النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سُورَةِ الْرُوفِزْ (٤٨، ٥١)
السحاب ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: إليه يفرحون لحاجتهم بنزوله
علیھم ووصوله إليهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ ﴾﴾ معنى الكلام: أن
هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر، كانوا قانطين أزلين من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما
جاءهم جاءهم على فاقة، فوقع منهم موقعاً عظيماً.
وقد اختلف النحاة في قوله: ﴿مِن قَبْلِ أَن يُغَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ، لَمُبْلِسِينَ﴾ فقال ابن جرير: هو
تأكيد(١)، وحكاه عن بعض أهل العربية.
وقال آخرون: من قبل أن ينزل عليهم المطر من قبله؛ أي: الإنزال لمبلسين، ويحتمل أن
يكون ذلك من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن
قبله أيضاً قد فات عندهم نزوله وقتاً بعد وقت، فترقبوه في إبانه، فتأخر، ثم مضت مدة فترقبوه
فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعدما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت
وقد اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَانَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾
يعني: المطر ﴿كَيْفَ يُّهِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهاً﴾ .
ثم نبّه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها فقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِى
اٌلْمَوْنَى﴾ أي: إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم قال
تعالى: ﴿وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيِحًا فَرَأَوَهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُواْ مِنْ بَعْدِهِ، يَكْفُرُونَ ﴾﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَبِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾
يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشبَّ واستوى على سوقه، فرأوه مصفراً؛ أي: قد أصفر
وشرع في الفساد لظلّوا من بعده؛ أي: بعد هذا الحال، يكفرون؛ أي: يجحدون ما تقدم إليهم
ءَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ{ أَمْ نَحْنُ الَّرِعُونَ ﴿ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ
مَا تَخْرُُونَ
﴿أَفَرََّيْتُ
من النعم. كقوله تعالى:
حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٣٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ﴿﴿ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (13)﴾ [الواقعة].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هشيم، عن يعلى بن
عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة، وأربعة عذاب،
فأما الرحمة: فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب: فالعقيم والصرصر
وهما في البر، والعاصف والقاصف وهما في البحر(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي بن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن
عياش، حدثني عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن
عمرو قال: قال رسول الله وفضله: ((الريح مسخرة من الثانية - يعني: الأرض الثانية - فلما أراد أن
يهلك عاداً أمر خازن الريح أن رسل عليهم ريحاً تهلك عاداً، فقال: يا ربِّ أرسل عليهم من الريح
قدر منخر الثور، قال له الجبار تبارك وتعالى: لا إذاً تكفأ الأرض وما عليها، ولكن أرسل عليهم
بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه(٣) ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَرَّمِيمِ
(١) رجحه الطبري.
(٣) في سنده دراج وفيه مقال وضعفه الحافظ ابن كثير.
(٢) سنده حسن.

١٠٢
• سُورَةُ الُوفِزْ (٥٢، ٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000
[الذاريات] هذا حديث غريب، ورفعه منكر، والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى
عنهما)).
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَى وَلَا تُسْمِعُ الضُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِينَ ﴿﴿ وَمَآ أَنْتَ بِهَدِ الْعُمْيِ عَن
ضَلَئِهِمَّ إِن تُسَمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِثَايَيْنَا فَهُم ◌ُسْلِمُونَ
يقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أحداثها(١)، ولا تبلغ كلامك
الصم الذين لا يسمعون وهم مع ذلك مدبرون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق
وردِّهم عن ضلالتهم بل ذلك إلى الله، فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا
شاء، ويهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِن تُتْمِعُ إِلَّا
مَنْ يُؤْمِنُ بِثَايَئِنَا فَهُم مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذي يسمعون الحق
ويتبعونه وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿﴿ إِنََّا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ
يَسْمَعُونُ وَالْمَوْنَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام].
وقد استدلت أم المؤمنين عائشة ﴿ُها بهذه الآية ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَ﴾ على توهيم عبد الله بن
عمر في روايته مخاطبة النبي وسط القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام ومعاتبته إياهم
وتقريعه لهم، حتى قال عمر: يا رسول الله ما تخاطب من قوم قد جيفوا؟(٢) فقال: ((والذي نفسي
بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون)) وتأولته عائشة على أنه قال: ((إنهم الآن
ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق))(٣).
وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعاً وتوبيخاً ونقمة.
والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة،
من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححاً له عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما من أحد يمر بقبر أخيه
المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا ردَّ الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام)) (٤).
[وثبت عنه﴿ أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له، إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي وقل
لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه فيقول المسلم: السلام
عليكم دار قوم مؤمنين(٥)، وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا هذا الخطاب لكانوا بمنزلة
خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا، وقد تواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف
بزيارة الحي له ويستبشر، فروى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور عن عائشة رضيها، قالت: قال
رسول الله ◌َ: ((ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده، إلا استأنس به وردَّ عليه حتى يقوم))(٦).
وروى عن أبي هريرة حته، قال: إذا مرّ رجل بقبر يعرفه فسلم عليه، ردَّ عليه السلام.
(١) جمع حدث وهو القبر.
(٢) جيفوا: أي أنثنوا، يقال جافته الميتة وجيفت واجتافت. والجيفة جثة الميت إذا أنتت.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٤٤.
(٤) أخرجه ابن عبد البر من طريق عبيد بن عمير عن ابن عباس وصححه (الاستذكار ١٦٥/٢).
(٥) سيأتي تخريجه في آخر هذه الروايات.
(٦) في سنده عبد الله بن سمعان قال الذهبي: تركوه. (تخريج أحاديث إحياء علوم الدين ص٤٠٣١).

١٠٣
• سورة الُوفِز (٥٢، ٥٣)
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن رجل من آل عاصم الجَحْدَري قال: رأيت عاصماً الجحدري
في منامي بعد موته بسنتين، فقلت: أليس قد متّ؟ قال: بلى، قلت: فأين أنت؟ قال: أنا والله،
في روضة من رياض الجنة، أنا ونفر من أصحابي نجتمع كل ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن
عبد الله المزني، فنتلقى أخباركم. قال: قلت: أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات! قد بليت
الأجسام، وإنما تتلاقى الأرواح، قال: قلت: فهل تعلمون بزيارتنا إياكم؟ قال: نعلم بها عشية
الجمعة ويوم الجمعة كله ويوم السبت إلى طلوع الشمس، قال: قلت: فكيف ذلك دون الأيام
كلها؟ قال: لفضل يوم الجمعة وعظمته (١).
قال: وحدثنا محمد بن الحسين، ثنا بكر بن محمد، ثنا حسن القصاب قال: كنت أغدو مع
محمد بن واسع في كل غداة سبت حتى نأتي أهل الجبان(٢)، فنقف على القبور فنسلم عليهم،
وندعو لهم ثم ننصرف، فقلت ذات يوم: لو صيرت هذا اليوم يوم الإثنين؟ قال: بلغني أن الموتى
يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ويوماً قبلها ويوماً بعدها. قال: ثنا محمد، ثنا عبد العزيز بن أبان
قال: ثنا سفيان الثوري قال: بلغني عن الضحاك أنه قال: من زار قبراً يوم السبت قبل طلوع
الشمس علم الميت بزيارته، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: لمكان يوم الجمعة.
حدثنا خالد بن خداش، ثنا جعفر بن سليمان، عن أبي التّيَّاح يقول: كان مطرَّف يغدو، فإذا
كان يوم الجمعة أدلج. قال: وسمعت أبا التياح يقول: بلغنا أنه كان ينزل بغوطة، فأقبل ليلة حتى
إذا كان عند المقابر يقوم وهو على فرسه، فرأى أهل القبور كل صاحب قبر جالساً على قبره(٣)،
فقالوا: هذا مطرف يأتي الجمعة ويصلون عندكم يوم الجمعة؟ قالوا: نعم، ونعلم ما يقول فيه
الطير. قلت: وما يقولون؟ قال: يقولون: سلام عليكم.
حدثني محمد بن الحسن، ثنا يحيى بن أبي بكر، ثنا الفضل بن الموفق ابن خال سفيان بن
عيينة قال: لما مات أبي جزعت عليه جزعاً شديداً، فكنت آتي قبره في كل يوم، ثم قصرت عن
ذلك ما شاء الله، ثم إني أتيته يوماً، فبينا أنا جالس عند القبر غلبتني عيناي فنمت، فرأيت كأن
قبر أبي قد انفرج، وكأنه قاعد في قبره متوشح أكفانه، عليه سحنة الموتى، قال: فكأني بكيت
لما رأيته، قال: يا بني، ما أبطأ بك عني؟ قلت: وإنك أعلم بمجيئي؟ قال: ما جئت مرة إلا
علمتها، وقد كنت تأتيني فأسر بك ويسر من حولي بدعائك، قال: فكنت آتيه بعد ذلك كثيراً.
حدثني محمد، حدثنا يحيى بن بَسطام، ثنا عثمان بن سُويد الظُّفاوي قال: وكانت أمه من
العابدات، وكان يقال لها: راهبة، قال: لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا
ذخري وذخيرتي من عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت ولا توحشني.
قال: فماتت. فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل القبور، فرأيتها ذات يوم
في منامي، فقلت لها: يا أُمي، كيف أنت؟ قالت: أي بني، إن للموت لكربة شديدة، وإني
بحمد الله لفي برزخ محمود يفرش فيه الريحان، ونتوسد السندس والإستبرق إلى يوم النشور،
(١) في سنده رجل مبهم من آل عاصم الجحدري.
(٣) أخرجه الثوري بلاغاً عن الضحاك.
(٢) أي: الصحراء التي فيها القبور.

١٠٤
• سُودَةُ الُوفِزْ (٥٢، ٥٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فقلت لها: ألك حاجة؟ قالت: نعم، قلت: وما هي؟ قالت: لا تدع ما كنت تصنع من زيارتنا
والدعاء لنا، فإني لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من أهلك، يقال لي: يا راهبة، هذا
ابنك، قد أقبل، فأسر ويسر بذلك من حولي من الأموات.
حدثني محمد، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن سليمان، حدثنا بشر بن منصور قال: لما كان
زمن الطاعون وكان رجل يختلف إلى الجبان(١)، فيشهد الصلاة على الجنائز، فإذا أمسى وقف
على المقابر فقال: آنس الله وحشتكم، ورحم غربتكم، وتجاوز عن مسيئكم، وقبل حسناتكم، لا
يزيد على هؤلاء الكلمات، قال: فأمسيت ذات ليلة وانصرفت إلى أهلي ولم آت المقابر فأدعو
كما كنت أدعو، قال: فبينا أنا نائم إذ بخلق قد جاؤوني، فقلت: ما أنتم وما حاجتكم؟ قالوا:
نحن أهل المقابر، قلت: ما حاجتكم؟ قالوا: إنك عودتنا منك هدية عند انصرافك إلى أهلك،
قلت: وما هي؟ قالوا: الدعوات التي كنت تدعو بها، قال: قلت: فإني أعود لذلك، قال: فما
تركتها بعد.
وأبلغ من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه. قال عبد الله بن المبارك:
حدثني ثور بن يزيد، عن إبراهيم، عن أيوب قال: تعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا
حسناً فرحوا واستبشروا وإن رأوا سوءاً قالوا: اللَّهُمّ راجع به.
وذكر ابن أبي الدنيا عن أحمد بن أبي الحواري قال: ثنا محمد أخي قال: دخل عباد بن عباد
على إبراهيم بن صالح وهو على فلسطين فقال: عظني، قال: بم أعظك، أصلحك الله؟ بلغني أن
أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول الله وَلو من عملك،
فبكى إبراهيم حتى أخضل لحيته. قال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين، ثنا خالد بن
عمرو الأموي، ثنا صدقة بن سليمان الجعفري قال: كانت لي شِرَّة سمجة، فمات أبي فتبت
وندمت على ما فرطت، ثم زللت أيما زلة، فرأيت أبي في المنام، فقال: أي بني، ما كان أشد
فرحي بك وأعمالك تعرض علينا، فنشبهها بأعمال الصالحين، فلما كانت هذه المرة استحييت
لذلك حياء شديداً، فلا تخزني فيمن حولي من الأموات، قال: فكنت أسمعه بعد ذلك يقول في
دعائه في السحر، وكان جاراً لي بالكوفة: أسألك إيابة لا رجعة فيها ولا حور، يا مصلح
الصالحين، ويا هادي المضلين، ويا أرحم الراحمين.
وهذا باب فيه آثار كثيرة عن الصحابة، وكان بعض الأنصار من أقارب عبد الله بن رواحة،
يقول: اللَّهم إني أعوذ بك من عمل أخزى به عند عبد الله بن رواحة، كان يقول ذلك بعد أن
استشهد عبد الله.
وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وقد عَلَّم
النبي ◌َ﴿ أمته إذا رأوا القبور أن يقولوا: ((سلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله
بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية))(٢) فهذا
(١) أي الصحراء التي فيها القبور.
(٢) أخرجه مسلم بنحوه من حديث أم المؤمنين عائشة ؤها (الصحيح، الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور
والدعاء لأهلها ح ٩٧٤).

١٠٥
• سُورَةُ الْرُوفِزْ (٥٤، ٥٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، والله
أعلم](١).
] ﴿وَ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقٍ ضَعْفًا
٥٤
وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءٍ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
يُنبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالاً بعد حال، فأصله من تراب ثم من نطفة ثم
من علقة ثم من مضغة، ثم يصير عظاماً، ثم تكسى العظام لحماً، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من
بطن أمه ضعيفاً نحيفاً واهن القوي، ثم يشبُّ قليلاً قليلاً حتى يكون صغيراً، ثم حدثاً ثم مراهقاً
شاباً. وهو القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص فيكتهل ثم يشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد
القوة، فتضعف الهمَّة والحركة والبطش، وتشيب اللَّمة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة، ولهذا
قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَاءٌ﴾ أي: يفعل ما يشاء ويتصرف في
عبيده بما يريد ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ اَلْقَدِيرُ﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن فُضيل ويزيد، حدثنا فُضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي
قال: قرأت على ابن عمر ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ
قُوَّقِ ضَعْفًا﴾ فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ
ضَعْفًا﴾ ثم قال: قرأت على رسول الله وَ ﴿ كما قرأتُ عليَّ، فأخذ عليَّ كما أخذتُ عليكَ(٢)،
ورواه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث فضيل(٣)، ورواه أبو داود من حديث عبد الله بن
جابر، عن عطية، عن أبي سعيد بنحوه (٤).
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُفْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ (﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
@﴾ .
فَيَوْمَيِدٍ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
٥٦٦
يخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا من عبادة الأوثان، وفي
الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضاً، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا غير ساعة واحدة في
الدنيا، ومقصودهم بذلك عدم قيام الحجة عليهم وأنهم لم ينظروا حتى يعذر إليهم. قال الله
تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِنَبٍ اَللَّهِ إِلَ يَوْمِ
الْبَعْثِّ﴾ أي: فيردّ عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا،
فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة ﴿لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ﴾ أي: في كتاب الأعمال
﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِّ﴾ أي: من يوم خلقتم إلى أن بعثتم ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٥/٩ ح ٥٢٢٧)، وضعف سنده محققوه.
(٣) سنن أبي داود، الحروف (ح٣٩٧٨)، وسنن الترمذي، القراءات (ح٢٩٣٦) وحكمه كسابقه.
(٤) سنن أبي داود، الحروف (ح٣٩٧٩).

١٠٦
سُورَةُ الُوفِزْ (٥٨، ٦٠)
قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: اعتذارهم
عما فعلوا ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: ولا هم يرجعون إلى الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ
فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَّبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤].
] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍّ وَلَيِن جِئْتَهُم ◌ِثَابَةٍ لَّقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ اُلَّذِيْنَ لَا يَعْلَمُونَ
٥٨
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ
وَلَا يَسْتَخِقَتَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: قد بيَّنا لهم الحق،
ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال ليستبينوا الحق ويتبعوه ﴿وَلَيِن جِئْتَهُم بِشَايَةٍ لَّهُولَنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّ مُبْطِلُونَ﴾ أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت باقتراحهم أو غيره، لا
يؤمنون بها ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
﴿ وَلَوَّ جَتْهُمْ كُلُّ ◌َةٍ حَّى يَرَوَا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَهِمْ كَلِمَتُ رَيِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[يونس] ولهذا قال لههنا: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ اُلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
حَقٌّ﴾ أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك
عليهم وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلَا يَسْتَحِقَنَّكَ اُلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي:
بل أثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه، ولا تعدل عنه وليس فيما سواه هدى
يتبع، بل الحق كله منحصر فيه.
قال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج علياً وظبه وهو في صلاة الغداة، فقال: ﴿وَلَقَدْ
أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ (٥)﴾ [الزمر] فأنصتَ له
عليٌّ حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِقَنَّكَ الَّذِينَ لَا
يُوقِنُونَ (٥).
.
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم١٢
وقد رواه ابن جرير من وجه آخر فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك،
عن عثمان بن أبي زرعة، عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج علياً رَظُه وهو في
صلاة الفجر، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيَّكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
اْخَسِرِينَ
[الزمر] فأجابه علي رُه، وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَا يَسْتَخِقَّنَّكَ
(٢)
الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ()
طريق أخرى قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك، عن
عمران بن ظبيان، عن أبي يحيى قال: صلى علي بن أبي طالب ظُله صلاة الفجر، فناداه رجل
من الخوارج ﴿لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] فأجابه علي رَظُه وهو في
الصلاة ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَحِقَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾﴾(٣).
(١) أخرجه الطبري من طريق سعيد به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من علي
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان.
(٣) سنده ضعيف لضعف وتشيع عمران بن ظبيان.

١٠٧
• سُورَةُ الُوفِزْ (٥٨، ٦٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب
أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﴿ أن رسول الله وَله، صلى بهم الصبح فقرأ فيها
الروم فأوهم(١)، فقال: ((إنه يُلبِّس علينا القرآن، فإن أقواماً منكم يصلّون معنا لا يحسنون
الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء))(٢). وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سرٍّ
عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه ﴿ ﴿ تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدلَّ ذلك على أن صلاة
المأموم متعلقة بصلاة الإمام. والله أعلم.
آخر تفسير سورة الروم. والحمد لله وحده.
(١) أوهم في الصلاة أو في القراءة: ترك منها شيئاً. يقال أوهمت الشيء إذا تركته وأوهمت في الكلام
والكتاب إذا أسقطت منه شيئاً .
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسند بنحوه (المسند ٢٠٩/٢٥ ح١٥٨٧٣)، وحسن سنده محققوه. وكذا الحافظ ابن
کثیر .

١٠٨
سُورَةُ لِقْشَمَانٌ (١، ٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000
00
ح00C
.00000
سُورَةُالقَمَانٌ
وهي مكية
بسم الله الرحمن الحكيم
] ﴿الَّّ ﴾ ◌ِلْكَ ءَيَتُ الْكِتَبِ الْحَكِيمِ ﴿﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ
وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَهُمْ بِْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ أُوْلَكَ عَلَى هُدَى مِّن رَّيْهِمْ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ
٣
تقدم في سورة البقرة عامة الكلام على ما يتعلق بصدر هذه السورة، وهو أنه رجل جعل هذا
القرآن هدىّ وشفاءً ورحمةً للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا
الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة
عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا أرحامهم وقراباتهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا
إلى الله في ثواب ذلك لم يراؤوا به، ولا أرادوا جزاءاً من الناس ولا شكوراً، فمن فعل ذلك
كذلك، فهو من الذين قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّيِّهِمْ﴾ أي: على بصيرة وبيّنة ومنهج
واضح جليّ ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
2- ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ
مُهِينٌ ﴿ وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيَّ أُذُنَّهِ وَقْرَا فَبَشِرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ .
لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال
تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ نَفْشَعِرُ مِنْهُ جُلُدُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ
جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهَ ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
[الزمر]، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله وأقبلوا على
استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال: هو واللهِ الغناء.
روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد بن
يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري أنه
سمع عبد الله بن مسعود وهو يُسأل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال عبد الله بن مسعود: الغناء واللهِ الذي لا إله إلا هو، يردِّدها ثلاث مرات(١).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق حميد الخراط عن عمار عن سعيد بن جبير به، =

١٠٩
• سُورَةُ لِقْضَمَانٌ (١، ٧)
حدثنا عمرو بن على، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن
سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء أنه سأل ابن مسعود، عن قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ
اُلْحَدِيثِ﴾ قال: الغناء(١)، وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول
وعمرو بن شعيب و[علي بن نديمة](٢)(٣).
وقال الحسن البصري: نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ بِغَيْرِ عِلٍّ﴾ في الغناء والمزامير (٤).
وقال قتادة: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ والله لعله
لا ينفق فيه مالاً، ولكن شراؤه استحبابه بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على
حديث الحق(٥)، وما يضر على ما ينفع(٦).
وقيل: أراد بقوله: ﴿يَشْتَرِى لَهْوَ اُلْحَدِيثِ﴾ اشتراء المغنيات من الجواري.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن خلاد الصفار، عن
عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي وَلّ
قال: ((لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله رشَك علي: ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾)»، وهكذا رواه الترمذي وابن جرير من حديث
عبيد الله بن زحر بنحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وضعَّف علي بن يزيد المذكور(٧).
(قلت): علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء، والله أعلم.
وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾ قال: يعني الشرك(٨)،
وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٩) .
واختار ابن جرير أنه كلُّ كلام يصدُّ عن آيات الله واتباع سبيله(١٠) .
وصححه وقال الذهبي: حميد هو ابن زياد: صالح الحديث (المستدرك ٤١١/٢)، وحميد قد توبع فسنده
حسن .
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه حميد الخراط وقد توبع في الرواية السابقة.
(٢) كذا في (حم) وهو الصواب كما في ترجمته، وفي الأصل صُحف إلى: ((علي بن نديمة)).
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بثمانية طرق يقوي بعضها بعضاً، وقول جابر أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة
عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي ظبيان عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري
بأسانيد يقوي بعضها بعضاً .
(٤) عزاه السيوطي في الدر المثنور إلى ابن أبي حاتم، ويشهد له ما تقدم.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) أخرجه الترمذي من طريق عبيد الله بن زحر به (السنن، التفسير، باب ومن سورة لقمان ح٣١٩٥)، وسنده
ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو ابن أبي زياد الألهاني كما في التقريب.
(٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان، عن الضحاك.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.
(١٠) ذكره الطبري بنحوه.

١١٠
• سُورَةُ لِقْضَمَانٌ (١١،٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله، وعلى قراءة فتح
الياء(١) تكون اللام لام العاقبة أو تعليلاً للأمر القدري؛ أي: قيضوا لذلك ليكونوا كذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزواً يستهزئ بها(٢). وقال
قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزواً(٣)، وقول مجاهد أولى.
وقوله: ﴿أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: كما استهانوا بآيات الله وسبيله أهينوا يوم القيامة في
العذاب الدائم المستمر. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَى مُسْتَكْرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنّ
فِيِّ أُذُنَّهِ وَقْرًا﴾ أي: هذا المقبل على اللّهو واللَّعب والطرب إذا تليت عليه الآيات القرآنية ولَّى
عنها وأعرض وأدبر وتصامم، وما به من صمم، كأنه ما سمعها لأنه يتأذى بسماعها إذ لا
انتفاع له بها ولا أرب له فيها، ﴿فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة، يؤلمه كما تألم بسماع
كتاب الله وآياته.
خَلِينَ فِهاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً وَهُوَ الْعَزُ
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ جَنَّتُ التَِّيِ
الْكِهُ ))).
هذا ذكرُ مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة، الذي آمنوا بالله وصدقوا المرسلين،
وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة الله ﴿لَهُمْ جَنَّتُ النَّعِيمِ﴾ أي: يتنعمون فيها بأنواع الملاذ
والمسار من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب والنساء والنضرة والسماع، الذي
لم يخطر ببال أحد وهم في ذلك مقيمون دائماً لا يطعنون دائماً ولا يبغون عنها حولاً .
وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا كائن لا محالة لأنه من وعد الله، والله لا يخلف
الميعاد، لأنه الكريم المنَّان الفعَّال لما يشاء القادر على كل شيء ﴿وَهُوَ الْعَزِزُ﴾ الذي قهر كل
شيء ودان له كل شيء ﴿اُلْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدىً للمؤمنين ﴿قُلْ هُوَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَيْهِمْ عَلَى﴾ [فصلت: ٤٤].
﴿وَنُفِزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ الَّكَلِمِينَ إِلََّّ خَسَارًا (﴾﴾ [الإسراء].
﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوَهَا وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٌٍ
وَأَنزَلْنَا مِنَ السَمَاءِ مَآءُ فَنْنَ فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِمٍ ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن
دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ
٠
يبيِّن سبحانه [بهذا](٤) قدرته العظيمة على خلق السموات والأرض، وما فيها وما بينهما، فقال
تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ قال الحسن وقتادة: ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية(٥).
(١) لَيَضِل: وهي قراءة متواترة.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بمعناه.
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((بذا)).
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن بلفظ: ليس لها عمد.

١
• سُورَةُ لِقْضَمَانٌ (١٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: لها عمد لا ترونها(١).
وقد تقدم تقرير هذه المسألة في أول سورة الرعد بما أغنى عن إعادته: ﴿وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ
رَوَسِىَ﴾ يعني: الجبال أرست الأرض وثقلتها لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء، ولهذا قال:
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: لئلا تميدَ بكم.
وقوله تعالى: ﴿وَبَثَ فِهَا مِن كُلِّ دَابَةٍ﴾ أي: وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد
أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها، ولما قرر سبحانه أنه الخالق نبّه على أنه الرازق بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا
مِنَ السَمَآءِ مَآءٍ فَأَنْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ﴾ أي: من كل زوج من النبات كريم؛ أي: حسن
المنظر. وقال الشعبي: والناس أيضاً من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل
النار فهو لئيم.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي ذكره الله تعالى من خلق السموات والأرض وما
بينهما صادر عن فعل الله وخلقه وتقديره، وحده لا شريك له في ذلك، ولهذا قال تعالى:
﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ،﴾ أي: مما تعبدون وتدعون من الأصنام والأنداد ﴿بَلِ
الظَّالِمُونَ﴾ يعني: المشركين بالله العابدين معه غيره ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ أي: جهل وعمى ﴿ُبِينٍ﴾ أي:
واضح ظاهر لا خفاء به.
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَاَ لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ
غَىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾.
اختلف السلف في لقمان: هل كان نبياً أو عبداً صالحاً من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون
على الثاني.
وقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبداً حبشياً
نجاراً (٢).
وقال قتادة: عن عبد الله بن الزبير: قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟
قال: كان قصيراً أفطس من النوبة (٣)(٤)
.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا
مشافر، أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة(٥).
وقال الأوزاعي: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله،
فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من
(١) تقدم تفسيره في تفسير سورة الرعد آية ٢.
(٢) أخرجه الثوري بسنده ومتنه (ينظر فتح الباري ٤٦٦/٦)، وأخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده
ضعيف لضعف الأشعث وهو ابن سوار الكندي الكوفي (ينظر تهذيب التهذيب ٣٥٢/١).
(٣) النوبة: بلدة تقع في شمال السودان.
(٤) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لعدم سماع قتادة من عبد الله بن الزبير.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يحيى بن سعيد به.

١١٢
سُورَةُ لِقْفَمَانٌ (١٢)
السودان: بلال، ومهجع مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر(١).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان
لقمان عبداً حبشياً نجاراً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها، قال: أخرج أطيب
مضغتين فيها، فأخرج اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا هذه الشاة،
فذبحها، وقال: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن
تخرج أطيب مضغتين فيها، فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها، فأخرجتهما؟
فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا(٢).
وقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبداً صالحاً ولم يكن نبياً (٣).
وقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبداً أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين(٤).
وقال [حكام بن سلِم](٥)، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً،
غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضياً على بني إسرائيل، وذكر غيره أنه كان قاضياً على بني
إسرائيل في زمان داود ليلة(٦).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان عبداً
أسود، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس ناس يحدثهم، فقال له:
ألستَ الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟
قال: صِدقُ الحديث والصمتُ عما لا يعنيني(٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن
يزيد بن جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له:
ألستَ عبد بني فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال:
(٨)
قَدَرُ الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني"
. (
فهذه الآثار منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبياً، ومنها ما هو مشعر بذلك، لأن كونه عبداً قد
مسه الرقّ ينافي كونه نبياً، لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، ولهذا كان جمهور السلف
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق الأوزاعي به.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي الأشهب به وسنده صحيح (المصنف ١٣/
١٢٤)، وأبو الأشهب هو جعفر بن جيان وهو ثقة (التقريب ص ١٤٠).
(٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة به، وسنده حسن.
(٤) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن عيسى، عن الأعمش به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق يحيى بن
عیسى عن الأعمش به، (المصنف ٢١٣/١٣) وسنده حسن.
(٥) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ((حكام بن أسلم)).
(٦) أخرجه الطبري من طريق حكام به، وسنده ضعيف لضعف سعيد الزبيدي وهو سعيد بن عبد الجبار، ويقال
سعيد بن أبي سعيد.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حُميد الرازي وهو ضعيف، وقد توبع
فأخرجه ابن أبي الدنيا من طريق أبي شهاب عن عمرو بن قيس (الصمت رقم ١١٦)، وسنده مرسل.
(٨) سنده مرسل.

١١٣
سُورَةُالقَمَانٌ (١٢)
على أنه لم يكن نبياً، وإنما ينقل كونه نبياً عن عكرمة إن صحَّ السند إليه، فإنه رواه ابن جرير
وقال ابن أبي حاتم من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة، قال: كان لقمان
نبياً(١)، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله بن عياش القتباني، عن عمر مولى غُفرة، قال: وقف
رجل على لقمان الحكيم، فقال: أنت لقمان، أنت عبد بني الخشخاس؟ قال: نعم، قال: أنت
راعي الغنم؟ قال: نعم، قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من
أمري؟ قال: وطء الناس بساطك، وغشيهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا ابن أخي إن صَغيت
إلى ما أقول لك كنت كذلك، قال لقمان: غضّي بصري وكفّي لساني، وعفة طعمتي وحفظي
فرجي، وقولي بصدق، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري وتركي ما لا يعنيني،
فذاك الذي صيرني إلى ما ترى (٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن عبدة بن رباح،
عن ربيعة، عن أبي الدرداء أنه قال يوماً وذكر لقمان الحكيم، فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل
ولا مال ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلاً صمصامة سكيتاً، طويل التفكر، عميق النظر،
لم ينم نهاراً قط، ولم يره أحد قط يبزق ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا
يعبث ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد
تزوج وولد أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر
ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي(٣).
وقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد،
حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد، عن ابن بشير، عن قتادة قال: خيّر الله
لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، قال: فأتاه جبريل وهو نائم، فذر
عليه الحكمة، أو رشَّ عليه الحكمة، قال: فأصبح ينطق بها، قال سعيد: فسمعت عن قتادة
يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة، وقد خيّرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي
بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف
عن النبوة، فكانت الحكمة أحبَّ إلي(٤). فهذا من رواية سعيد بن بشير، وفيه ضعف قد تكلموا
فيه بسببه، فالله أعلم، والذي رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا
◌ُقْمَنَ اٌلِكْمَةَ﴾ أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبياً ولم يوح إليه(٥).
وقوله: ﴿وَلَقَدْ ءَنْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: الفهم والعلم والتعبير ﴿أَنِ اشْكُرٌ لِلَّهِ﴾ أي: أمرناه أن
(١) أخرجه الطبري من طريق وكيع به وسنده ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير لضعف جابر بن يزيد الجعفي.
(٢) أخرجه البستي عن أحمد بن عمرو بن سرح عن ابن وهب به، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن عياش
(تهذيب التهذيب ٣٥١/٥).
(٣) سنده ضعيف جداً لأن عمرو بن واقد: متروك.
(٤) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.

١١٤
• سُوْرَةُ لِقْغَمَانٌ (١٣، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يشكر الله ون على ما آتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل الذي خصصه به عمَّن سواه من أبناء جنسه
وأهل زمانه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه
على الشاكرين لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤].
وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنُِّّ حَمِيدٌ﴾ أي: غني عن العباد لا يتضرر بذلك ولو كفر أهل
الأرض كلهم جميعاً، فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه.
رَوَصَيْنَا
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (٢)
اُلْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهِنَّا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُ فِ عَمَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ
وَإِن جَهَدَالكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلِمْ فَلاَ تُطِعْهُمَّا وَصَاحِبْهُمَا فِ الذُّنْيَا مَعْرُوفًا وَأَّبِعْ سَبِيلَ
مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِثُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾﴾
يقول تعالى مخبراً عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم ابنه ثاران
في قول حكاه السهيلي(١)، وقد ذكره الله تعالى بأحسن الذكر، وأنه آتاه الحكمة، وهو يوصي
ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف ولهذا أوصاه
أولاً بأن یعبد الله ولا يشرك به شيئاً، ثم قال محذراً له ﴿إِنَ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هو
أعظم الظلم.
قال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله
قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب
رسول الله وَ ﴿ وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال رسول الله وتيقول: ((إنه ليس بذاك، ألا تسمع
إلى قول لقمان: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)). ورواه مسلم من حديث
الأعمش (٢) به، ثم قرن بوصيته إياه بعبادة الله وحده البر بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَّاً﴾ [الإسراء: ٢٣]، وكثيراً ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن،
وقال لههنا: ﴿وَوَصَّيْنَا أَلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ﴾، قال مجاهد: مشقة وهن الولد(٣).
وقال قتادة: جهداً على جهد(٤).
وقال عطاء الخراساني: ضعفاً على ضعف(٥).
وقوله: ﴿وَفِصَلُ فِ عَمَيْنٍ﴾ أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةُ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ومن لههنا استنبط ابن
عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ
وَفِصَلُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلاً
ونهاراً، ليذكر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَ رََّانِى صَغِيرًا﴾
(١) ينظر التعريف والإعلام ص ١٠٠.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٨٢.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وأخرجه البستي بسند حسن عن الضحاك.

١١٥
• سُورَةُ لِقْضَمَانٌ (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[الإسراء: ٢٤] ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيَّكَ إِلَّ الْمَصِيرُ﴾ أي: فإني سأجزيك على ذلكِ
أوفر جزاء.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة ومحمود بن غيلان قالا :
حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب قال: قدم علينا معاذ بن
جبل، وكان بعثه النبي ◌ُّ فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني رسول رسول الله وَلقيه إليكم
أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن تطيعوني لا آلوكم خيراً، وإن المصير إلى الله إلى الجنة
أو إلى النار إقامة فلا ظعن، وخلود فلا موت(١).
وقوله: ﴿وَإِن جَهَدَالَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَ تُطِعْهُمًا﴾ أي: إن حرصا عليك
كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعك ذلك من أن
تصاحبهما في الدنيا معروفاً؛ أي: محسناً إليهما، ﴿وَأَشَِّعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَّ﴾ يعني: المؤمنين،
﴿ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَنِّئُكُم بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
قال الطبراني في ((كتاب العشرة)): حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا
أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، أن سعد بن مالك قال:
أنزلت في هذه الآية ﴿وَإِنْ جَهَدَالَكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلَّمٌ فَلَا تُطِعْهُمًا﴾ الآية، قال: كنتُ
رجلاً براً بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا أو لا
آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيّر بي، فيقال: يا قاتل أُمه، فقلت: لا تفعلي يا أُمه، فإني لا أدع
ديني هذا لشيء. فمكثت يوماً وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوماً وليلة أخرى لا
تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس
فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي وإن شئت لا تأكلي، فأكلت(٢).
] ﴿وَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ
يَأْتِ بِهَا اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيْرٌ ﴿ يَنْبُنَّ أَقِ الضَلَوَةَ وَأَمُرْ بِلْمَعْرُوفِ وَأَنّهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَّ
أَصَابَكٌ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿ وَلَ تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَ تَمْشِ فِىِ الْأَرْضِ مَرًَّّا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ
١٩
مُخَْالٍ فَخُورٍ ﴿٨َ وَأَقْصِدْ فِى مَشِْكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَّ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ
هذه وصايا نافعة قد حكاها الله سبحانه عن لقمان الحكيم، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال:
﴿يَبُنَّ ◌ِنَّهَاَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة من
خردل، وجوَّز بعضهم أن يكون الضمير في قوله إنها ضمير الشأن والقصة، وجوَّز على هذا رفع
مثقال، والأول أولى.
وقوله رَّل: ﴿يَأْتِ بِهَا اَللَّهُ﴾ أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى
عليها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا نُظْلَمُ
(١) سنده صحيح.
(٢) سنده ضعيف لأن داود بن أبي هند لم يسمع من سعد ظُه ويشهد لبعضه حديث مسلم المتقدم في تفسير
سورة العنكبوت آية ٨.

١١٦
سُورَةُ لِقْعَمَانٌ (١٦، ١٩)
نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَنْيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ الآية [الأنبياء: ٤٧].
وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
٨
[الزلزلة]، ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة ذاهبة في أرجاء
السموات والأرض، فإن الله يأتي بها، لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في
السموات ولا في الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ﴾ أي: لطيف العلم، فلا
تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت، ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم.
وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: ﴿فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ﴾ أنها صخرة تحت الأرضين السبع،
وذكره السدي بإسناده ذلك المطروق، عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة (١) إن
صحَّ ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمرو وغيرهم(٢)،
وهذا - والله أعلم - كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والظاهر - والله
أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة، فإن الله سيبديها ويظهرها
بلطيف علمه. كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن
أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله وَ ◌ّه قال: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة
صمَّاء ليس لها باب ولا كوَّة لخرج عمله للناس كائناً ما كان))(٣).
ثم قال: ﴿يَبُنَّ أَقِمِ الصَلَوَةَ﴾ أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ
الْمُنكَرِ﴾ أي: بحسب طاقتك وجهدك ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَّا أَصَابَكٌ﴾، علم أن الآمر بالمعروف والناهي
عن المنكر لا بدّ أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على أذى الناس لمن عزم الأمور وقوله:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَلََّكَ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقاراً منك
لهم، واستكباراً عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: ((ولو أن
تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيَّلة، والمخيَّلة لا
يحبها الله))(٤).
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَذََّ لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا تتكبر
فتحقر عباد الله، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك(٥)، وكذا روى العوفي وعكرمة عنه(٦).
(١) أخرجه الطبري من طريق السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن عبد الله، وعن
ناس من أصحاب النبي و 9، وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد الضعيفة والصحيحة فلم يميز
بينها، كذا ذكر الحافظ ابن حجر في المقدمة النفيسة لكتابه القيم ((العجاب في بيان الأسباب)).
(٢) الرواية من الإسرائيليات كما قرر الحافظ ابن كثير.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣٠/١٧ ح١١٢٢٩)، وضعف سنده محققوه.
(٤) أخرجه أبو داود من حديث جابر بن سليم مطولاً (السنن، اللباس، باب ما جاء في إسبال الإزار
ح ٤٠٨٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٤٢).
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويشهد له سابقه.

١١٧
سُورَةُ لِقْنَمَانٌ (١٦، ١٩)
وقال مالك: عن زيد بن أسلم ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تتكلم وأنت معرض (١)، وكذا روي
عن مجاهد وعكرمة ويزيد بن الأصم وأبي الجوزاء وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد
وغيرهم(٢).
وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام(٣). والصواب القول الأول.
وقال ابن جرير: وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها، حتى تلفت أعناقها عن
رؤوسها، فشبه به الرجل المتكبر، ومنه قول عمرو بن حيي التغلبي.
وكنا إذا الجبار صعَّر خَدَّه أقمنا له من ميله فتقوَّما (٤)
وقال أبو طالب في شعره:
وكنا قديماً لا نقر ظُلامة إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها (٥)
وقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَمًّاً﴾ أي: خيلاء متكبراً جباراً عنيداً، لا تفعل ذلك يبغضك الله،
ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال معجب في نفسه، فخور؛ أي: على
غيره. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ اَلْأَرْضِ مَرَحَّاً إِنَّكَ لَن تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ عُولًا
٣٧
[الإسراء] وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن
عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
عن ثابت بن قيس بن شماس قال: ذكر الكبر عند رسول الله وَل﴿ فشدد فيه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله إني لأغسل ثيابي فيعجبني
بياضها، ويعجبني شراك نعلي، وعلاقة سوطي، فقال: ((ليس ذلك الكبر، إنما الكبر أن تسفه
الحق وتغمط الناس)»(٦). ورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته
بعد موته .
وقوله: ﴿وَأَقْصِدْ فِ مَشْيِكَ﴾ أي: امش مقتصداً مشياً ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع
المفرط، بل عدلاً وسطاً بين بين.
وقوله: ﴿وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أي: لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه،
(١) سنده صحيح.
(٢) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة
أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق أبي مكين نوح بن ربيعة عنه، وقول يزيد بن الأصم
أخرجه البُستي بسند حسن من طريق جعفر بن برقان عنه وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند حسن من طريق
عبيد بن سليمان، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٣) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق المغيرة عن إبراهيم.
(٤) ذكره الطبري، واستشهد به الفراء (معاني القرآن ٢/ ١٢٧).
(٥) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٢٦٩/١).
(٦) أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير ٢/ ٧٠ ح١٣١٧) وسنده ضعيف لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع
من ثابت رُه.

١١٨
• سُوَرَّةُ لِقْغَمَانَ (١٦، ١٩)
ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اَلْصِيرِ﴾، قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات
لصوت الحمير(١)؛ أي: غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو
بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه في هذا بالحمير، يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم، لأن
رسول الله وَ﴿ قال: ((ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه))(٢).
وقال النسائي عند تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة،
عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّه قال: ((إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من
فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطاناً))(٣). وقد أخرجه
بقية الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن جعفر بن ربيعة به(٤)، وفي بعض الألفاظ: بالليل،
فالله أعلم.
فهذه وصايا نافعة جداً، وهي من قصص القرآن عن لقمان الحكيم، وقد روي عنه من الحكم
والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجاً ودستوراً إلى ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن
إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نهشل بن مجمع الضبي، [عن قرعة](٥)،
عن ابن عمر قال: أخبرنا رسول الله وسلم قال: ((إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع
شيئاً حفظه»(٦).
وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن
موسى بن سليمان، عن القاسم [بن مخيمرة](٧) أن رسول الله وَ ل قال: ((قال لقمان لابنه وهو
يعظه: يا بني إياك والتقنع، فإنه مخوفة بالليل مذمة بالنهار)) (٨).
وقال: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عثمان عن ضمرة، حدثنا السدي بن يحيى قال: قال لقمان
لابنه: يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك(٩).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن
المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم
الإسلام؛ يعني: السلام، ثم اجلس في ناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في
(١) أخرجه البُستي بسند صحيح من طريق أبان بن تغلب عن مجاهد.
(٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأعراف آخر تفسير آية ١٧٧ .
(٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير ح١١٣٩١) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، بدء الخلق (ح٣٣٠١)، وصحيح مسلم، الذكر، باب استحباب الذكر عند صياح الديك
(ح٢٧٧٩)، وسنن أبي داود، الأدب، باب ما جاء في الديك والبهائم، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما
يقول إذا سمع نهيق الحمار (ح٣٤٥٦).
(٥) كذا في (ح) و(حم) ومسند أحمد، وفي الأصل بدون عن قزعة.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٧/٢) وسنده جيد.
(٧) زيادة من (ح) و(حم).
(٨) سنده ضعيف لإرسال القاسم بن مخيمرة وهو تابعي ويتقوى برواية الحاكم فقد أخرجه موصولاً من طريق
القاسم بن مخيمرة عن أبي موسى الأشعري وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤١١/٢).
(٩) سنده مرسل ضعيف.

١١٩
• سُوَرَّةُ لِقْفَمَانٌ (١٦، ١٩)
ذكر الله، فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم(١).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة، عن حفص بن
عمر قال: وضع لقمان جراباً من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفذ
الخردل، فقال: يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر، قال: فتفطر ابنه(٢).
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن
الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا [أبين](٣) بن سفيان المقدسي، عن
خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((اتخذوا
السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة: لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن)) قال
أبو القاسم الطبراني أراد الحبش (٤).
(٥)
فصل فى الخمول والتواضع "
وذلك متعلق بوصية لقمان عليّل لابنه. وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتاباً
مفرداً، ونحن نذكر منه مقاصده، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى
المدني، عن أسامة بن زيد بن حفص بن عبد الله بن أنس، عن جده أنس بن مالك، سمعت
رسول الله وَل﴿ يقول: ((رُبَّ أشعث ذي طمرين(٦) يصفح عن أبواب الناس إذا أقسم على الله
لأبره))(٧). ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت، وعلي بن زيد، عن أنس، عن
النبي ◌َ * فذكره، وزاد: ((منهم البراء بن مالك)).
وقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن زيد، عن عياش بن
عباس، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر به أنه دخل
المسجد، فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكي عند قبر رسول الله وَالله فقال له: ما يبكيك يا معاذ؟ قال:
حديث سمعته عن رسول الله وَر: سمعته يقول: ((إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب
الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح
الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة»(٨) .
(١) سنده مرسل ضعيف.
(٢) سنده مرسل ضعيف.
(٣) كذا في (ح) والمعجم الكبير للطبراني وكذا في (حم) لكن من غير نقط، وفي الأصل صُحف إلى: ((أنس)).
(٤) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٩٨/١١ ح١١٤٨٢)، وسنده ضعيف لضعف أبين بن سفيان (مجمع
الزوائد ٢٣٥/٤)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢٣١/٢).
(٥) هذا العنوان مقتبس من كتاب: التواضع والخمول كماسيأتي في الروايات بعد التالية.
(٦) الطمر: الثوب القديم (ينظر النهاية ١٣٨/٣).
(٧) لم أجده في كتاب التواضع والخمول، وقد أخرجه الطبراني من طريق إبراهيم بن المنذر به (المعجم
الأوسط ح ٨٦٥)، وأخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، المناقب، باب مناقب البراء بن
مالك رُه ح٣٨٥٤)، وصححه الألباني (صحيح سنن الترمذي ح ٣٠٢٨)، وله شاهد من حديث أبي
هريرة ظه، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب (فضل الضعفاء والخاملين ح ٢٦٢٢).
(٨) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع والخمول ص١٠٣ رقم ٨)، وسنده ضعيف جداً لأن عيسى بن =

١٢٠
• سُوَدَّةُ لِقْغَمَانٌ (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا عثّام بن علي، عن حميد بن عطاء الأعرج، عن عبد الله بن
الحارث، عن عبد الله بن مسعود رضيُه، عن النبي وَّه قال: ((رُبَّ ذي طمرين لا يؤُبه له لو أقسم
على الله لأبره، لو قال: اللَّهم إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئاً))(١).
وقال أيضاً: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي
الجعد قال: قال رسول الله وَله: ((إن من أمتي من لو أتى باب أحدكم يسأله ديناراً أو درهماً أو
فلساً لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه
لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره))(٢). وهذا مرسل من هذا الوجه.
وقال أيضاً: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف قال: قال أبو
هريرة، قال: قال رسول الله و9َ: ((إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذو طمرين لا يؤبه له
الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت
لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم)) (٣).
قال: وأنشدني عمر بن شبة، عن ابن عائشة، قال: قال عبد الله بن المبارك:
ألا رُبَّ ذي طمرين في منزل غدا زرابيه مبثوثةٌ ونَمَارِقُهْ
وأشرق والتفَّت عليه حدائقُهْ(٤)
قد اظَّردتْ أنهاره حول قصره
وروي أيضاً من حديث عبيد الله بن زحر، عن [علي بن يزيد](٥)، عن القاسم، عن أبي أمامة
مرفوعاً: ((قال الله: من أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أحسن عبادة
ربه وأطاعه في السر، وكان غامضاً في الناس لا يشار إليه بالأصابع إن صبر على ذلك)) قال: ثم
أنفذ رسول الله و18َ بيده، وقال: ((عجلت منيته، وقل تراثه، وقلت بواكيه))(٦).
وعن عبد الله بن عمرو قال: أحبُّ عباد الله إلى الله الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال:
الفرارون بدينهم يجمعون يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم (٧).
وقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أنعم عليك؟ ألم
= عبد الرحمن وهو الزرقي: متروك (التقريب ص٤٣٨).
(١) يشهد لشطر الأول ما صحَّ عن أنس بن مالك.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع والخمول رقم ١ ص٩٧) وسنده ضعيف لإرساله.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (الأولياء رقم ٩)، وسنده ضعيف للانقطاع بين عوف، وهو ابن أبي
جميلة، وأبي هريرة
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا بسنده ومتنه (التواضع والخمول رقم ٥ ص١٠٠)، وسنده صحيح، وابن عائشة هو
عبيد الله بن محمد التيمي.
(٥) كذا في كتاب التواضع والخمول و(ح)، وفي الأصل و(حم) صُحف بلفظ: ((علي بن زيد)).
(٦) أخرجه ابن أبي الدنيا من طريق يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر به، (التواضع والخمول رقم ١٣
ص١٠٧)، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو الألهاني، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه
وتعقبه الذهبي بقوله: لا بل إلى الضعف هو (المستدرك ١٢٣/٤).
(٧) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند فيه محمد بن مسلم الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس. (التواضع
والخمول رقم ١٦ ص١٠٩)، ومحمد الطائفي صدوق يخطئ وعثمان: مقبول كما في التقريب.