النص المفهرس
صفحات 1-20
تفسير القرآن العظيم الإمام ابنكثير فَقِيَةُ المُفَسِّرِينَ وَمُفَتِّرُالمُحدِّثِينَ تَحْقِيْقُ أ.د. حكمت بن بشرين يلسين أستاذ كرسي الدراسات القرآنية في جامعة الملك عبد العزيز أَشْرَفَ عَلَىطَبْعِهِ سعد ين فواز العميل الجزءُ السَّادِسِ سورة القصص - حتى آخر سورة الحجرات دارابن الجوزي 3 بِشِـ قال الإمام الشوكاني رج اله عن تفسير ابن كثير رحمهاله وهو من أحسن التفاسير إن لم يكن أحسنها دالبدر الطالع ١٥٣/١) تَفْسِيرُ الْقُرُ الْعَظِّم لإَام إبنكثير فَقِيَةُ الْمُفَسِّرِينَ وَمُفَتِّرُالمُحدِّثِينَ ٦ جَمِيِّع ◌ْ بِحُقُوقُ سَخْفَقَة ◌ِالر ابن الجوزيُ الطّبْعَة الأولىى ١٤٣١ هـ حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣١هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. ابن U للنشر والتوزيع دارابن الجوزي لِلنَّشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com سُورَةِ الْقَضَصِ﴾ (١، ٦) 00000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 00 00 00 0 0000 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 سُورَةُ الْقَصَصِ قال الإمام أحمد بن حنبل تَّتُهُ: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا طسم المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم بمن أخذها من رسول الله وسلّ خبّاب بن الأرت، قال: فأتينا خبّاب بن (١) الأرت فقرأها علينا بسم الله الرحمن الرحيم - ﴿طسمْ ﴾ تِلْكَ ◌َيَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿ نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَيِفَةُ مِنْهُمْ يُدَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِى، نِسَآءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَزِيدُ أَنْ ثَّهُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِى الْأَرْضِ وَغَجْعَلَهُمْ وَتُمَكِّنَ لَهُمْ فِ اَلْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَهُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ أَبِنَّةُ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِئِنَ يَحْذَرُونَ (Q)). فقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة، وقوله: ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿َايَتُ اُلْكِنَبِ الْمُِّينِ﴾ أي: الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن. وقوله: ﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نََّةٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِلْحَقِّ﴾ الآية، كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُضُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]؛ أي: نذكر لك الأمر على ما كان عليه كأنك تشاهد وكأنك حاضر، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: تكبر وتجبر وطغى ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ أي: أصنافاً قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته. وقوله تعالى: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العتيد يستعمله في أخسِّ الأعمال، ويكدهم ليلاً ونهاراً في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقاراً وخوفاً من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته منه أن يوجد منهم غلام، يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقَّوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل الظل، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشَّر إبراهيم ظلَّلا ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك ملك مصر على يديه، فكانت القبط تحدث بهذا عند (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٧/٧ ح ٣٩٨٠) وضعف سنده محققوه. ٦ سُورَةُ الْقَصَصِ﴾ (٧، ٩) فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل ولن ينفع حذر من قدر، لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل كتاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي اُلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِنَ ﴾ وَثُمَكِّنَ لَّمْ فِ الْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَهُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ ﴾﴾ وقد فعل تعالى ذلك بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِىِ بَرَّكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَيْكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (٣٦)﴾ [الأعراف]. (ج) [الشعراء]، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِىّ إِسْرَوِيلَ موسى، فما نفعه ذلك مع قدرة الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري ولا يغلب، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القدم بأن يكون هلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده وقتلت بسببه ألوفاً من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفي دارك، وغذاؤه من طعامك وأنت تربيه وتدلِّله وتتفداه، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن ربَّ السموات العلا هو القاهر الغالب العظيم القوي العزيز الشديد المحال، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ] ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَىّ أَنْ أَرْضِعِيَّةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَرِّ وَلَا تَخَافِ وَلَا تَحْزَّبِّ إِنَّا فَالْفَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنَا إِنَ فِرْعَوْنَ رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِيِ وَلَكَّ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ يَنْفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يفني بني إسرائيل، فيلونهم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك إن استمر هذا الحال أن يموت شيوخهم وغلمانهم يقتلون. ونساؤهم لا يمكن أن تقمن بما تقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك، فأمر بقتل الولدان عاماً وتركهم عاماً، فولد هارون عليه في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون ناس موكلون بذلك، وقوابل يَدُرْنَ على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يقبلها إلا نساء القبط، فإن ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلاماً دخل أولئك الذبًّاحون بأيديهم الشفار المرهفة فقتلوه ومضوا، قبحهم الله تعالى. فلما حملت أُم موسى به علّا لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات ولكن لما وضعته ذكراً ضاقت به ذرعاً، وخافت عليه خوفاً شديداً، وأحبته حباً زائداً، وكان موسى علئلا لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعاً وشرعاً، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةٌ مِّنِّى﴾ [طه: ٣٩]، فلما ضاقت به ذرعاً، ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَلِّ إِنَّا رَدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾﴾ وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتاً ومهدت فيه مهداً، وجعلت ترضع ولدها، فإذ دخل عليها أحد ممن تخافه ذهبت فوضعته في ذلك التابوت، ٧ سُورَةُ القَصَصِ (١٣،١٠) وسيرته في البحر وربطته بحبل عندها، فلما كانت ذات يوم دخل عليها من تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت وأرسلته في البحر، وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله حتى مرَّ به على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها، فلما كشف عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها، ولهذا قال: ﴿فَلْنَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية. قال محمد بن إسحاق وغيره: اللام هنا لام العاقبة، لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه ليجعله عدواً لهم وحزناً فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ﴾ . وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ظبه أنه كتب كتاباً إلى قوم من القدرية في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى: ﴿وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] وقلتم أنتم لو شاء فرعون أن يكون لموسى ولياً وناصراً، والله تعالى يقول: ﴿لِيَكُنَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَّنًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِيِ وَلَكَّ لَ نَقْتُلُهُ عَسَى أَنْ يَنَفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ يعني: أن فرعون لما رآه هم بقتله خوفاً من أن يكون من بني إسرائيل، فشرعت امرأته آسية بنت مزاحم تخاصم عنه وتذبُّ دونه وتحببه إلى فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عیٍّ ◌ِ وَلَكَ﴾ فقال فرعون: أما لكِ فنعم، وأما لي فلا، فكان كذلك، وهداها الله بسببه وأهلكه الله على يديه، وقد تقدم في حديث الفتون في سورة طه(١) هذه القصة بطولها من رواية ابن عباس مرفوعاً عند النسائي وغيره. وقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنفَعَنَآَ﴾ وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به وأسكنها الجنة بسببه. وقوله: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ أي: أرادت أن تتخذه ولداً وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه من الحكمة العظيمة البالغة والحجة القاطعة. - ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَدُ أُمِّ مُوسَى فَرًِّا إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلَا أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُصِيَّةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن ◌ُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلْكُمُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ ﴿ فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، . كَمْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يقول تعالى مخبراً عن فؤاد أُم موسى حين ذهب ولدها في البحر أنه أصبح فارغاً؛ أي: من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى، قاله ابن عباس ومجاهد، وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو (١) في الآية ٤٠. ٨ سُورَةُ القَصَصِ (١٠، ١٣) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 00 0 0 عبيدة، والضحاك والحسن البصري وقتادة وغيرهم(١). ﴿إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ﴾ أي: إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها لولا أن الله ثبتها وصبرها، قال الله تعالى: ﴿لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ ،وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيةٍ﴾ أي: أمرت ابنتها وكانت كبيرة تعي ما يقال لها، فقالت مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٥ لها: ﴿قُضِيةٍ﴾ أي: اتبعي أثره، وخذي خبره، وتطلبي شأنه من نواحي البلد، فخرجت لذلك ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن ◌ُنُبٍ﴾ قال ابن عباس: عن جانب(٢). وقال مجاهد: بصرت به عن جنب عن بعد(٣). وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده(٤)، وذلك أنه لما استقر موسىلعلّلا بدار فرعون وأحبته امرأة الملك واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم فلم يقبل منها ثدياً، وأبى أن يقبل شيئاً من ذلك، فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها . قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ أي: تحريماً قدرياً، وذلك لكرامته عند الله وصيانته له أن يرتضع غير ثدي أُمه، ولأن الله و جعل ذلك سبباً إلى رجوعه إلى أمه لترضعه، وهي آمنة بعد ما كانت خائفة، فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ﴾. قال ابن عباس: فلما قالت ذلك، أخذوها وشكُّوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت لهم: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في سرور الملك ورجاء منفعته، فأرسلوها (٥). فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أُمه فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أُم موسى وأحسنت إليها وأعطتها عطاءً جزيلاً، وهي لا تعرف أنها أُمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها، ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت، فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوى والإحسان الجزيل، فرجعت أُم موسى بولدها راضية مرضية قد أبدلها الله بعد خوفها أمناً، في عزِّ وجاه ورزق دارّ. ولهذا جاء في الحديث: ((مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أُم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها))(٦). (١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند سوى قول ابن عباس فقد أخرجه بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٠٦/٢). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٦) تقدم الحديث عنه في تفسير سورة طه آية ٣٠. ٩ • سُورَةُ الْقَضَصِ (١٤، ١٧) ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل يوم وليلة أو نحوه، والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجاً وبعد كل ضيق مخرجاً، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَنْ نَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ أي: به ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ أي: عليه ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌ﴾ أي: فيما وعدها من ردِّه إليها وجعله من المرسلين، فحينئذٍ تحققت بردِّه إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعاً وشرعاً . وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: حكم الله في أفعاله وعواقبها المحمودة التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريهاً إلى النفوس وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمّ وَعَسَقَ أَن تُحِتُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرِّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرً كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. وَدَخَلَ اُلْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ ﴿وَلَّا بَلَغَ أَشُدَّمُ وَأَسْتَوَ ءَانَيْنَهُ مُكْمًا وَبِمَأْ وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيَهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن شِيَعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوْمٍ، فَأَسْتَنَّهُ الَّذِى مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَّكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلُّ مُّبِينٌ ﴾ قَالَ رَبِّ إِ ◌َلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ قَالَ رَبٍ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ لما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى علّل، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكماً وعلماً. قال مجاهد: يعني النبوة ﴿وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ﴾ ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قدره له من النبوة والتكليم في قضية قتله ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ اٌلْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾ . قال ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء(١). وقال ابن المنكدر عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار(٢)، وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة(٣). ﴿فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ﴾ أي: يتضاربان ويتنازعان ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ﴾ أي: إسرائيلي ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِيّةٍ﴾ أي: قبطي، قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (٤). فاستغاث الإسرائيلي بموسى فعلا، فوجد موسى فرصة وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي (١) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن عطاء لم يسمع من ابن عباس. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن المنكدر به. (٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول سعيد بن جبير فقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه النضر بن إسماعيل الكوفي وهو ليس بالقوي كما في التقريب. (٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول قتادة والسدي ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه. ١٠ سُورَةُ القَصَصِ (١٨، ٢٤) • 0000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 000 000 000 000000 000000000 000 000 000000 ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ قال مجاهد: فوكزه؛ أي: طعنه بجُمع كفه(١) . وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه، فقضي عليه (٢)؛ أي: كان فيها حتفه فمات ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿َهَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَُّ عَدُوٌ تُضِلُ مُّبِينٌ ﴾ قَالَ رَبِّ إِنِّىِ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهْ إِنَّهُ هُوَ اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىّ﴾ أي: بما جعلت لي من الجاه والعزِّ والنعمة ﴿فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا﴾ أي: معيناً ﴿لِلْمُجْرِمِنَ﴾ أي الكافرين بك، المخالفين لأمرك. ] ﴿فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِيَّةِ خَيِفًا يَرَقَبُ فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنَصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِفُ قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ ◌ُبِينٌ (٨ فَلَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَمُوسَوَ أَتْرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا فَقَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ إِن تُرِيدُ إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارً فِ اَلْأَرْضِ وَمَا نُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِينَ يقول تعالى مخبراً عن موسى لعلّها لما قتل ذلك القبطي أنه أصبح ﴿فِى الْمَدِينَةِ خَيِفًا﴾ أي: من معرَّة ما فعل ﴿يَتَقَّبُ﴾ أي: يتلفت ويتوقع ما يكون من هذا الأمر فمر في بعض الطرق، فإذا ذلك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر عليه موسى استصرخه على الآخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهر الغواية كثير الشر، ثم عزم موسى على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائلي لخوره وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه: ﴿يَمُوسَىَ أَتْرِيدُ أَن تَقْتُلَنِىِ كَمَا قَثَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمِّ﴾؟ وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى عليه، فلما سمعها ذلك القبطي لقفها من فمه، ثم ذهب بها إلى باب فرعون وألقاها عنده، فعلم فرعون بذلك، فاشتدَّ حنقه، وعزم على قتل موسى فطلبوه فبعثوا وراءه ليحضروه لذلك. ] ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَى إِنَّ الْعَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَأَخْرُجْ إِنِّى لَكَ )﴾. ٢٠ مِنَ التَّصِحِينَ قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ﴾ وصفه بالرجولية، لأنه خالف الطريق، فسلك طريقاً أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون فيك ﴿ِيَقْتُلُوَ فَأَخْرُجْ﴾ أي: من البلد ﴿إِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾. وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى ] ﴿َرَجَ مِنْهَا خَيِفًا يَرَقَّبِّ قَالَ رَبِّ ◌َِّ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ رَّ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴿﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْفِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُوْنَا شَيْخُ كَبِرُ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَّى إِلَى الظِلِ فَقَالَ رَبِّ إِنّ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (﴾﴾. لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده، ولم (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. ١١ • سُوَّةُ القَصَصِ (٢١، ٢٤) 00000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000 أي: يتلفت ﴿قَالَ رَبِّ نَّجْنِى فَرَجَ مِنْهَا خَبِفًا يَتَرَقِّبُ﴾ يألف ذلك قبله بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة مِنَ الْقَوْمِ الَّالِمِينَ﴾ أي: من فرعون وملئه، فذكروا أن الله تَعَلَ بعث إليه ملكاً على فرس، فأرشده إلى الطريق، فالله أعلم. ﴿وَلَمَّا تَوَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: أخذ طريقاً سالكاً مهيعاً، فرح بذلك ﴿قَالَ عَسَى رَبِِّ أَنْ يَهْدِيَِّ سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ أي: الطريق الأقوم، ففعل الله به ذلك وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هادياً مهدياً ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ﴾ أي: لما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر يرده رعاء الشاء ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ أي: جماعة يسقون، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَاتٍ﴾ أي: تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا، فلما رآهما موسى ظلّ رق لهما ورحمهما ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ أي: ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؟ ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ أي: لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء ﴿وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ﴾ أي: فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى، قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ . قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عمر بن الخطاب حظّه أن موسى ظلَّلا لما ورد ماء مدين، وجد عليه أُمة من الناس يسقون قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوباً واحداً حتی رویت الغنم(١)، إسناد صحيح. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَّى إِلَى الظِلِ فَقَالَ رَبِّ إِنِّ لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافياً، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع(٢). وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه(٣)، وإنه لمحتاج إلى شق تمرة. وقوله: ﴿إِلَى الظِّلِ﴾ قال ابن عباس وابن مسعود والسدي: جلس تحت شجرة. وقال ابن جرير: حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: حثثت على جمل ليلتين حتى صبحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا هي شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي وكان جائعاً فأخذها جملي فعالجها ساعة ثم لفظها، فدعوت الله لموسى ظلّلا ثم انصرفت. وفي رواية عن ابن مسعود أنه ذهب إلى الشجرة التي كلَّم الله منها موسى، كما سيأتي إن شاء الله (٤)، فالله أعلم. (١) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٥٣٠/١١)، وسنده صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق ابن أبي شيبة به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٠٨/٢)، وصححه الحافظ ابن كثير. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق السدي عن ابن عباس وهو لم يسمع ابن عباس. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٧٦). ١٢ • سُورَةُ القَصَصِ (٢٨،٢٥) 0000000000000000000000000000000000000 0 0000000 00 0 000000000 0 000000000000 00 0000 0 0 0 0 0 0 وقال السدي: كانت الشجرة من شجر السَّمُر (١). وقال عطاء بن السائب: لما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيْرٌ﴾ أسمع المرأةَ(٢). ﴿لَّهُ إِحْدَهُمَا تَمْثِى عَلَى اسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَأَ فَلَمَا جَآءَمُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوَتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٥) قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَأَبَتِ أُسْتَعْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَثْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ (٣) قَالَ إِنَّّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّ هَنَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الضَّالِحِينَ فَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِىِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّهَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَ عُدْوَنَ عَىٌّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾﴾. لما رجعت المرأتان سريعاً بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما بسبب مجيئهما سريعاً، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى لعلّل*، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، قال الله تعالى: ﴿فَآءَتَّهُ إِحْدَهُمَا تَمْشِى عَلَى أُسْتِحْيَآءٍ﴾ أي: مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر عنه أنه قال: كانت مستترة بكم درعها (٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا [أبي](٤)، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر رَظُله: جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع من النساء دلَّاجة ولَّاجة خرَّاجة(٥). هذا إسناد صحيح. قال الجوهري: السلفع من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجارية السليطة، ومن النوق: الشديدة(٦). ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ وهذا تأدب في العبارة لم تطلبه طلباً مطلقاً لئلا يوهم ريبة، بل قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا؛ يعني: ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ أي: ذكر له ما كان من أمره وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده ﴿قَالَ لَا تَّخَفّْ نَجَوَتَ مِنَ الْقَوْمِ الَّالِمِينَ﴾ يقول: طِب نفساً وقرّ عيناً، فقد خرجت من مملكتهم، فلا حكم لهم في بلادنا، ولهذا قال: ﴿نَجَوْتَ مِنَ اُلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ . وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال: أحدها: أنه شعيب النبي ظلَّ الذي أرسل إلى أهل مدين، وهذا هو المشهور عند كثير من العلماء، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد (٧)، ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسباط بن نصر عن السدي. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن علي عن عطاء بن السائب. (٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر پبه (٤) زيادة من (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قرر الحافظ ابن كثير. (٦) الصحاح للجوهري ص ١٢٣١. (٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قرة بن خالد عن الحسن بلفظ: ((يقولون شعيب وليس بشعیب». C سُودَةُ القَصَصِ (٢٨،٢٥) ١٣ ابن عبد العزيز الأويسي، حدثنا مالك بن أنس أنه بلغه أن شعيباً هو الذي قصَّ عليه موسى القصص(١). قال: ﴿لَا تَخَفّْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد الغزي أنه وفدَ على رسول الله وَّل فقال له: ((مرحباً بقوم شعيب وأختان(٢) موسى هُدِيت))(٣). وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب(٤). وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى ظلّ بمدة طويلة لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ ◌ِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليّ بنصِّ القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى الَّله مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل: إن شعيباً عاش مدة طويلة، إنما هو - والله أعلم - احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينصّ على اسمه في القرآن ههنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريباً إن شاء الله، ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: ثيرون(٥)، والله أعلم. قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ثيرون هو ابن أخي شعيب عليهلا(٦). وعن أبي حمزة، عن ابن عباس قال: الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين(٧)، رواه ابن جرير به، ثم قال: الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر تجب به الحُجَّة في ذلك(٨). وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَأَبَتِ اُسْتَعْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ اُسْتَفْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ (3)﴾ أي: قالت إحدى ابنتي هذا الرجل، قيل: هي التي ذهبت وراء موسى عليّله، قالت لأبيها: ﴿يَكَأَبَتِ اسْتَعْجِرةٌ﴾ أي: لرعية هذه الغنم. قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد: لما قالت: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ أُسْتَشْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلفت علي الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه(٩). (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد العزيز الأويسي عن الإمام مالك. (٢) أختان: كل ما كان من قِبل المرأة كأبيها وأخيها . (٣) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٧/ ٥٥ ح٦٣٦٤)، قال الهيثمي: فيه من لم أعرفهم (مجمع الزوائد ح ٦٥٩٠). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمرو بن مرة عن أبي عبيدة. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الرواية السابقة. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بالسند المتقدم دون ذكر ابن مسعود به، وكذا أخرجه الطبري. (٧) أخرجه الطبري بسند فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال. (٨) ذكره الطبري بنحوه. (٩) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول عمر أخرجه ابن = ١٤ • سُوَرَّةُ الْقَضَصِ (٢٨،٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله هو: ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرَّس في عمر، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِ مَثْوَنَهُ﴾، وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَأَبَتِ أُسْتَشْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ أُسْتَفْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾(١). قال: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَىَّ هَتَيْنٍ﴾ أي: طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن یرعی غنمه ویزوجه إحدى ابنتيه هاتين. قال شعيب الجبائي: وهما صفوريا وليا(٢). وقال محمد بن إسحاق: صفورا وشرفا، ويقال: ليا(٣). وقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال بعتك أحد هذين العبدين بمائة، فقال: اشتريت، أنه يصح، والله أعلم. وقوله: ﴿عَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ﴾ أي: على أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي الثمان كفاية ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَتْ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الضَّالِحِينَ﴾ أي: لا أشاقك ولا أؤذيك ولا أماريك، وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقداً أو بعشرين نسيئة أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح، وحمل الحديث المروي في سنن أبي داود: ((من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما(٤) أو الربا)) (٥) على هذا المذهب، وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر ليس هذا موضع بسطه لطوله، والله أعلم. ثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومن تبعهم في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة، بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في كتابه السنن حيث قال: باب استئجار الأجير على طعام بطنه، حدثنا محمد بن الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن [النُّكَّر](٦) السُّلمي يقول: كنا عند رسول الله وَّل فقرأ طسم حتى إذا بلغ قصة موسى قال: ((إن موسى آجر نفسه ثماني سنين أو عشر سنين على عِفَّة فرجه وطعام بطنه))(٧). = أبى حاتم بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عنه، وقول شريح أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الحكم بن عتيبة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الحكم بن أبي عروبة عنه، وقول أبي مالك أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حصين عنه، وقول ابن إسحاق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه. (١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به، وسنده صحيح. (٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ولقبه: سُنيد وهو ضعيف. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق. (٤) الوكس هو: هو النقص، ومعنى أوكسهما أي: أنقصهما. (٥) أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة له (السنن، البيوع، باب فيمن باع بيعتين ح٣٤٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٢٩٥٥). (٦) كذا في سنن ابن ماجه وفي النسخ الخطية صحف إلى: ((المنذر)). (٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الرهون، باب إجارة الأجير على طعام بطنه ح ٢٤٤٤)، وسنده = ١٥ سُورَة القصص (٢٨،٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف، لأن مسلمة بن علي وهو: الخشني الدمشقي البلاطي ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد روي من وجه آخر، وفيه نظر أيضاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن الندّر السلمي صاحب رسول الله ◌َّ* يحدث أن رسول الله وَ الله قال: ((إن موسى ظلَّلاَ آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه))(١). وقوله تعالى إخباراً عن موسى ظلّلها: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَ عُدْوَنَ عَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٨)﴾ يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت من أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن أتممت عشراً فمن عندي فأنا متى فعلت أقلهما فقد برئت من العهد وخرجت من الشرط، ولهذا قال: ﴿أَيَّمَا اُلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَ عُدْوَنَ عَلَىٌّ وَاللَّهُ﴾ أي: فلا حرج علي، مع أن الكامل وإن كان مباحاً لكنه فاضل من جهة أخرى بدليل من خارج، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وقال رسول الله وَّل لحمزة بن عمرو الأسلمي ﴿ه، وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في السفر، فقال: ((إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر)) (٢) مع أن فعل الصيام راجح من دليل آخر، هذا وقد دلّ الدليل على أن موسى عليه السلام إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما . وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة؛ أي: الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت على ابن عباس ﴿به فسألته، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل (٣)، هكذا رواه البخاري وهكذا رواه حكيم بن جبير وغيره عن سعيد بن جبير، ووقع في حديث الفتون من رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية(٤) والأول أشبه، والله أعلم. وقد روي من حديث ابن عباس مرفوعاً، قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّ رسول الله وَّرَ قال: «سألت جبريل؛ أيُّ الأجلين قضى موسى؟ ضعيف جداً لأن مسلمة بن علي متروك (التقريب ص ٥٣٠)، وفيه بقية لم يصرح بالسماع، وضعفه الحافظ = ابن كثير، ولكنه يتقوى برواية البخاري التالية. (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وأطول، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال. (٢) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤٢٣/٢٥ ح ١٦٠٣٧)، وصححه محققوه بالمتابعات، وأخرجه النسائي (السنن، الصيام، ١٨٥/٤). (٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد ح٢٦٨٤). (٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة طه آية ٤٠، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. ١٦ • سُورَةُ القَصَصِ﴾ (٢٨،٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال: أتمهما وأكملهما))(١) ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الحميدي، عن سفيان وهو ابن عيينة: حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب وكان من أسناني أو أصغر مني ... فذكره(٢). وفي إسناده قلب، وإبراهيم هذا ليس بمعروف. ورواه البزار، عن أحمد بن أبان القرشي عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ... فذكره، ثم قال: لا نعرفه مرفوعاً عن ابن عباس إلا من هذا الوجه(٣). ثم قال ابن أبي حاتم: قُرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن يوسف بن تيرح أن رسول الله سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: ((لا علم لي)) فسأل رسول الله وَّ جبريل، فقال جبريل: لا علم لي، فسأل جبريل ملكاً فوقه، فقال: لا علم لي، فسأل ذلك الملك ربه رَك عما سأله عنه جبريل، عما سأله عنه محمد وَ ي فقال الرب ريق: قضى أبرهما وأبقاهما، أو قال: أزكاهما (٤)، وهذا مرسل، وقد جاء مرسلاً من وجه آخر. وقال سُنيد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: إن النبي ◌َّر، سأل جبريل؛ أي: الأجلين قضى موسى؟ فقال: سوف أسأل إسرافيل فسأله، فقال: سوف أسأل الربَّ رَت، فسأله فقال: أبرهما وأوفاهما(٥). طريق أخرى مرسلة أيضاً . قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: سئل رسول الله وَله: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أوفاهما وأتمهما))(٦). فهذه طرق متعاضدة، ثم قد روي هذا مرفوعاً من رواية أبي ذرّ ◌ُه. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عوبَد ابن أبي عمران الجوني، عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرِّ ◌َظُه أن النبي وَط ◌ّ سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أوفاهما وأبرهما - قال : - وإن سئلت: أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما))(٧) ثم قال البزار: لا نعلم يروى عن أبي ذرِّ إلا بهذا الإسناد. وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عَوبَد ابن أبي عمران، وهو ضعيف. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن إبراهيم بن يحيى لا يعرف قاله الذهبي (تلخيص المستدرك ٤٠٨/٢)، وقال في ميزان الاعتدال (٧٤/١)، روى عنه سفيان بن عيينة بخبر منكر، ويتقوى برواية البخاري السابقة فيكون حسناً لغيره. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. (٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح١٤٩٥)، وحكمه كسابقه. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله، ويشهد له ما تقدم عن البخاري. (٥) أخرجه الطبري من طريق سُنيد به، وسنده ضعيف لإرساله وابن جريج لم يسمع من مجاهد. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وأبي معشر وإرسال محمد بن كعب ويشهد له ما سبق. (٧) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٢٤٤)، وسنده ضعيف لضعف عوبَد (لسان الميزان ٣٨٦/٤). ١٧ • سُورَةُ القَضَصِ} (٢٨،٢٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم قد روي أيضاً نحوه من حديث عتبة بن [النُدَّر](١) بزيادة غريبة جداً، فقال أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر يقول: إن رسول الله وَ لاو سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: ((أبرهما وأوفاهما)) ثم قال النبي وَّ: ((إن موسى عليَّلا لما أراد فراق شعيب ◌ِالَّله، أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالب لون، قال: فما مرَّت شاة إلا ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قوالب ألوان(٢) كلها، وولدت ثنتين وثلاثا كل شاة ليس فيها فشوش(٣)(٤) ولا ضبوب، ولا [كميشة](8) تفوت الكف ولا ثغول)) وقال رسول الله قال: ((إذا فتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها وهي السامرية)) (٦) هكذا أورده البزار. وقد رواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا فقال: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة (ح) وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر السلمي صاحب رسول الله صل* يحدث أن رسول الله وَّه قال: ((إن موسىظلَّ آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه، فلما وفي الأجل قيل: يا رسول الله؛ أي: الأجلين؟ - قال: أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى ظلّل، إلى عصاه، فسماها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة إلا وضرب جنبها شاة شاة، قال: فأتأمت وألبنت ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها [فشوش](٧))، قال يحيى: ولا ضبون، وقال صفوان: ولا ضبوب، قال أبو زرعة: الصواب ضبوب ولا عزوز ولا تعول ولا كميشة تفوت الكفّ، قال النبي ◌َّير: ((لو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية))(٨). وحدثنا أبو زرعة، أنبأنا صفوان قال: سمعت الوليد قال: سألت ابن لهيعة ما الفشوش؟ قال: التي تفش بلبنها واسعة الشخب، قلت: فما الضبوب؟ قال: الطويلة الضرع تجره، قلت: فما العزوز؟ قال: ضيقة الشخب. قلت: فما الثغول؟ قال: التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين، قلت: فما الكميشة؟ قال: التي تفوت الكف كميشة الضرع صغير لا يدركه الكفّ(٩). (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه. (٢) قال ابن الأثير: ((أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها؛ كأن لونها قد انقلب)). النهاية ٤/ ٩٧. (٣) الفشوش: هي التي ينفش لبنها من غير حلب: أي يجري؛ وذلك لسعة الإحليل. والضبوب: ضيقة ثقب الإحليل والكميشة: الصغيرة الضرع. والثعول: الشاة التي لها زيادة حلمة، وهو عيب. (٤) هذه الكلمة الغريبة وما بعدها يأتي التعريف بها بعد الرواية التالية. (٥) كذا في رواية البزار وفي تفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل صحفت إلى: ((كمشة)). (٦) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٢٤٦). (٧) كذا في رواية ابن أبي حاتم، وفي الأصل صُحفت إلى: ((قنوش)). (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى ابن لهيعة ولا يضر ما قيل فيه لأنه لم يروه عن أحد وإنما هو من تفسيره. ١٨ سورة القصص (٣٢،٢٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مدار هذا الحديث على عبد الله بن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم. وينبغي أن يروى ليس فيها فشوش ولا عزوز ولا ضبوب ولا ثعول ولا كميشة، لتذكر كل صفة ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة. وقد روى ابن جرير من كلام أنس بن مالك موقوفاً عليه ما يقارب بعضه بإِسناد جيد، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك ربه، قال: لما دعا نبي الله موسى لعلّل صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها، فلك ولدها، فعمد موسى فرفع حبالاً على الماء، فلما رأت الخيال فزعت، فجالت جولة، فولدن كلهنَّ بلقاً إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن كلهن (١) ذلك العام(١) . ﴿﴿﴿ فَلَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِ ءَانَ مِن جَانِبِ الُْورِ ثَارًّا قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِنَّ E ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلَّ مَاتِكُمْ مِنْهَا بِخَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿ فَلَمَّا أَتَنَهَا نُودِىَ مِنْ شَطِ الْوَادِ آلْأَيْمَنِ فِى الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَمُوسَىّ إِنَّ أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاَكٌ فَلَّا رَءَاهَا نَهَزُّ كَأَنَّهَا ◌َنٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَىَ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفّْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِينَ (4) أَسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاَكَ مِنَ الرَّْبِّ فَذَانِكَ بُرْهَنَانِ مِنْ زَّيِكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهٍّ: إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ قد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى علّ قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأتقاهما، وقد يستفاد هذا أيضاً من الآية الكريمة حيث قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أي: الأكمل منهما، والله أعلم. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: قضى عشر سنين وبعدها عشراً أخر (٢)، وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن أبي حاتم وابن جرير، فالله أعلم. وقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ»﴾ قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلاً، فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئاً، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك ﴿عَسَ مِن جَانِبِ الُورِ ثَارًا﴾ أي: رأى ناراً تضيء على بعد ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ أَمْكُنُواْ إِنّ ◌َانَسْتُ نَارًا﴾ أي: حتى أذهب إليها ﴿لَعَلِّ مَاتِكُمْ مِنْهَا بِخَرٍ﴾، وذلك لأنه قد أضلَّ الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ أي: قطعة منها ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أي: تستدفئون بها من البرد، قال الله تعالى: ﴿فَلَمََّ أَتَنَهَا نُودِىَ مِن شَطٍِ اُلْوَادِ آلْأَيْمَنِ﴾ أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود سنده الحافظ ابن كثير، وأخرجه ابن عساكر من طريق معاذ بن هشام به (تاريخ دمشق ٤٠/٦١). (٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به. ١٩ سُودَةُ القَصَصِ﴾ (٣٢،٢٩) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحف (١) الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتاً في أمرهما، فناداه ربه ﴿مِن شَطٍِ الْوَادِ آلْأَيْمَنِ فِ الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ . قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى ظلّ سمرة خضراء ترفُ(٢)، إسناده مقارب. وقال محمد بن إسحاق عن بعض من لا يتهم عن وهب بن منبه قال: شجرة من العلّيق، وبعض أهل الكتاب يقول إنها من العوسج (٣). [وقال قتادة: هي من العوسج، وعصاه من العوسج] (٤)(٥). وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَمُوسَىَ إِنّى أَنَا اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ أي: الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين الفعال لما يشاء لا إله غيره ولا ربَّ سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله سبحانه. وقوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ ﴾ أي: التي في يدك كما قرره على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَمُوسَى ﴾ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَؤُاْ عَلَيْهَا وَأَهُتُ بِهَا عَلَى غَنَمِى وَلِىَ فِيَهَا مَثَارِبُ أُخْرَى [طه]، والمعنى أما هذه عصاك التي تعرفها ألقها ﴿فَأَلْقَنْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾﴾ [طه] فعرف وتحقق أن الذي يكلمه هو الذي يقول للشيء: كن فيكون، كما تقدم بيان ذلك في سورة طه، وقال ههنا: ﴿فَلَمَّا رَءَاهَا نَهَزُ﴾ أي: تضطرب ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا﴾ أي: في حركتها السريعة مع عظم خلقتها وقوائمها، واتساع فمها واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، تنحدر في فيها تتقعقع كأنها حادرة في واد فعند ذلك ﴿وَلَّ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: ولم يكن يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ذلك، فلما قال الله له: ﴿يَمُوسَىّ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفٌْ إِنَّكَ مِنَ اَلْأَمِينَ﴾ رجع فوقف في مقامه الأول، ثم قال الله تعالى: ﴿أَسْلُكَ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوَمٍ﴾ أي: إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها، فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق، ولهذا قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوْمٍ﴾ أي: من غير [برص](٦). وقوله تعالى: ﴿وَأَضْمُمْ إِلَيْكَ جَلَكَ مِنَ الرَّْبِ﴾ قال مجاهد: من الفزع(٧). (١) اللِّحف: أصل الجبل. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان: فيه مقال، وأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود وقد توبعا فقد أخرجه ابن عساكر من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، (تاريخ دمشق ٤٨/٦١). (٣) أخرجه الطبري في تفسيره وتاريخه (١/ ٤٠١)، وسنده ضعيف لجهاله شيخ ابن إسحاق. (٤) زيادة من (ح) و(حم). (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة قال: الشجرة عوسج، قال معمر وقال غير قتادة: عصا موسى من العوسج، والشجرة من العوسج. (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: ((مرض)). (٧) أخرجه آدم بن أبي إياس وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: ((الفَرَق)). ٢٠ سُورَةُ القَصَصِ (٣٥،٣٣) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة: من الرعب(١). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية(٢)، والظاهر أن المراد أعمُّ من هذا، وهو أنه أمر علَّا إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب وهو يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده أو يخف إن شاء الله تعالى وبه الثقة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ الصالح، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم، عن مجاهد قال: كان موسى علِّ* قد ملئ قلبه رعباً من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللَّهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، فنزع الله ما كان في قلب موسى علا، وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار(٣). وقوله تعالى: ﴿فَذَئِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّيِّكَ﴾، يعني: إلقاء العصا وجعلها حية تسعى وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهٍ﴾ أي: وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، مخالفين لدین الله. وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِّ لِسَانًا ] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِ قَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيَكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا ٣٤٦ فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُبِىِّ إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ فَلَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَأْ بِثَايَتِنَُّ أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ . لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون الذي إنما خرج من ديار مصر فراراً منه وخوفاً من سطوته ﴿قَالَ رَبِّ إِنِ قَثَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، يعني: ذلك القبطي ﴿فَأَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ أي: إذا رأوني ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى لِسَانًا﴾ وذلك أن موسى عَلَّهُ كان في لسانه لثغة بسبب ما كان تناول تلك الجمرة حين خير بينها وبين التمرة أو الدرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، وَأَجْعَل ◌ِيِ وَزِيرًا يَفْقَهُواْ قَوْلی فحصل فيه شدة في التعبير، ولهذا قال: ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى [طه]؛ أي: يؤنسني فيما أمرتني وأَشْرِگهُ فِي أُمْرِى هَرُونَ أَخِى أَشْدُدْ بِهِ، أَزْرِى مِنْ أَهْلِى به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد، ولهذا قال: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِّ لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا﴾ أي: وزيراً ومعيناً ومقوياً لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله رَّت، لأن خبر الإثنين أنجع في النفوس من خبر الواحد، ولهذا قال: ﴿إِنّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُنِ﴾ . وقال محمد بن إسحاق: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِىِّ﴾ أي: يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم عني ما (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه عند الآية (٣٥) من هذه السورة، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن مسلم وهو ابن هرمز المكي كما في التقريب.