النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١
سُورَةُ الشعراء (١٨١، ١٩١)
00000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000
إليهما شعيباً النبي ◌ِلَّا))(١) وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً، والصحيح
أنهم أُمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان،
كما في قصة مدين سواء بسواء، فدلَّ ذلك على أنهما أُمة واحدة.
وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ
: أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ
وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ
الْمُسْتَقِيمِ
أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣َ وَأَتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَّلِينَ
يأمرهم الله تعالى بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال: ﴿﴿ أَوْفُواْ
اَلْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ (®﴾؛ أي: إذا دفعتم للناس فكملوا الكيل لهم، ولا تبخسوا الكيل
فتعطوه ناقصاً، وتأخذوه إذا كان لكم تامّاً وافياً، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون
(٣)﴾ والقسطاس هو الميزان، وقيل: هو القبّان. قال بعضهم: هو
﴿وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِمِ
معرب من الرومية.
قال مجاهد: القسطاس المستقيم: هو العدل بالرومية(٢).
وقال قتادة القسطاس: العدل.
وقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾؛ أي: لا تنقصوهم أموالهم ﴿وَلَا تَعْثَوْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ يعني:
قطع الطريق، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].
وقوله: ﴿وَأَتَّقُواْ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (®)﴾ يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم
الأوائل، كما قال موسى لعلَّ ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ ◌َابَابِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦].
قال ابن عباس ومجاهد والسدي وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَالْجِلَّةَ
اَلْأَوَّلِينَ﴾ يقول: خلق الأولين(٣).
وقرأ ابن زيد ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢](٤).
﴿قَالْوَأْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ (9َ وَمَّ أَنْتَ إِلَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَظُتُكَ لَمِنَ الْكَذِبِينَ
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَّا مِنَ السَّمَآءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (٨٩) قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ
وَإِنَّ
عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِّ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ({َ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ
رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِمُ
يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها، تشابهت قلوبهم حيث قالوا :
(١) ينظر مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ٣٠٩/١٠، وسنده ضعيف لضعف ربيعة بن سيف كما في ميزان الاعتدال.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم
بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه
الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سفيان أخرجه البستي وابن أبي حاتم
بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق
أسباط عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٤) وهي قراءة متواترة.
٦٤٢
• سُورَةُ الشِّجَرَاءِ (١٨٥، ١٩١)
00000000000000
0000000000000
0000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ﴾ يعنون من المسحورين كما تقدم ﴿وَمَآ أَنْتَ إِلَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ
اَلْكَذِبِينَ ﴾؛ أي: تتعمد الكذب فيما تقوله لا أن الله أرسلك إلينا ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ
السَّمَآِ﴾ .
قال الضحاك: جانباً من السماء(١).
وقال قتادة: قطعاً من السماء(٢).
وقال السدي: عذاباً من السماء(٣). وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله
تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ اْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾﴾ إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تُشْقِطَ السَّمَآءَ
كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفَّا أَوَ تَأْتِىَ بِلَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ قَبِيلًا (﴾﴾ [الإسراء] وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن
كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
[الأنفال]، وهكذا قال هؤلاء الكفار الجهلة ﴿فَأَسْقِطَّ عَلَيْنَا كِسَفَا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ
قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به،
وهو غير ظالم لكم، وهكذا وقع بهم جزاء كما سألوا جزاء وفاقاً، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ
فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (19)﴾ وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط
الكسف عليهم، فإن الله ◌َ جعل عقوبتهم أن أصابهم حرُّ عظيم مدة سبعة أيام، لا يكنّهم منه
شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحرِّ، فلما
اجتمعوا كلَّهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها شرراً من نار ولهباً ووهجاً عظيماً، ورجفت
بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَُّ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ
عَظِيمٍ﴾ .
وقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي
الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جائمين، وذلك لأنهم قالوا: ﴿لَتُخْرِجَّكَ
يَنْشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه
فأخذتهم الرجفة، وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤] وذلك لأنهم
استهزءوا بنبي الله في قولهم: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمَُ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّآ أَوْ أَنْ نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا
نَشَكُؤَّأْ إِنَّكَ لَأَنْتَ اٌلْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، قالوا: ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب
أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال: ﴿ وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْسَةُ﴾ وههنا قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا
مِنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ (®﴾، على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقَّ عليهم ما
استبعدوا وقوعه ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ اُلْقُللَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
قال قتادة: قال عبد الله بن عمرو به: إن الله سلَّط عليهم الحرَّ سبعة أيام حتى ما يظلهم منه
شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم فاستظل بها فأصاب تحتها برداً
(١) أخرجه البستي وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
C
سُورَةُ الشعراء (١٩٢، ١٩٥)
٦٤٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وراحة، فأعلم بذلك قومه فأتوها جميعاً فاستظلوا تحتها فأججت عليهم ناراً (١)، وهكذا روي عن
ـم (٢)
عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله
عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى(٣).
وقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة
في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا إلى البيوت
فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا
أبرد من هذا، هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا
جميعاً، ثم تلا محمد بن كعب ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ اُلُلَّةِّ إِنَُّ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾(٤).
وقال محمد بن جرير: حدثني الحارث، حدثني الحسن، حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن
زيد، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، حدثني يزيد الباهلي، سألت ابن عباس عن هذه الآية ﴿فَأَخَذَهُمْ
عَذَابُ يَوْمِ الْقُللَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال: بعث الله عليهم [ومدةً](٥) وحراً شديداً، فأخذ
بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هراباً إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس،
فوجدوا لها برداً ولذّة، فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم ناراً. قال
ابن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (٦). ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (3)﴾؛ أي: العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده
مُؤْمِنِينَ
المؤمنين.
﴿وَإِنَّهُ لَكِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
بِسَانٍ عَرَبِيٍ مُبِينٍ
١٩٥
نَزَّلَ بِهِ اُلُوُجُ آلْأَمِينُ
(١٩٣)
عَى قَلِكَ لِتَكُونَ مِنَ اٌلْمُنْذِرِينَ
(١٩٤
يقول تعالى مخبراً عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد مرَّةٍ ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: القرآن
ذكره في أول السورة في قوله: ﴿وَمَا يَأْنِهِم مِّنِ ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] الآية ﴿لَنَزِيلُ رَبِّ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قتادة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع عبد الله بن عمرو ثًا، ويتقوى
بما یلیه.
(٢) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ميسرة، وهو ابن عمار، عنه، وقول سعيد بن جبير
أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق جعفر بن أبي المغيرة عنه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم
بسند فيه الوليد بن حسان البكري سكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. وهذه المراسيل يقوي
بعضها بعضاً.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي معشر عن محمد بن كعب، وأبو معشر هو نجيح بن
عبد الرحمن السندي وهو ضعيف كما في التقريب.
(٥) أي: الندي والرطوبة، وفي الأصل: ((رعداً))، والمثبت من تفسير الطبري وابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سعيد بن زيد به، وسكت عنه هو والذهبي
(المستدرك ٥٦٨/٢)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن ضمرة الباهلي عن ابن عباس.
٦٤٤
• سُورَةُ الشعراء (١٩٢، ١٩٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(٩٣) وهو جبريل ظلتّله، قاله
اٌلْعَلَمِينَ﴾؛ أي: أنزله الله عليك وأوحاه إليك ﴿نَزَّلَ بِهِ اُلُحُ الْأَمِينُ
غير واحد من السلف: ابن عباس ومحمد بن كعب وقتادة وعطية العوفي والسدي والضحاك
والزهري وابن جريج(١)، وهذا مما لا نزاع فيه.
قال الزهري: وهذه كقوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَمُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧].
وقال مجاهد: من كلمه الروح الأمين لا تأكله الأرض(٢).
﴿َعَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٣)﴾؛ أي: نزل به ملك كريم أمين ذو مكانة عند الله مطاع في
الملأ الأعلى ﴿عَلَى قَلْكَ﴾ يا محمد سالماً من الدنس والزيادة والنقص ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي:
لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له.
وقوله تعالى: ﴿يِسَانٍ عَرَبٍ تُبِينٍ (٥)﴾؛ أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك، أنزلناه بلسانك
العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بيناً واضحاً ظاهراً، قاطعاً للعذر، مقيماً للحجة دليلاً إلى
المحجة .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر العتكي، حدثنا عباد بن عباد
المهلبي، عن موسى بن محمد، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: بينما رسول الله وَلقر مع
أصحابه في يوم دجن(٣) إذ قال لهم: (كيف ترون بواسقها؟))(٤) قالوا: ما أحسنها وأشد تراكمها.
قال: ((فكيف ترون قواعدها؟)) قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها. قال: ((فكيف ترون جونها؟))(٥)
قالوا: ما أحسنه وأشد سواده. قال: ((فكيف ترون رحاها استدارت)) قالوا: ما أحسنها وأشد
استدارتها. قال: ((فكيف ترون برقها: أَومَيض(٦) أم خَفق(٧) أم يشق شقاً؟)) قالوا: بل يشق شقاً.
قال: ((الحياء الحياء إن شاء الله)). قال: فقال رجل: يا رسول الله، بأبي وأمي، ما أفصحك، ما
رأيت الذي هو أعرب منك. قال: فقال: ((حق لي وإنما أنزل القرآن بلساني والله يقول: ﴿بِسَانٍ
عَرَبَةٍ تُبِينٍ (٤٥))))(٨
وقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبي لقومه، واللسان يوم القيامة
بالسريانية، فمن دخل الجنة تكلم بالعربية، رواه ابن أبي حاتم(٩).
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بالأقوال التالية التي ذكر
أغلبها ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطية
العوفي تقدم ضمن رواية ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أي: يوم مظلم (ينظر أساس البلاغة ص ١٨٣).
(٤) أي: طولها .
(٥) الجون: الأسود، أو الأسود تخالطه حمرة.
(٦) الميض: الخفة والسرعة (القاموس المحيط ٣٥٧/٢).
(٧) خفق: الخفق التحريك والاضطراب (القاموس المحيط ٣٣٥/٣).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن محمد بن إبراهيم بن الحارث تابعي أرسله.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يحيى بن الضريس عن سفيان الثوري.
٦٤٥
• سُورَةُ الشعراء (١٩٦، ٢٠٩)
﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُيُرِ الْأَوَِّينَ
أَوَلَزْ يَكُنْ لَّمْ ءَايَةً أَنْ يَعْلَمَمُ عُلَمَُّأْ بَنِىّ إِسْرَهِيَلَ
وَلَوْ نَزَّلْتَهُ عَلَى
١٩٧
١٩٩
بَعْضِ اَلْأَعْجَمِينَ ﴿ فَقَرَأَمُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِ مُؤْمِنِينَ
يقول تعالى: وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم
الذين بشَّروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك حتى قام آخرهم خطيباً
في ملئه بالبشارة بأحمد ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَفِىّ إِسْرَِّيلَ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَ مِنَ
النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَحْمٌَ﴾ [الصف: ٦]، والزبر ههنا هي: الكتب، وهي جمع زبور،
وكذلك الزبور وهو كتاب داود، وقال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَىءٍ فَعَلُوهُ فِىِ الزُّبُرِ (3﴾﴾﴾ [القمر]؛ أي:
مكتوب عليهم في صحف الملائكة، ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَّمْ عَةً أَنْ يَعْلَمَمُ عُلَمَُا بَنِىّ إِسْرَةِيلَ
(1)﴾؛ أي: أوليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن العلماء من بني إسرائيل يجدون
ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها، والمراد العدول منهم الذين يعترفون بما في أيديهم من
صفة محمد * ومبعثه وأمته، كما أخبر بذلك من آمن منهم، كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي
عمَّن أدركه منهم ومن شاكلهم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ
مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
ثم قال تعالى مخبراً عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن: أنه لو نزل على رجل من
الأعاجم ممن لا يدري من العربية كلمة وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته لا يؤمنون به،
فَقَرَمُ عَلَيْهِم مَّا كَانُواْ بِهِ، مُؤْمِنِينَ (9)﴾ كما أخبر
ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ
عنهم في الآية الأخرى ﴿وَلَ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِرَتْ
أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُوُرُونَ (6)﴾ [الحجر]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَتِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْوْقَ
وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ
وَلَّ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ◌َيَةٍ حَّى يَرَوَّا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ ككَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
[يونس].
فَيَأْتِيَهُم
(هَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَقَّ يَرَوَأ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
] ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ
بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
﴿وَ أَفَرَعَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ
فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ
﴿ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلََّّ
مَّ أَغْنَى عَنْهُم ◌َا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ
ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ
سِنِينَ
٠
لَا مُنذِرُونَ ﴿َ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ
يقول تعالى: كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد؛ أي: أدخلناه في قلوب
المجرمين ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بالحق ﴿حَ يَرَوْ اَلْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾؛ أي: حيث لا ينفع الظالمين
معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: عذاب الله بغتة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنْظُرُونَ (2)﴾؛ أي: يتمنون حين يشاهدون العذاب أن لو أنظروا قليلاً ليعملوا
في زعمهم بطاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَاً
أَخِرِئَا إِلَى أَجَلٍ فَرِيٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَشَيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ
٦٤٦
سُورَةُ الشعراء (٢١٢،٢١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
[إبراهيم]، فكل ظالم وفاجر إذا شاهد عقوبته ندم ندماً شديداً، هذا فرعون لما دعا عليه
الكليم بقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّهُ زِينَةً وَأَمْوَلَا فِىِ الْخَوَةِ الدُّنْيَأْ رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن
قَالَ قَدْ أُجِيبَت
M
سَبِيلِكْ رَبََّا أَلْمِسْ عَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩]، فأثرت هذه الدعوة في فرعون، فما آمن حتى رأى العذاب الأليم
ءَالْكَانَ
﴿حََّ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِم بَنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنَّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (®﴾ [يونس]، ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا
بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ ﴿﴿ فَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا﴾ [غافر].
وقوله تعالى: ﴿أَفَعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٣)﴾ إنكار عليهم وتهديد لهم، فإنهم كانوا يقولون للرسول
تكذيباً واستبعاداً ﴿أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِلْعَذَابِ﴾
[العنكبوت: ٥٣] الآيات، ثم قال: ﴿أَفَرَعَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ﴿٣َ ثُرَ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ
مَّ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ (®)﴾؛ أي: لو أخرناهم وأنظرناهم وأملينا لهم برهة من الدهر وحيناً
من الزمان وإن طال، ثم جاءهم أمر الله أي: شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم ﴿كَأَنَهُمْ يَّمَ
يَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّ عَنِيَّةً أَوْ ضُحَهَا ﴿4﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا
هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرُّ﴾ [البقرة: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُو إِذَا تَرَّكَ
[الليل]، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمْتَّعُونَ
وفي الحديث الصحيح: ((يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة ثم يقال له: هل رأيت خيراً
قط؟ هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤساً كان في الدنيا،
فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: لا والله يا رب))(١)؛ أي: ما
كأن شيئاً كان.
ولهذا كان عمر بن الخطاب ظُبه يتمثل بهذا البيت:
إذا أنتَ أدركت الذي كنتَ تطلبُ
كأنك لم تؤثر من الدهر ليلة
ثم قال تعالى مخبراً عن عدله في خلقه أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم،
والإنذار لهم، وبعثة الرسل إليهم، وقيام الحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ
إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ﴿ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ ﴿3﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
[الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِيَّ أُمِّهَا رَسُولَا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَكِنَاْ
وَمَا كُنَّا مُهْلِكِ اٌلْقُرَى إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ
(٥٩) ﴾ [القصص].
﴿وَمَا نَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴿ وَمَا يَكْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
.
٣١٢
يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من
حكيم حميد أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله ﴿وَمَا نََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴾﴾ ثم ذكر أنه يمتنع
(١) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك رؤيته (الصحيح، صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في
النار ح ٢٨٠٧).
٠
سورة الشعراء (٢١٣، ٢٢٠)
٦٤٧
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عليهم ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ما ينبغي لهم؛ أي: ليس هو من بغيتهم ولا من طلبتهم،
لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور
وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَلْبَغِى لَهُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي ولو انبغى لهم ما استطاعوا ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا
هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ثم بين أنه لو انبغى لهم
واستطاعوا حمله وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن
السماء ملئت حرساً شديداً وشهباً في مدة إنزال القرآن على رسول الله، فلم يخلص أحد من
الشياطين إلى استماع حرف واحد منه لئلا يشتبه الأمر، وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه
(أ ) كما قال
لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
تعالى مخبراً عن الجن ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَلَةَ فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبً ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا
مَقَعِدَ لِلسَّمْعَّ فَمَن يَسْتَمِعِ الْأَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَبَا رَّصَدًا ﴾ وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ أَنْ أَرَادَ بِهِمْ
رَبُهُمْ رَشَدًا (®﴾ [الجن].
وَأَخْفِضْ
﴿فَلَ نَدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِيِينَ
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِّ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
إِنَُّ هُوَ السَّيعُ الْعَلِمُ (®َ﴾.
وَتَقَلَبَّكَ فِي السَّجِدِينَ
اُلَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ
(FIV
جَنَاحَكَ لِمَنْ أَنْبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى آمراً بعبادته وحده لا شريك له، ومخبراً أن من أشرك به عذبه. ثم قال تعالى آمراً
لرسوله و ﴿ أن ينذر عشيرته الأقربين؛ أي: الأدنين إليه، وأنه لا يخلص أحداً منهم إلا إيمانه
بربه مت، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله كائناً من
كان فليتبرأ منه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (®)﴾ وهذه النذارة الخاصة لا
تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها، كما قال تعالى: ﴿لِنُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ
[يس]، وقال تعالى: ﴿إِنْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهًا﴾ [الشورى: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ
يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، وقال تعالى: ﴿لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا
لُّدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾ [الأنعام: ١٩]، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ
بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].
وفي صحيح مسلم: ((والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني،
ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار))(١) وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة فلنذكرها :
(الحديث الأول) قال الإمام أحمد تَّتُهُ: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن
عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ظُه قال: لما أنزل الله رَ: ﴿وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَفْرَبِنَ ﴾ أتى النبي وَّرِ الصفا، فصعد عليه ثم نادى: ((يا صباحاه)) فاجتمع الناس
إليه بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله وَير: ((يا بني عبد المطلب، يا
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠.
٦٤٨
• سُوَدَّةُ الشعراء (٢٢٠،٢١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بني فِهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم
صدقتموني؟)) قالوا: نعم. قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)) فقال أبو لهب: تَبًّا لك
سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: ﴿قَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾﴾(١) [المسد]. ورواه
البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الأعمش به (٢).
(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت:
(4)* قام رسول الله وَلا فقال: ((يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية
لما نزلت ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ
ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من مالي ما شئتم))(٣)
انفرد بإخراجه مسلم.
(الحديث الثالث) قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن
عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ظ به قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اُلْأَقْرَبِنَ ﴿4﴾ دعا رسول الله نَّهِ قريشاً، فعمَّ وخصَّ(٤) فقال: ((يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم
من النار، يا معشر بني كعب أنفذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من
النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من
النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئاً إلا أن لكم رحماً سأبلها(٥) ببلالها))(٦). ورواه مسلم
والترمذي من حديث عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، ورواه
النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلاً، ولم يذكر فيه أبا هريرة، والموصول هو الصحيح(٧)،
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن،
عن أبي هريرة(٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد يعني: ابن إسحاق، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة، ◌ُه قال: قال رسول الله وَّر: ((يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم
من الله، يا صفية عمة رسول الله ويا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله، فإني لا أغني
عنكما من الله شيئاً، سلاني من مالي ما شئتما))(٩) تفرد به من هذا الوجه، وتفرد به أيضاً عن
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/٥ ح٢٨٠١) وصحح سنده محققوه.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، تفسير سورة ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾﴾ [المسد] (ح ٤٨٠١)، وصحيح
مسلم، الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء] (ح٢٠٨، وسنن الترمذي،
تفسير سورة تبت ح٣٣٦٣، والسنن الكبرى للنسائي ح ١١٧١٤).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٧/٦) وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ (3َ)﴾ (ح٢٠٥).
(٥) أي: سأصلها.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٠/٢) وسنده صحيح.
(٧) صحيح مسلم، الباب السابق (ح٢٠٤)، وسنن الترمذي، التفسير، سورة الشعراء (ح٣١٨٥)، والسنن
الكبرى للنسائي، الوصايا، باب إذا أوصى لعشيرته الأقربين ٢٤٨/٦.
(٨) صحيح البخاري، تفسير سورة الشعراء (ح ٤٧٧١)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٠٦).
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٩٣/١٥ ح٩٧٩٣) وحسن سنده محققوه.
٦٤٩
• سُورَةُ الشعراء (٢٢٠،٢١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
معاوية، عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي وَله بنحوه(١)، ورواه
أيضاً عن حسن حدثنا ابن لهيعة: عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً (٢).
وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن موسى بن وردان، عن
أبي هريرة، عن النبي ◌َّ: ((يا بني قصي، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أنا النذير، والموت
المغير، والساعة الموعد))(٣).
(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد التيمي، عن أبي عثمان، عن
قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، قالا: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِنَ
(ات) ﴾ صعد
رسول الله وم رضمة(٤) من جبل على أعلاها حجر، فجعل ينادي: ((يا بني عبد مناف، إنما أنا
نذير، وإنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو فذهب يربأ أهله يخشى أن يسبقوه، فجعل ينادي
ويهتف: يا صباحا))(٥) ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي
عثمان عبد الرحمن بن سهل النهدي، عن قبيصة وزهير بن عمرو الهلالي به (٦).
(الحديث الخامس) قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن الأعمش،
عن المنهال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي به قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ (®﴾ جمع الني ◌َّ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا، قال: وقال
لهم: ((من يضمن عنِّي ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟» فقال
رجل لم يسمه شريك: يا رسول الله أنتَ كنتَ بحراً (٧) من يقوم بهذا، قال: ثم قال الآخر - ثلاثاً -
قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال علي: أنا (٨).
(طريق أخرى بأبسط من هذا السياق) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا
عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي رضيُه قال: جمع رسول الله وَله
- أو دعا رسول الله - بني عبد المطلب وهم رهط، وكلُّهم يأكل الجذعة(٩) ويشرب الفَرق(١٠)،
فصنع لهم مُداً من طعام فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمسّ، ثم دعا
بغمر (١١) فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يُمسّ أو لم يشرب، وقال: ((يا بني
عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، فقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم
(١) المسند (٩٥/١٥ ح٩١٧٧) وصحح سنده محققوه. (٢) (المسند ٢٥٥/١٤ ح ٨٦٠١).
(٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١٠/١١ ح٦١٤٩)، وسنده ضعيف لأن سويد بن سعيد الهروي
صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه. (التقريب ص ٢٦٠).
(٤) الرضمة: صخور بعضها فوق بعض.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٢٠٩/٣٤ ح٢٠٦٠٥) وصحح سنده محققوه.
(٦) صحيح مسلم، الإيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ ﴾ (ح ٢٠٧، والسنن الكبرى
للنسائي، التفسير ح١١٣٧٩).
(٧) أي: واسع الكرم والجود.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٥/٢ ح ٨٨٣) وضعف سنده محققوه.
(٩) الجذعة: هي من الإبل ما تم له أربع سنين، ومن البقر والمعز ما تمّ سنة.
(١٠) الفَرق: مكيال يسع اثنا عشر مداً.
(١١) أي: القدح الصغير.
٦٥٠
سُورَةُ الشعراء (٢٢٠،٢١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي)) قال: فلم يقم إليه أحد، قال: فقمت إليه وكنت أصغر
القوم، قال: فقال: ((اجلس)) ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: ((اجلس)) حتى
كان في الثالثة ضرب بيده على يدي(١).
(طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر) قال الحافظ أبو بكر البيهقي في
دلائل النبوة: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا
أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من سمع
عبد الله بن الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب حظ ◌ُه
وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ
قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله وَ﴿ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَينَ (
أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿يَ﴾ قال رسول الله وَّ: ((عرفت أني إن بادأتُ بها قومي رأيت منهم ما أكره
فَصَمَتُّ، فجاءني جبريل فعلا فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك)) قال
علي ظُه: فدعاني، فقال: يا علي: ((إن الله تعالى قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت
أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصَمتَ عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد
إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعد لنا
عسَّ(٢) لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب)) ففعلت فاجتمعوا إليه، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً
يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر
الخبيث، فقدمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ منها رسول الله وَله حِذية(٣) فشقها بأسنانه، ثم رمى
بها في نواحيها، وقال: ((كلوا بسم الله)) فأَكَلَ القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم،
والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله وَ لجر: ((اسقهم يا علي)) فجئت بذلك
القعب(٤) فشربوا منه حتى نهلوا جميعاً، وايمُ الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد
رسول الله وَّر أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لَهِدَّما(٥) سحركم صاحبكم، فتفرقوا
ولم يكلمهم رسول الله وَله.
فلما كان الغد قال رسول الله وَله: ((يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام
والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم)) ففعلت، ثم جمعتهم له،
فصنع رسول الله وَ﴾ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم
ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله وَله: ((اسقهم يا علي)) فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا
جميعاً، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله وسير أن يكلمهم بدره أبو
لهب بالكلام، فقال: لَهدَّما سحركم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله وَّل.
فلما كان الغد، قال رسول الله وسلم: ((يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من
الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم)) ففعلت ثم
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦٥/٢ ح١٣٧١)، وضعفه محققوه لجهالة ربيعة بن ناجذ.
(٣) أي: ما قطع من اللّحم طولاً.
(٢) أي: القدح الكبير.
(٤) أي: القدح الضخم.
(٥) لهد: كلمة تستخدم للتعجب يقال: لهدّ الرجل أي: ما أجلده.
٦٥١
• سُورَةُ الشعراء (٢٢٠،٢١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جمعتهم له، فصنع رسول الله وَ ل كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا ثم سقيتهم من ذلك
القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال
رسول الله وَه: (يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما
جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدينا والآخرة)) قال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق
إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم بن أبي مريم، عن المنهال، عن عمرو، عن عبد الله بن
الحارث(١).
وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن
القاسم بن أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن
علي بن أبي طالب فذكر مثله، وزاد بعد قوله: ((إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله
أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا؟)) قال: فأحجم
القوم عنها جميعاً وقلت - وإني لأحدثهم سناً، وأمرصهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم
ساقاً -: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: ((إن هذا أخي، وكذا وكذا،
فاسمعوا له وأطيعوا)) قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأن طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك
وتطيع(٢). تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه
علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة رحمهم الله(٣).
(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا الحسين، عن عيسى بن ميسرة الحارثي،
حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث
قال: قال علي ◌ُه: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ قال لي رسول الله تَّى:
(صنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبناً)) قال: ففعلت، ثم قال: ((ادع بني هاشم)) قال:
فدعوتهم وإنهم يومئذٍ أربعون غير رجل، أو أربعون ورجل، قال: وفيهم عشرة كلهم يأكل
الجذعة بإدامها، قال: فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله وَللر من ذروتها (٤) ثم قال: ((كلوا))
(فأكلوا حتى شبعوا، وهي على هيئتها لم يزرؤوا(٥) منها إلا اليسير))، قال: ثم أتيتهم بالإناء
فشربوا حتى رووا، قال: وفضل فضل، فلما فرغوا أراد رسول الله وَ﴿ أن يتكلم فبدروه(٦)
الكلام، فقالوا ما رأينا كاليوم في السحر. فسكت رسول الله وَّه ثم قال: ((اصنع لي رجل شاة
بصاع من طعام)) فصنعت، قال: فدعاهم فلما أكلوا وشربوا، قال: فبدروه فقالوا مثل مقالتهم
الأولى، فسكت رسول الله وَّة، ثم قال لي: ((اصنع لي رجل شاة بصاع طعام)) فصنعت، قال:
فجمعتهم فلما أكلوا وشربوا بدرهم رسول الله ◌َ﴿ الكلام، فقال: ((أيكم يقضي عني دَيْني،
ويكون خليفتي في أهلي؟)) قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال:
(١) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ١٧٨/٢)، وسنده ضعيف جداً لأن عبد الغفار بن القاسم رافضي ليس بثقة كان
يضع الحديث، (لسان الميزان ٤/ ٤٢).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.
(٤) أي: أعلاها.
(٦) أي: سبقوه بالكلام.
(٣) ينظر (لسان الميزان ٤٢/٤).
(٥) أي: لم ينقصوا.
٦٥٢
• سُورَةُ الشعراء (٢٢٠،٢١٣)
وسكت أنا لسنِّ العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا
رسول الله. قال: وإني يومئذٍ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، حمش
الساقين(١)(٢)، فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي ظه، ومعنى سؤاله ◌َ﴿ لأعمامه
وأولادهم أن يقضوا عنه دينه ويخلفوه في أهله؛ يعني: إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام
بأعباء الإنذار أن يقتل، فلما أنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ
فَا بَلَّنْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فعند ذلك أمن، وكان أولا يحرس حتى
نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ولم يكن أحد في بني هاشم إذ ذاك أشد إيماناً وإيقاناً
وتصديقاً لرسول الله وَله من علي رضيه، ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله وَله ثم
كان بعد هذا - والله أعلم - دعاؤه الناس جهرة على الصفا، وإنذاره لبطون قريش عموماً
وخصوصاً، حتى سمَّى من سمى من أعمامه وعماته وبناته لينبه بالأدنى على الأعلى؛ أي إنما أنا
نذير والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي - غير منسوب - من طريق
عمرو بن سمرة، عن محمد بن سوقة، عن عبد الواحد الدمشقى قال: رأيت أبا الدرداء
ضيعنا
يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل
له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: لأني سمعت
رسول الله وهو يقول: ((أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم الأقربون)) وذلك فيما
ثم قال: إن أزهد الناس فى العالم أهله
أنزل الله وَق، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ
حتى يفارقهم ولهذ قال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِنَ
وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَنَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِينَ
(٣)
فَإِنْ عَصَوَكَ فَقُلْ إِنِّ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ
)﴾(٣) .
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي في جميع أمورك، فإنه مؤيدك وحافظك وناصرك
ومظفرك ومعلي كلمتك.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَّقُ﴾ أي هو معتن بك كما قال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ لِحُكْرِ رَيِّكَ فَإِنَّكَ
بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] قال ابن عباس: ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ﴾ يعني: إلى الصلاة(٤).
وقال عكرمة یری قيامه وركوعه وسجوده(٥).
وقال الحسن: ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إذا صليت وحدك(٦).
(١) أي: دقيق الساقين.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن عبد القدوس (ينظر ميزان الاعتدال
٢ / ٤٥٧).
(٣) في سنده عبد الواحد الدمشقي قال الحافظ ابن حجر عبد الواحد عن أبي الدرداء لا يُدرى من ذا، ولا
حدث عنه سوى محمد بن سوقه (لسان الميزان ٤/ ٨٤).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه حفص بن عمر وهو العدني ضعيف ويشهد له سابقه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق كلثوم بن جبير عن الحسن.
C
سُورَةُ الشعراء (٢٢١، ٢٢٧)
٦٥٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الضحاك ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ أي من فراشك أو مجلسك(١).
وقال قتادة: ﴿اَلَّذِى يَرَكَ﴾ قائماً وجالساً وعلى حالاتك(٢).
وَتَقَلُّكَ فِ السَِّدِينَ
﴾ قال قتادة: ﴿الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُومُ
وقوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّكَ فِي السَِّدِينَ
(٣)﴾ قال: في الصلاة يراك وحدك، ويراك في الجمع (٣)، وهذا قول عكرمة وعطاء الخراساني
والحسن البصري (٤).
وقال مجاهد: كان رسول الله وَل﴿ يرى من خلفه كما يرى من أمامه(٥)، ويشهد لهذا ما صحَّ
في الحديث: (سوّوا صفوفكم فإنّي أراكم من وراء ظهري)) (٦).
وروى البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من
صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبياً(٧). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ))؛ أي:
السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِ شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ
مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ﴾ [يونس: ٦١].
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ
تَُّ عَلَى كُلِّ أَفَاءٍ أَئِمٍ
2- ﴿هَلْ أُنُبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ
كَذِبُونَ
وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٣٦ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴿١٨) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا
) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَأَنْتَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ
يَفْعَلُونَ لَـ
ظَلَمُواْ أَنَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
يقول تعالى مخاطباً لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول و ◌َل﴿ ليس بحق، وأنه شيء
افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئي من الجان، فنزه الله ◌ُّ جناب رسوله عن قولهم
وافترائهم، ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم أمين
عظيم، وأنه ليس من قبل الشياطين، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم وإنما ينزلون
على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُبِتُكُمْ﴾؛ أي:
أخبركم ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ® تَُّ عَلَى كُلِّ ◌َفَاءٍ أَشِيرٍ﴾؛ أي: كذوب في قوله وهو الأفاك
﴿أَشِيرٍ﴾ وهو الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين من الكهان، وما جرى
مجراهم من الكذبة الفسقة، فإن الشياطين أيضاً كَذَبة فَسِقَة ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾؛ أي: يسترقون السمع
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان عن قتادة.
(٤) قول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان الثوري عن أبيه عنه، وقول عطاء
الخراساني أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وقول الحسن أخرجه ابن
أبي حاتم بسند حسن من طريق كلثوم بن جبر عن الحسن.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الشيخان من حديث أنس ربه (صحيح البخاري، الأذان، باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية
الصفوف ح٧٢٣)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب تسوية الصفوف (ح١٢٥).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
٦٥٤
• سُورَةُ الشعراء (٢٢٧،٢٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم
من الإنس، فيحدثون بها فيصدقهم الناس في كل ما قالوه بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي
سمعت من السماء، كما صح بذلك الحديث.
كما رواه البخاري من حديث الزهري: أخبرني يحيى بن عروة بن الزبير أنه سمع عروة بن
الزبير يقول: قالت عائشة : سأل ناس النبي وَل عن الكهان، فقال: ((إنهم ليسوا بشيء))
قالوا: يا رسول الله فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً، فقال النبي وَلجر: ((تلك الكلمة من الحق
يخطفها الجني فيقرقرها (١) في أذن وليه كقرقرة الدجاج، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة))(٢).
وروى البخاري أيضاً: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول:
سمعت أبا هريرة يقول: إن النبي ◌ّلو قال: ((إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة
بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟
(قالوا للذي قال): الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا
بعضهم فوق بعض - وصف سفيان بيده، فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من
تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه
الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال
لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء)» (٣) تفرد به البخاري.
وروى مسلم من حديث الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن رجال من
الأنصار قريباً من هذا(٤)، وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [٢٣] الآية.
وقال البخاري: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود
أخبره عن عروة، عن عائشة، عن النبي وَلقول أنه قال: ((إن الملائكة تحدث في العنان - والعنان:
الغمام - بالأمر يكون في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة، فتقرها في أذن الكاهن كما تقر
القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة))(٥). ورواه البخاري في موضع آخر في كتاب بدء الخلق عن
سعيد بن أبي مريم، عن الليث عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن،
عن عروة عن عائشة بنحوه.
وقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآهُ يَشَّعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس:
يعني الكفار يتبعهم ضُلَّال الإنس والجن (٦)، وكذا قال مجاهد نَُّهُ وعبد الرحمن بن زيد بن
(١) أي: يرددها.
(٢) صحيح البخاري، التوحيد، باب قراءة الفاجر والمنافق (ح ٧٥٦١).
(٣) صحيح البخاري، التفسير، تفسير سورة سبأ (ح ٤٨٠٠).
(٤) صحيح مسلم، السلام، باب تحريم الكهانة (ح٢٢٢٩).
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، بدء الخلق، باب صفة النار ح٣٢٨٨) وهذا الحديث المعلق وصله
أبو نعيم في المستخرج والحافظ ابن حجر بسنده إلى الطبراني عن مطلب بن شعيب عن عبد الله بن صالح
عن الليث به (تغليق التعليق ٥١٣/٤).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
٦٥٥
• سُورَةُ الشِّعراء (٢٢٧،٢٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أسلم وغيرهما (١).
وقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان فينتصر لهذا فئام من الناس، ولهذا فئام من الناس،
(٢)
فأنزل الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَشَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن الهاد، عن يُحَنَّس مولى مصعب بن
الزبير، عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله وَّه بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال
النبي ومثل: ((خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن
يمتلئ شعراً))(٣).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾﴾﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن
عباس: في كل لغو يخوضون (٤)
وقال الضحاك، عن ابن عباس: في كل فن من الكلام(٥)، وكذا قال مجاهد وغيره(٦).
وقال الحسن البصري: قد والله رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها مرة في شتمه فلان، ومرة في
مدحه فلان(٧). وقال قتادة: الشاعر يمدح قوماً بباطل ويذم قوماً بباطل(٨).
قال العوفي، عن ابن عباس: ان رجلان على
٢٢٦)
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ
عهد رسول الله أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل واحد
منهما غواة من قومه، وهم السفهاء، فقال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَشَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٣َ أَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ
كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (١٨) وَأَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾﴾(٩).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه(١٠). وهذا الذي قاله ابن
عباس ظُه هو الواقع في نفس الأمر. فإن الشعراء يتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا
عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم، ولهذا اختلف العلماء رحمهم الله: فيما إذا اعترف الشاعر في
شعره بما يوجب حداً: هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا؟ لأنهم يقولون ما لا يفعلون، على
قولین .
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ((الشياطين))، وقول عبد الرحمن
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه بلفظ: ((المشركون)).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الكريم الجزري عن عكرمة بلفظ قال الله رم، بدلاً من
قوله: فأنزل الله تعالى.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١١/١٧ - ١١٠٥٧)، وصحح سنده محققوه، وأخرجه مسلم عن
قتيبة بن سعيد به، (الصحيح، كتاب الشعر ح٢٢٥٩).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن الضحاك به وهو لم يلق ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق ليث بن كيسان عن الحسن.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به.
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
٦٥٦
سُورَةُ الشعراء (٢٢٧،٢٢١)
وقد ذكر محمد بن إسحاق ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بكار في كتاب ((الفكاهة))
أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب له، استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من
أرض البصرة، وكان يقول الشعر، فقال:
ألا هل أتى الحسناء أنَّ حليلها
بميسان يسقي في زجاج وحنتم(١)
ورقَّاصة تحدو على كل منسم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية
ولا تسقني بالأصغر المتثلم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني
تنادمنا بالجوسق(٢) المتهدم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه
فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عنه قال: إي والله إنه ليسوؤني ذلك، ومن لقيه
فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حَم ج تَزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوَّبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِى الَطَوْلِ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ
[غافر] - أما بعد - قد بلغني قولك:
لعل أمير المؤمنين يسوؤه
تنادمنا بالجوسق المتهدم
وأيمُ الله إنه ليسوؤني وقد عزلتك. فلما قدم على عمر بكته بهذا الشعر، فقال: والله يا
أمير المؤمنين ما شربتها قط، وما ذاك الشعر إلا شيء طفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك،
ولكن والله لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلت ما قلت(٣).
فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمَّه
عمر ونه ولامه على ذلك وعزله به، ولهذا جاء في الحديث («لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً يريه
خير له من أن يمتلئ شعراً))(٤) والمراد من هذا أن الرسول و # الذي أنزل عليه هذا القرآن ليس
بكاهن ولا بشاعر، لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ
وَمَا يَلْبَغِى لَهُّ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْءَانٌ مُّبِينٌ ()﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿إِنَُّ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِمٍ ﴿ وَمَا هُوَ
بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ ﴿ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا نَذَّكَّرُونَ ﴿٨ نَِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ (®)﴾ [الحاقة]، وهكذا
پِلِسَانٍ
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
١٩٢
قال ههنا: ﴿وَإِنَُّ لَغِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٣) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
وَمَا يَنْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ
مت
عَرَبٍ تُبِينٍ (٤٥)﴾ [الشعراء] إلى أن قال: ﴿وَمَا نََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
)﴾ [الشعراء] إلى أن قال: ﴿هَلْ أُبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴿يَ تَزَّلُ عَلَى كُلِّ
وَالشُّعَرَآهُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿٨َ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِ كُلِّ وَادٍ
أَقَّاكٍ أَشِمٍ ◌َ
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُنَ
يَهِيمُونَ ﴿ وَأَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ
.
وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن
قسيط، عن أبي الحسن سالم البراد مولى تميم الداري قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَآهُ يَقَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ
(١) جرار خُضُر تضرب إلى حمرة.
(٢) أي: الحصن أو شبيه الحصن.
(٣) هذه القصة والأبيات في الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ١٤٠).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ربه (الصحيح، كتاب الشعر ح ٢٢٥٧).
٦٥٧
سُورَةُ الشعراء (٢٢١، ٢٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(٣)﴾ جاء حسَّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى رسول الله وم طهر وهم ییکون،
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾
فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي
قال: ((أنتم)) ﴿وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال: ((أنتم)) ﴿وَأَنْنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ قال: ((أنتم)) رواه ابن
أبي حاتم وابن جرير من رواية ابن إسحاق(١).
وقد روى ابن أبي حاتم أيضاً عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن الوليد بن أبي كثير،
عن يزيد، عن عبد الله، عن أبي الحسن مولى بني نوفل أن حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة،
أتيا رسول الله وَّه حين نزلت هذه الآية ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (9)﴾ بيكيان، فقال رسول الله وَيه
وهو يقرؤها عليهما ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاؤُونَ (٣)﴾ حتى بلغ ﴿إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾
قال: ((أنتم))(٢).
وقال أيضاً حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن
عروة قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَشَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ
(٣)﴾ قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله قد علم الله أني منهم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ الآية(٣)، وهكذا قال ابن عباس وعكرمة مجاهد وقتادة وزيد بن أسلم
وغير واحد: أن هذا استثناء مما تقدم(٤). ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف
يكون سبب نزول هذه الآيات شعراء الأنصار؟ وفي ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد
عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم حتى يدخل فيه من كان
متلبساً من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب ورجع وأقلع وعمل صالحاً،
وذكر الله كثيراً في مقابلة ما تقدم من الكلام السيء. فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح
الإسلام وأهله في مقابلة ما كان يذمه، كما قال عبد الله بن الزبعري حين أسلم:
اتق ما فتقت إذا أنا بور
يا رسول المليك إن لساني
إذ أجاري الشيطان في سنن
الغي ومن مال ميله مثبور
وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشدِّ الناس عداوة للنبي ◌ّ وهو ابن
عمه وأكثرهم له هجواً، فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله وَ طير، وكان يمدح
رسول الله وَ﴿ بعد ما كان يهجوه، ويتولاه بعد ما كان قد عاداه، وهكذا روى مسلم في صحيحه
عن ابن عباس أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال: يا رسول الله ثلاث أعطنيهن، قال:
(نعم)) قال: معاوية تجعله كاتباً بين يديك؟ قال: ((نعم)) قال وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت
(١) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري من طريق ابن إسحاق به، ولم يصرح بالسماع بل عنعن وقد توبع كما سيأتي
في الرواية التالية فيكون سنده حسناً لغيره.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق أبي أسامة به، وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٤٨٨/٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عنه، ويشهد له سابقه ولاحقه، فقول
قتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
٦٥٨
• سُورَةُ الشِّعَاءِ (٢٢٧،٢٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أقاتل المسلمين؟ قال: ((نعم)) وذكر الثالثة(١)، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ
وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قيل: معناه ذكروا الله كثيراً في كلامهم، وقيل في شعرهم. كلاهما صحيح
مكفِّر لما سبق.
وقوله تعالى: ﴿وَأننَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ قال ابن عباس: يردُّون على الكفار الذين كانوا
يهجون به المؤمنين(٢)، وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد(٣)، وهذا كما ثبت في الصحيح أن
رسول الله ◌َ﴿ قال لحسان اهجهم - أو قال ــ ((اهجهم وجبريل معك)) (٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن
كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي ويتر: إن الله رقم قد أنزل في الشعراء ما أنزل، فقال: ((إن
المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نضح النبل))(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْدَهُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَىَّ مُنْقَبٍ يَنْقَلُِونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ
مَعْذِرَتُهُمّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾﴾ [غافر].
وفي ((الصحيح)) أن رسول الله وَّم قال: ((إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))(٦).
قال قتادة بن دعامة في قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْدَهُ الَِّينَ ظَلَمُواْ أَنَّ مُنْقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ يعني: من الشعراء
وغيرهم(٧) .
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا إياس بن أبي تميمة قال: حضرت الحسن ومرَّ عليه بجنازة
نصراني، فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَقَلِبُونَ﴾ .
وقال عبد الله بن رباح، عن صفوان بن محرز أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى، حتى أقول قد
اندق قضيب زوره، ﴿وَسَيَعْلُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَنَّ مُنْقَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(٨).
وقال ابن وهب: أخبرنا شريح الإسكندراني عن بعض المشيخة أنهم كانوا بأرض الروم،
فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها أو يصطلون، إذا بركاب قد أقبلوا فقاموا إليهم، فإذا
فضالة بن عُبيد فيهم، فأنزلوه فجلس معهم، قال: وصاحب لنا قائم قال يصلي حتى مرَّ بهذه الآية
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوْ أَنَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ قال فضالة بن عبيد: هؤلاء الذين يخربون البيت(٩).
(١) أخرجه مسلم (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب ح ٢٥٠١).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح من طريق علي بن أبي نجيح عنه، وقول قتادة
أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة.
(٤) أخرجه الشيخان من حديث البراء بن عازب ظه، (صحيح البخاري، الأدب، باب هجاء المشركين
ح ٦١٥٣، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، فضائل حسان بن ثابت رائه ح٢٤٨٦).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤٨/٤٥ ح٢٧١٧٤)، وصحح سنده محققوه.
(٦) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله رَظ ◌ُله بنحوه (الصحيح، البر، باب تحريم الظلم ح٢٥٧٨).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عاصم الأحول عن عبد الله بن رباح.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي عن ابن وهب به وسنده ضعيف للتعليق
ولإبهام شيخ شريح الإسكندراني.
٦٥٩
سُورَةُ الشعراء (٢٢٧،٢٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقيل: المراد بهم أهل مكة، وقيل الذين ظلموا من المشركين. والصحيح أن هذه الآية عامة
في كل ظالم. كما قال ابن أبي حاتم: ذكر عن زكريا بن يحيى الواسطي، حدثني الهيثم بن
محفوظ أبو سعد النهدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجبر، حدثنا هشام بن عروة، عن
عائشة ﴿ّا قالت: كتب أبي في وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو
بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر وينتهي الفاجر ويصدق الكاذب، إني
استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن يفجر ويبدل فلا
أعلم الغيب ﴿وَسَيَعْلُ الَِّينَ ظَلَمُوْ أَنَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(١).
آخر تفسير سورة الشعراء.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه بدون لفظ: ((الغيب)). وسنده ضعف لأن روايته تعليقاً وفيه أيضاً محمد بن
عبد الرحمن بن مجبر وهو ضعيف (المغني في الضعفاء ٦٥/٢).
٦٦٠
سُورَةُ النَّصْلِ (١، ٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
00000
١٤٠٠٠
سُوْدَةُ التَّهُلِ
وهي مكية
بير هه الرحمن الرحيم
اُلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ
2] ﴿لَسَنَّ تِلْكَ ءَايَتُ اُلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ ثُبِينٍ ﴿﴿ هُدِّى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِينَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَهُم بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ زَيَّا لَمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ
أُوْلَِّكَ الَّذِينَ لَّمْ سُوَّهُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِ اُلْأَخِرَةِ هُمُ اُلْأَخْسَرُونَ ﴿ وَإِنَّكَ لَتْلَّى الْقُرْءَانَ مِن لَّهُنْ حَكِيمٍ
﴾.
قد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور.
وقوله تعالى: ﴿يَلْكَ ءَايَتُ﴾؛ أي: هذه آيات ﴿اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابٍ مُِّينٍ﴾؛ أي: بيِّن واضح ﴿هُدَّى
وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾﴾؛ أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه،
وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وأيقن بالدار الآخرة، والبعث
بعد الموت، والجزاء على الأعمال: خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: ﴿قُلٌ هُوَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ هُدَى وَشِفَاءٌ وَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَّىَّ أُوْلَكَ يُنَدَوْنَ
مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّنَّا﴾ [مريم:
٩٧]. ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ﴾؛ أي: يكذبون بها ويستبعدون وقوعها
﴿زَيَّنَا لَمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: حسنًا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في
ضلالهم، وكان هذا جزاء على ما كذبوا من الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
وَأَبْصَدِرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُغْيَِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣)﴾ [الأنعام].
﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ لَمْ سُوَهُ الْعَذَابِ﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة ﴿وَهُمْ فِ اُلْأَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾؛ أي:
ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَغُلَّى اٌلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴾﴾؛ أي: ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد.
قال قتادة: ﴿لَلْلَفَى﴾؛ أي: لتأخذ(١).
﴿الْقُرْءَانَ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾؛ أي: من عند حكيم عليم؛ أي: حكيم في أمره ونهيه، عليم
بالأمور: جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَيْكَ صِدْقًا وَعَدَلَا﴾ [الأنعام: ١١٥].
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان، وهو ابن عبد الرحمن النحوي، عن قتادة.