النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
• سُورَةُ الَّنُوزِ (٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره(١). وهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد، عن ابن
عباس أنه قرأها كذلك: ((مثل نور من آمن بالله))(٢)، وقرأ بعضهم ((الله نور السموات والأرض))،
وعن الضحاك ((الله نوَّرَ السموات والأرض))(٣).
وقال السدي في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَِّ﴾: فبنوره أضاءت السموات والأرض (٤).
وفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله وَّ أنه قال في دعائه يوم
آذاه أهل الطائف: ((أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة
أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله))(٥).
وفي الصحيحين عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا قام من الليل يقول: ((اللَّهم
لك الحمد، أنت قَيّم السموات والأرض، ولك الحمد ومن فيهنَّ، أنت نور السموات والأرض
ومن فيهن ... )) الحديث(٦).
وعن ابن مسعود قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه.
وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهٍ﴾ في هذا الضمير قولان:
(٧)
(أحدهما): أنه عائد إلى الله ؛ أي مثل هداه في قلب المؤمن. قاله ابن عباس"
﴿ كيشكومٍ﴾ .
(والثاني): أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام تقديره: مثل نور المؤمن
الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن
المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾
[هود: ١٧] فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما
يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف،
فقوله: ﴿ كَمِشْكَوْمٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد: هو موضع الفتيلة من
القنديل(٨) هذا هو المشهور، ولهذا قال بعده: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو الذبالة التي تضيء.
وقال العوفي، عن ابن عباس: قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاٌ﴾
وذلك أن اليهود قالوا لمحمد ◌َّيهو: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله مثل ذلك
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم مقطعاً بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٣) قراءة شاذة تفسيرية.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٥) رواه ابن إسحاق بلاغاً (ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٢٠)، وسنده ضعيف.
(٦) صحيح البخاري، الجمعة، باب التهجد بالليل (ح١١٢٠)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء
في صلاة الليل (ح٧٦٩).
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كسابقه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من
طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول محمد بن كعب أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم بن
محمد العمري عنه.

٥٤٢
• سُورَةُ النّورِ (٣٥)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0
لنوره فقال: ﴿اَللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْقٍ﴾ والمشكاة كوة في البيت، قال: وهو
مثل ضربه الله لطاعته فسمى الله طاعته نوراً، ثم سماها أنواعاً شتى(١).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هن الكوة بلغة الحبشة(٢).
وزاد بعضهم فقال: المشكاة: الكوة التي لا منفذ لها(٣).
وعن مجاهد: المشكاة: الحدائد التي يعلق بها القنديل(٤)، والقول الأول أولى، وهو أن
المشكاة هو موضع الفتيلة من القنديل، ولهذا قال: ﴿فِهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو النور الذي في الذُبالة.
قال أُبيّ بن كعب: المصباح: النور، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره(٥) .
وقال السدي: هو السراج ﴿اَلْمِصْبَاحُ فِ زُجَاجَةٍ﴾ أي: هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية.
وقال أُبيّ بن كعب وغير واحد: وهي نظير قلب المؤمن(٦) ﴿الزُّجَاجَةُ كَنََّا كَوَّكَبُ دُرِىٌّ﴾ قرأ
بعضهم: بضم الدال من غير همزة من الدُر؛ أي كأنها كوكب من دُرّ، وقرأ آخرون: دِريء
ودُريء بكسر الدال وضمها مع الهمزة من الدرء(٧) وهو الدفع، وذلك أن النجم إذا رمي به يكون
أشد استنارة من سائر الأحوال، والعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري، قال أُبيّ بن
كعب: كوكب مضيء(٨).
وقال قتادة: مضيء مبين ضخم (٩) ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ﴾ أي: يستمد من زيت زيتون
شجرة مباركة ﴿زَيْتُنَةٍ﴾ بدل أو عطف بيان ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: ليست في شرقي بقعتها فلا
تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في غربيها فيقلص عنها الفيء قبل الغروب؛ بل هي في
مكان وسط تقرعه الشمس من أول النهار إلى آخره فيجيء زيتها صافياً معتدلاً مشرقاً.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد،
أخبرنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَيْتُنَّةٍ لَّا
شَرْفِيَّةٍ وَلَ غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء
وهو أجود لزيتها(١٠) .
وقال يحيى بن سعيد القطان، عن عمران بن حُدير، عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَّا
شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ﴾ قال: هي بصحراء وذلك أصفى لزيتها(١١) .
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك غزوان.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق داود ابن أبي هند عن مجاهد.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية عن أَبي ◌َّ ◌ُته.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كسابقه.
(٧) كلها قراءات متواترة.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كسابقه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مسدد وعن يحيى به.

٥٤٣
سُورَةُ النّورِ (٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمرو بن فروخ، عن حبيب بن
الزبير، عن عكرمة وسأله رجل عن قوله تعالى: ﴿زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةٍ﴾ قال: تلك بأرض
فلاة إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها فإذا غربت غربت عليها، فذلك أصفى ما يكون من
الزيت(١).
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿زَيْتُنَّةٍ لَّا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةٍ﴾ قال: ليست بشرقية لا تصيبها
الشمس إذا غربت ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولكنها شرقية وغربية تصيبها إذا
طلعت وإذا غربت(٢).
وعن سعيد بن جبير في قوله: ﴿زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِبِبَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ﴾ قال: هو أجود
الزيت، قال: إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق، فإذا أخذت في الغروب أصابتها
الشمس، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي فتلك لا تعد شرقية ولا غربية(٣).
وقال السدي قوله: ﴿زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِبِيَّةٍ﴾ يقول: ليست بشرقية يحوزها المشرق ولا
غربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها على رأس جبل أو في صحراء تصيبها الشمس النهار
(٤)
وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أنها في وسط الشجر ليست بادية للمشرق
ولا للمغرب.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في قول الله
تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال
كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، قال: فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من
الفتن وقد ابتلي بها، فيثبته الله فيها فهو بين أربع خلال، إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن
ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات(٥).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي
بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿زَيْتُنَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي وسط الشجر لا تصيبها
الشمس شرقاً ولا غرباً (٦).
وقال عطية العوفي: ﴿لََّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي شجرة في موضع من الشجر يرى ظل
ثمرها في ورقها، وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب(٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتکي، حدثنا عمرو بن
.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق خُصيف عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٥) أخرجه الطبري وأبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر به.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عن عطية العوفي.

٥٤٤
• سُورَةُ النُّورِ (٣٥)
0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿ّ في قوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا
غَرِيَّةٍ﴾ ليست شرقية ليس فيها غرب، ولا غربية ليس فيها شرق، ولكنها شرقية غربية(١).
وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرِيَّةٍ﴾ قال: هي القبلية(٢) (٣).
وقال زيد بن أسلم: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرِيَّةٍ﴾ قال: الشام(٤).
وقال الحسن البصري: لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه مثل
ضربه الله تعالى لنوره(٥) .
وقال الضحاك: ﴿يُقَدُ مِن شَجَرَقِ مُّبَرَكَةٍ﴾ قال رجل صالح ﴿زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَ غَرِبِيَّةٍ﴾ قال:
لا يهودي ولا نصراني(٦)، وأولى هذه الأقوال القول الأول، وهو أنها في مستوى من الأرض في
مكان فسيح بادٍ ظاهر ضاحٍ للشمس تقرعه من أول النهار إلى آخره ليكون ذلك أصفى لزيتها
وألطف، كما قال غير واحد ممن تقدم، ولهذا قال تعالى: ﴿يَكَّدُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ
نَارٌ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: لضوء إشراف الزيت(٧).
وقوله تعالى: ﴿ُورُ عَلَى نُورٍ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بذلك: إيمان العبد وعمله(٨).
وقال مجاهد والسدي: يعني: نور النار ونور الزيت(٩)، وقال أُبيّ بن كعب: ﴿نُورُّ عَلَى ثُورِّ﴾
فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره
إلى النور يوم القيامة إلى الجنة (١٠).
وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله تعالى:
﴿يَكَدُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال: يكاد محمد رَّه يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي،
كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء (١١).
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورِّ﴾ قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا
ولا يضيء واحد بغير صاحبه كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد.
(٢) أي: نحو القبلة جنوباً.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن كعب.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، وأُسامة ضعيف من قِبل
حفظه، كما في التقريب والتهذيب.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عن الحسن.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي هشام بن حوشب عن أبي سنان عن الضحاك، وأبو هشام لم أجد له
ترجمة، ومتنه غريب.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ عن عبد الرحمن.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٩) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه
بلفظ: ((النار على الزيت))، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه بلفظ ما ذكره
الحافظ ابن كثير.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية عن أبي.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم مقطعاً بسند حسن من طريق شمر به

٥٤٥
• سُورَةُ النّورِ (٣٦، ٣٨)
إلا بصاحبه (١)
.
وقوله تعالى: ﴿يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ أي: يرشد الله إلى هدايته من يختاره، كما جاء في
الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري،
حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن زيد، عن عبد الله [الديلمي](٢)، عن عبد الله بن عمرو:
سمعت رسول الله وَّله يقول: ((إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذٍ،
فمن أصاب من نوره يومئذٍ اهتدى، ومن أخطأ ضلّ، فلذلك أقول: جفَّ القلم على
علم الله رَات))(٣).
(طريق أخرى عنه): قال البزار: حدثنا أيوب، عن سويد، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني،
عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله وَله يقول: ((إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى
عليهم نوراً من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ)) ورواه البزار عن عبد الله بن
عمرو من طريق آخر بلفظه وحروفه(٤).
وقوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَثَلَ لِلنَّاسِنُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ لما ذكر تعالى هذا مثلاً لنور
هداه في قلب المؤمن ختم الآية بقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْتَلَ لِلنَّاسِنَّ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو
أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال.
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية، يعني شيبان، عن ليث، عن عمرو بن
مرة، عن أبي البُختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَليون: ((القلوب أربعة: قلب
أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح.
فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما
القلب المنكوس فقلب المنافق، عرَفَ ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق،
ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم
والقيح؛ فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه))(٥). إسناده جيد ولم يخرجوه.
- ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيَهَا اسْمُمُ يُسَيِّحُ لَهُ فِيَهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ﴿ رِجَالٌ لَّا
نُلْهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَاءِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةِّ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ
◌ِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِةٍ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (جَا﴾
لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٢) كذا في (ح) و(حم) والمسند وترجمته، وفي الأصل صُحف إلى: ((الديلي)).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، (المسند ٢١٩/١١ ح٦٦٤٤)، وصحح سنده محققوه.
(٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢١٤٥)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله الديلمي عن
عبد الله بن عمرو له، كما في الحديث السابق، الصحيح السند.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٨/١٧ ح١١١٢٩)، وضعف سنده محققوه، وجود الحافظ ابن
كثير سنده، والحق أنه ضعيف لانقطاعه بين أبي البختري وأبي سعيد الخدري
ته .

٥٤٦
• سُورَةُ النّذِ (٣٦، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحبّ البقاع
إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يُعبد فيها ويُوحّد فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ
تُرْفَعَ﴾ أي: أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق
فيها. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ
تُرْفَعَ﴾ قال نهى الله سبحانه عن اللغو فيها (١)، وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن
جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وسفيان بن حسين وغيرهم من العلماء المفسرين(٢).
وقال قتادة: هي هذه المساجد أمر الله ◌َلَ ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها. وقد ذُكر لنا أن
كعباً كان يقول: مكتوب في التوراة ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن
وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته، وحقُّ على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي
(٣)
حاتم في تفسيرهُ
وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها وذلك له
محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءاً على حدة، ولله الحمد والمنّة، ونحن بعون الله
تعالى نذكر هاهنا طرفاً من ذلك، إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان؛ فعن أمير المؤمنين
عثمان بن عفان ربه قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله
له مثله في الجنة»، أخرجاه في الصحيحين (٤).
وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب وبه قال: قال رسول الله وَله: ((من بنى مسجداً يذكر
فيه اسم الله بنى الله له بيتاً في الجنة))(٥)، والنسائي عن عمرو بن عنبسة مثله(٦)، والأحاديث في
هذا كثيرة جداً.
وعن عائشة ﴿ّا قالت: أمر رسول الله وَله ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. رواه
أحمد وأهل السنن إلا النسائي (٧)، ولأحمد وأبي داود عن سَمُرة بن جندب نحوه(٨).
٠٠
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي وزيادة: و((هي المساجد تُكرم ... )).
(٢) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وأما الشطر الآخر عن كعب
الأحبار ففيه انقطاع لأن قتادة لم يسمع من كعب.
(٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب من بنى مسجداً (ح٤٥٠)، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل بناء
المساجد والحث عليها (ح ٥٣٣).
(٥) سنن ابن ماجه، المساجد، باب من بنى مسجداً (ح٧٣٥)، وسنن النسائي، المساجد، باب الفضل في بناء
المساجد ٣١/٢، وسند ابن ماجه منقطع؛ لأنه رواه من طريق عثمان بن عبد الله عن عمر، وعثمان لم
يسمع من عمر (ينظر: مصباح الزجاجة ٢٦٠/١)، ويشهد له حديث عمرو بن عنبسة والحديث السابق.
(٦) سنن النسائي، المساجد، باب الفضل في بناء المساجد ٣١/٢.
(٧) (المسند ٣٩٧/٤٣ ح٢٦٣٨٦)، وصححه محققوه بشواهده، وسنن أبي داود، الصلاة، باب اتخاذ المساجد في
الدور (ح٤٥٥)، وسنن الترمذي، أبواب السفر، باب ما ذكر في تطييب المساجد (ح٥٩٤) وسنن ابن ماجه،
المساجد، باب تطهير المساجد وتطييبها (ح٧٥٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٣٦).
(٨) (المسند ١٧/٥)، وسنن أبي داود، الباب السابق (ح٤٥٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٤٣٧).

٥٤٧
• سُوَرَّةُ النُّورِ (٣٦، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال البخاري: قال عمر: ابنِ للناس ما يكنُّهم، وإياكَ أن تحمِّر أو تصفّر فتفتن الناس(١).
وروى ابن ماجه قال: قال رسول الله وسلم: ((ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم)) وفي
إسناده ضعف(٢).
وروى أبو داود، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((ما أمرت بتشييد المساجد)) قال
ابن عباس: لتزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى(٣).
وعن أنس به قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)).
رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي (٤).
وعن بُريدة: أن رجلاً أنشد في المسجد فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر، فقال النبي
((لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له)) رواه مسلم(٥) .
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله وَّر عن البيع والابتياع وعن
تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي: حسن(٦).
وعن أبي هريرة به أن رسول الله وَ ﴾ قال: ((إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا:
لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالَّة في المسجد فقولوا: لا ردَّ الله عليك)). رواه
الترمذي وقال: حسن غريب(٧).
وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعاً قال: خصال لا تنبغي في المسجد: لا
يتخذ طريقاً، ولا يشهر فيه سلاح، ولا ينبض (٨) فيه بقوس، ولا ينثر فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم
نيء، ولا يضرب فيه حدّ، ولا يقتص فيه أحد، ولا يتخذ سوقاً (٩).
(١) صحيح البخاري، الصلاة، باب بنيان المسجد بعد حديث ٤٤٥.
(٢) سنن ابن ماجه، المساجد، باب تشييد المساجد (ح٧٤١)، وسنده موضوع؛ لأن فيه جبارة بن المغلس وهو
كذاب.
(٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب في بناء المساجد (ح٤٤٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١).
(٤) (المسند ١٣٤/٣)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في المساجد (ح٤٤٩)، وسنن النسائي،
المساجد، باب المباهاة في المساجد ٣٢/٢، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب تشييد المساجد (ح٧٣٩)،
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣٢).
(٥) صحيح مسلم، المساجد، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد (ح٥٦٩).
(٦) المسند ١٧٩/٢، وسنن أبي داود، الصلاة، باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (ح١٠٧٩)، وسنن
الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كراهية البيع والشراء ... (ح٣٢٢)، وسنن النسائي، المساجد، باب
النهي عن البيع والشراء في المسجد ٤٧/٢، وسنن ابن ماجه، المساجد والجماعات (ح٧٤٩)، وحسنه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٩٥٦).
(٧) سنن الترمذي، أبواب البيوع، باب النهي عن البيع في المسجد (ح١٣٢١)، ويشهد له حديث بريدة ظـ
المتقدم في صحيح مسلم.
(٨) أي: لا یشد فيه.
(٩) سنن ابن ماجه، المساجد والجماعات، باب ما يكره في المساجد (ح٧٤٨)، وسنده ضعيف فيه زيد بن
جبيرة وهو ضعيف كما في التقريب.

٥٤٨
• سورة النورِ (٣٦، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله وسلم قال: ((جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم،
وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم، واتخذوا على
أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع))(١) ورواه ابن ماجه أيضاً وفي إسنادهما ضعف.
أما أنه لا يتخذ طريقاً فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه، وفي
الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه. وأما أنه لا يشهر فيه السلاح
ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل، فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه،
ولهذا أمر رسول الله ﴿ إذا مرّ أحد بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحداً، كما ثبت
ذلك في الصحيح(٢)، وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه،
كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث، وأما أنه لا يضرب فيه حدّ أو يقتص فلما
يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع، وأما أنه لا يتخذ سوقاً، فلما تقدم من
النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه، كما قال النبي وسل ◌ّ لذلك
الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: ((إن المساجد لم تبنَ لهذا، إنما بنيت لذكر الله والصلاة
فيها)) ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله(٣).
وفي الحديث الثاني: ((جنّبوا مساجدكم صبيانكم)) وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم، وقد
كان عمر بن الخطاب به إذا رأى صبياناً يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدُرَّة،
وكان يعسُّ(٤) المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحداً.
((ومجانينكم)) يعني: لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم، فيؤدي إلى اللعب فيها، ولما
يخشى من تقذيرهم المسجد، ونحو ذلك.
(وبيعكم وشراءكم)) كما تقدم ((وخصوماتكم)) يعني: التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من
العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد؛ بل يكون في موضع غيره لما فيه
من كثرة الحكومات والتشاجر العياط(٥) التي لا يُناسبه، ولهذا قال بعده: ((ورفع أصواتكم)).
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا [الجعيد بن عبد الرحمن
قال: حدثني يزيد بن حصيفة](٦)، عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائماً في المسجد
فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فائتني بهذين فجئته بهما فقال: من
أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما،
ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله وَلٍ؟(٧).
وقال النسائي: حدثنا سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن
(١) سنن ابن ماجه، المساجد، باب ما يكره في المساجد (ح٧٤٨)، قال البوصيري: فيه زيد بن جبيرة، قال
ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف (مصباح الزجاجة ٢٦٤/١).
(٢) صحيح مسلم، البر والصلة (ح٢٦١٥).
(٣) ينظر: صحيح البخاري، الوضوء، باب صبّ الماء على البول في المسجد (ح٢٢٠).
(٥) أي: الصراخ والصياح.
(٤) أي: يطوف بالليل ساهراً.
(٦) كذا في (ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل صُحفت إلى: ((عبد الرحمن بن يزيد بن خصيف)).
(٧) صحيح البخاري، الصلاة، باب رفع الصوت في المسجد (ح ٤٧٠).

٥٤٩
سُورَةُ النّورِ (٣٦، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد
فقال: أتدري أين أنت؟(١). وهذا أيضاً صحيح.
وقوله: ((إقامة حدودكم وسلّ سيوفكم)) تقدما .
وقوله: ((واتخذوا على أبوابها المطاهر)) يعني: المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء
الحاجة. وقد كانت قريباً من مسجد رسول الله ( * آبار يستقون منها فيشربون ويتطهرون
ویتوضؤون وغير ذلك.
وقوله: ((وجمروها في الجمع)) يعني: بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذٍ.
وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن
عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صل18 كل
جمعة(٢). إسناده حسن لا بأس به، والله أعلم.
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله * قال: ((صلاة الرجل في الجماعة تضعف على
صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج إلى
المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا
صلى لم تَزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللَّهم صلِّ عليه، اللَّهم ارحمه، ولا يزال
في صلاة ما انتظر الصلاة))(٣).
وعند الدارقطني مرفوعاً: ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد))(٤).
وفي السنن: ((بشر المشّائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة))(٥).
ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى وأن يقول، كما ثبت في صحيح البخاري
عن عبد الله بن عمر ظًا، عن رسول الله وَلّر: أنه كان إذا دخل المسجد يقول: ((أعوذ بالله
العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)) قال: ((فإذا قال ذلك قال
الشيطان: حفظ مني سائر اليوم)»(٦).
(١) ينظر: تحفة الأشراف ٤/٨، وصححه الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٧٠ ح ١١٩٠)، وضعفه محققه لضعف عبد الله بن عمر العمري،
ونقل عن الهيثمي أنه مختلف فيه (مجمع الزوائد ١١/٢)، وحسنه الحافظ ابن كثير.
(٣) صحيح البخاري، الأذان، باب فضل صلاة الجماعة (ح ٦٤٧)، وصحيح مسلم، المساجد، باب فضل
صلاة الجماعة (ح٦٤٩).
(٤) أخرجه الدراقطني بسند فيه سليمان بن داود اليمامي (السنن، الصلاة، باب الحث لجار المسجد على
الصلاة فيه إلا من عذر ٤٢٠/١)، وسنده ضعيف لضعف سليمان (ينظر: العلل المتناهية لابن الجوزي
ح٦٩٣)، وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن داود به (المستدرك ٢٤٦/١)، وأخرجه الدارقطني من
حديث جابر ربه وفي سنده محمد بن مسكين (المصدر السابق)، وقال الذهبي: محمد بن مسكين لا يعرف
وخبره منكر (ميزان الاعتدال ٣/ ٥٦٧).
(٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في المشي إلى الصلاة في الظلم (ح٥٦١)، وسنن الترمذي، الصلاة،
باب ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة (ح٢٢٣)، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب المشي إلى
الصلاة (ح٧٧٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٦٣٢).
(٦) أخرجه أبو داود وليس البخاري (السنن، الصلاة، باب ما يقول الرجل عند دخوله المسجد ح٤٦٦)، =

٥٥٠
سُورَةُ النّورِ (٣٦، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وروى مسلم بسنده عن أبي حميد أو أبي أُسيد قال: قال رسول الله وَّ: ((إذا دخل أحدكم
المسجد فليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللَّهم إني أسألك فضلك))(١)،
ورواه النسائي عنهما عن النبي وَالطّ. وعن أبي هريرة ◌َظُه قال: قال رسول الله وَلّى: ((إذا دخل
أحدكم المسجد فليسلم على النبي وَّةِ، وليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم
اعصمني من الشيطان الرجيم)). ورواه ابن ماجه وابن خزيمة وابن
على النبي ◌َّةٍ وليقل: اللهم
حبان في صحيحيهما(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن
حسين، عن أُمه فاطمة بنت حسين، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله وَّر قالت: كان رسول الله وَ له
إذا دخل المسجد ◌َّ# صلى على محمد وسلّم ثم قال: ((اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب
رحمتك)) وإذا خرج صلى على محمد وسلّم ثم قال: ((اللَّهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب
فضلك))(٣). ورواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي، هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل؛
لأن فاطمة بنت حسين الصغرى لم تدرك فاطمة الكبرى (٤)، فهذا الذي ذكرناه مع ما تركناه من
الأحاديث الواردة في ذلك كله لحال الطول، داخل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِّنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ .
وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيَهَا اسْمُهُ﴾ أي: اسم الله، كقوله: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
[الأعراف: ٣١]، وقوله: ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف:
٢٩]، وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾﴾ [الجزء]، [وقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا
اسْمُهُ﴾](٥) قال ابن عباس: يعني فيها يتلى كتابه (٦).
وقوله تعالى: ﴿يُسَيِّحُ لَهُ فِيهَا بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ أي: في البكرات والعشيات. والآصال: جمع
أصيل، وهو آخر النهار.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة (٧).
= وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٤١).
(١) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب ما يقول إذا دخل المسجد (ح ٧١٣).
(٢) سنن النسائي، المساجد، باب القول عند دخول المسجد ٥٣/٢، وسنن ابن ماجه، المساجد، باب الدعاء
عند دخول المسجد (ح٧٧٢)، وصحيح ابن خزيمة (ح٤٥٢)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان
(ح٢٠٤٨)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجه ١/ ٩٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه
(ح ٦٢٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٠٧/١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/٤٤ ح ٢٦٤١٦)، وقال محققوه: صحيح لغيره، دون قوله:
((اللهم اغفر لي ذنوبي)) فحسن.
(٤) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء ما يقول عند دخوله المسجد (ح٣١٤)، وسنن ابن ماجه، المساجد،
باب الدعاء عند دخول المسجد (ح٧٧١)، وحسنه الحافظ ابن حجر (نتائج الأفكار ٢٨٤/١)، ويشهد له
حديث مسلم عن أبي أُسيد أو أبي حميد المتقدم.
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل سقط.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الفريابي من طريق عمار الدهني عن سعيد بن جبير به (ينظر: تغليق التعليق ٢٣٩/٤)، وسنده
حسن، وأخرجه الطبري من طريق عمار به.

٥٥١
• سورة النورٍ (٣٦، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة
العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما وأن يذكر بهما عباده (١). وكذا
قال الحسن والضحاك: ﴿يُسَبِّحُ لَهُمْ فِهَا بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء
﴿يُسَبَحِ لَهُ فِيَها بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ﴾ بفتح الباء(٢) من ((يسبح)) (٣) على أنه مبني لما لم يسم فاعله
وقف على قوله: ﴿وَلْأَصَالِ﴾ وقفاً تاماً وابتدأ بقوله: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾
وكأنه مفسر للفاعل المحذوف، كما قال الشاعر:
ليبكَ يزيد ضارع(٤) لخصومة ومختبظٌ مما تطيح الطوائح(٥)
كأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه، وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال. وأما على
قراءة من قرأ ﴿يُسَيِّحُ﴾ بكسر الباء فجعله فعلاً وفاعله ﴿رِجَالٌ﴾ فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل؛
لأنه تمام الكلام فقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية التي
بها صاروا عمّاراً للمساجد التي هي بيوت الله فى أرضه ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه،
كما قال تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وأما النساء
فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن، لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضيُه، عن النبي وَّ
قال: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها(٦)، وصلاتها في مخدعها(٧) أفضل
من صلاتها في بيتها))(٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو، عن أبي السمح،
عن السائب مولى أُم سلمة، عن أم سلمة عنّا، عن رسول الله وَ له قال: ((خير مساجد النساء قعر
بیوتهن)»(٩) .
وقال أحمد أيضاً: حدثنا هارون، أخبرني عبد الله بن وهب، حدثنا داود بن قيس، عن
عبد الله بن سويد الأنصاري، عن عمته أُم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي (وَل
فقالت: يا رسول الله إنى أحب الصلاة معك. قال: ((قد علمت أنك تحبين الصلاة معي،
وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في
دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من
صلاتك في مسجدي)) قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت واللهِ
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن، وقول الضحاك أخرجه البُستي بسند
حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.
(٣) قراءة متواترة.
(٤) أي: ذليل.
(٥) ذكره ابن هشام في مغني اللبيب ٦٤٨/٢.
(٦) أي: صحن الدار الذي تكون أبواب البيوت إليها .
(٧) أي: البيت الصغير الذي يكون داخل البيت يحفظ فيه الأمتعة النفيسة.
(٨) سنن أبي داود، الصلاة، باب التشديد في ذلك (ح ٥٨٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(ح ٥٣٣).
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٤/٤٤ ح ٢٦٥٤٢)، وحسن سنده محققوه بالشواهد.

٥٥٢
• سُورَةُ النّورِ (٣٦، ٣٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
تصلي فيه حتى لقيت الله تعالى(١). لم يخرجوه.
هذا ويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحداً من الرجال بظهور زينة ولا ريح
طيب، كما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله وَلقول: ((لا تمنعوا
إماء الله مساجد الله)) رواه البخاري ومسلم(٢)، ولأحمد وأبي داود: ((وبيوتهن خير لهن))(٣). وفي
رواية: ((ولیخرجن وهن تفلات))(٤)؛ أي: لا ريح لهن.
وقد ثبت في صحيح مسلم، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ويليه:
((إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً))(٥).
وفي الصحيحين عن عائشة ينا أنها قالت: كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول الله وَ الر،
ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس(٦).
وفي الصحيحين عنها أيضاً أنها قالت: لو أدرك رسول الله و 18 ما أحدث النساء لمنعهن من
المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل(٧).
وقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللّهِ﴾، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تُلْمِكُمْ أَقَوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
[المنافقون]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ
وَذَرُواْ الْبَيْعَّ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾﴾ [الجمعة] يقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها
وزينتها وملاذ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي
عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم؛ لأن ما عندهم ينفد وما عند الله باقٍ، ولهذا قال تعالى:
﴿لَّا نُذْهِمْ تِخَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةَ﴾ أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته
علی مرادهم ومحبتهم.
قال هشيم: عن سيار قال: حُدثت عن ابن مسعود أنه رأى قوماً من أهل السوق حيث نودي
للصلاة المكتوبة تركوا بياعاتهم ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء من الذين
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٧/٤٤ ح ٢٧٠٩٠)، وحسن سنده محققوه، وقال الهيثمي:
ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري وثقه ابن حبان (مجمع الزوائد ٣٣/٢، ٣٤)،
وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٢/ ٣٥٠).
(٢) صحيح البخاري، الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان؟ (ح ٩٠٠)،
وصحيح مسلم، الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد ... (ح٤٤٢).
(٣) المسند ٧٦/٢، وسنن أبي داود، الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (ح ٥٦٧)، وصححه
الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٥٣٠).
(٤) المصدر السابق (ح٥٦٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٥٢٩).
(٥) صحيح مسلم، الصلاة، باب خروج النساء إلى المساجد (ح٤٤٣).
(٦) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر (ح٥٧٨)، وصحيح مسلم، المساجد، باب
استحباب التبكير بالصبح (ح٦٤٥).
(٧) صحيح البخاري، الأذان، باب انتظار الناس قيام الإمام (ح٨٦٩)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب خروج
النساء إلى المساجد (ح٤٤٥).

٥٥٣
• سُورَةُ النّورِ (٣٦، ٣٨)
ذكر الله في كتابه ﴿رَجَالٌ لَّا تُلْهِهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ... ﴾(١) الآية، وهكذا روى عمرو بن
دينار القهرماني، عن سالم، عن عبد الله بن عمر ◌ًا أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة،
فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ
اللَّهِ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله بن بكير الصنعاني، حدثنا أبو سعيد
مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن بجير، حدثنا أبو عبد رب قال: قال أبو الدرداء ◌َظ ◌ُه: إني
قمت على هذا الدرج أبايع عليه، أربح كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في
المسجد، أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحبُّ أن أكون من الذين قال الله فيهم:
﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾(٣).
وقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق
المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا
سالم هذه الآية ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِمْ فِحَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَهِ﴾ ثم قال: هم هؤلاء(٤)، وكذا قال
سعيد بن أبي الحسن والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها(٥).
وقال مطر الورّاق: كانوا يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده
خفضه وأقبل إلى الصلاة(٦).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿لَّا نُلْهِمْ تَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقول: عن
الصلاة المكتوبة (٧)، وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أنس(٨) ..
وقال السدي: عن الصلاة في جماعة(٩).
وقال مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله وأن
يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها (١٠).
وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ أي: يوم القيامة الذي تتقلب فيه
القلوب والأبصار؛ أي من شدّة الفزع وعظمة الأهوال، كقوله: ﴿وَأَنَذِرّهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى
الْخَنَاجِرِ كَظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨].
(١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن ابن مسعود.
(٢) أخرجه عبد الرزاق والطبري وابن أبي حاتم كلهم من طريق عمرو بن دينار به، وسنده ضعيف لضعف
عمرو بن دينار، كما في التقريب.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده جيد.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم وفي سنده أيضاً عمرو بن دينار، وهو ضعيف.
(٥) قول سعيد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شعبة وعوف الأعرابي عنه، وقول الضحاك
أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عبد الله بن شوذب عن مطر.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٨) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.

٥٥٤
سُورَةُ النَّوْرِ (٣٩، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ اُلْطَّعَامَ عَلَى
حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَبَنِمًا وَأَسِيرًا ﴿ إِنََّا نُطِعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا تُبِدُ مِنْكُمْ جَزَ وَلَا شُكُورًا ﴿ إِنَّا نَخَفُ مِن زَِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا
فَطَرِيرًا ﴿ فَوقَهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَرِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿ وَجَزَّهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرً (13)﴾ [الإنسان].
وقوله تعالى ههنا: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ أي: هؤلاء من الذين يتقبل حسناتهم ويتجاوز
عن سيئاتهم. وقوله: ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنَّهُ أَجْرًّا عَظِيمًا
[النساء]، وقال تعالى: ﴿مَنْ جَّمَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهًا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال: ﴿مَّن ذَا الَّذِى
يُفْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ: أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقال: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾
[البقرة: ٢٦١] وقال ههنا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ كَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وعن ابن مسعود أنه جيء بلبن فعرضه
على جلسائه واحداً واحداً، فكلهم لم يشربه؛ لأنه كان صائماً، فتناوله ابن مسعود فشربه لأنه
كان مفطراً، ثم تلا قوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾، رواه النسائي وابن أبي
حاتم من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة عنه(١).
وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن
إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قال رسول الله وَلو: ((إذا
جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء منادٍ فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل
الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، فيقومون وهم قليل،
ثم يحاسب سائر الخلائق))(٢) .
وروى الطبراني من حديث بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن أبي
وائل، عن ابن مسعود، عن النبي ◌َّرَ في قوله: ﴿لِيُوَفِيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ،﴾ قال:
((﴿أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر: ٣٠] يدخلهم الجنة، ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ الشفاعة، لمن وجبت له الشفاعة
لمن صنع لهم المعروف في الدنيا))(٣).
2] ﴿وَلَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الَّمْثَانُ مَآءَ حَّةٍ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ
عِندَهُ فَوَقَّنْهُ حِسَابَةُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿ أَوْ كَظُلُمَتٍ فِ بَحْرٍ لُّبِيِّ يَغْشَنُهُ مَوْجُ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ،
سَحَابٌ مُظْلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَهَا وَمَنْ لَّمَ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (®)﴾.
هذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعي الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين: نارياً
ومائياً، وكما ضرب لما يقر في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين: مائياً ونارياً،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الأعمش به، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به، وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٣٩٩/٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق وهو ضعيف، وشهر بن حوشب فيه
مقال، وقد روي من طرق أخرى تقويه فقد أخرجه الحاكم من حديث عقبة بن عامر الجهني وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٣٩٩/٢).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ١٧٣.

٥٥٥
• سُورَّةُ النّورِ (٣٩، ٤٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنّة.
فأما الأول من هذين المثلين، فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم الذين يحسبون أنهم على شيء من
الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم في ذلك كالسراب الذي يرى
في القيعان من الأرض من بعد كأنه بحر طام، والقيعة: جمع قاع كجار وجيرة، والقاع أيضاً
واحد القيعان، كما يقال: جار وجيران، وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة وفيه يكون
السراب، وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار، وأما الآل فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين
السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء يحسبه ماء قصده ليشرب منه، فلما
انتهى إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، فكذلك الكافر يحسب أنه قد عمل عملاً وأنه قد حصل شيئاً، فإذا
وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها ونوقش على أفعاله، لم يجد له شيئاً بالكلية قد قبل، إما لعدم
الإخلاص أو لعدم سلوك الشرع، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَآءُ
مَنْتُورًا (٣)﴾ [الفرقان]، وقال ههنا: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَقَّئُهُ حِسَابَةٌ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وهكذا روي
عن أبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وغير واحد(١).
وفي الصحيحين: أنه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد عزير
ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون؟ فيقولون: يا رب عطشنا فاسقنا، فيقال:
ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سرابٌ يحطم بعضها بعضاً، فينطلقون فيتهافتون فيها(٢).
وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب، فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الطماطم
الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون، فمثلهم كما قال تعالى: ﴿أَوْ
كَظْلِمَتِ فِ بَحْرٍ لُّجِ﴾ قال قتادة: ﴿ُِّّ﴾ُ هو العميق(٣). ﴿يَغْشَنُهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ، مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ،
سَحَابٌ مُظْلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ بَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَهَاً﴾ أي: لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام،
فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط، المقلد الذي لا يعرف حال من يقوده، ولا يدري أين
يذهب، بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم، قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال:
لا أدري.
وقال العوفي: عن ابن عباس رضيّ ﴿يَغْشَنُهُ مَوْجٌ ... ) الآية: يعني بذلك الغشاوة التي على
القلب والسمع والبصر، وهي كقوله: ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ ... ) الآية
[البقرة: ٧]، وكقوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلٍْ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ،
غِشَةَ ... ﴾ الآية [الجاثية: ٢٣](٤). وقال أُبيّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿ظُلُمَتُ بَعْضُهَا فَوْقَ
(١) قول أبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية عنه، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم
والطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند صحيح
من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة النساء (ح٤٥٨١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية
(ح ١٨٣).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.

٥٥٦
سُودَةُ النّورِ (٤١، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
بَعْضٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من الظلم فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ومخرجه ظلمة،
ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار (١)، وقال السدي والربيع بن أنس نحو ذلك أيضاً(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَجْعَلِ اَللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل،
حائل، بائر، كافر، كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَمُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وهذا في مقابلة ما
قال في مثل المؤمنين: ﴿يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ مَن كَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥]، فنسأل الله العظيم أن يجعل في
قلوبنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً، وأن يعظم لنا نوراً.
] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ صَنَّفَّتٍ كُلُّ قَدْ عَلِمَ صَلَنَهُ وَتَسْبِحَمُ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿ وَلِلَِّ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
يخبر تعالى أنه يسبح له من في السموات والأرض؛ أي من الملائكة والأناسي والجان
والحيوان حتى الجماد، كما قال تعالى: ﴿تُيَعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا
يُسَِّحُ بِجْهِ وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمّ ◌ِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾﴾ [الإسراء].
وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرُ ضَفَّتٍ﴾ أي: في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها
وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلِّ قَدْ عَلِمَ صَلَهُ وَتَسْبِحَةٌ﴾ أي: كل
قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله . ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه من
ذلك شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ .
ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض، فهو الحاكم المتصرف الإله المعبود الذي لا
تنبغي العبادة إلا له ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء
﴿لِيَجْرِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]، فهو الخالق المالك، ألا له
الحكم في الدنيا والأخرى، وله الحمد في الأولى والأخرة.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُمُ زَكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ، وَيُنَزِّلُ مِنَ
السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَّهُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِ يَذْهَبُ بِلْأَبْصَرِ
٤٣
يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ (@)﴾ .
يذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ
بَيْنَهُ﴾ أي: يجمعه بعد تفرقه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُمُ رُكَامًا﴾ أي: متراكماً، أي: يركب بعضه بعضاً ﴿فَتَرَى
الْوَدْقَ﴾ أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَلِهِ﴾ أي: من خلله، وكذا قرأها ابن عباس والضحاك(٣).
قال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المثيرة فتقم الأرض قماً، ثم يبعث الله الناشئة فتنشئ
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي العالية به.
(٢) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه أبي حاتم
بسند جيد من طريق سليمان بن عامر عنه.
(٣) هذه القراءة شاذة تفسير، وما نسب عن ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف عن طريق رجل مجهول عن
ابن عباس، وقراءة الضحاك أخرجها الطبري بسند حسن من طريق قتادة عنه.

٥٥٧
• سُوَرَّةُ النّورِ (٤٥، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب. رواه ابن أبي
حاتم وابن جرير(١) رحمهما الله.
وقوله: ﴿وَيُثَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ قال بعض النحاة: ﴿مِنَ﴾ الأولى لابتداء الغاية،
والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس، وهذا إنما يجيء على قول من ذهب من المفسرين إلى
أن قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ معناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد.
وأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب، فإن ﴿مِنَ﴾ الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضاً،
لكنها بدل من الأولى، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَن يَشَاءُ﴾ يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَيُصِيبُ
بِهِ﴾ أي: بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد، فيكون قوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ﴾ رحمة
لهم ﴿وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ﴾ أي: يؤخر عنهم الغيث، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَيُصِيبُ
يِهِ﴾ أي: بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من نثر ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم،
﴿وَبَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ﴾ رحمة بهم.
وقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَرِ﴾ أي: يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا
اتبعته وتراءته .
وقوله تعالى: ﴿يُقَلِبُ اللَّهُ اَلَيْلَ وَالنَّهَارُ﴾ أي: يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا في قصر هذا
حتى يعتدلا، ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول الذي كان قصيراً ويقصر الذي كان طويلاً؛ والله
هو التصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ أي: لدليلاً على
عظمته تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِأُوْلِى
اُلْأَلْبَبِ (9)﴾ [آل عمران]، وما بعدها من الآيات الكريمات.
] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلّ دَابَةٍ مِّن ◌ََّءٍ فَمِنْهُم ◌َن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم ◌َنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّنْ يَمْشِى
.
عَلَى أَرْبَعَّ يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَآءٍ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات على اختلاف أشكالها
وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد، ﴿فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحية وما شاكلها،
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى أَرَبَعْ﴾ كالأنعام وسائر الحيوانات،
ولهذا قال: ﴿يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ أي: بقدرته؛ لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتٍ ثُبَغِنَاتٍّ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
٤٦)
يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحُكْم والحِكَم والأمثال البينة المحكمة كثيراً جداً،
وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ
إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عبيد بن عمير.

٥٥٨
• سُوَرَّةُ الَّنُورِ (٤٧، ٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَقُولُونَ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَّ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
وَإِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ مُعْرِضُونَ ﴿٨) وَإِن يَكُن لَُّمُ الْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ
إِنَّمَا
٥٠
أَفِ قُوِهِمِ قَرَضُ أَمِ آَرْقَبُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَكَ هُمُ الَّلِّمُونَ
كَانَ قَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُرَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٥١
٥٢)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اَللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَابِرُونَ
يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولاً بألسنتهم:
﴿ءَامَنَّا بِلَهِ وَيَالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَنَوَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِّنُ بَعْدِ ذَلِكٌ﴾ أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم
فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوْلَبِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ ... ﴾ الآية؛ أي إذا طلبوا إلى اتباع الهدىَ
فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى:
﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُواْ إِلَى
الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَنْ يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا ﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوّا
إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (٣)﴾ [النساء].
وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء، عن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سَمُرة
مرفوعاً: ((من دعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له)) (١).
أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُن لَُّمُ الَْقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُدْعِنِينَ (
جاؤوا سامعين مطيعين، وهو معنى قوله: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى
غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي ◌َّ ليروج باطله ثم فإذعانه أولاً لم يكن عن اعتقاد
منه أن ذلك هو الحق؛ بل لأنه موافق لهواه، ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره،
ولهذا قال تعالى: ﴿أَفِ قُلُوِبِم ◌َّرَضُ ... ﴾ الآية، يعني لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب
مرض لازم لها أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في
الحكم، وأياً ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وما هو منطو عليه من هذه الصفات.
وقول تعالى: ﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن
مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن قال:
كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدعي إلى النبي وَلّر وهو محق، أذعن وعلم أن
النبي ◌َّه سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي وَلّ أعرض وقال: انطلق إلى
فلان، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي وَلّ: (من كان بينه وبين أخيه شيء فدعي إلى حكم من
أحكام المسلمين فأبى أن يجيب، فهو ظالم لا حق له))(٢) وهذا حديث غريب، وهو مرسل.
(١) أخرجه الطبراني من طريق روح به (المعجم الكبير ٢٢٥/٧ ح٦٩٣٩)، وفي سنده روح بن عطاء: ضعيف
(مجمع الزوائد ١٩٨/٤)، وفيه عنعنة الحسن البصري عن سَمُرة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرساله.

٥٥٩
• سُورَةُ الَّنُوزِ (٥٣، ٥٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله الذين لا يبغون ديناً سوى كتاب الله
وسنة رسوله، فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوَاْ إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا
وَأَعْنَا﴾ أي: سمعاً وطاعة. ولهذا وصفهم تعالى بالفلاح، وهو نيل المطلوب والسلامة من
المرهوب، فقال تعالى: ﴿ وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
وقال قتادة في هذه الآية: ﴿يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنًا﴾ ذُكر لنا أن عبادة بن الصامت، وكان عقبياً
بدرياً أحد نقباء الأنصار، أنه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أُمية: ألا أنبئك
بماذا عليك وماذا لك؟ قال: بلى. قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك
ومكرهك وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأن لا تنازع الأمر أهله إلا أن يأمروك
بمعصية الله بواحاً، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله.
وقال قتادة: ذُكر لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة،
والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة، قال: وقد ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب ◌َظ ◌ُبه كان
يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولّاه الله
أمر المسلمين. رواه ابن أبي حاتم(١)، والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله وسنة
رسوله وللخلفاء الراشدين والأئمة إذا أمروا بطاعة الله، كثيرة جداً أكثر من أن تحصر في هذا
المكان.
وقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمراه به، وترك ما نهياه عنه، ﴿وَيَخْشَ اَللَّهَ﴾ فيما
مضى من ذنوبه ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما يستقبل.
وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَبِزُونَ﴾ يعني: الذين فازوا بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا
والآخرة.
﴿﴿ وَأَقْسَمُواْ بِلَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِمْ لَبِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنُّ قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ
بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿﴿ قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولُ فَإِنِ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن
٥٤
تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ
يقول تعالى مخبراً عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول وسلم: لئن أمرتهم بالخروج في
الغزو ليخرجن، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّا نُقْسِمُواْ﴾ أي: لا تحلفوا. وقوله: ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةُ﴾ قيل:
معناه: طاعتكم طاعة معروفة؛ أي قد علم طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم
كذبتم، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمَّ فَإِن تَرْضَوْ عَنْهُمْ فَإِنَ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْرِ
[التوبة]. وقال تعالى: ﴿اَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ
اُلْفَسِقِينَ ()،
يَعْمَلُونَ ﴾﴾ [المنافقون]، فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما قال تعالى: ﴿﴿ أَلَمّ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِخْوَنِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجََ مَعَكُمْ وَلَا
تُطِيعُ فِيَكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوْنِلْتُمْ لَنَنَصُرَّتَّكُمْ وَلَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ لَبِنْ أُخْرِجُوْ لَا يَخُْونَ مَعَهُمْ وَلَيِن
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق قتادة به، وسنده ضعيف؛ لأن قتادة لم يسمع من الصحابة المذكورين

٥٦٠
• سُوَرَّةُ الَّنُوزِ (٥٣، ٥٤)
قُوْتِلُواْ لَا يَنَصُرُونَهُمْ وَلَيِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُنَ اْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٣)﴾ [الحشر].
وقيل: المعنى في قوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: ليكن أمركم طاعة معروفة؛ أي بالمعروف من
غير حلف ولا أقسام، كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم ﴿إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة والباطن
بخلافه وإن راج على المخلوق، فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيءٍ من
التدليس؛ بل هو خبير بضمائر عباده وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولٌ﴾ أي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْ﴾ أي: تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم به ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي:
إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة ﴿وَعَلَيَكُمْ مَّا يُمِّلْتُمْ﴾ أي: بقبول ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه ﴿وَإِن
تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم ﴿صِرَطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُم مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اَلْأَرْضِّ ... ﴾ الآية [الشورى: ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَغُ﴾، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾
[الرعد: ٤٠].
﴾ [الغاشية]. قال وهب بن منبه:
وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ® ◌َّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطٍ
أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: شعياء: أن قُم في بني إسرائيل، فإني سأطلق
لسانك بوحي، فقام فقال: يا سماء اسمعي ويا أرض انصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأناً ويدبر
أمراً هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام(١) في الغيطان(٢)، والأنهار في
الصحارى، والنعمة في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أمياً من الأميين ليس بفظ
ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، لو يمر على السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على
القصب اليابس لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه بشيراً ونذيراً، لا يقول الخنا(٣)، أفتح به أعيناً
عُمياً وآذاناً صماً وقلوباً غُلفاً، وأسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خُلُق كريم، وأجعل السكينة
لباسه، والبرّ شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو
والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه،
أهدي به بعد الضلالة، وأعلّم به من الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة (٤)، وأعرف به بعد النكرة،
وأكثر به القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب
مختلفة، وأهواء مشتتة، وأستنقذ به فئاماً من الناس عظيماً من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة
أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحّدين مؤمنين مخلصين مصدقين بما
جاءت به رسلي. رواه ابن أبي حاتم (٥).
(١) أي: الشجر الكثيف الملتف (النهاية ٢٦/١).
(٢) أي: الأرض المنبتة (الصحاح للجوهري ١١٣٧/٣).
(٣) أي: الفحش من القول (النهاية ٨٦/٢).
(٤) أي: الخفاء.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد عن وهب، والخبر عليه أمارات الإسرائيليات.