النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
• سُوَرَّةُ لِقْغَمَانَ (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أعطك؟ ألم أسترك؟ ألم ... ألم ... ألم أُخمل ذكرك؟ ثم قال الفضيل: إن استطعت ألا تعرف
فافعل، وما عليك أن لا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذموماً عند الناس محموداً عند الله(١).
وكان ابن مُحَيريز يقول: اللَّهم إني أسألك ذكراً خاملاً(٢).
وكان الخليل بن أحمد يقول: اللَّهم اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من
أوضع خلقك. وعند الناس من أوسط خلقك(٣).
باب ما جاء في الشهرة
حدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا ابن وهب، عن عمر بن الحارث وابن لهيعة، عن
يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس، عن رسول الله وَ لو أنه قال: ((حسب امرئ من
الشر إلا من عصم الله أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، وإن الله لا ينظر إلى
صوركم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم))(٤). وروي مثله عن إسحاق بن البهلول، عن ابن أبي
فديك، عن محمد بن عبد الواحد الأخنسي، عن عبد الواحد بن أبي كثير، عن جابر بن عبد الله
مرفوعاً مثله(٥)، وروي عن الحسن مرسلاً نحوه فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع، فقال:
إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة، وفي دنياه بالفسق(٦).
وعن علي نظرته قال: لا تبدأ لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلّم واكتم، واصمت
تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار(٧).
وقال إبراهيم بن أدهم تَّتُهُ: ما صدق الله من أحبَّ الشهرة.
وقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه(٨).
وقال محمد بن العلاء: من أحبَّ الله أحب أن لا يعرفه الناس(٩).
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق إبراهيم بن الأشعث عن الفضيل (المصدر السابق رقم ١٧ ص١١٠)،
وسنده مرسل.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عبد الواحد بن موسى عن ابن مُحيريز (المصدر السابق رقم ١٨ ص١١١)
وسنده جید.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا عن الخليل بن أحمد. (المصدر السابق رقم ٢١ ص١١٢).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه دون قوله: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ... )) (التواضع والخمول رقم ٣٠
ص١١٦) وهذا الشطر هو جزء من الرواية التالية، وسنده حسن ويشهد له الحديث التالي.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا عن إسحاق بن البهلول به (المصدر السابق رقم ٣١) وسنده حسن، وقوله: ((إن الله لا
ينظر إلى صوركم ... )) له شاهد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة طلبه كما سيأتي في تفسير سورة
الحجرات آية ١٣.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق علي بن الجعد عن المبارك بن فضالة عن الحسن (المصدر السابق رقم ٣٢)
وسنده مرسل ویشهد له ما سبق.
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند فيه رجل مبهم يروي عن علي ظته (المصدر السابق رقم ٣٤).
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عن أبي بكر بن الفضل عن أيوب (المصدر السابق رقم ٣٥).
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا من كتاب محمد بن العلاء (المصدر السابق رقم ٣٦).

١٢٢
• سُورَةُ لِقْتَمَانٌ (١٦، ١٩)
وقال سماك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء(١).
وقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم إليك دينك فأقل من المعارف (٢)
كان أبو العالية إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة نهض وتركهم (٣).
وقال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عوف، عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قوماً
يمشون معه فقال: ذباب طمع وفراش النار(٤).
وقال ابن إدريس، عن هارون بن أبي عنترة، عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أُبي إذ
علاه عمر بن الخطاب بالدرَّة وقال: إنها مذلة للتابع وفتنة للمتبوع(٥).
وقال ابن عون: عن الحسن: خرج ابن مسعود فاتبعه أناس، فقال: والله لو تعلمون ما أغلق
عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان(٦).
وقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب فسلم، ردُّوا ردّاً شديداً، فكان
ذلك يغمه (٧) .
وقال عبد الرزاق، عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الشهرة
فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره(٨). واصطنع مرة نعلين على حذو نعلي
النبي ◌َّر، فلبسهما أياماً ثم خلعهما، وقال: لم أر الناس يلبسونهما(٩).
وقال إبراهيم النخعي: لا تلبس من الثياب ما يشهرك في الفقهاء ولا ما يزدريك السفهاء(١٠).
وقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يشتهر بها ويرفع الناس إليه فيها
أبصارهم. والثياب الرديئة التي يحتقر فيها ويستذل دينه(١١).
وحدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد، عن أبي حسنة صاحب الزيادي قال: كنا عند أبي
قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق (١٢).
وقال الحسن تَخْذَلُهُ: إن قوماً جعلوا الكبر في قلوبهم والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق مغيرة عن سماك (المصدر السابق رقم ٤٠) وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق فضاله بن صيفي (المصدر السابق رقم ٤٤).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق ليث عن أبي العالية (المصدر السابق رقم ٤٧).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (المصدر السابق رقم ٥٠).
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتن أكمل بلفظ: ((بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه
بالدَّرة)) (المصدر السابق رقم ٥١).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عون، وليس ابن عون، عن الحسن به (المصدر السابق رقم ٥٢) وفي
الحالتين فيه الحسن لم يسمع من ابن مسعود نظـ
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق أبي داود عن حماد، وفي آخره تصحيف بلفظ: ((فكان ذلك نقمة)) (المصدر
السابق رقم ٥٨).
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح من طريق عبد الرزاق به (المصدر السابق رقم ٦١).
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عدي بن الفضل عن أيوب (المصدر السابق رقم ٦٢).
(١٠) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق منصور عن إبراهيم به (المصدر السابق رقم ٦٣).
(١١) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق غسان بن عبيد عن الثوري بنحوه (المصدر السابق رقم ٦٤).
(١٢) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه، وفيه عن أبي خشينة صاحب الزيادي (المصدر السابق رقم ٦٥).

١٢٣
سُورَةُ لِقْغَمَانٌ (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بكسائه أعظم من صاحب المطرف بمطرفه (١) ما لهم تفاقدوا(٢).
وفي بعض الأخبار أن موسى عليّ قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان،
وقلوبكم قلوب الذئاب، البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية.
فصل فى حسن الخلق
قال أبو التياح: عن أنس به: كان رسول الله وَ له من أحسن الناس خلقاً (٣).
وعن عطاء، عن ابن عمر: قيل: يا رسول الله؛ أي: المؤمنين أفضل؟ قال: ((أحسنهم خلقاً))(٤).
وعن نوح بن عباد، عن ثابت، عن أنس مرفوعاً: ((إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة
وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة، وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد))(٥).
وعن سنان بن هارون، عن حميد، عن أنس مرفوعاً: ((ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة)) (٦).
وعن عائشة مرفوعاً: ((إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار))(٧).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس،
أخبرني أبي وعمي، عن جدي، عن أبي هريرة رُه سئل رسول الله ◌َّ عن أكثر ما يدخل الناس
الجنة، فقال: ((تقوى الله وحسن الخلق)). وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال:
((الأجوفان: الفم والفرج)»(٨).
وقال أُسامة بن شريك: كنت عند رسول الله وَ﴿ فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا: يا
رسول الله ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: ((حسن الخلق))(٩).
وقال يعلى بن سماك، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء يبلغ به قال: ما شيء أثقل في الميزان
من حسن الخلق، وكذا رواه عطاء، عن أم الدرداء به(١٠) .
(١) المطرف: الثوب الذي في طرفيه علَمان. النهاية ١٢١/٣.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق رجل مبهم عن أبي بكر عن الحسن (المصدر السابق رقم ٦٦).
(٣) أخرجه مسلم من طريق أبي التياح به (الصحيح، الآداب، باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته ح ٢١٥٠).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق فروة بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر ◌ًا (المصدر السابق رقم ١٦٥)،
وسنده ضعيف لأن فروة مجهول كما في التقريب، وحسنه الألباني بشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٣٨٤).
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق النضر بن عبد الجبار عن نوح بن عباد (التواضع والخمول رقم ١٦٨)،
ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق سنان به (المصدر السابق رقم ١٦٩)، وفي سنده سنان بن هارون صدوق
فیه لین كما في التقريب ص٢٥٦.
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق المطلب عن عائشة (المصدر السابق رقم ١٦٦)، وأخرجه الإمام أحمد
المطلب به (المسند ١٤٥/٤١ ح٢٤٥٩٥) وقال محققوه: حديث صحيح لغيره.
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (المصدر السابق رقم ١٧٠)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق داود بن
يزيد عن أبيه عن أبي هريرة بنحوه (المسند ٢٨٧/١٣ ح ٧٩٠٧) وحسنه محققوه.
(٩) أخرجه الإمام أحمد مطولاً (المسند ٣٩٥/٣٠ ح ١٨٤٥٤)، وصحيح سنده محققوه وأخرجه الحاكم وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ١٢١/١).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد من طريق عطاء بن نافع عن أم الدرداء به (المسند ٤٥/ ٤٨٧ ح٢٧٤٩٦)، وصحح سنده
محققوه.

١٢٤
• سُورَةُالْقُفَمَانٌ (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعن مسروق، عن عبد الله مرفوعاً: ((إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)(١).
حدثنا عبد الله بن أبي بدر، حدثنا محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي سارة، عن الحسن بن
علي قال: قال رسول الله وَّر: ((إن الله ليعطي العبد على الثواب من حسن الخلق، كما يعطي
المجاهد في سبيل الله يغدو عليه الأجر ويروح))(٢).
وعن مكحول، عن أبي ثعلبة مرفوعاً: ((إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً أحاسنكم أخلاقاً، وإن
أبغضكم إلي وأبعدكم مني منزلاً في الجنة مساويكم أخلاقاً الثرثارون المتشدقون المتفيهقون»(٣).
وعن أبي أويس، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعاً: ((ألا أخبركم بأكملكم إيماناً
أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً(٤) الذين يؤلفون ويألفون))(٥).
وقال الليث: عن يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله وَاليه:
((ما حسّن الله خلق رجل وخلقه فتطعمه النار))(٦).
وعن عبد الله بن غالب الحداني، عن أبي سعيد مرفوعاً: ((خصلتان لا تجتمعان في مؤمن:
البخل وسوء الخلق))(٧) .
وقال ميمون بن مهران: عن رسول الله يلر: ((ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق))(٨)
وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر.
قال: حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو المغيرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق،
عن رجل من قريش قال: قال رسول الله وسلم: ((ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، إن
الخلق الحسن ليذيب الذنوب. كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما
يفسد الخل العسل)»(٩).
وقال عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إنكم لا تسعون الناس
بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق)) (١٠).
(١) أخرجه البخاري من طريق مسروق به (الصحيح، المناقب، باب صفة النبي (وَ لا ح٣٥٥٩).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ١٧٦)، وسنده ضعيف لأن محمد بن أبي سارة لم يسمع
من الحسن بن علي ﴿ (لسان الميزان ١٧٣/٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق مكحول به (المسند ٢٦٧/٢٩ ح ١٧٧٣٢) وقال محققوه: حسن لغيره، وقال
الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٤/٨).
(٤) أي: المتواضعون الذين يعتمد عليهم في الصحبة ولا يتأذى من يصاحبهم.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق أبي أويس به (التواضع رقم ١٧٨). وسنده حسن بشواهده.
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق الليث به (المصدر السابق رقم ١٨٠)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات
(١٦٥/١)، والسيوطي في (اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ١١٩/١).
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عبد الله بن غالب به (المصدر السابق رقم ١٨٢) وله شواهد سابقة ولاحقة.
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق ميمون بن مهران به (المصدر السابق رقم ١٨٣)، وسنده ضعيف لإرساله.
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (المصدر السابق رقم ١٨٤)، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن
إسحاق (التقريب ٣٣٦) وهو لم يلق أحداً من الصحابة فشيخه مجهول.
(١٠) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق عبد الله بن إدريس به (المصدر السابق رقم ١٩٠)، وأخرجه البزار كما في
كشف الأستار (ح١٩٧٩) وحسنه المنذري (الترغيب ٢٦٤/٣ ح٣٩٣٥)، وأخرجه الحاكم وصححه، وتعقبه =

١٢٥
سُورَةُ لِقُغَمَانٌ (١٦، ١٩)
وقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين(١).
فصل في ذم الكبر
قال علقمة: عن ابن مسعود رفعه: ((لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر، ولا يدخل
النار من في قلبه مثقال حبة من إيمان))(٢).
وقال إبراهيم بن أبي عبلة: عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((من كان في قلبه
مثقال ذرة من كبر، أكبه الله على وجهه في النار))(٣).
حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية، عن عمر بن راشد، عن إياس بن سلمة، عن
أبيه مرفوعاً: ((لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبَّارين، فيصيبه ما أصابهم
من العذاب))(٤).
وقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود بالنّ ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس
ومائتي ألف من الجن، فرفع حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، ثم خفضوه حتى مست قدمه
ماء البحر، فسمعوا صوتاً لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر لخسف به أبعد مما
رفع(٥).
حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كان
أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان حتى إن أحدنا ليقذر نفسه فيقول: خرج من مجرى البول
مرتین(٦).
وقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار، ثم تلا: ﴿أَثْرِدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَثَلْتَ نَفْسًا بِلْأَمَسِّ إِن تُرِيدُ
إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِ اَلْأَرْضِ﴾(٧) [القصص: ١٩].
وقال الحسن: عجباً لابن آدم يغسل الخرء بيده في اليوم مرتين، ثم يتكبر يعارض جبار
السموات(٨).
قال: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن الضحاك بن
سفيان، فذكر حديث ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم(٩).
= الذهبي بأن عبد الله: واه (المستدرك ١٢٤/١).
(١) يشهد له ما سبق من الروايات التي ذكرت حسن الخلق.
(٢) أخرجه مسلم من طريق علقمة به (الصحيح، الإيمان، باب تحريم الكبر ح٩).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق إبراهيم بن أبي عبلة به (التواضع رقم ١٩٦)، وأخرجه الإمام أحمد من
طريق إبراهيم بن أبي عبلة به (المسند ٥٨٩/١١ ح٧٠١٥) وصحح سنده محققوه.
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ١٩٨) وسنده ضعيف لضعف عمر بن راشد.
(٥) سنده مرسل وعليه أمارات الإسرائيليات وأخرجه ابن أبي الدنيا (التواضع رقم ١٩٩).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ٢٠٠).
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل بن سالم عن الشعبي، (التواضع رقم ٢٠٣).
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق أبي محمد البصري عن الحسن (التواضع رقم ٢٠٩).
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ٢١٠) وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن
جدعان.

١٢٦
سُورَةُ لِقُضَمَانٌ (٢٠، ٢١)
وقال الحسن: عن [عنّي](١) عن أبي قال: إن مطعم ابن آدم ضرب مثلاً للدنيا وإن قزَّحه(٢)
وملَّحه(٣).
وقال محمد بن الحسين بن علي - من ولد علي ظه -: ما دخل قلب رجل شيء من الكبر،
إلا نقص من عقله بقدر ذلك(٤).
وقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، ولا مع التوحيد نفاق.
ونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز وهو يختال في مشيته، وذلك قبل أن يستخلف، فطعن
طاوس في جنبه بأصبعه، وقال: ليس هذا شأن من في بطنه خرء؟ فقال له كالمعتذر إليه: يا عمِّ
لقد ضرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها(٥).
قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كانت بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلمون هذه المشية.
فصل في الاختيال
عن ابن أبي ليلى، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعاً: ((من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه))(٦).
ورواه عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعاً مثله(٧) .
وحدثنا محمد بن بكار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره، وبينما رجل يتبختر في برديه أعجبته
نفسه خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة))(٨) وروى الزهري عن سالم، عن
أبيه بينما رجل إلى آخره(٩) .
﴿ ﴿أَلَمْ تَرَوْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاِنَةٌ وَمِنَ
النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِى الَّهِ بِغَيْرِ عِلٍْ وَلَا هُدَّى وَلَ كِنَبٍ مُِّيرٍ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ
بِّ نَّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابََّنَّ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾﴾.
يقول تعالى منبهاً خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة بأنه سخر لهم ما في السموات من
نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يخلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعله
(١) كذا في النُسخ والتصويب من كتاب التواضع.
(٢) أي: جعل الأبازير في قدر الطعام.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق الحسن به (التواضع رقم ٢١١).
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا معلقاً بصيغة حُدثت عن أبي همام (التواضع رقم ٢٢٦)، وسنده ضعيف لعدم التصريح
باسم شيخه.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق شيخ مجهول به (التواضع رقم ٢٤١).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق ابن أبي ليلى به (التواضع رقم ٢٣٨) وله شاهد صحيح كما يلي.
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع رقم ٢٣٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق زيد بن أسلم به
وأطول (المسند ٤١٣/١٠ ح ٦٣٤٠)، وصحح سنده محققوه.
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق محمد بن بكار به (التواضع رقم ٢٣٢) وأخرجه البخاري من طريق أبي
الزناد به (الصحيح، اللباس، باب من جرَّ ثوبه من الخيلاء ح ٥٧٨٨).
(٩) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق الزهري به (التواضع رقم ٢٣٤) ويشهد له سابقه.

١٢٧
• سُوْدَةُ لقْفَمَانٌ (٢٢، ٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إياها لهم سقفاً محفوظاً، وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار،
وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة من إرسال الرسل وإنزال الكتب وإزاحة الشبه والعلل، ثم مع
هذا كلِّه ما آمن الناس كلُّهم، بل منهم من [يجادل](١) في الله؛ أي: في توحيده وإرساله الرسل
ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُحَدِلُ فِى اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَ هُدَّى وَلَا كِنَبٍ مُنِيرٍ﴾ أي: مبين مضيء ﴿وَإِذَا
قِيلَ لَهٌ﴾ أي: لهؤلاء المجادلين في توحيد الله ﴿أَتَّبِعُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ﴾ أي: على رسوله من الشرائع
المطهرة ﴿قَالُواْ بَلْ نَّعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَبَاءَنَاْ﴾ أي: لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين،
قال الله تعالى: ﴿أَوْلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] أي: فما ظنكم
أيها المحتجون بصنيع آبائهم أنهم كانوا على ضلالة وأنتم خَلَفٌ لهم فيما كانوا فيه، ولهذا قال
تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ .
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدٍ أُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوَثْقَىِّ وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ
اُلْأُمُورِ ﴿َ وَمَن كَفَرَ فَلَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيُمْ بِذَاتِ الْصُدُورِ
٢٣
ثُمِنِعُهُمْ قَلِلًا ثُمَّ نَضْطَرُهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِظِ (®﴾.
يقول تعالى مخبراً عمَّن أسلم وجهه [لله](٢)؛ أي: أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه،
ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: في عمله باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد أخذ موثقاً من الله متيناً لا يعذبه.
﴿وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿ وَمَن كَفَرَ فَلَ يَحْزُئِكَ كُفْرُهُ﴾ أي: لا تحزن عليهم يا محمد في
كفرهم بالله وبما جئت به، فإن قدر الله نافذ فيهم، وإلى الله مرجعهم فينبئهم بما عملوا؛ أي:
فيجزيهم عليه ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِمْ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية، ثم قال تعالى: ﴿نُمِنِعُهُمْ قَلِلًا﴾
أي: في الدنيا ﴿ثُمَّ نَضْطَرُهُمْ﴾ أي: نلجئهم ﴿إِلَى عَذَادٍ غَلِظٍ﴾ أي: فظيع صعب مشق على
النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
مَتَعُ فِ الذُّنْيَا ثُمَّ
٦٩
إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (٣)﴾ [يونس).
﴿وَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
(٢٦)
لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
٢٥
يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السموات والأرض وحده
لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى:
﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَّهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: إذ قامت عليكم الحجة
باعترافكم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((مجادل)).
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف بدون لفظ: (الله)).

١٢٨
سُورَةُالقَمَانٌ (٢٧، ٢٨)
ثم قال تعالى: ﴿لِلَِّ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ أي: هو خلقه وملكه ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْخِيدُ﴾
أي: الغني عما سواه. وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في السموات
والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلِّها .
] ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَهُذُّمُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ
(٢٨)
الهِّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فَا خَلْفُّكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ إِنَّ اللّهَ سَيْعٌ بَصِيرُ
يقول تعالى مخبراً عن عظمته وكبريائه وجلاله وأسمائه الحسنى وصفاته العُلا، وكلماته التامة
التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم
الرسل: ((لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك))(١) فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ
مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْجُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ﴾ أي: ولو أن جميع
أشجار الأرض جعلت أقلاماً وجعل البحر مداداً وأمده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله
الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام ونفذ ماء البحر، ولو جاء أمثالها مدداً.
وإنما ذكرت السبعة على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر ولا أن ثم سبعة أبحر موجودة محيطة
بالعالم كما يقوله من تلقاه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في
الآية الأخرى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِّ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن نَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ.
مَدَدًا (٣)﴾ [الكهف]، فليس المراد بقوله: ﴿بِثْلِهِ﴾ آخر فقط بل بمثله ثم بمثله، ثم بمثله ثم هلم
جرا، لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته.
قال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلاماً، وجعل البحر مداداً، وقال الله إن من
أمري كذا ومن أمري كذا، لنفد ماء البحر وتكسرت الأقلام(٢).
وقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ
اُلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ أي: لو كان شجر الأرض أقلاماً ومع البحر سبعة أبحر ما كان لتنفد
عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه(٣).
وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد
أنزل الله ذلك ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِىِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ﴾ الآية، يقول: لو كان البحر مداداً لكلمات الله،
والأشجار كلها أقلاماً، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها
شيء، لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على
نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول.
وقد روي أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود.
(١) أخرجه مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة ﴿هنا (الصحيح، الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود ح٦ ٤٨).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة مختصراً وسنده مرسل، وأخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

١٢٩
• سُورَةُ لِقْنَمَانٌ (٣٠،٢٩)
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جُبير أو عكرمة، عن ابن عباس
أن أحبار يهود قالوا لرسول الله ◌َ* بالمدينة: يا محمد أرأيت قولك: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا
قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله وَلّ: ((كلاكما)) قالوا: ألست تتلو فيما
جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله وَالقر: ((إنها في علم الله قليل،
وعندكم من ذلك ما يكفيكم)) وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِ الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ
أَقْلَهٌ﴾ الآية (١)، وهكذا روي عن عكرمة وعطاء بن يسار(٢)، وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية،
لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز قد عزّ كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد ولا
مخالف ولا معقب لحكمه، حكيم في خلقه وأمره وأقواله وأفعاله وشرعه وجميع شؤونه. وقوله
تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ أي: ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد
بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة خلق نفس واحدة، الجميع هين عليه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ
﴿4﴾ [يس]، ﴿وَمَآ أَمْرُنَا إِلَّا وَحِدَةُ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ ﴾﴾ [القمر] أي: لا يأمر
يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُنُ
بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكيده ﴿فَإِنّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ ()
(١)﴾ [النازعات].
فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ﴾ أي: كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة
إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة، ولهذا قال تعالى: ﴿مَّا خَلَقُكُمْ وَلَا
(٢٨)
بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَيْعٌ بَصِيرُ
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَِّلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ
ذَالِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ
(٢٩)
يَجْرِىّ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ
يخبر تعالى أنه: ﴿يُولِجُ الَِّلَ فِ النَّهَارِ﴾ يعني: يأخذ منه في النهار فيطول ذاك، ويقصر هذا،
وهذا يكون زمن الصيف، يطول النهار إلى الغاية، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر
النهار، وهذا يكون في الشتاء ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلِّ يَجْرِىّ ◌ِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ قيل: إلى غاية
محدوده، وقيل: إلى يوم القيامة، وكلا المعنيين صحيح، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي
ذرّ رُه الذي في الصحيحين أن رسول الله وَل﴿ قال: ((يا أبا ذرّ أتدري أين تذهب هذه الشمس؟))
قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيوشك أن
يقال لها ارجعي من حيث جئت))(٣).
(١) في سنده محمد بن أبي محمد لم يعرف ، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن رجل من أهل مكة
عن سعيد بن جبير به. ويتقوى بمرسل عكرمة التالي.
(٢) قول عكرمة أخرجه البستي بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه، وقول عطاء بن يسار أخرجه
الطبري من طريق ابن إسحاق، عن بعض أصحابه عن عطاء.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٥٨.

١٣٠
• سُوَرَّةُ لِقْضَمَانٌ (٣١، ٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج،
عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء
في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك
(١)
.
القمر، إسناده صحيحُ
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، كقوله: ﴿أَلَمَّ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾
[الحج: ٧٠] ومعنى هذا: أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ
سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَمُ بَيْنَهُنَّ لِعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عِلْمًا ﴾﴾ [الطلاق].
وقوله تعالى: ﴿َلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ﴾ أي: إنما يظهر لكم آياته
لتستدلوا بها على أنه الحق؛ أي: الموجود الحق الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل، فإنه الغني
عما سواه وكل شيء فقير إليه، لأن كل ما في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر
أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذباباً لعجزوا
عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ
الْكَبِيرُ ﴾﴾ أي: العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، فكل خاضع
حقير بالنسبة إليه.
] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْقُلْكَ تَجْرِى فِىِ الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُ مِّنْ ءَايَتِهَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَتٍ لِّكُلِّ
صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿ وَإِذَا غَشِيَهُم ◌َّوْجٌ كَلْتُكَلِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا نَجَنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم
مُقْنَصِدٌ وَمَا يَجْعَدُ بِحَايَدِنَا إِلَّا كُلُّ خَثَارٍ كَفُورٍ
يخبر تعالى أنه هو الذي سخر البحر لتجري فيه الفلك بأمره؛ أي: بلطفه وتسخيره، فإنه لو لا
ما جعل في الماء من قوة يحمل بها السفن لما جرت، ولهذا قال: ﴿لِيُرِيَكُ مِّنْ ءَايَتٍِ﴾ أي: من
قدرته ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: صبار في الضراء شكور في الرخاء.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظّلَلِ﴾ أي: كالجبال والغِمام ﴿دَعَوْ اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾،
كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْفُرُ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال تعالى:
﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اَللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلَّذِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
ثم قال تعالى: ﴿فَلَّا نَّنَّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ﴾ قال مجاهد: أي: كافر(٢)، كأنه فسر
المقتصد هُهنا بالجاحد، كما قال تعالى: ﴿فَلَّا نَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
وقال ابن زيد: هو المتوسط في العمل(٣)، وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله تعالى:
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فالمقتصد لهُهنا هو
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد بلفظ: الذي على صلاح من الأمر.

١٣١
• سُورَةُالقُغَمَانٌ (٣٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المتوسط في العمل، ويحتمل أن يكون مراداً هنا أيضاً، ويكون من باب الإنكار على من شاهد
تلك الأهوال والأمور العظام والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه بالخلاص
كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والدؤوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات، فمن
اقتصد بعد ذلك كان مقصراً والحالة هذه والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْمَدُ بِهَايَدِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَارٍ كَفُورٍ﴾ فالختار هو: الغدار، قاله مجاهد
والحسن وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم(١)؛ وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والختر أتم
الغدر وأبلغه. قال عمرو بن معدیکرب:
ملأت يديك من غدر وختر
وإنك لو رأيت أبا عُمير
(٢)
وقوله: ﴿كَفُورٍ﴾ أي: جحود للنعم لا يشكرها بل يتناساها ولا يذكرها.
﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَّكُمْ وَأَخْشَوْاْ يَوْمًا لَا يَجْزِى وَالِدُّ عَن وَلَدِهِ، وَلَ مَوْلُودُ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ،
شَيْئًاْ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَّ فَلَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
يقول تعالى منذراً للناس يوم المعاد، وآمراً لهم بتقواه والخوف منه والخشية من يوم القيامة
حيث: ﴿لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَن وَلَدِهِ﴾ أي: لو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه. وكذلك الولد لو
أراد فداء والده بنفسه. لم يقبل منه.
ثم عاد بالموعظة عليهم بقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا﴾ أي: لا تلهينكم بالطمأنينة فيها
عن الدار الآخرة ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ يعني: الشيطان. قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك
وقتادة(٣): فإنه يغرُّ ابن آدم ويعده ويمنيه، وليس من ذلك شيء بل كان ما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ
وَيُمَنِّيِهِمَّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُدًا
﴾ [النساء].
قال وهب بن منبه: قال عزير علّ *: لما رأيت بلاء قومي، اشتدَّ حزني وكثر همِّي وأرق
نومي، فضرعت إلى ربي وصلّيت وصمت، فأنا في ذلك أتضرع أبكي، إذ أتاني الملك فقلت له:
خبرني هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة أو الآباء لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء،
وملك ظاهر ليس فيه رخصة لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده،
ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد بهم غيره، ولا يحزن
لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان، كل يهمه همه،
ويبكي عوله، ويحمل وزره، ولا يحمل وزره معه غيره، رواه ابن أبي حاتم(٤).
(١) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه وقول الحسن
أخرجه البُستي والطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح
عن معمر عنه، وقول مالك عن زيد بن أسلم صحيح السند.
(٢) البيت في ديوانه ص ١٠٥ واستشهد به الطبري.
(٣) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس
والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق
عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٤) الخبر من الإسرائيليات.

١٣٢
سُورَةُ لُقْفَمَانٌ (٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِدُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (﴾﴾.
هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها،
فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿لَا يُحَلِّهَا لِوَقِهَاً إِلَّا هُوْ﴾ [الأعراف: ١٨٧]
وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن
يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر
بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه،
وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غداً في دنياها وأخراها ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَقِّ أَرْضٍ تَمُوتُّ﴾ في
بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ
مَفَاتِعُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٩].
وقد وردت السُّنَّة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب.
قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة،
سمعت أبي - بريدة - يقول: سمعت رسول الله وَل يقول: ((خمس لا يعلمهن إلا الله ريك: ﴿إِنَّ
اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدّاً وَمَا تَدْرِى
نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ())))(١)، هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجوه.
(حديث ابن عمر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن
ابن عمر قال: قال رسول الله وَّر: ((مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ
السّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدِّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ
(®﴾)) (٢). انفرد بإخراجه البخاري، فرواه في كتاب الإستسقاء في
تَمُوتَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
صحيحه عن محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان بن سعيد الثوري به(٣). ورواه في التفسير من
وجه آخر، فقال: حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن
عبد الله بن عمر، أن أباه حدثه، أن عبد الله بن عمر قال: قال النبي ◌َّر: ((مفاتيح الغيب خمس))
ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَهُ مَا فِ الْأَرْحَِ﴾(٤) انفرد به أيضاً.
ورواه الإمام أحمد، عن غُندر، عن شعبة، عن عمر بن محمد أنه سمع أباه يحدث عن ابن
عمر، عن النبي ◌َّر قال: ((أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيَُّرِّكُ
اُلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكُسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ
٥)
عَلِيمٌ خَبِيرٌ (﴿3﴾)
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٠/٣٨ ح ٢٢٩٨٦) وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا إسناد
قوي. اهـ. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٩٢/٧)، وصححه الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/٢) وسنده صحيح.
(٣) الصحيح (ح١٠٣٩).
(٤) الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَمُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] (ح ٤٧٧٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٨٥) قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٤٦٢/٨).

١٣٣
سُورَةُ لِقْضَمَانٌ (٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(حديث ابن مسعود رضيبه). قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة،
عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله: أُوتي نبيكم وَل﴿ مفاتيح كل شيء غير خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ
عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَاذَا تَحْكْسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ
بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾﴾(١). وكذا رواه عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن
عمرو بن مرة به. وزاد في آخره. قال: قلت له أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم، أكثر من
خمسين مرة (٢)، ورواه أيضاً عن وكيع، عن مسعر، عن عمرو بن مرة به(٣). وهذا إسناد حسن
على شرط أصحاب السنن، ولم يخرجوه.
(حديث أبي هريرة) قال البخاري عن تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق، عن جرير، عن [أبي
حيان](٤)، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ◌َُّته أن رسول الله وَ﴿ كان يوماً بارزاً للناس إذ أتاه
رجل يمشي فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه
ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر)) قال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: ((الإسلام أن تعبد الله
ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)) قال: يا رسول الله
ما الإحسان؟ قال: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) قال: يا
رسول الله متى الساعة؟ قال: ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن
أشراطها: إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك
من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلَّمُ السَّاعَةِ وَيُغَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى
اُلْأَرْحَاِ ﴾ الآية))، ثم انصرف الرجل فقال: ((ردوه عليَّ)) فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئاً، فقال:
((هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم))(٥). ورواه البخاري أيضاً في كتاب الإيمان(٦)، ومسلم عن
طرق، عن أبي حيان به(٧). وقد تكلمنا عليه في أول شرح البخاري، وذكرنا ثم حديث
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله، وهو من أفراد مسلم.
(حديث ابن عباس) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا
[شهر] (٨)، حدثنا عبد الله بن عباس ها، قال: جلس رسول الله وصيل مجلساً فأتاه جبريل، فجلس
بين يدي رسول الله وَّيهر واضعاً كفيه على ركبتي النبي وَله فقال يا رسول الله: حدثني ما الإسلام؟
قال رسول الله ◌َ: ((الإسلام أن تسلم وجهك لله مك، وتشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك
له، وأن محمداً عبده ورسوله)) قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: ((إذا فعلت ذلك فقد
أسلمت)) قال: يا رسول الله، فحدثني ما الإيمان؟ قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر،
والملائكة والكتاب والنبيين، وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار،
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧٢/٦ - ١٧٣ ح ٣٦٥٩)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وهذا
إسناد يحتمل التحسين.
(٢) (المسند ٢٣٢/٧ ح ٤١٦٧).
(٣) (المسند ٢٨٦/٧ ح٤٢٥٣).
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وصحيح البخاري، وفي الأصل صُحف إلى: ((أبي حصان)).
(٥) الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] (ح ٤٧٧٧).
(٦) باب سؤال جبريل النبي ◌َ لقر (ح ٥٠).
(٧) الصحيح، الإيمان (ح٩).
(٨) كذا في (ح) و(حم) ومسند الإمام أحمد، وفي الأصل صُحف إلى: ((بهز)).

١٣٤
• سُورَةُ لِقْعَمَانٌ (٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كله: خيره وشره)) قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: ((إذا
فعلت ذلك فقد آمنت)) قال: يا رسول الله حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله وصاله: ((الإحسان أن
تعمل الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك)) قال: يا رسول الله فحدثني متى الساعة؟ قال
رسول الله وَلّ: ((- سبحان الله - في خمس لا يعلمهن إلا هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ
الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكَسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾﴾ ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك، قال: أجل يا رسول الله،
فحدثني، قال رسول الله وَ ر: ((إذا رأيت الأمة ولدت ربتها - أو ربها - ورأيت أصحاب الشاء
يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس، فذلك من معالم الساعة
وأشراطها)) قال: يا رسول الله ومن أصحاب الشاء الحفاة الجياع العالة؟ قال: ((العرب)) (١).
حديث غريب، ولم يخرجوه.
حديث رجل من بني عامر روى الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن
منصور، عن ربعي بن حراش، عن رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي ◌َّ فقال: أألج؟
فقال النبي ◌ّ﴿ الخادمة: ((اخرجي إليه، فإنه لا يحسن الإستئذان، فقولي له فليقل: السلام
عليكم، أأدخل؟)) قال: فسمعته يقول ذلك، فقلت: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن لي فدخلت،
فقلت: بمَ أتيتنا به؟ قال: ((لم آتكم إلا بخير، أتيتكم بأن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن
تَدَعُوا اللات والعزى، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات، وأن تصوموا من السنة شهراً،
وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم)) قال: فقال فهل
بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: ((قد علّمني الله رَك خيراً، وإن من العلم ما لا يعلمه
إلا الله ◌َ: الخمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُتَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ
مَّاذَا تَحْكْسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ())))(٢)، وهذا إسناد صحيح.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني
ما تلد، وبلادنا مجدبة، فأخبرني متى ينزل الغيث، وقد علمت متى ولدت، فأخبرني متى أموت
فأنزل الله وَك: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ قال مجاهد: وهي مفاتيح
الغيب التي قال الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ [الأنعام: ٥٩] رواه ابن أبي
حاتم وابن جرير(٣).
وقال الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﴿ّ أنها قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد
كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾(٤).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٢/٥ - ٩٥ ح ٢٩٢٤)، وحسنه محققوه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٦/٣٨ ح٢٣١٢٧)، قال محققوه صحيح لغيره. اهـ. وصحح
سنده الحافظ ابن كثير.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به لكنه مرسل.
(٤) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف وفيه ذكر قوله تعالى: ﴿لَّا
يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلََّّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، والشطر الأول في صحيح البخاري من طريق =

١٣٥
• سُوَرَّةُ لِقُضَمَانٌ (٣٤)
00000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضِ تَمُونَ﴾ قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن، فلم يطلع
عليهنّ ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلِمُ السَّاعَةِ﴾ فلا يدري أحد من الناس متى تقوم
الساعة في أي سنة، أو في أي شهر، أو ليل أو نهار: ﴿وَيَُّزِّلُ الْغَيْثَ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل
الغيث ليلاً أو نهاراً: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَِ﴾ فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أو
أسود، وما هو: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَحْكِسِبُ غَدًا﴾ أخير أم شر، ولا تدري يا ابن آدم متى
تموت لعلك الميت غداً، لعلك المصاب غداً: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي: ليس أحد
من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم بر أو سهل أو جبل(١).
وقد جاء في الحديث: ((إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة)) فقال الحافظ أبو
القاسم الطبراني في معجمه الكبير في مسند أسامة بن زيد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا
عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة بن زيد قال: قال
رسول الله وَّ ه: ((ما جعل الله ميتة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة))(٢).
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود الحفري، عن
سفيان، عن أبي إسحاق، عن مطر بن [عكاس](٣) قال: قال رسول الله وَّه: ((إذا قضى الله ميتة
عبد بأرض جعل له إليها حاجة))(٤) وهكذا رواه الترمذي في القدر من حديث سفيان الثوري به،
ثم قال: حسن غريب، ولا يعرف لمطر عن النبي * غير هذا الحديث(٥)، وقد رواه أبو داود
في المراسيل، فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبي عَزَّة
قال: قال رسول الله وَّلفيه: ((إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها - أو قال - بها
حاجة))(٦) وأبو عَزَّة هذا هو [يسار] (٧) بن عبيد الله، ويقال ابن عبد الهذلي. وأخرجه الترمذي من
حديث إسماعيل [بن إبراهيم وهو ابن عُلَيّة، وقال: صحيح(٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني، حدثنا المؤمل بن إسماعيل](٩)،
الشعبي عن مسروق عن عائشة بنحوه (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى
=
غَيْبِهِ: أَحَدًّا ® ... ﴾ [الجنا ح ٧٣٨٠).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٧٨/١ ح ٤٦١)، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع
الزوائد ١٩٦/٧).
(٣) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل صحف إلى: ((عكاش)).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠٨/٣٦ ح٢١٩٨٣) وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٥) سنن الترمذي، القدر، باب ما جاء أن النفس تموت حيث ما كتب لها (ح٢١٤٦)، وأخرجه الحاكم من
طريق أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٢/١).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠١/٢٤ ح١٥٥٣٩)، وصحح سنده محققوه.
(٧) كذا في (ح) و(حم) وسنن الترمذي، وفي الأصل صُحف إلى: ((بشار)).
(٨) السنن، القدر، باب ما جاء أن النفس تموت حيث ما كتب لها (ح ٢١٤٧).
(٩) زيادة من (ح) و(حم).

١٣٦
سُورَةُ لِقُعَمَانٌ (٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله وَله:
((إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها)) ثم قرأ رسول الله ولاته:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ الشَاعَةِ وَيَُزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكْسِبُ غَدِّ وَمَا
تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾(١).
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري ومحمد بن يحيى
القطعي قالا: حدثنا عمر بن علي، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله قال: قال
رسول الله وَله: ((إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة)) ثم قال البزار: وهذا الحديث
لا نعلم أحداً يرفعه إلا عمر بن علي المقدمي(٢).
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني سليمان بن أبي شيخ قال: أنشدني محمد بن الحكم لأعشى
همدان :
سوى حنوطِ (٣) غداةَ البيْنِ مع خرق
فما تزودَ مما كان يَجمَعُهُ
وقَلّ ذلك من زادٍ لمنـطلق
وغيرَ نفحةِ أعوادٍ تُشَبّ له
إلى منيته سَيَّارٌ(٤) في عَنَقٍ
لا تأسَيَّن على شيء فكلّ فتى
مُعَلَّلٌ بأعَاليل من الحَمَقِ
وكُلّ من ظَنَّ أن الموتَ يُخطِئُه
إن لا يُسَيَّرْ إليها طَائِعاً يُسَقِ
بأيّما بَلْدةٍ تُقَدَّرْ منيَّتُهُ
أورده الحافظ ابن عساكر تَُّهُ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث(٥)، وهو أعشى
همدان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مزوج بأخت الشعبي أيضاً، وقد كان ممن طلب العلم
والتفقه، ثم عدل إلى صناعة الشعر فعرف به.
وقد روى ابن ماجه، عن أحمد بن ثابت وعمر بن شبة، كلاهما عن عمر بن علي مرفوعاً: إذا
كان أجل أحدكم بأرض أوثبته له إليها حاجة، فإذا بلغ أقصى أثره قبضه الله رَّت، فتقول الأرض
يوم القيامة: ربِّ هذا ما أودعتني(٦).
قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن
(١) تقدم صحته بدون ذكر قراءة الآية، ولعل هذه الزيادة من أخطاء مؤمل بن إسماعيل لأنه صدوق سيء الحفظ
(التقریب ص٥٥٥).
(٢) أخرجه البزار (المسند رقم ١٨٩٩)، وأخرجه ابن ماجه من طريق أحمد بن ثابت الجحدري به، وصححه
البوصيري (السنن، الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له ح٤٢٦٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن
ابن ماجه (ح٣٤٣٨)، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن خالد الوهبي عن إسماعيل بن أبي خالد به،
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٦٧/١).
(٣) في تاريخ دمشق بلفظ: ((إلا حنوطاً)).
(٤) في تاريخ دمشق: يسير.
(٥) أخرجه ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار، عن أبي بكر بن أبي الدنيا به (تاريخ
دمشق ٤٠ / ٤٤٣) تحقيق سكينة الشهابي، مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق.
(٦) تقدم تخريجه في الرواية السابقة.

١٣٧
سُورَةُ لِقْفَمَانٌ (٣٤)
0000000000000000300000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبي المليح، عن أسامة أن رسول الله وَّله قال: ((ما جعل الله منية عبد بأرض إلا جعل له إليها
حاجة))(١) .
آخر تفسير سورة لقمان.
والحمد لله رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) تقدم تخريجه قبل خمس روايات.

١٣٨
• سُوَرَّةُ التََّجَدَةِ (١، ٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
200
000
.00000
سُورَةُ السَّحْدَة
[وهي مكية](١)
روى البخاري في كتاب الجمعة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن
عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: كان النبي ◌َّير يقرأ في الفجر يوم الجمعة
﴿الَّ ج ◌َزِلُ﴾ السجدة و﴿هَلْ أَ عَلَى الْإِنسَنِ﴾ [الإنسان: ١](٢). ورواه مسلم أيضاً من حديث
سفيان الثوري به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا الحسن بن صالح، عن ليث، عن أبي
الزبير، عن جابر قال: كان النبيِ نَّ﴿ لا ينام حتى يقرأ: ﴿الّ ﴾ تَزِيِلُ﴾ السجدة، و﴿تَبَكَ الَّذِى
بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]، تفرد به أحمد(٣).
بسم الله الرحمن الرحيم
42 ﴿الّ ﴿ تَزِلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَنَةٌ بَلْ هُوَ الْحَقُّ
مِن رَّكَ لِتُنذِرَ قَوْمَّا مََّ أَتَنَهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾.
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته لههنا .
وقوله: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيهٍ ولا مرية أنه منزل ﴿مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾،
ثم قال تعالى مخبراً عن المشركين: أم ﴿ يَقُولُونَ أَفْتَرَهُ﴾ أي: اختلقه من تلقاء نفسه ﴿بَلْ هُوَ
اُلْحَقُّ مِن رَِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّ أَتَنَّهُم مِّن ◌َّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يتبعون الحق.
﴿اللّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ مَا لَكُم مِّنِ
دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيَّعَ أَفَلاَ نَتَذَكَّرُونَ ﴿﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ
مِقْدَارُهُ: أَلْفَ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴿ ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾﴾.
يخبر تعالى أنه خالق للأشياء فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى
على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك.
﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيَّعْ﴾ أي: بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء،
(١) زيادة من (ح) و(حم).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الجمعة، باب ما يُقرأ في صلاة الفجر يومَ الجمعة ح ٨٩١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/٢٣ ح١٤٦٥٩)، وصححه محققوه بالمتابعات. وصححه أيضاً
بالمتابعات الألباني (السلسلة الصحيحة ح٥٨٥، وصحيح الأدب المفرد ح١٩١٧).

١٣٩
• سُورَةُ التَجَدَةِ (١، ٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه، ﴿أَفَلاَ
تَتَذَّكَّرُونَ﴾ يعني: أيها العابدون غيره المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له
نظير أو شريك أو وزير أو نديد أو عديل، لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه.
وقد أورد النسائي لههنا حديثاً فقال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني محمد بن الصباح،
حدثني أبو عبيدة الحداد، حدثنا الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج المكي، عن عطاء، عن أبي
هريرة أن رسول الله وَ﴿ أخذ بيدي فقال: ((إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة
أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد،
والشجر يوم الإثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم
يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض: أحمرها وأسودها
وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من بني آدم الطيب والخبيث))(١). هكذا أورد هذا
الحديث إسناداً ومتناً، وقد أخرج مسلم والنسائي أيضاً من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن
ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة،
عن النبي ◌َّ﴾ بنحو من هذا السياق(٢).
وقد علله البخاري في كتاب التاريخ الكبير فقال: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب الأحبار
وهو أصح(٣)، وكذا علَّله غير واحد من الحفاظ، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثَُّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ أي: يتنزل أمره من أعلى
السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ
مِثْلَهُنَّ يَنَزَّلُ الْأَخْرُ بَيْنَهُنَّ لِنَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴾﴾ [الطلاق]،
وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة،
وسمك السماء خمسمائة سنة.
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام وصعوده في مسيرة
خمسمائة(٤) عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ، أَلْفَ سَنَةٍ
مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ ﴿ذَلِكَ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي: المدبر لهذه الأمور، الذي هو شهيد على أعمال
عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، هو العزيز الذي قد عزّ كل شيء فقهره
وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، الرحيم بعباده المؤمنين، فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته،
(١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير ح ١٠١٠) وقد اختلف في متنه قديماً وحديثاً وهو في
صحيح مسلم كما يأتي.
(٢) صحيح مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم، باب ابتداء الخلق وخلق آدم فعلا (ح٢٧٨٩)، والسنن الكبرى
للنسائي (ح ١١٠١٠).
(٣) التاريخ الكبير ٤١٣/١.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث عنه، وليث هو ابن أبي سُليم فيه مقال، وفي سنده
أيضاً ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف ويتقوى بما يليه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر
عنه .

١٤٠
• سُوْرَةُ التََّجَادَةِ (٧، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[وهذا هو الكمال: العزة مع الرحمة، والرحمة مع العزة، فهو رحيم بلا ذلّ](١).
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهٍُ مِن سُلَلَتٍ مِّن مَّآءٍ
V
﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٍّ وَبَدَأَ خَلَقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ (
﴿َ ثُمَّ سَوَّنَهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِّ وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالأَفْئِدَةً قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ
مَّهِینٍ
يقول تعالى مخبراً أنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها .
وقال مالك، عن زيد بن أسلم ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ﴾ قال: أحسن خلق كل شيء(٢)
كأنه جعله من المقدم والمؤخر، ثم لمَّا ذكر تعالى خلق السموات والأرض، شرع في ذكر خلق
الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ يعني: خلق أبا البشر آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ
أي: يتناسلون كذلك من نطفة من بين صلب الرجل وترائب
نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ
المرأة ﴿ثُمَّ سَوَّئُهُ﴾ يعني: آدم لما خلقه من تراب، خلقاً سوياً مستقيماً ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِّ
وَحَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةُ﴾ يعني: العقول ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ أي: بهذه القوى التي
رزقكموها الله ريت، فالسعيد من استعملها في طاعة ربه رك.
﴿وَقَالُواْ أَهِذَا ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ أَمِنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَِّ رَبِهِمْ كَفِرُونَ
يَتَوَقََّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ()﴾.
يقول تعالى مخبراً عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا: ﴿أَِذَا ضَلَلْنَا فِىِ الْأَرْضِ﴾
أي: تمزقت أجسامنا وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت ﴿أَنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: أئنا لنعود بعد
تلك الحال؟ يستعبدون ذلك، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قدرتهم العاجزة لا بالنسبة إلى قدرة
الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، ولهذا قال
تعالى: ﴿بَلْ هُمْ يِلِقَِّ رَبِهِمْ كَفِرُونَ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَنْوَقَّنكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِىِ ؤُكِّلَ بِكُمْ﴾ الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت
شخص معين من الملائكة، كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في سورة إبراهيم،
وقد سُمِّ في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور، قاله قتادة وغير واحد وله أعوان، وهكذا ورد
في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم وتناولها ملك
الموت.
قال مجاهد: حُويت له الأرض فجعلت مثل الطّست يتناول منها متى يشاء(٣)، ورواه زهير بن
محمد، عن النبي ◌َ﴿ بنحوه مرسلاً، وقاله ابن عباس ﴿يا (٤).
وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمرو بن شمر،
(١) زيادة من (ح) و(حم).
(٢) سنده صحيح.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((جويب له
الأرض ... ) لكنه مرسل.
(٤) رواية زهير بن محمد عزاها السيوطي إلى ابن أبي حاتم، ورواية ابن عباس عزاها السيوطي إلى الكلبي عن
أبي صالح عنه وهو سند ضعيف جداً.