [الأحزاب]. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِىَ اَللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَفِقِينَ إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم حتى يعملوا بما يعلمه منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَّى نَعْلَمَ الْمُجَتِهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّيِينَ وَنَبْلُوَّا أَخْبَارَكُمْ [محمد]، فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلاً به قبل وجوده، وكذا قال الله تعالى: ﴿َّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخِيِثَ مِنَ الطَّيِّبٍ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُّطْلِمَكُمْ عَلَى الْغَيْبٍ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، ولهذا قال تعالى لههنا: ﴿لِيَجْزِىَ اَللَّهُ الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه وقيامهم به ومحافظتهم عليه، ﴿وَيُعَذِّبَ اٌلْمُنَفِقِينَ﴾ وهم الناقضون لعهد الله المخالفون لأوامره فاستحقوا بذلك عقابه، وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، ولما كانت رحمته ورأفته تبارك وتعالى بخلقه فهي الغالبة لغضبه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ . ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِیزا يقول تعالى مخبراً عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، ولكن قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ﴾ [الأنفال: ٣٣] فسلّط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل شتى أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعاتهم، وردهم خائبين خاسرين (١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد. (٤) أخرجه أبو عبيدة (ينظر فتح الباري ٥١٨/٨). ١٧٤ • سُؤَرَّةُ الأَجْزَاءِ (٢٧،٢٦) بغيظهم وحنقهم، ولم ينالوا خيراً لا في الدنيا مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول وَ ل بالعداوة وهمهم بقتله واستئصال جيشه، ومن همّ بشيء وصدق همَّه بفعله، فهو في الحقيقة كفاعله. وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ﴾ أي: لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده ونصر عبده وأعز جنده، ولهذا كان رسول الله وَليه يقول: ((لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده))، أخرجاه من حديث أبي هريرة ت﴾﴾(١). وفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى ظُه قال: دعا رسول الله وَ﴿ على الأحزاب فقال: ((اللَّهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللَّهم اهزمهم وزلزلهم»(٢). وفي قوله رغمّ: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ﴾ إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم. قال محمد بن إسحاق: لما انصرف أهل الخندق، قال رسول الله صلير فيما بلغنا: ((لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم)) فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان رسول الله وَل هو يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله تعالى مكة(٣)، وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني أبو إسحاق، قال: سمعت سليمان بن صُرَد ◌َظُه يقول: قال رسول الله و ﴿ يوم الأحزاب: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا))(٤). وهكذا رواه البخاري في صحيحه من حديث الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق به، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ أي: بحوله وقوته ردَّهم خائبين لم ينالوا خيراً، وأعزَّ الله الإسلام وأهله، وصدق وعده ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة (٥) . ﴿وَأَنْزَلَ اُلَّذِينَ ظَهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٨) وَأَوْرَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَعُوهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا مَّ قد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ◌َخلو من العهد، وكان ذلك بسفارة حُييّ بن أخطب النضري لعنه الله، دخل (١) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الخندق (ح٤١١٣)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب التعوذ من شر ما عمل (ح ٢٧٢٤). (٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة (ح ٦٣٩٢)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب استحباب الدعاء والنصر عند لقاء العدو (ح ١٧٤١). (٣) السيرة النبوية لابن هشام ٢٠٦/٣ والحديث منقطع ويشهد له ما يليه. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤ /٢٦٢)، وسنده صحيح. (٥) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الخندق (ح٤١٠٩). ١٧٥ • سُورَةُ الأَجْزَابِ (٢٧،٢٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحكَ قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون لههنا حتى يستأصلون محمداً وأصحابه، فقال له كعب: بل واللهِ أتيتني بذل الدهر، ويحكَ يا حيي إنك مشؤوم، فدعنا منكَ، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب(١) حتى أجابه، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب ولم يكن من أمرهم شيء أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نقضت قريظة، وبلغ ذلك رسول الله وَلّ ساءه وشقَّ عليه وعلى المسلمين جداً، فلما أيده الله تعالى ونصره وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله و ﴿ إلى المدينة مؤيداً منصوراً، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله وَ * يغتسل من وعثاء(٢) تلك المرابطة في بيت أم سلمة حيثًا، إذ تبدَّى له جبريل عليه الصلاة والسلام معتجراً (٣) بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال وَّر: ((نعم)) قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم، ثم قال: إن الله تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة. وفي رواية فقال له: عذيرك (٤) من مقاتل أوضعتم السلاح؟ قال: ((نعم)) قال: لكنا لم نضع أسلحتنا بعد انهض إلى هؤلاء، قال وَلفيه: ((أين؟)) قال: بني قريظة، فإن الله تعالى أمرني أن أزلزل عليهم، فنهض رسول الله وّ﴾ من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال ◌َ : ((لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة)) فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله ، إلا تعجيل المسير. وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنِّف واحداً من الفريقين، وتبعهم رسول الله ◌َ، وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم به، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ظه، ثم نازلهم رسول الله وَلٍ وحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما طال عليه الحال، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ◌ُه، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما فعل عبد الله بن أبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله وَ﴿، فظنَّ هؤلاء أن سعداً سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك، ولم يعلموا أن سعداً ظُبه كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق، فكواه رسول الله ◌َ في أكحله(٥) وأنزله في قبة المسجد ليعوده من قريب، وقال سعد ربه فيما دعا به: اللَّهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فأفجرها، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستجاب الله تعالى دعاءه، وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلباً من تلقاء أنفسهم فعند ذلك استدعاه رسول الله ولو من المدينة (١) الذروة أعلى سنام البعير، والغارب مقدم السنام، وهذا مثلٍ يضرب بحال من يريد إقناع غيره بأمر ويأبى عليه، ثم ينقاد له في نهاية الأمر، لأن الجمل النفور إذا أُريد تأنيسه فإن الرجل يمد يده عليه، ويمسح غاربه، ويُفتِّل وبره، حتى يستأنس، حتى يتمكن من وضع الزمام له. (٢) الوعثاء: المشقة والتعب. (٣) أي: قد لفَّ عمامته على رأسه. (٤) أي: هات من يعذرك فيه. (٥) أي: في وسط ذراعه. ١٧٦ • سُوَرَّةُ الأَجْزَائِ (٢٦، ٢٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ليحكم فيهم، فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه (١)، جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد إنهم مواليك فأحسن فيهم، ويرققونه عليهم ويعطفونه وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال ظه: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقهم، فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله وَله، قال رسول الله بَير: ((قوموا إلى سيدكم)) فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظاماً وإكراماً واحتراماً له في محل ولايته ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله و 98: ((إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت)) فقال له: وحكمي نافذ عليهم؟ قال رَّير: ((نعم)). قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: ((نعم)). قال: وعلى من لههنا وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله، وهو معرض ئه : بوجهه عن رسول الله وَ ﴿ إجلالاً وإكراماً وإعظاماً، فقال له رسول الله وَلقال: ((نعم)). فقال إني أحكم أن تقتل مُقَاتلتهم وتُسبى ذريتهم وأموالهم، فقال له رسول الله وَّه: ((لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة (٢))، وفي رواية: ((لقد حكمت بحكم الملك))، ثم أمر رسول الله ◌َّ بالأخاديد فخُدت(٣) في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم(٤). وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة الذي أفردناه موجزاً وبسيطاً، ولله الحمد والمنة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنَزَلَ اُلَّذِينَ ظَهَرُوهُم﴾ أي: عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله وَّهُ ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ يعني: بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديماً طمعاً في اتباع النبي الأمي الذين يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فعليهم لعنة الله. وقوله تعالى: ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: حصونهم، كذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والسدي(٥) وغيرهم من السلف، ومنه سمي صياصي البقر، وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها، ﴿وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ وهو الخوف، لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب النبي وَّ، وليس من يعلم كمن لا يعلم، وأخافوا المسلمين وراموا قتالهم ليعِزُّوا في الدنيا، فانعكس عليهم الحال، وانقلبت إليهم القال، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما رامو العزَّ ذلوا، وأردوا استئصال المسلمين فاستئصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسرى هم الأصاغر والنساء. (٢) أي: السموات. (١) أي: وطئوا له بوسادة حتى لا يتأذى بالركوب. (٣) أي: حُفرت. (٤) أخرجه ابن إسحاق بطوله (السيرة النبوية لابن هشام ٢١٥/٢ - ٢٢٠)، وكثير من رواياته الموصولة في الموصولة صحيحة وبعضها في صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وبعضها في كتاب الجهاد، باب إذا نزل العدو على حكم رجل (ح٣٠٤٣) وسيأتي مطولاً في المسند كما في الرواية التالية. (٥) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه والطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. ١٧٧ • سورةُ الآخَائ (٢٦، ٢٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: عُرضتُ على النبيِّ وَّه يوم قريظة، فشكُّوا في، فأمر بي النبي ◌َّ أن ينظروا هل أنبتُ بعد، فنظروني فلم يجدون أنبت، فخُلي عني وألحقني بالسبي(١)، وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق، عن عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: حسن صحيح (٢)، ورواه النسائي أيضاً من حديث ابن جريج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية بنحوه (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَنَوَلَمْ﴾ أي: جعلها لكم من قتلكم لهم ﴿وَأَرْضًا لَّمْ تَطَعُوهَاً﴾ قيل: خيبر (٤). وقيل: مكة (٥)، رواه مالك، عن زيد بن أسلم(٦). وقيل: فارس والروم(٧). وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مراداً (٨) ﴿وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرًا﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة ريا قالت: خرجت يوم الخندق أقفوا الناس فسمعت وئيد الأرض(٩) ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ رُه، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة(١٠)، قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد رُبّه وعليه درع من حديد قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد رظُه من حديد قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد رُبه من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول: لبث قليلاً يشهدُ الهيجا جمل ما أحسن الموتَ إذا حان الأجل قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب نظـ وفيهم رجل عليه تسبغة(١١) له، تعني المغفر، فقال عمر تظله: ما جاء بك؟ لعمري والله إنكِ لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز (١٢)؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذٍ، فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله نظُّه، فقال: يا عمر ويحكَ إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٣/٣٢ ح١٩٤٢١) وصحح سنده محققوه. (٢) سنن أبي داود، الحدود، باب في الغلام يصيب الحد (ح ٤٤٠٤) وسنن الترمذي السير، باب في النزول على الحكم (ح١٥٨٤)، وسنن النسائي، الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي ١٥٥/٦، وسنن ابن ماجه، الحدود، باب من لا يجب عليه الحد (ح٢٥٤١) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٠٥٩). (٣) السنن الكبرى، السير، باب حد الإدراك (ح٨٦١٩). (٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد عن يزيد بن رومان، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. (٥) ذكره الطبري من غير سند، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٦) سنده صحيح. (٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق قتادة عن الحسن. (٨) ذكره الطبري بمعناه. (٩) أي: صوت الوطء على الأرض. (١٠) أي: الترس. (١١) تسبغة: جاء في المعجم الوسيط (سبغ): تسبغة الخوزة: ما توصل به من حلق الدروع فتستر العنق. (١٢) تحوز: قال ابن الأثير ٤٥٩/٥: هو من قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦] أي: منضماً إليها. ١٧٨ • سُورَةُ الأَخْزَان (٢٦، ٢٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تعالى؟ قالت: ورمى سعداً رَظُبله رجل من قريش يقال له: ابن العرقة بسهم له، وقال له: خذها وأنا ابن العرقة(١)، فأصاب أكحله(٢) فقطعه، فدعا الله تعالى سعد ظه فقال: اللَّهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقا كُلْمه(٣) وبعث الله تعالى الريح على المشركين ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَّ وَكَانَ اللّهُ قَوِيًّا عَزِزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله وَله إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم(٤) فضربت على سعد ظه في المسجد، قالت: فجاءه جبريل عليّ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوقد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم، قالت: فلبس رسول الله وَجم لأمته(٥)، وأذَّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمرَّ على بني غَنْم وهم جيران المسجد، فقال: ((من مرّ بكم؟» قالوا: مرّ بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل عليه الصلاة والسلام، فأتاهم رسول الله وَلقر فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء، قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله صل ى، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم إنه الذبح، قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ رضيپنه. [فقال رسول الله وَله: ((انزلوا على حكم سعد بن معاذ)) فنزلوا، وبعث رسول الله وَطل إلى سعد بن معاذ ۋە](٦)، فأتى به على حمار علیه إکاف من ليف(٧) قد حمل عليه، وحفّ به قومه فقالوا : يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية(٨) ومن قد علمت، قالت: فلا يرجع إليهم شيئاً ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد فلما طلع، قال رسول الله وسلم: ((قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)) فقال عمر ظه: سيدنا الله، قال: ((أنزلوه)) فأنزلوه، قال رسول الله وَلير: ((احكم فيهم)) قال سعد څبه: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله وَله: (لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله)) ثم دعا سعد رَبُّه، فقال: اللَّهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قال: فانفجر كلمه(٩) وكان قد برئ منه إلا مثل الخُرْص(١٠)، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله، قالت عائشة ضًا: فحضره رسول الله مَ ﴿ وأبو بكر وعمر ﴿ها، قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر ◌ُبه من بكاء عمر ◌َظُه وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رُجَآءُ [الفتح: ٢٩] قال علقمة: فقلت أي أمه، فكيف كان رسول الله 03له يصنع؟ قالت: كانت عينه بينهم. (١) هو حيان بن العرفة (ينظر أسد الغابة ٣٧٤/٢) وقد صرح باسمه في رواية البخاري، الصحيح، المغازي باب مرجع النبي ◌َّر من الأحزاب (ح٤١٢٢). (٢) أي: وسط ذراعه. (٤) أي: من جلد. (٦) زيادة من (ح) و(حم). (٨) أي: الأكثار فيهم من الجراح والقتل. (١٠) أي: بقعة صغيرة. (٣) أي: جرحه. (٥) أي: الدرع والسلاح. (٧) أي: بردعة من ليف. (٩) أي: جرحه. ١٧٩ • سُوَّرَّةُ الأُخْزَانَ (٢٨، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته وَليم (١). وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿نا نحواً من هذا، ولكنه أخصر منه، وفيه دعا سعد ◌ُبه(٢). ] ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّعْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (١٨) وَإِن كُنْتُنَّ تُرِذْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالذَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا . هذا أمر من الله تبارك وتعالى لرسوله و 18 بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن رضي الله عنهنّ وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة هنا زوج النبي ◌ّلو أخبرته أن رسول الله ومقر جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله وشهير فقال: ((إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك)) وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: ((إن الله تعالى قال: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِأَزْوَِكَ﴾)) إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة(٣)؟ وكذا رواه معلقاً عن الليث، حدثني يونس عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة ويُها فذكره، وزاد: قالت: ثم فعل أزواج النبي ◌َّ مثل ما فعلت، وقد حكى البخاري أن معمراً اضطرب فيه، فتارة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، وتارة (٤) رواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن ؤثّا: لما نزل الخيار قال لي رسول الله وَّيقول: ((إني أريد أن أذكر لك أمراً، أبيه قال: قالت عائشة فلا تقضي فيه شيئاً حتى تستأمري أبويك)) قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال فردّه عليها، فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قالت فقرأ وَ لَه عليها ﴿يَكَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ اٌلْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ففرح بذلك النبي وَلَ(٥). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه وطوله (المسند ٢٥/٤٢ - ٣٠ ح ٢٥٠٩٦) وقال محققوه: بعضه صحيح، وجزء منه حسن، وهذا إسناد فيه ضعف. اهـ. وقد سردوا شواهده. (٢) صحيح البخاري، المغازي، باب فرجع النبي ◌ّر من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة (ح ٤١٢٢)، وصحيح مسلم، الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب (ح١٧٦٩). (٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِذِنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... ) [الأحزاب: ٢٨] ح ٤٧٨٥). (٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه المصدر السابق باب ﴿وَإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٩] (ح ٤٧٨٦). (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه. ١٨٠ سِوَةُ الآخَائ (٢٨، ٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وحدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة . قالت: لما نزلت آية التخيير بدأ بي رسول الله وَ ﴿ فقال: ((يا عائشة إني عارض عليك أمراً فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأُم رومان ﴿ه)) فقالت: يا رسول الله وما هو؟ قالِ بَ﴿: ((قال الله وَل: ﴿يَأَيُّهَا النَُّّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٨َ وَإِن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَالذَّارَ الْأَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾﴾ قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأُم رومان ظ﴿ه)). فضحك رسول الله وَّل ثم استقرأ الحجر فقال: ((إن عائشة شْتًا قالت: كذا وكذا)) فقلن: ونحن نقول مثلما قالت عائشة رضي الله عنهنَّ كلهنَّ(١). رواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أُسامة، عن محمد بن عمرو به. قال ابن جرير: وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة رضي﴿ّا قالت: إن رسول الله و چ* لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل عليّ فقال: ((سأذكر لك أمراً فلا تعجلي حتى تستشيري أباك)) فقلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((إني أمرت أن أخيركن)) وتلا عليها آية التخيير إلى آخر الآيتين. قالت: فقلت: وما الذي تقول: لا تعجلي حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله ورسوله. فسُرَ ﴿ بذلك، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن، فاخترن الله ورسوله وَل﴾(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس ◌ًا قال: قالت عائشة هنا: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال ◌َله: ((إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك)) قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: ((إن الله تبارك وتعالى قال: ﴿يَأَيُهاَ النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ﴾ الآيتين، قالت عائشة ثنا: فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإِني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن ما قالت عائشة رضي الله عنهن، وأخرجه البخاري ومسلم جميعاً عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة يؤثّا مثله(٣)). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة حيّا قالت: خيرنا رسول الله وَ ﴿، فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئاً (٤). أخرجاه من حديث الأعمش(٥). وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن أبي الزبير، عن جابر ظه قال: أقبل أبو بكر ظ له يستأذن رسول الله صل﴿ والناس ببابه جلوس، (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. (٣) تقدم تخريجه في الصحيحين في الروايات الأول في تفسير هذه الآية. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/٦) وسنده صحيح. (٥) صحيح البخاري، الطلاق، باب من خير أزواجه (ح٥٢٦٢)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلا بالنية (ح ١٤٧٧).