النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
سُورَةُ الفُرْقَانَ (١٥، ١٦)
قال: مثل الزج(١) في الرمح؛ أي من ضيقه(٢).
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد، عن يحيى بن أبي أُسيد يرفع الحديث إلى
رسول الله وَ﴿، أنه سُئل عن قول الله: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قال: ((والذي نفسي
بيده، إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط)) (٣).
وقوله: ﴿مُقَرَّبِينَ﴾ قال أبو صالح: يعني مكتفين (٤) .
﴿وَعَوْ هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي: بالويل والحسرة والخيبة ﴿لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا﴾ الآية.
روى الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس بن مالك
أن رسول الله وسلم قال: ((أول من يُكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من
خلفه وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، وينادون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار، فيقول يا
ثبوراه ويقولون يا ثبورهم، فيقال لهم: لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً، وادعوا ثبوراً كثيراً))(٥) لم
يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن عفان به،
ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به(٦).
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرًا (٣)﴾
أي: لا تدعوا اليوم ويلاً واحداً، وادعوا ويلاً كثيراً(٧).
وقال الضحاك: الثبور الهلاك (٨)، والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار،
كا قال موسى لفرعون ﴿وَإِ لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] أي: هالكاً.
وقال عبد الله بن الزبعري :
إذ أجاري الشيطان في سنَنَ الغـ
ي ومن مال ميله مثبورا(٩)
◌َُّمْ
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرَّ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءُ وَمَصِيرًا (٥)
فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَلِينَّ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا
يقول تعالى: يا محمد هذا الذي وصفناه لك من حال الأشقياء الذين يحشرون على وجوههم
إلى جهنم، فتلقاهم بوجه عبوس وبغيظ وزفير، ويلقون في أماكنها الضيقة مقرنين لا يستطيعون
(١) الزج: أي الحديدة التي تركب في أسفل الرمح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وأبو أيوب هو: المراغي
الأزدي، اسمه يحيى ويقال: حبيب بن مالك، كما في التقريب.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب به وسنده منقطع.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، (المسند ١٥٢/٣)، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري كلاهما بسند ضعيف من طريق علي بن زيد بن جدعان.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٨) أخرجه البُستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٩) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٤١٩/٢).

٥٨٢
0000000000220000000000000000000000
• سُوَّرَّةُ الفُرْقَانَ (١٧، ١٩)
حراكاً ولا استنصاراً ولا فكاكاً مما هم فيه، أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من
عباده؟ التي أعدها لهم وجعلها لهم جزاء ومصيراً على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها
﴿لَُّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من الملاذ من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومراكب ومناظر، وغير
ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد، وهم في ذلك خالدون أبداً
دائماً سرمداً بلا انقطاع ولا زوال ولا انقضاء ولا يبغون عنها حولاً، وهذا من وعد الله الذي
تفضل به عليهم وأحسن به إليهم، ولهذا قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ أي: لا بدّ أن يقع
وأن يكون كما حكاه أبو جعفر بن جرير، عن بعض علماء العربية أن معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾
أي: وعداً واجباً(١).
وقال ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ يقول: سلوا الذي
وعدتكم - أو قال وعدناكم - ننجز وعدهم وتنجزوه(٢).
وقال محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ إن الملائكة تسأل لهم
ذلك ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّتِ عَدْنٍ أَلَّتِى وَعَدَنَّهُمْ﴾ [غافر: ٨](٣).
وقال أبو حازم إذا كان يوم القيامة، قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا فأنجز لنا ما
وعدتنا، فذلك قوله: ﴿وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار، ثم التنبيه على
حال أهل الجنة، كما ذكر تعالى في سورة الصافات حل أهل الجنة وما فيها من النضرة
والحبور، ثم قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُومِ ﴿ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةً لِظَّالِمِينَ ﴿ إِنَّهَا شَجَرَةٌ
تَخْرُجُ فِىِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ (@)
فَإِنَّهُمْ لَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِقُونَ مِنْهَا الْبُُّونَ ﴿٦ ثُمَّ
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ
إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الَْحِيمِ
فَهُمْ عَلَى
إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِّينَ
٣٥)﴾ [الصافات].
مَرِهِمْ يُهْرَعُونَ
، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ
﴿ قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَطْبَغِى لَنَا أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمُ
ضَلُّواْ السَّبِيلَ
وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُوْ الذِّكْرَ وَكَانُوْ قَوْمًا بُورًا ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا
نَصْرَّأَ وَمَنْ يَظْلِمِ مِنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (﴾﴾.
يقول تعالى مخبراً عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من
الملائكة وغيرهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
قال مجاهد: هو عيسى والعزير والملائكة(٤). ﴿فَيَقُولُءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءٍ﴾ الآية؛ أي
فيقول تبارك وتعالى للمعبودين: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عبدوكم من
(١) ذكره الطبري، ومعناه أنه هو سبحانه أوجبه على نفسه، وهذا من رحمته الواسعة.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن جريح عن عطاء، وهو الخراساني كما صرح الطبري به،
وسنده ضعيف لأن عطاء لم يسمع من ابن عباس.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي هلال عن محمد بن كعب القرظي.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٥٨٣
سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ (٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تلقاء أنفسهم من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اَللَّهُ يَحِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ
قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأَقِىَ إِلَهَبْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيِّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِىِ بِحَّ إِن كُتُ
قُلْتُ فَقَدْ عَلِمْتَهُّ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَّ أَعْلَمُ مَا فِ نَفْسِكُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَُّ الْغُيُوبِ ﴿٣ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ
أَمَرْتَنِى بِهِ﴾ الآية [المائدة: ١١٦، ١١٧]، ولهذا قال تعالى مخبراً عما يجيب به المعبودون يوم
القيامة ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِى لَنَّا أَنْ تَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ قرأ الأكثرون بفتح النون من
قوله: ﴿نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحداً سواك لا نحن ولا
هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا،
ونحن برآء منهم ومن عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْثُرُهُمْ جميعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَئِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّكُمُ
كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ قَالُواْ سُبْحَكَ أَنْتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ
[سبأ]، وقال آخرون: ((ما كان ينبغي لنا نتخذ(١) من دونك من أولياء)) أي: ما ينبغي لأحد
أن يعبدنا فإنا عبيد لك فقراء إليك، وهي قريبة المعنى من الأولى ﴿وَلَكِنْ تَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ﴾.
أي: طال عليهم العمر حتى نسوا الذكر؛ أي نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك من الدعوة
إلى عبادتك وحدك لا شريك لك.
﴿وَكَنُواْ قَوْمًا بُورًا﴾ قال ابن عباس: أي هلكى(٢).
وقال الحسن البصري ومالك، عن الزهري: أي لا خير فيهم (٣).
وقال ابن الزبعري حين أسلم:
راتقٌ ما فتقت إذ أنا بور
يا رسول المليك إن لساني
ي ومن مال ميله مثبـور
إذ أجاري الشيطان في سنن الغـ
وقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا نَقُولُونَ﴾ أي: فقد كذبكم الذين عبدتم من دون الله فيما
زعمتم أنهم لكم أولياء وأنهم يقربونكم إلى الله زلفى، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَيْهِمْ غَفِلُونَ ﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ
بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ ﴾ [الأحقاف].
وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ أي: لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار
لأنفسهم ﴿وَمَنْ يَظْلِم مِّنْكُمْ﴾ أي: يشرك بالله ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ .
2- ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِىِ الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا
٢٠
بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً أَنَصْبِرُونُّ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا
يقول تعالى مخبراً عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين: أنهم كانوا يأكلون الطعام
ويحتاجون إلى التغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم
(١) والقراءتان بالفتح والرفع متواترتان.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) قول الحسن البصري أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.

٥٨٤
• سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ (٢١، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومنصبهم، فإن الله تعالى جعل لهم من السمات الحسنة والصفات الجميلة والأقوال الفاضلة
والأعمال الكاملة والخوارق الباهرة والأدلة الظاهرة، ما يستدل به كل ذي لبِّ سليم وبصيرة
مستقيمة على صدق ما جاؤوا به من الله، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَتِهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىّ﴾ [يوسف: ١٠٩] وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ
الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ ﴾﴾ [الأنبياء].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونٌ﴾ أي: اختبرِنا بعضكم ببعض، وبلونا
بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال: ﴿أَتَصْبِرُونُّ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ أي:
بمن يستحق أن يوحي إليه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢٤]
ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونُّ﴾ قال: يقول الله:
لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم
وأبتليكم بهم(١). وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن رسول الله وَيقول: ((يقول الله تعالى
إني مبتليك ومبتلٍ بك))(٢). وفي المسند عن رسول الله وَ طير: ((لو شئت لأجرى الله معي جبال
الذهب والفضة))(٣). وفي الصحيح أنه عليه أفضل الصلاة والسلام خُيّر بين أن يكون نبياً ملكاً أو
عبداً رسولاً، فاختار أن يكون عبداً رسولاً (٤).
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ
وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا
﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَحْجُورًا
وَعَتَوْ عُثُوًّا كَبِيرًا
عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنُورًا ﴿ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (َ]﴾
يقول تعالى مخبراً عن تعنت الكفار في كفرهم، وعنادهم في قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا
الْمَلَتِكَةُ﴾؛ أي: بالرسالة كما تنزل على الأنبياء، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى ﴿قَالُواْ لَن
تُؤْمِنَ حَّ نُؤْقَى مِثْلَ مَآ أُوْنِىَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ويحتمل أن يكون مرادهم ههنا ﴿لَوْلَا أُنزِلَ
عَلَيْنَا الْمَلَتَئِكَةُ﴾ فنراهم عياناً فيخبرونا أن محمداً رسول الله، كقولهم: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِاللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ
قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وقد تقدم تفسيرها في سورة سبحان، ولهذا قالوا: ﴿أَوْ نَى رَبَّنَا﴾ ولهذا
قال الله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنفُسِهِمْ وَعَنَوْ عُثُوًّا كَبِيرًا﴾ وقد قال تعالى: ﴿﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَاً
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، وذكره ابن هشام
(السيرة النبوية ٣٩/١).
(٢) أخرجه مسلم بلفظ: ((إنما بعَثُك لأبتليك وأبتلي بك))، مطولاً الصحيح، الجنة وصفة نعيمها، باب الصفات
التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٢٨٦٥).
(٣) أخرجه أبو يعلى من حديث عائشة رضيينا مرفوعاً (المسند ٣١٨/٨ ح ٤٩٢٠)، وضعف سنده محققه لضعف
أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن، ويشهد له الحديث التالي، ولهذا حسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/
١٩).
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة حظيبه مرفوعاً (المسند ٧٦/١٢ ح ٧١٦٠) وصحح سنده محققوه.

٥٨٥
سُورَةُ الفُرْقَانَ (٢١، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إِلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةَ وَكَلَّمَّهُمُ الْمَوْنَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَجْهَلُونَ (®]﴾ [الأنعام].
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَحْجُورًا (٣)﴾؛ أي: هم لا
يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرونهم لا بشرى يومئذٍ لهم، وذلك يصدق على وقت
الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، والغضب من الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج
روحه، اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم وظل من
يحموم، فتأبى الخروج وتتفرق في البدن فيضربونه(١)، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَوَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِيُنَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِ
الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ﴾؛ أي: بالضرب ﴿أَخْرِجُوْ أَنْفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوّنَ
عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ، تَسْتَكْثِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ولهذا قال
في هذه الآية الكريمة ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وهذا بخلاف حال المؤمنين حال
احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبَُّا
اَللَّهُ ثُمَّ أُسْتَقَامُواْ تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ
٣٠
نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِى الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَفِ الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ
نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيٍ (®﴾ [فصلت].
(٣١)
وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها
النفس الطيبة في الجسد الطيب إن كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان.
وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ
٢٧
الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللَّهُ الَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَآءُ
وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿يَوْمَ يَوْنَ الْمَلَئِكَةَ لَا بُشْرَى﴾ يعني: يوم القيامة، قاله مجاهد
والضحاك(٢) وغيرهما، ولا منافاة بين هذا وما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين: يوم
الممات ويوم المعاد، تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر
الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذٍ للمجرمين ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَحْجُورًا﴾؛ أي: وتقول
الملائكة للكافرين: حرام محرم عليكم الفلاح اليوم.
وأصل الحجر المنع ومنه يقال حجر القاضي على فلان إذا منعه التصرف، إما لفلس أو
سفه أو صغر أو نحو ذلك، ومنه سمي الحجر عند البيت الحرام، لأنه يمنع الطواف أن
يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه(٣)، ومنه يقال للعقل حجر، لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي
ما لا يليق، والغرض أن الضمير في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عائد على الملائكة، هذا قول مجاهد
وعكرمة والحسن والضحاك وقتادة وعطية العوفي وعطاء الخراساني وخصيف وغير واحد
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة إبرهيم آية ٢٧.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.

٥٨٦
• سُوَرَّةُ الفُرْقَانَ (٢١، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
واختاره ابن جرير (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى يعني ابن قيس، عن عطية
العوفي، عن أبي سعيد الخدري في الآية ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا نَحْجُورًا﴾ قال: حراماً محرماً أن يبشر بما
يبشر به المتقون(٢). وقد حكى ابن جُرير عن ابن جُريج أنه قال ذلك من كلام المشركين ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ
اُلْمَلَئِكَةَ﴾؛ أي: يتعوذون من الملائكة(٣)، وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة
يقول: ﴿حِجْرًا تَحْجُورًا﴾ وهذا القول وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد لا سيما
وقد نصَّ الجمهور على خلافه، ولكن قد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال في قوله: ﴿حِجْرًا
تَحْجُورًا﴾؛ أي: عوذاً معاذاً (٤). فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج، ولكن في رواية ابن أبي حاتم
عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: ﴿حِجْرًا تَحْجُورًا﴾ عوذاً معاذاً الملائكة تقول ذلك، فالله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾ الآية، هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد
على ما عملوه من الخير والشر، فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا
أنها منجاة لهم شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي إما الإخلاص فيها وإما المتابعة
لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصاً وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو
من واحد من هذين، وقد تجمعهما معاً فتكون أبعد من القبول حينئذٍ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآَ
إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَهُ مَنْتُورًا (٣)﴾ قال مجاهد والثوري ﴿وَقَدِمْنَآَ﴾؛ أي: عمدنا(٥)،
وكذا قال السدي: وبعضهم يقول: أتينا عليه(٦).
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ مَنتُورًا﴾ قال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن
علي ◌َُّبه في قوله: ﴿هَبَآءُ مَّنثُورًا﴾ قال: شعاع الشمس إذا دخل الكوة(٧)، وكذا روي من غير هذا الوجه
عن علي وروي مثله عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي والضحاك وغيرهم(٨)،
وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع (٩).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿هَبَةً فَنتُورًا﴾ قال: هو الماء المهراق(١٠).
(١) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق فطر الحناط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري
بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول عطية العوفي أخرجه ابن أبي حاتم ضمن الرواية التالية.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد.
(٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٥) قول مجاهد تخريجه كسابقه، وقول الثوري ذكره ابن أبي حاتم محذوف السند.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لضعف الحارث وهو الأعور الهمداني كما في
التقريب، وقد تابعه عقيل الجزري في رواية ابن أبي حاتم أيضاً. ومعناه صحيح، لأن الهباء يظهر في شعاع
الشمس من الفتحة الضيقة، ويشهد له الآثار التالية.
(٨) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول ابن عباس أخرجه البستي بسند جيد من طريق أربدة
التميمي عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه،
وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند جيد من طريق سماك عنه.
(٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي رجاء عن الحسن.
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

٥٨٧
• سُوَّرَّةُ الفُرْقَانَ (٢١، ٢٤)
وقال أبو الأحوص: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﴿هَبَآَ مَنْتُورًا﴾ قال: الهباء
رهج (١) الدواب(٢)، وروي مثله عن ابن عباس أيضاً والضحاك، وقال عبد الرحمن بن زيد بن
أسلم(٣).
وقال قتادة في قوله: ﴿هَبَآءُ مَّنثُورًا﴾ قال: أما رأيت يبس الشجر إذا ذرته الريح؟ فهو ذلك
(٤)
الورق (٤).
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم، عن أبي سريع الطائي، عن [عُبيد بن
يعلى](٥) قال: وإن الهباء الرماد (٦). إذا ذرته الريح، وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون
الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالاً اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل
الذي لا يجور ولا يظلم أحداً إذا إنها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير
المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَيِّهِمٌ
أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أَشْتَذَتْ بِهِ الرِّيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ اُلْضَّلَلُ
الْبَعِيدُ ﴾﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِّ وَالْأَذَى كَلَّذِى
يُنفِقُ مَهُ رِقَّةَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ, كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ
صَلْدًّا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ
كَرَبٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْثَانُ مَآءَ حَّةٍ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]، وتقدم الكلام على
تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾؛ أي: يوم القيامة ﴿لَا
يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآيِزُونَ ﴾﴾ [الحشر]، وذلك أن أهل الجنة
يصيرون إلى الدرجات العاليات والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين حسن المنظر طيب المقام
﴿خَلِينَ فِيهَأَ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٣)﴾ [الفرقان]، وأهل النار يصيرون إلى الدركات
السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا
[الفرقان]؛ أي: بئس المنزل منظراً، وبئس المقيل مقاماً، ولهذا قال تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِدٍ
خَيْرٌ مُسْتَفَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (®﴾؛ أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة نالوا ما نالوا، وصاروا إلى
ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنهم ليس لهم عمل واحد يقتضي دخول الجنة لهم والنجاة من
النار، فنبه تعالى بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال تعالى:
﴾ .
﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
(١) أي: غبار الدواب (النهاية ٢٨١/٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي الأحوص، وفيه أيضاً الحارث وهو الأعور الهمداني وهو ضعيف.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق خالد بن قيس عن قتادة، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن
معمر عن قتادة بنحوه.
(٥) كذا في تفسير ابن أبي حاتم وترجمته وفي النسخ الخطية بلفظ: ((عُبيد بن يعلى)).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، لكنه معلقاً عن ابن وهب، فسنده ضعيف.

٥٨٨
• سُوَّرَةُ الفُرْقَانِ (٢١، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال الضحاك، عن ابن عباس: إنما هي ضحوة فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين،
ويقيل أعداء الله مع الشياطين المقرنين(١).
وقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل
النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ()﴾(٢).
وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهي الساعة
التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل
النار إلى النار، وأما أهل الجنة فينطلق بهم إلى الجنة فكانت قيلولتهم في الجنة، وأطعموا كبد حوت
(٣)
فأشبعهم كلهم، وذلك قوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (19)﴾
وقال سفيان، عن ميسرة: عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: لا
ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
﴿٤﴾ وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْمَحِيمِ ﴾﴾(٤) [الصافات].
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك
الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَمِينِ ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
وَيَقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾﴾(٥) [الانشقاق].
٨
وقال قتادة: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرَّا وَأَحْسَنُ مَفِيلًا﴾ مأوى ومنزلاً (٦).
وقال قتادة: وحدث صفوان بن محرز أنه قال: يجاء برجلين يوم القيامة أحدهما كان ملكاً في
الدنيا إلى الحمرة والبياض، فيحاسب فإذا عبد لم يعمل خيراً قط فيؤمر به إلى النار، والآخر كان
صاحب كساء في الدنيا فيحاسب فيقول: يا ربِّ ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به، فيقول الله:
صدق عبدي فأرسلوه فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار فإذا هو
مثل الحممة(٧) السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شرّ مقيل، فيقال له: عد، ثم يدعى
بصاحب الجنة فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: ربِّ خير مقيل،
فيقال له: عُدّ. رواها ابن أبي حاتم كلها(٨).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، أن سعيداً الصواف
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك به، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عن عكرمة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٢/ ٤٠٢).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) أي: الفحمة السوداء، وجمعها حمم (الصحاح ١٩٠٤/٥).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.

٥٨٩
• سُوَّرَّةُ الفُرْقَانِ (٢٩،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حدثه أنه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس،
وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِدٍ
خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ()﴾(١).
(١
٢٥
اُلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِلْغَمَمِ وَزِلَ الْكَتِكَةُ تَنزِيلًا
يَوَيْلَ لَيْتَنِى لَوْ
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
٢٦
اُلْكَفِرِينَ عَسِيرًا
أَقَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴿ لَقَدْ أَضَلَِّى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآَنِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَنِ خَذُولًا
٣٩
يخبر تعالى عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها انشقاق السماء
وتفطرها، وانفراجها بالغمام وهو ظل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السموات
يومئذٍ فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء. قال
مجاهد: وهذا كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَاءِ وَالْمَلَّبِكَةُ وَقُضِىَ
الْأَمْرَّ وَإِلَى اَللَّهِ تُجَعُ اَلْأُمُورُ (٣)﴾(٢) [البقرة] .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد بن سلمة،
عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ
بِالْغَمَمِ وَزْلَ الْمَئِكَةُ تَنزِيلًا (٣٥)﴾ قال ابن عباس ◌ًّا يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد
واحد: الجنّ والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها
وهم أكثر من الجنّ والإنس ومن جميع الخلق، فيحيطون بالجنّ والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق
السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة
الذين نزلوا قبلهم والجنّ والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر
من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم
وبالجنّ والإنس وجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثالثة فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء
الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجنّ والإنس
وجميع الخلق، ثم كذلك كل سماء على ذلك التضعيف، حتى تنشق السماء السابعة فينزل أهلها
وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السموات ومن الجنّ والإنس ومن جميع الخلق، فيحيطون
بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات وبالجنّ والإنس وجميع الخلق كلهم، وينزل
ربنا ◌َ في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون(٣) وهم أكثر من أهل السموات السبع ومن الجنّ
والإنس وجميع الخلق، لهم قرون كأكعب القنا(٤)، وهم تحت العرش لهم زجل(٥) بالتسبيح
والتهليل والتقديس لله ، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، وما بين
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن الصواف رواه بلاغاً.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد.
(٣) أي: سادة الملائكة (ينظر: النهاية ١٦١/٤).
(٤) أكعب القنا: جمع قناة وهي الرمح (النهاية ١٦١/٤).
(٥) أي: الصوت المرتفع (ينظر: النهاية ٢٩٧/٢).

٥٩٠
سُوْرَةُ الفُرْقَان (٢٩،٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام، وما بين ركبته إلى أرنبته (١) مسيرة خمسمائة عام، وما بين
أرنبته إلى ترقوته(٢) مسيرة خمسمائة عام، وما بين ترقوته إلى موضع القرط مسيرة خمسمائة عام.
وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام وجهنم مجنبته، وهكذا رواه ابن حاتم بهذا السياق(٣).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن مبارك بن فضالة، عن
علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، أنه سمع ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا
انشقت ينزل منها من الملائكة أكثر من الإنس والجنّ، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء
وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا؟ فيقولون: لم يجئ وهو آت، ثم تنشق السماء
الثانية، ثم سماء سماء على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، فينزل منها من الملائكة
أكثر من جميع من نزل من السموات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون، ثم
يأتي ربنا في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، وبين فخذه
ومنكبه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع
رأسه بين ثدييّه، يقول: سبحان الملك القدوس، وعلى روؤسهم شيء مبسوط كأنه القباء،
والعرش فوق ذلك، ثم وقف (٤). فمداره على على بن زيد بن جدعان، وفيه ضعف وفي سياقاته
غالباً، وفيها نكارة شديدة، وقد ورد في حديث الصور المشهور قريب من هذا، والله أعلم، وقد
قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَيِدٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ وَأَنْشَقَتِ السَّمَّهُ فَعِىَ يَوْمَِذٍ وَاهِيَةٌ ﴿ وَأَلْعَلَكُ عَلَى أَرْجَبِهَا وَيَّلُ
﴾ [الحاقة]، قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم
عَرّشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَذٍ تَنِيَةٌ
يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك. وأربعة منهم يقولون:
سبحانك اللَّهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ورواه ابن جرير(٥) عنه.
وقال أبو بكر بن عبد الله: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم من فوقهم، شخصت
إليه أبصارهم، ورجفت كِلاهم في أجوافهم، وطارت قلوبهم من مقرها من صدورهم إلى
حناجرهم(٦).
قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن عبد الجليل،
عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمرو قال: يهبط الله رَّ حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون
ألف حجاب، منها النور والظلمة فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب (٧)، وهذا
(١) الأرنبة: طرف الأنف (النهاية ٤١/١).
(٢) الترقوة: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق (النهاية ١٨٧/١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.
(٥) أخرجه الطبري، وسنده ضعيف لإرسال شهر بن حوشب، وقوله: ((حملة العرش ثمانية يشهد له القرآن
الكريم)) كما في الآية السابقة.
(٦) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن أبي بكر بن عبد الله، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو
ابن داود، وكذلك إرسال أبي بكر، ومعناه صحيح.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين كما في سابقه.

٥٩١
سُورَةُ القُزْقَات (٢٥، ٢٩)
1000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
موقوف على عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعله من الزاملتين(١)، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا (®﴾، كما قال تعالى:
﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَحِدِ اَلْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
وفي الصحيح أن الله تعالى يطوي السموات بيمينه، ويأخذ الأرضين بيده الأخرى، ثم يقول:
أنا الملك أنا الديَّان، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون، أين المتكبرون(٢)؟
وقوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا﴾؛ أي: شديداً صعباً، لأنه يوم عدل وقضاء فصل،
كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِ النَّقُورِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيُ جَ عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾﴾ [المدثر]،
فهذا حال الكافرين في هذا اليوم، وأما المؤمنون فكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
وَنَقَدُهُمُ الْمَتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُّكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (®)﴾ [الأنبياء].
وروى الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم،
عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلَفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] ما
أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله وَ﴾: ((والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون
أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا)) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (﴾﴾، يخبر
تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول وَل38، وما جاء به من عند الله من الحق المبين
الذي لا مرية فيه، وسلك طريقاً أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا
ينفعه الندم، وعضَّ على يديه حسرة وأسفاً.
وسواء كان سبب نزولها في عُقبة بن أبي مُعَيط (٤) أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل
ظالم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَّا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَاْ ﴿ وَقَالُواْ
رَّنَآ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبُرَنَا فَأَضَلُّونَا اُلسَّبِيلَاْ ﴿ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَمْنَا كَبِيرًا
﴾ [الأحزاب]، فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلاً: ﴿يَلَيْتَنِ أَّخَذْتُ
يعني: من صرفه عن الهدى وعدل به
يَوَيْلَنَ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا
مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا مَنَ
إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، وسواء في ذلك أمية بن خلف أو أخوه أبي بن خلف أو
غيرهما، ﴿لَقَدْ أَضَلَِّى عَنِ اٌلْذِكْرِ﴾ وهو القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَآَتِ﴾؛ أي: بعد بلوغه إليّ، قال الله
تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾؛ أي: يخذله عن الحق ويصرفه عنه، ويستعمله في
الباطل ويدعوه إليه.
(١) أي: الزاملتين التي حصل عليهما عبد الله بن عمرو ها في غزوة اليرموك وفيها كتب من أهل الكتاب.
(٢) أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر ضيقًا، (الصحيح، صفات المنافقين، باب صفة القيامة والجنة
والنار ح٢٧٨٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٦/١٨ ح١١٧١٧) وضعف سنده محققوه.
(٤) وردت في هذا السبب مراسيل صحيحة يقوي بعضها بعضاً أخرجها ابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة
وعمرو بن ميمون.

٥٩٢
• سُوَدَّةُ الفُرْقَانَ (٣٠، ٣٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ
١٣٠
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُوْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا
اَلْمُجْرِمِنُّ وَكَفَى بِرَبِكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا
يقول تعالى مخبراً عن رسوله ونبيه محمد ◌ّ ليل أنه قال: ((يا ربَّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن
مهجوراً)) وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٣)﴾ [فصلت]، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن
أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه وترك الإيمان به وترك تصديقه
من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من
هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من
غيره، من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما يسخطه،
ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه
الذي يحبه ويرضاه، إنه كريم وهاب.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ﴾؛ أي: كما حصل لك يا محمد في قومك
من الذين هجروا القرآن، كذلك كان في الأمم الماضين، لأن الله جعل لكل نبي عدواً من
المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا
شَيَطِينَ أَلْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورَأْ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَُّونَ
وَلِتَصْغَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم ◌ُقْتِفُونَ (٣)﴾ [الأنعام]،
ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؛ أي: لمن اتبع رسوله وآمن بكتابه وصدقه
واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، وإنما قال: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لأن المشركين كانوا
يصدون الناس عن اتباع القرآن لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن، فلهذا قال:
.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبٍِ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِنُّ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًّا وَنَصِيرًا
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُنَّيْتَ بِهِ، فُؤَادَةٌ وَرَتَّلْتَهُ تَرْنِيلًا
وَلَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ
٠
أُوْلَئِكَ شَرٌ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (بَ
يقول تعالى مخبراً عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم وكلامهم فيما لا يعنيهم، حيث قالوا:
﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةٌ﴾ أي هلَّا أُنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة،
كما نزلت الكتب قبله جملة واحدة، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية،
فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنه إنما نزل منجماً في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع
والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام ليثبت قلوب المؤمنين به، كقوله: ﴿وَقُرْءَنًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَمُ عَلَى
النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَزَّلْنَهُ نَزِيلًا ﴾﴾ [الإسراء]، ولهذا قال: ﴿لِتُثَّبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكَ وَرَتَلْنَهُ تَرْتِيلًا﴾ قال
قتادة: بيناه تبييناً(١).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.

٥٩٣
• سُوَّرَّةُ الفُرْقَانَ (٣٥، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وفسرناه تفسيراً(١).
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾؛ أي: بحجة وشبهة ﴿إِلَّا ◌ِثْنَكَ بِلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾؛ أي: ولا يقولون قولاً
يعارضون به الحق، إلا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي: بما يلتمسون به عيب القرآن
والرسول ﴿إِلَّاّ ◌ِثْنَكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية؛ أي: إلا نزل جبريل من الله تعالى(٢) بجوابهم.
ثم في هذا اعتناء كبير لشرف الرسول وَلقر، حيث كان يأتيه الوحي من الله رمّ بالقرآن صباحاً
ومساء، وليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً، وكلّ مرة كان يأتيه الملك بالقرآن لا كإنزال كتاب مما قبله
من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى وأجلُّ وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء
صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمد وقلّ أعظم نبي
أرسله الله تعالى، وقد جمع الله للقرآن الصفتين معاً، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة من
اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك إلى الأرض منجماً بحسب
الوقائع والحوادث.
وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا أحمد بن سليمان، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا داود،
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل
بعد ذلك في عشرين سنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا ◌ِشْتَلَكَ بِآلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
وقال تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْتٍ وَنَّْتَهُ نَزِيلًا (®﴾(٣) [الإسراء].
ثم قال تعالى مخبراً عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة، وحشرهم إلى جهنم في
أسوأ الحالات وأقبح الصفات ﴿الَِّينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ ◌َكَانًا وَأَضَلُّ
سَبِيلًا (). وفي الصحيح عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على
وجهه يوم القيامة؟ فقال: ((إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة)) (٤)
وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وغير واحد من المفسرين.
جَ فَقُلْنَا أَذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ
﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرًا
E
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا فَدَقَّرْنَهُمْ تَدْمِيرًا ﴿ وَقَوْمَ نُوجِ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ أَغْرَفْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ
وَعَدًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ وَقُرُوْنَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرً ﴾ وَكُلَّ
ءَايَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا
وَلَقَدْ أَنُواْ عَلَى الْقَرْبَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ اٌلَّوْءٍ أَفَلَمْ يَكُونُواْ
٣٩
ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلِّ وَكُلَّا تَبَّرْنَا تَخْبِيرًا
يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ شُشُورًا ◌َ
يقول تعالى متوعداً من كذب رسوله محمداً وَل* من مشركي قومه ومن خالفهم، ومحذرهم من
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير به.
(٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، ح ١١٣٧٢) وسنده صحيح.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية ٩٧.

٥٩٤
• سُوَرَّةُ الفُرْقَانَ (٤٠،٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عقابه وأليم عذابه مما أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله، فبدأ بذكر موسى وأنه بعثه وجعل
معه أخاه هارون وزيراً؛ أي: نبياً مؤازراً ومؤيداً وناصراً، فكذبهما فرعون وجنوده ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
وَلِلْكَفِنَ أَمْثَلُهَا﴾ [محمد: ١٠]، وكذلك فعل بقوم نوح حين كذبوا رسوله نوحاً علَلا، ومن كذب
برسول فقد كذب بجميع الرسل، إذ لا فرق بين رسول ورسول، ولو فرض أن الله تعالى بعث
إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوجٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرُّسُلَ﴾ ولم يبعث
إليهم إلا نوح فقط، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ريق، ويحذرهم
نقمه ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ [هود: ٤٠] ولهذا أغرقهم الله جميعاً ولم يبق منهم أحداً، ولم يترك
من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ﴾؛ أي: عبرة
يعتبرون بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا ◌َغَا الْعَلَّمُ حَمَلْنَكُمْ فِي الْجَرِيَةِ ﴾ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ نَذْكِرَةً وَفِيَهَا أُذُنَّ وَعِيَّةٌ
(٣)﴾ [الحاقة]؛ أي: وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لُجج البحار لتذكروا نعمة الله عليكم
في إنجائكم من الغرق، وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق أمره.
وقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة،
كسورة الأعراف بما أغنى عن الإعادة.
وأما أصحاب الرس، فقال ابن جريج عن ابن عباس: هم أهل قرية من قرى ثمود (١).
وقال ابن جريج: قال عكرمة: أصحاب الرسّ بفلج، وهم أصحاب يس (٢).
وقال قتادة: فلج من قرى اليمامة(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا الضحاك بن مخلد أبو
عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ قال: بئر
بأذربيجان(٤) .
وقال الثوري عن أبي بُكير، عن عكرمة: الرسّ: بئر رسوا فيها نبيهم؛ أي: دفنوه بها(٥).
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب قال: قال رسول الله وَ له: ((إن أول الناس يدخل
الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله تعالى بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها
إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً فألقوه فيها، ثم أطبقوا
عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه
ويشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها،
فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت، قال: فكان ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه
ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، وهو لم يسمع من ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة بلفظ: ((أهل فلح وآبار كانوا عليها، وما
ذكره الحافظ ابن كثير أقرب للواقع بأنها الرس المعروفة في القصيم بالمملكة العربية السعودية)) .
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الثوري عن أبي بكير عن عكرمة.

٥٩٥
• سُوَّرَّةُ الفُرْقَانَ (٣٥، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً، ثم إنه هبَّ فتمطى فتحول لشقه
الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هبَّ واحتمل حزمته ولا يحسب إلا
أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشرابا كما كان يصنع، ثم إنه
ذهب إلى الحفيرة موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده، وكان قد بدا لقومه فيه بداء
فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه، قال: فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل، فيقولون له: لا
ندري، حتى قبض الله النبي، هبَّ الأسود من نومته بعد ذلك)) فقال رسول الله وَّه: ((إن ذلك الأسود
لأول من يدخل الجنة)). وهكذا رواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن محمد بن كعب
مرسلاً(١)، وفيه غرابة ونكارة، ولعل فيه إدراجاً، والله أعلم. وقال ابن جرير: لا يجوز أن يحمل
هؤلاء على أنهم أصحاب الرسّ الذين ذكروا في القرآن، لأن الله أخبر عنهم أنه أهلكهم، وهؤلاء قد
بدا لهم فآمنوا بنبيهم اللهم إلا أن يكون حدث لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم، والله أعلم.
واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة
البروج(٢)، فالله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَقُرُونَا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرً﴾ ؛ أي: وأمماً أضعاف من ذكر أهلكناهم كثيرة، ولهذا
قال: ﴿وَكُلَّا ضَرَيْنَا لَهُ الْأَمْثَلَّ﴾؛ أي: بينا لهم الحجج ووضحنا لهم الأدلة، كما قال قتادة:
وأزحنا الأعذار عنهم(٣) ﴿وَكُلَا تَبَّْنَا تَنْبِيرًا﴾؛ أي: أهلكنا إهلاكاً، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا
مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدٍ نُوبٍ﴾ [الإسراء: ١٧]. والقرن هو الأمة من الناس، كقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ
قُرُونًا ءَاخَرِينَ ﴾﴾ [المؤمنون] وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة. وقيل: بمائة. وقيل: بثمانين،
وقيل: أربعين، وقيل: غير ذلك، والأظهر أن القرن هم الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد وإذا
ذهبوا وخلفهم جيل فهم قرن آخر، كما ثبت في الصحيحين: ((خير القرون قرني، ثم الذين
يلونهم، ثم الذين يلونهم)) (٤) الحديث ﴿ وَلَقَدْ أَتَوْ عَلَى الْقَرْبَةِ الَّتِىّ أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ يعني: قرية قوم
لوط، وهي سدوم ومعاملتها التي أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي من سجيل، كما
﴾ [الشعراء]، وقال: ﴿وَإِنَّكُرْ لَنَمُونَ عَلَيْهِم
قال تعالى: ﴿وَأَقْطَرْنَا عَيْهِ مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (َ
مُقِيمٍ
(٣)﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ
وَبَلَيْلُ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
تُضِيَةٌ (3)
[الحجر]، وقال: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، ولهذا قال: ﴿أَفَلَمْ يَكُنُواْ يَرَوْنَهَا﴾؛
أي: فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول وبمخالفتهم أوامر الله
(١) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده ضعيف للإرسال وعنعنة محمد بن إسحاق، وضعفه الحافظ ابن كثير
سنداً ومتناً.
(٢) ليس هذا باختيار الطبري وإنما قال: ((ولا أعلم قوماً كانت لهم قصة بسبب حفرة ذكرهم الله في كتابه إلا
أصحاب الأخدود، فإن يكونوا هم المعنيِّين)) بقوله: ﴿وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ [الفرقان: ٣٨] فإنا سنذكر خبرهم إن
شاء الله إذا انتهينا إلى سورة البروج، وإن يكونوا غيرهم فلا نعرف لهم خبراً إلا ما جاء من جملة الخبر
عنهم أنهم قوم رسّوا نبيهم في حفرة إلا ما حدثنا ... ثم ذكر رواية ابن إسحاق المذكورة أعلاه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: ((كل قد أعذر الله إليه، ثم انتقم منه) .
(٤) الذي في الصحيح هو بلفظ: ((خير الناس قرني))، وصح عنه بلفظ: ((خير أمتي قرني)) (السلسلة الصحيحة
ح ١٨٤١).

٥٩٦
سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ (٤١، ٤٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿بَلْ كَانُوْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني: المارين بها من الكفار لا يعتبرون لأنهم لا يرجون
نشوراً؛ أي: معاداً يوم القيامة.
] ﴿وَإِذَا رَأَوْلَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَكَ اللَّهُ رَسُولًا (٣) إِن كَادَ لَيُضِلَّنَا عَنْ
ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَأَ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴿٨ أَيْتَ مَنِ
أَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْتَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ
٤٤
إِلَّا كَلْأَنْعَّ بَلَ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول و 8* إذا رأوه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، يعنون بالعيب
والنقص. وقال ههنا: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَبَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾﴾؛ أي:
على سبيل التنقيص والازدراء فقبحهم الله، كما قال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ
كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ (®﴾ [الرعد].
وقوله تعالى: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلاً أَنْ صَبْنَا عَلَيْهَا﴾ يعنون أنه كاد يثنيهم عن
عبادة الأصنام لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا عليها. قال الله تعالى متوعداً لهم ومتهدداً
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَيلًا﴾ .
ثم قال تعالى لنبيه منبهاً أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال، فإنه لا يهديه أحد إلا الله ريق
﴿أَرَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَئُهُ﴾؛ أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى نفسه كان دينه
ومذهبه، كما قال تعالى: ﴿أَفَنَ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَهُ حَسَنٌَّ فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ
فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَتِهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ولهذا قال ههنا: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُنُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ .
قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً، فإذا رأى غيره أحسن منه
عبد الثاني وترك الأول(١).
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَّحْسَبُ أَنَّ أَكْثَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْفِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلَّا كَلَنْعَجِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَكِيلًا
(٤)؛ أي: هم أسوأ حالاً من الأنعام السارحة، فإن تلك تعقل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا
لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال
الرسل إليهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الِظِلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنَا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً
٤٥
قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيْرًا ﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا
.
٤٧
من ههنا شرع ◌ً في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة
والمتضادة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَيِّكَ كَيْفَ مَذَّ الظِّلَّ﴾.
قال ابن عباس وابن عمر وأبو العالية وأبو مالك ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.

٥٩٧
• سُوْرَةُ الفُرْقَانَ (٤٨، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والضحاك والحسن وقتادة والسدي وغيرهم: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس(١).
﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: دائماً لا يزول، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ
اَلَيْلَ سَرْمَدًا﴾ الآيات [القصص: ٧١ - ٧٢].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾؛ أي: لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف، فإن
الضدَّ لا يعرف إلا بضدِّه.
وقال قتادة والسدي: دليلاً تتلوه وتتبعه حتى تأتي عليه كله(٢).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾﴾؛ أي: الظل. وقيل: الشمس ﴿يَسِيرًا﴾؛
أي: سهلاً .
قال ابن عباس: سريعاً(٣).
وقال مجاهد: خفياً (٤)
وقال السدي: قبضاً خفياً حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد
أظلت الشمس ما فوقه(٥) .
وقال أيوب بن موسى في الآية ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾: قليلاً قليلاً(٦).
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا﴾؛ أي: يلبس الوجود ويغشاه، كما قال تعالى:
﴿وَّلِ إِذَا يَفْتَى ﴾﴾ [الليل]، وقال: ﴿وَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنْهَا ﴾﴾ [الشمس].
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾؛ أي: قاطعاً للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تكلُّ من كثرة
الحركة في الانتشار بالنهار في المعاش، فإذا جاء الليل وسكن، سكنت الحركات فاستراحت،
فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معاً ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾؛ أي: ينتشر الناس فيه
لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم، كما قال تعالى: ﴿وَمِن زَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَّكُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُوا فِيهِ
وَلِتَبْثَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (®)﴾ [القصص].
(٤٨) لِنُحْعِىَ
2- ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ اُلْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا
بهے
بَلْدَةً مَّيْنَا وَنُقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا ﴿﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ
كُفُورًا (جَ﴾
الَّ
وهذا أيضاً من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات؛ أي:
(١) قول ابن عباس أخرجه البخاري تعليقاً (الصحيح، التفسير، سورة الفرقان قبل حديث رقم ٤٧٦٠)، ووصله
الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبقية المذكورين من
الصحابة والتابعين ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
(٢) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه ابن
أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد العزيز بن رفيع عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن أيوب بن موسى.

٥٩٨
• سُوْرَةُ الفُرْقَانَ (٤٨، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب،
ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشراً، ومنها ما يكون قبل
ذلك يقم الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ
طَهُورًا﴾؛ أي: آلة يتطهر بها كالسحور والوقود وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك.
وأما من قال إنه فعول بمعنى فاعل، أو إنه مبني للمبالغة والتعدي، فعلى كل منهما إشكالات من
حيث اللغة والحكم، ليس هذا موضع بسطها، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن أبي جعفر
الرازي، حدثني حميد الطويل، عن ثابت البناني قال: دخلت مع أبي العالية في يوم مطير،
وطرق البصرة قذرة، فصلى فقلت له، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾ قال: طهره ماء
السماء(١).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب، عن داود، عن سعيد بن المسيب في
هذه الآية قال: أنزله الله طهوراً لا ينجسه شيء (٢).
وعن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها النتن
ولحوم الكلاب؟ فقال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)) رواه الشافعي وأحمد وصححه وأبو داود
والترمذي وحسنه والنسائي(٣).
وروى ابن أبي حاتم بإسناده: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشعث حدثنا معتمر، سمعت أبي
يحدث عن سيار، عن خالد بن يزيد قال: كان عند عبد الملك بن مروان فذكروا الماء، فقال
خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه يسقيه الغيم من البحر فيغذ به الرعد والبرق، فأما ما كان
من البحر فلا يكون له نبات، فأما النبات فمما كان من السماء (٤).
وروي عن عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في
البحر لؤلؤة(٥).
وقال غيره: في البَرّ بُرّ وفي البحر دُرّ.
وقوله تعالى: ﴿لِّنُحْعِىَ بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا﴾؛ أي: أرضاً قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا
نبات فيها ولا شيء فلما جاءها الحياء عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان، كما قال
تعالى: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَقَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]، ﴿وَنُقِيَهُ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر الرازي وهو صدوق سيء الحفظ ويشهد له ما يليه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) الأم للشافعي ٩/١، والمسند ١٩٠/١٨ (ح١١١١٩)، وصححه محققوه بطرقه وشواهده، وسنن أبي داود،
الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة (ح٦٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٥٩)، وسنن
الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في أن الماء لا ينجسه شيء (ح٦٦)، وسنن النسائي، المياه، باب ذكر بئر
بضاعة ١٧٤/١.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن عبد الله الأصبهاني عن عكرمة.

٥٩٩
• سُوَرَّةُ الفُرْقَانَ (٤٨، ٥٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مِمَا خَلَقْنَا أَنْعَمَا وَأَنَاسِىَ كَثِيرًا﴾؛ أي: وليشرب منه الحيوان من أنعام، وأناسيّ محتاجين إليه غاية
الحاجة لشربهم وزروعهم وثمارهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ
وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِىُّ الْحَمِيدُ
١٨)﴾ [الشورىُ]، وقال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَائَرِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ
يْهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِ اٌلْمَوْقٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [الروم].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾؛ أي: أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب
يمر على الأرض ويتعداها ويتجاوزها إلى الأرض الأخرى، فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقاً،
والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة.
قال ابن عباس وابن مسعود رضيثه: ليس عام بأكثر مطراً من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء،
ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَقَدْ صَرَّفْتَهُ بَّنَهُمْ لِيَذَّكَُّواْ فَ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُورًا ﴾﴾(١)؛ أي: ليذكروا
بإحياء الله الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات والعظام الرفات، أو ليذكر من منع المطر
إنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيقلع عما هو فيه.
وقال عمر مولى غُفرة: كان جبريل ظلّل في موضع الجنائز(٢)، فقال له النبي ◌َّ: «يا جبريل
إني أُحب أن أعلم أمر السحاب)) قال: فقال له جبريل: يا نبي الله هذا ملك السحاب فسله،
فقال: تأتينا صكاك(٣) مختمة، اسقِ بلاد كذا وكذا، وكذا وكذا قطرة. رواه ابن أبي حاتم وهو
حديث مرسل (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ قال عكرمة: يعني الذين يقولون مُطرنا بنوء(٥)
كذا وكذا(٦)، وهذا الذي قاله عكرمة كما صحَّ في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن
رسول الله ◌َ أنه قال ولأصحابه يوماً على أثر سماء أصابتهم من الليل: (أتدرون ماذا قال
ربكم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال:
مُطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا وكذا،
فذاك كافر بي، مؤمن بالكواكب)»(٧) .
(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه، وأخرجه الحاكم من
الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٠٣/٢)، وقول ابن مسعود أخرجه الطبري البيهقي من
طريقين وصححه البيهقي (السنن الكبرى ٣٦٣/٣).
(٢) موضع الجنائز: هو مكان معروف في المسجد النبوي الشريف تجاه المنبر توضع فيه الجنائز للصلاة عليها
(ينظر: فتح الباري ١٩٩/٣).
(٣) صكاك: جمع صك وهو الكتاب (النهاية ٤٣/٣).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف لضعف عمر مولى عُفرة كما في التقريب، ولإرساله.
(٥) النوء: منزلة من ثمان وعشرين منزلة ينزل القمر كل ليلة منزلة منها، وسمي نوءاً لأنه إذا سقط منها بالمغرب
ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءاً أي: نهض وطلع (ينظر: النهاية ١٢١/٥، ١٢٢).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عن عكرمة.
(٧) أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني (الصحيح، الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء
ح ٧١).

٦٠٠
سُوَدَّةُ الفُرْقَانِ (٥١، ٥٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا ﴿ فَلَ تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا
وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرَهَا وَحِجْرًا نَحْجُورًا
(٥٣)
٥٤ )
وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيرًا ﴾﴾ يدعوهم إلى الله ◌َ، ولكنا خصصناك
يا محمد بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم القرآن ﴿لِأُنذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾ [الأنعام:
٢٩]، ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧]، ﴿وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾
[الأنعام: ٩٢]، ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وفي
الصحيحين: ((بعثت إلى الأحمر والأسود))(١)، وفيهما: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة،
وبعثت إلى الناس عامة))(٢) ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَجَهِدْهُم بِهِ﴾ يعني القرآن، قاله
ابن عباس(٣)، ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ
عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ اُلْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾؛ أي: خلق الماءين:
الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو العذب الفرات الزلال،
قاله ابن جريج(٤)، واختاره ابن جرير، وهذا المعنى لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن
وهو عذب فرات، والله ﴿ إنما أخبر بالواقع لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر
العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه الله تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهاراً وعيوناً في كل
أرض، بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم.
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا مِلْعُّ أُجَاجٌ﴾؛ أي: مالح مر زعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في
المشارق والمغارب: البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق، وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر
البصرة، وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر، وما شاكلها وما شابهها
من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح،
ومنها ما فيه مدُّ وجزر، ففي أول كل شهر يحصل منها مدُّ وفيض، فإذا شرع الشهر في النقصان
جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهلَّ الهلال من الشهر الآخر شرعت في المدِّ إلى
الليلة الرابعة عشرة، ثم تشرع في النقص، فأجرى الله صل وهو ذو القدرة التامة العادة بذلك،
فكلُّ هذه البحار الساكنة، خلقها الله وعمل مالحة لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود
بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ولما كان ماؤها مالحاً، كان هواؤها
صحيحاً وميتتها طيبة، ولهذا قال رسول الله وَله وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضاً به؟ فقال: ((هو
الطهور ماؤه، الحلّ ميتته))(٥) رواه الأئمة مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن بإسناد جيد.
(١)(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٢٠.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس وهو لم يلق ابن عباس.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة المائدة آية ٣.