النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
• سُورَةُ النُّورِ (١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فيّا زوج
منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضاً، ذكروا أن عائشة
النبي ◌ّ قالت: كان رسول الله وَ﴿ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها،
خرج بها رسول الله وَّر معه، قالت عائشة ظّا: فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي،
وخرجت مع رسول الله و ﴿ وذلك بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا
حتى إذا فرغ رسول الله وَّر من غزوة وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن
بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري، فإذا
عقد لي من جزع ظفار(١) قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي
كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه،
قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يُهلَبهن(٢) ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة (٣) من الطعام،
فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل
وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت
منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني
عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش، فأدلج
فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل الحجاب،
فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه
كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا
الجيش بعدما نزلوا موغرين(٤) في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره
عبد الله بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمناها شهراً والناس يفيضون في قول
أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله وَلول
اللطف الذي أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله وَلّ فيسلم ثم يقول: ((كيف تيكم؟» فذلك
الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت(٥)، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع
وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا وأمرنا أمر
العرب الأول في التنزه(٦) في البرية، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأُم
مسطح وهي بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر
الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين
فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها (٧)، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت:
تسبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني
بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله وَّر، ثم
قال: ((كيف تيكم؟)) فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أتيقن الخبر من
(١) أي: خرز وظفار مدينة في اليمن.
(٣) أي: الشيء اليسير.
(٥) أي: برأت وأفقت من المرض.
(٦) أي: التباعد؛ أي: مكان بعيد عن السكن لقضاء الحاجة.
(٧) المرط: الكساء.
(٢) أي: لم يكثر عليهن.
(٤) أي: وقد توسط الشمس السماء.

٥٠٢
• سُورَةُ الّنُورِ (١١)
2000000000000000000000000000000000000000000000 000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
قبلهما، فأذن لي رسول الله وَله، فجئت أُبوي فقلت لأُمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس به؟ فقالت:
أي بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن
عليها. قالت: فقلت سبحان الله أوقد تحدث الناس بها، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ
لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت: فدعا رسول الله وَل علي بن أبي طالب
وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار
على رسول الله وَّر بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال أُسامة:
يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم
يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر.
قالت: فدعا رسول الله ﴿ ﴿ بريرة فقال: ((أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟))
فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمراً قط أغمصه(١) عليها أكثر من جارية حديثة
السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن (٢) فتأكله. فقام رسول الله وَلير من يومه، فاستعذر من
عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله وَّر وهو على المنبر: ((يا معشر المسلمين من
يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً
ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي)) فقام سعد بن معاذ الأنصاري نظ ◌ُبته
فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من
الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك، قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً
صالحاً، ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ: لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام
أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك
منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج حتى همَّوا أن يقتتلوا ورسول الله وَيه
قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسول الله وَله يخفضهم حتى سكتوا وسكت رسول الله وَله، قالت:
وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، قال:
فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي
معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله وَلقول فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس
عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول الله وَ الّ
حين جلس، ثم قال: ((أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة
فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبٍ ثم
تاب، تاب الله عليه)) قالت: فلما قضى رسول الله وَ ﴿ مقالته، قلص(٣) دمعي حتى ما أحس منه
قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ◌َ﴿، فقال والله ما أدري ما أقول لرسول الله وَظله
فقلت لأُمي: أجيبي عني رسول الله وَ ل﴿ فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله وَله، قالت:
فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أحفظ كثيراً من القرآن: والله لقد عرفت، أنكم قد سمعتم بهذا
الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة، والله يعلم أني بريئة لا
تصدقونني بذلك، ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني، وإني والله ما أجد لي ولكم
(١) أي: أعيبها به، وأطعن به عليها .
(٢) أي: الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم.
(٣) أي: ذهب الدمع.

•
سُورَةُ النَّوْرٍ (١١)
٥٠٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، قالت: ثم
تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذٍ أعلم أني بريئة وأن الله تعالى مبرئي
ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من
أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله وّر في النوم رؤيا يبرئني الله
بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله ﴿ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله
تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان
من العرق، وهو في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فلما سُرّي عن
رسول الله ◌َ﴿ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: ((أبشري يا عائشة أما الله رَ فقد
برأك)»، قالت: فقالت لي أُمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله رَك هو
الذي أنزل براءتي، وأنزل الله وَك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ... ﴾ العشر آيات كلها،
فأنزل الله هذه الآيات في براءتي قالت: فقال أبو بكر ظُه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته
منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ
اَلْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[النور: ٢٢] فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان
ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً.
قالت عائشة: وكان رسول الله ﴿ سأل زينب بنت جحش زوج النبي و يقول عن أمري، فقال:
((يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟)) فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا
خيراً، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي وَيّر فعصمها الله تعالى بالورع.
وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا ما
انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري (١).
وهكذا رواه ابن إسحاق، عن الزهري، كذلك قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن
الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﴿ُها، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة بنحو ما تقدم(٢)، والله أعلم.
ثم قال البخاري: وقال أبو أسامة، عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﴿يا
قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به، قام رسول الله و له فيّ خطيباً، فتشهّد فحمد الله
وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد؛ أشيروا عليّ في أناس أبنوا(٣) أهلي، وايمُ الله ما
علمت على أهلي إلا خيراً، وما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم(٤) بمن والله ما علمت عليه
من سوء قط، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي))، فقام
سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله *، ائذن لنا أن نضرب أعناقهم، فقام رجل من
(١) (المسند ١٩٤/٦ - ١٩٧)، وصحيح البخاري، الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضاً (ح٢٦٦١)،
وصحيح مسلم، التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف (ح ٢٧٧٠).
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ٢٩٧/٢ - ٣٠٧.
(٤) أي: اتهموهم.
(٣) أي: اتهموا أهلي.

٥٠٤
• سُوَرَّةُ النُّورِ (١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الخزرج وكانت أُم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت أما والله لو كانوا من
الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم، حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد
وما علمت، فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت:
تعس مسطح، فقلت لها: أي أم تسبين ابنك؟ فسكتت، ثم عثرت الثانية فقالت: تعسَ مسطح
فقلت لها: أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فانتهرتُها، فقالت: والله ما
أسبه إلا فيك، فقلت: في أي شأني؟ قالت: فبقرت(١) لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟
قالت: نعم والله، فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً، ووعكت
وقلت لرسول الله وس9: أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم
رومان في السفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أُم رومان: ما جاء بك بنية، فأخبرتها
وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني، فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن،
فإنه واللهِ لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها، وقيل فيها، فقلت:
وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله وَّله؟ قالت: نعم ورسول الله وَّقة، فاستعبرت
وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ، فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها
الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه رظ به وقال: أقسمت عليك - أي بنية - إلا رجعت إلى بيتك؛
فرجعت، ولقد جاء رسول الله و3 18 بيتي فسأل عني خادمتي فقالت: لا والله ما علمت عليها عيباً
إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال:
اصدقي رسول الله صل﴿ حتى أسقطوا لها به. فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما
يعلم الصائغ عن تبر الذهب الأحمر، وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله،
والله ما كشفت كنف أنثى قط.
قالت عائشة ﴿ّ: فقتل شهيداً في سبيل الله، وقالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى
دخل عليّ رسول الله وَّيه وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي
فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد؛ يا عائشة إن كنت قارفت سوءاً أو ظلمت فتوبي
إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده)) قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب
فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئاً؟ فوعظ رسول الله وهل﴿ فالتفت إلى أبي فقلت له:
أجبه قال: فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه قالت: ماذا أقول؟ فلما لم يجيباه تشهّدت
فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد فوالله إن قلت لكم: إني لم أفعل
والله رَّك يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم، وإن قلت
لكم: إني قد فعلت، والله يعلم أني لم أفعل، لتقولن: قد باءت به على نفسها، وإنني والله ما
أجد لي ولكم مثلاً، والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وأنزل الله على رسوله بَّل من ساعته، فسكتنا فرفع
عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: ((أبشري يا عائشة فقد أنزل الله
براءتك)) قالت: وكنت أشد ما كنت غضباً فقال لي أبواي: قومي إليه، فقلت: لا والله لا أقوم
(١) أي: كشفت الحديث.

٥٠٥
سُورَةُ الَّنُورِ (١١)
إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه
ولا غير تموه.
وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فقد عصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيراً، وأما أختها
حمنة بنت جحش فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم به مسطح وحسان بن ثابت، وأما المنافق
عبد الله بن أبي بن سلول، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة،
قالت: وحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحاً، بنافعة أبداً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ
مِنكُمْ﴾ يعني: أبا بكر ﴿ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِىِ الْقُرْبَ وَالْمَسَكِينَ﴾ يعني: مسطحاً إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ
يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا، وعاد
له بما كان يصنع (١). هكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقاً بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن
أسامة أحد الأئمة الثقات. وقد رواه ابن جرير في تفسيره عن سفيان بن وكيع، عن أبي أُسامة به
مطولاً مثله أو نحوه. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أُسامة ببعضه(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة ◌َؤُها قالت:
لما نزل عذري من السماء جاءني النبي ◌َّ﴿ فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد الله لا نحمدك (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثني ابن أبي عدي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر،
عن عمرة أيضاً، عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله ﴿ فذكر ذلك وتلا القرآن،
فلما نزل أمَرَ برجلين وامرأة فضربوا حذَّهم(٤)، وأخرجه أهل السنن الأربعة، وقال الترمذي:
هذا حديث حسن، ووقع عند أبي داود تسميتهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة
بنت جحش(٥)، فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة رؤيتها في المسانيد والصحاح والسنن
وغيرها .
وقد روي من حديث أُمها أُم رومان حثّ، فقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، أخبرنا
حصين، عن أبي وائل، عن مسروق، عن أُم رومان، قالت: بينا أنا عند عائشة؛ إذ دخلت علينا
امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن حدث
الحديث، قالت: وأي الحديث؟ قالت: كذا وكذا، قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله وَله؟ قالت:
نعم، قالت: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم، فخرّت عائشة ﴿ّ مغشياً عليها، فما أفاقت إلا وعليها
حمى بنافض، فقمت فدثرتها، قالت: فجاء النبي ◌َ ﴿ قال: ((فما شأن هذه؟)) فقلت: يا رسول الله
(١) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، (ح ٤٧٥٧).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بهذين السندين بنحوه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/٤٠ ح٢٤٠١٣)، وقال محققوه: حديث صحيح، دون قوله:
((جاءني النبي وَ لّل فأخبرني بذلك)).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧٦/٤٠، ٧٧ ح ٢٤٠٦٦) وحسنه محققوه.
(٥) سنن أبي داود، الحدود، باب حد القذف (ح٤٤٧٤)، وسنن الترمذي، تفسير القرآن، باب ومن سورة النور
(ح٣١٨١)، والسنن الكبرى للنسائي، التعزيرات، باب حدد القذف (ح٧٣٥١)، وسنن ابن ماجه، الحدود،
باب حد القذف (ح٢٥٦٧)، وحسنه الألباني أيضاً صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٨١).

٥٠٦
• سُورَةُ النَّوْرِ (١١)
أخذتها حُمَّى بنافض، قال: ((فلعله في حديث تحدث به)) قالت: فاستوت له عائشة قاعدة،
فقالت: والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم
كمثل يعقوب وبنيه حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالت:
فخرج رسول الله وَ ي﴿ وأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله وَالله ومعه أبو بكر، فدخل فقال: يا
عائشة ((إن الله تعالى قد أنزل عذرك)) فقالت: بحمد الله لا بحمدك، فقال لها أبو بكر: تقولين
هذا لرسول الله ◌َ﴾؟ قالت: نعم. قالت: فكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر
فحلف أن لا يصله، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ... ﴾ إلى آخر الآية [النور:
٢٢]، فقال أبو بكر: بلى فوصله. تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين(١).
وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، وعن محمد بن سلام، عن
محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به، وفي لفظ أبي عوانة: حدثتني أُم رومان(٢)، وهذا
صريح في سماع مسروق منها، وقد أنكر ذلك جماعة من الحفّاظ منهم الخطيب البغدادي،
وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي ◌َّ ر، قال الخطيب: وقد كان مسروق
يرسله فيقول: سئلت أم رومان، ويسوقه فلعل بعضهم كتب (سئلت) بألف اعتقد الراوي أنها
(سألت) فظنه متصلاً، قال الخطيب: وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته، كذا قال(٣)،
والله أعلم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَمُو بِآلْإِفْكِ﴾ أي: بالكذب والبهت والافتراء ﴿عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة
منكم ﴿لَا تَّحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ﴾ أي: يا آل أبي بكر ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة لسان
صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم
المؤمنين ◌َّا، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم الذي ﴿لَّ يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ، تَزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ [فصلت]، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنه وعنها
وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله ومطر، وكان يحبك ولم يتزوج
بكراً غيرك، وأنزل براءتك من السماء (٤).
وقال ابن جرير في تفسيره: حدثني محمد بن عثمان الواسطي، حدثنا جعفر بن عون، عن
(١) (المسند ٣٦٧/٦، ٣٦٨)، وصحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿﴿ لَقَدْ كَانَ فِى
يُوسُفَ وَإِخْوَتِ ءَايَتٌ لِلِسَّآَعِلِينَ ﴾﴾ [يوسف] (ح٣٣٨٣).
(٢) صحيح البخاري، المغازي، باب حديث الإفك (ح ٤١٤٣).
(٣) وقد أجاب الحافظ ابن حجر على ما ذكره الحافظ الخطيب البغدادي، فقال الحافظ ابن حجر: والذي ظهر
لي بعد التأمل أن الصواب مع البخاري؛ لأن عمدة الخطيب ومن تبعه في دعوى الوهم: الاعتماد على قول
من قال: إن أم رومان ماتت في حياة النبي ◌ّ* سنة أربع، وقيل: سنة خمس، وقيل: ست، وهو شيء
ذكره الواقدي، ولا يتعقب الأسانيد الصحيحة بما يأتي عن الواقدي، وقد أشار البخاري إلى ردِّ ذلك في
تاريخه الأوسط والصغير، فقال: بعد أن ذكر أم رومان في فصل من مات في خلافة عثمان: روى علي بن
يزيد عن القاسم قال: ماتت أم رومان في زمن النبي وّر سنة ست، قال البخاري: وفيه نظر وحديث
مسروق أسند، أي: أقوى إسناداً وأبين اتصالاً (فتح الباري ٤٣٨/٨).
(٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ... ﴾ [النور: ١٥] (ح ٤٧٥٣).

٥٠٧
سُوْدَةُ النّورِ (١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 000 000 000
المعلى بن [عرفان](١)، عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب ◌ًا فقالت
زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين
حملني صفوان بن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: يا عائشة ما قلت: حين ركبتيها؟
قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت: كلمة المؤمنين(٢).
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَمْرٍِ مِنْهُم مَّا أَكْتَبَ مِنَ الْإِثْرَّ﴾ أي: لكل من تكلم في هذه القضية ورمى
أم المؤمنين عائشة يها بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب.
﴿وَالَّذِى تَوَلَّ كِبْرَمُ مِنْهُمْ﴾ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه ﴿لَهُ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أُبي ابن
سلول - قبحه الله تعالى ولعنه - وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد وغير
واحد(٣)، وقيل: المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري
ما قد يدل على ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب
ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذبُّ عن رسول الله وَ له بشعره، وهو الذي قال له رسول الله وَليه :
.
((هاجهم وجبريل معك))(٤)
وقال الأعمش: عن أبي الضحى، عن مسروق قال: كنت عند عائشة فيّا، فدخل حسان بن
ثابت، فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني: يدخل عليك،
وفي رواية: قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك، وقد قال الله: ﴿وَلَِّ تَوَلَّ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ
عَظِيمٌ﴾ قالت: وأي عذاب أشد من العمى، وكان قد ذهب بصره، لعل الله أن يجعل ذلك هو
العذاب العظيم، ثم قالت: إنه كان ينافح عن رسول الله رَّةٍ، وفي رواية: أنه أنشدها عندما دخل
عليها شعراً يمتدحها به، فقال(٥):
حصانٌ رزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ وتصبح غَرثى من لحوم الغوافل(٦)
فقالت: أما أنت فلست كذلك. وفي رواية: لكنك لست كذلك.
وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن قزعة، حدثنا سلمة بن علقمة(٧)، حدثنا داود، عن عامر،
عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان، ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة
قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
وعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمداً فأجبتُ عنه
لعرض محمد منكم وقاء
فإن أبي ووالده وعرضي
(١) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: ((عرفات)).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً؛ لأن المعلى بن عرفان: متروك الحديث (ينظر: لسان
الميزان ٦٤/٦).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، والأثر مرسل.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٧.
(٥) دیوان حسان رائه ص١٨٨.
(٦) أخرجه البخاري من طريق شعبة عن الأعمش به (الصحيح، المغازي، باب حديث الإفك ح٤١٤٦).
(٧) قال الحافظ ابن حجر: سلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند، صوابه: مسلمة (التقريب ص٢٤٨).

٥٠٨
• سُوَرَّةُ النُّورِ (١٢، ١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فشركما لخيركما الفداء
أتشتمه ولست له بكفء؟
وبحري لا تكدره الدلاء(١)
لساني صارم لا عيب فيه
فقيل: يا أُم المؤمنين أليس هذا لغواً؟ قالت: لا إنما اللغو ما قيل عند النساء، قيل: أليس الله
يقول: ﴿وَالَِّ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد
ذهب بصره، وكنع(٢) بالسيف(٣)؟ تعني: الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين
بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك، فعلاه بالسيف وكاد أن يقتله.
- ﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُواْ هَذَا إِنْكُ مُّبِينٌ ﴿ لَّوْلَا جَاءُو
١٣
عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءً فَإِذٍ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَّكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ
هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضيها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام
السيء، وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى: ﴿لَوْلًا﴾ يعني: هلا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: ذلك الكلام
الذي رُميت به أُم المؤمنين ◌َّا ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي: قاسوا ذلك الكلام على
أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم، فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى.
وقد قيل: إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته ﴿ه، كما قال الإمام
محمد بن إسحاق بن يسار: عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار: إن أبا أيوب خالد بن زيد
الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ﴿ّا؟ قال:
نعم وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أُم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة
والله خير منك، قال: فلما نزل القرآن ذكر ربك من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك ﴿إِنَّ
الَّذِينَ جَُو بِآَلِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال
تعالى: ﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُهُوُ ظَنَّ اٌلْمُؤْمِنُونَ ... ﴾ الآية؛ أي كما قال أبو أيوب وصاحبته (٤).
وقال محمد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي حبيب، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان،
عن الأفلح مولى أبي أيوب: أن أُم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في
عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة
والله خير منك، فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله رَت: ﴿لَّوْلاَ إِذْ سَمِعْتُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرً وَقَالُواْ هَذَا إِنْكُ مُّبِينٌ (1) يعني: أبا أيوب حين قال لأُم أيوب ما قال(٥).
ويقال: إنما قالها أُبيّ بن كعب(٦).
وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ ... ﴾ إلخ؛ أي هلّا ظنوا الخير فإن أُم المؤمنين أهله وأولى به.
(١) الأبيات وردت في ديوان حسان ص٩.
(٢) كنعه بالسيف: أي أيبس جلده خوفاً وهلعاً.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وداود هو ابن أبي هند، وعامر هو الشعبي، وسنده حسن.
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣٠٢/٢)، وسنده ضعيف الإبهام
ـبه .
الراوي عن أبي أيوب ضـ
(٥) أخرجه الواقدي بسنده ومتنه (المغازي ٤٢٤/٢)، وسنده ضعيف لضعف الواقدي.
(٦) ذكره الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٤٧٠).

٥٠٩
• سُوْرَةُ النّورِ (١٤، ١٥)
هذا ما يتعلق بالباطن، وقوله: ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: بألسنتهم ﴿هَذَآ إِنْكُ مُّبِينٌ﴾ أي: كذب ظاهر على
أم المؤمنين نا، فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على
راحلة صفوان بن المعطل في وقت الظهيرة، والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله وَل بين
أظهرهم، ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هكذا جهرة ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على
رؤوس الأشهاد، بل كان يكون هذا لو قدر خفية مستوراً، فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما
رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت، والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة، والصفقة
الخاسرة، قال الله تعالى: ﴿لَّوْلَا﴾ أي: هلّ ﴿جَآءُو عَلَيْهِ﴾ أي: على ما قالوه ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءٌ﴾
يشهدون على صحة ما جاءوا به ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ أي: في
حکم الله كاذبون فاجرون.
إذ
] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِ الدُّنْيَا وَلْآَخِرَةِ لَمَّكُمْ فِ مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذِّبُ عَظِيم
(١٥)
تَقَّوْنَُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُم ◌َا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ
يقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ أيها الخائضون في شأن عائشة بأن
قَبِل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة ﴿لَسَتَّكُمْ فِي مَآ
أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من قضية الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه التوبة إليه،
كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، فأما من خاض فيه من المنافقين
كعبد الله بن أبي بن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية؛ لأنه ليس عندهم من
الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه، وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل
معين يكون مطلقاً مشروطاً بعدم التوبة أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير؛ أي يرويه بعضكم عن
بعض (١)، يقول: هذا سمعته من فلان، وقال فلان كذا، وذكر بعضهم كذا، وقرأ آخرون ((إذا
تَلِقونه بألسنتكم))(٢)، وفي صحيح البخاري عن عائشة: أنها كانت تقرؤها كذلك(٣)، وتقول: هو
من ولق اللسان؛ يعني: الكذب الذي يستمر صاحبه عليه، تقول العرب: ولق فلان في السير؛ إذا
استمر فيه، والقراءة الأولى أشهر وعليها الجمهور، ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن نافع، عن ابن عمر، عن
ابن أبي مليكة، عن عائشة أنها كانت تقرأ ((إذا تَلِقونه)) وتقول: إنما هو ولق القول، والولق:
الكذب. قال ابن أبي مليكة: هي أعلم به من غيرها (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَهِكُمْ مَا لَيَسَ لَكُم بِهِ عِلٌّ﴾ أي: تقولون ما لا تعلمون، ثم قال
تعالى: ﴿وَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين وتحسبون
(١) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة النور، باب ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ... ﴾ [النور: ١٥] (ح٤٧٥٢).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.

٥١٠
• سُورَةُ الّنُوزِ (١٦، ١٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذلك يسيراً سهلاً، ولو لم تكن زوجة النبي وسلم لما كان هيناً، فكيف وهي زوجة النبي الأُمي
خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما قيل! فإن الله ◌ُعَلَ يغار
لهذا، وهو رجل لا يقدّر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك حاشا وكلّا، ولما لم يكن ذلك، فكيف
يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟ ولهذا قال
تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنَا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. وفي الصحيحين: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من
سخط الله لا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض)). وفي رواية: ((لا
يلقي لها بالاً))(١).
يَعِظُكُمُ
﴿وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ (١)
اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُم مُّؤْمِينَ ﴿﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْأَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِمُ حَكِيمُ ﴾﴾.
هذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير؛ أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة
فأولى ينبغي الظن بهم خيراً، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك
وسوسة أو خيالاً، فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله وَلي قال: ((إن الله تعالى تجاوز لأمتي
عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل)) أخرجاه في الصحيحين (٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَّا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي: ما ينبغي لنا أن نتفوّه
بهذا الكلام ولا نذكره لأحد ﴿سُبْحَتَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ﴾ أي: سبحان الله أن يقال هذا الكلام
على زوجة رسوله وحليلة خليله.
ثم قال تعالى: ﴿يَعِطُّكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي: ينهاكم الله متوعداً أن يقع منكم ما يشبه
هذا أبداً؛ أي فيما يستقبل، فلهذا قال: ﴿إِن كُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه،
وتعظمون رسوله ﴿، فأما من كان متصفاً بالكفر فذاك حكم آخر، ثم قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْآَيَتِّ﴾ أي: يوضح لكم الأحكام الشرعية والحِكم القدرية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ أي: عليم
بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره.
42 ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ اٌلَِّينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِمٌ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئاً من الكلام السيء، فقام بذهنه شيء منه وتكلم به فلا يكثر منه
ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ﴾ أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح ﴿لَّمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ اُلُّنْيَا﴾ أي: بالحد، وفي الآخرة
بالعذاب الأليم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فردُوا الأمور إليه ترشدوا.
(١) أخرجاه من حديث أبي هريرة ظُه، صحيح البخاري، الرقاق، باب حفظ اللسان (ح٦٤٧٨)، وصحيح
مسلم، الزهد، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار (ح٢٩٨٨).
(٢) أخرجاه من حديث أبي هريرة نظرته (صحيح البخاري، الطلاق ح٥٢٦٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب
تجاوز الله عن حديث النفس (ح١٢٧).

٥١١
سُورَةُ النّورِ (٢٠، ٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا [ميمون أبو محمد المرئي] (١)، حدثنا
محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، عن النبي ◌َ له قال: ((لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم، ولا
تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته، حتى يفضحه في بيته))(٢).
] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴿ ﴿ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَنْ بَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْنَاءِ وَالْمُنْكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَ
مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾﴾.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ, وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾﴾ أي: لولا هذا
لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية،
وطَهُر من طَهُر منهم بالحدِّ الذي أقيم عليهم، ثم قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ
الشَّيْطَانِ﴾ يعني: طرائقه ومسالكه وما يأمر به ﴿وَمَن يَشَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ﴾
هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها .
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾ عمله(٣).
وقال عكرمة: نزغاته(٤).
وقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان(٥).
وقال أبو مجلز: النذور في المعاصي من خطوات الشيطان (٦)
وقال مسروق: سأل رجل ابن مسعود فقال: إني حرمت أن آكل طعاماً وسماه، فقال: هذا من
نزغات الشيطان، كفّر عن يمينك وكُلْ(٧).
وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده: هذا من نزغات الشيطان، وأفتاه أن يذبح كبشاً(٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا السري بن يحيى،
عن سليمان التيمي، عن أبي رافع قال: غضبت عليّ امرأتي فقالت: هي يوماً يهودية ويوماً
نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من
نزغات الشيطان، وكذلك قالت زينب بنت أُم سلمة(٩) وهي يومئذٍ أفقه امرأة بالمدينة، وأتيت
عاصم بن عمر فقال مثل ذلك(١٠)
.
(١) كذا في (ح) و(حم) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: ((ميمون بن أبي محمد المراي)).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٨/٣٧ ح ٢٢٤٠٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه حفص بن عمر، وهو ضعف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق القاسم بن الوليد الهمداني عن قتادة.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سليمان التيمي عن أبي مجلز.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣١٣/٢).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق خالد بن داود عن الشعبي.
(٩) زينب بنت أم سلمة بن عبد الأسد بن هلال ماتت سنة ثلاث وسبعين (الإصابة ٣١٧/٤).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٥١٢
• سورةالنورِ (٢٥،٢٢)
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَّكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ أي: لولا هو يرزق من
يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها، وفجورها ودنسها، وما فيها من أخلاق رديئة
كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيراً ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه،
ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ أي: سميع لأقوال عباده ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق منهم الهدى والضلال.
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِىِ الْقُرْبَى وَالْمَسْكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللّهِ
وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمُ (٣)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ من الألية وهي الحلف؛ أي لا يحلف ﴿أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي:
الطّوْل والصدقة والإحسان ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي: الجدة ﴿أَنْ يُؤْثُواْ أُوْلِى الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ
اللّهِ﴾ أي: لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين. وهذا في غاية الترفق
والعطف على صلة الأرحام، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ﴾ أي: عما تقدم منهم من
الإساءة والأذى؟ وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم.
وهذه الآية نزلت في الصديق به حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في
عائشة ما قال، كما تقدم في الحديث(١)، فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس
المؤمنة واستقرت، وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم
عليه شرع تبارك وتعالى وله الفضل والمنّة، يعطف الصديق على قريبه ونسيبه، وهو مسطح بن
أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكيناً لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر ظُه، وكان
من المهاجرين في سبيل الله، وقد ولق(٢) ولقةً تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان
الصديق ﴿به معروفاً بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه
الآية إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمُّ ... ) الآية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما
تغفر عن المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك، فعند ذلك قال الصديق: بلى والله إنا
نحب، يا ربنا أن تغفر لنا ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه
أبداً، في مقابلة ما كان؛ قال: والله لا أنفعه بنافعة أبداً. فلهذا كان الصديق هو الصديق رضي الله
عنه [وعن بنته](٣).
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌٍ.
يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ
يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَبْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (َ)
هُوَ اُلْحَقُّ الْمُبِينُ
هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات - خُرِّج مخرج الغالب -
(١) تقدم تخريجه في تفسير الآية ١١ من هذه السورة الكريمة.
(٢) أي: كذب.
(٣) زيادة من (ح) و(حم).

٥١٣
سُورَةُ النّورِ (٢٢، ٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول،
وهي عائشة بنت الصديق ها، وقد أجمع العلماء - رحمهم الله - قاطبة على أن من سبَّها بعد
هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن، وفي بقية
أمهات المؤمنين قولان؛ أصحهما أنهنَّ كهي، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿لُمِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ الآية، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَهُمُ اللَّهُ فِى
الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴾﴾ [الأحزاب]، وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة
بعائشة ثا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن خراش، عن
العوام، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ اُلْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾
قال: نزلت في عائشة خاصة (١)، وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان.
وقد ذكره ابن جرير، عن عائشة فقال: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن
عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: رميت بما رميت به وأنا غافلة فبلغني بعد ذلك،
قالت: فبينا رسول الله ﴿ جالس عندي إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة
السبات، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالساً يمسح وجهه، وقال: (يا عائشة
أبشري)) قال: فقلت: بحمد الله لا بحمدك، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ حتى
قرأ ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَا يَقُولُونَّ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ٢٦](٢)، هكذا أورده وليس فيه
أن الحكم خاص بها، وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها كغيرها،
ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله، والله أعلم. وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط :
المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس في الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ ... ﴾ الآية،
يعني أزواج النبي ◌ّ رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله
فكان ذلك في أزواج النبي ◌َّ، ثم نزل بعد ذلك ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّمَ﴾ إلى
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تُقبل والشهادة تُردُّ (٤).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا العوام بن حوشب، عن
شيخ من بني أسد، عن ابن عباس قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ ... ﴾ الآية، قال: في شأن عائشة وأزواج النبي ◌َّ، وهي
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن خراش وهو ضعيف كما في التقريب، وقد توبع
فأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن هارون عن العوام به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٠/٤).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له حديث قصة الإفك المتفق عليه، وقد مضى في تفسير آية ١١ من
هذه السورة الكريمة .
(٣) قول الضحاك أخرجه الطبراني من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن سلمة بن نبيط عنه
(المعجم الكبير ١٥٢/٢٣ رقم ٢٢٩) وسنده صحيح، وقول أبي الجوزاء أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن
من طريق عمرو بن مالك النكري عنه، وقول سلمة بن نبيط أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق
أبي أسامة - وهو حماد بن أسامة - عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويشهد له ما تقدم.

٥١٤
• سُوَّرَّةُ النّورِ (٢٥،٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مبهمة وليست لهم توبة، ثم قرأ ﴿ وَلَِّيْنَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ
تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ... ﴾ الآية [النور: ٥]، قال: فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لمن قذف
أولئك توبة، قال: فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبّل رأسه من حسن ما فسر به سورة النور (١).
فقوله: وهي مبهمة؛ أي عامة في تحريم قذف كل محصنة ولعنته في الدنيا والآخرة، وهكذا
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا في عائشة ومن صنع مثل هذا أيضاً اليوم في المسلمات،
فله ما قال الله تعالى ولكن عائشة كانت إمام ذلك(٢).
وقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا
أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي بن وهب، حدثني عمي، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور بن
زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله وَلقر قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قيل: وما
هنَّ يا رسول الله؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل
الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) أخرجاه
في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال به(٣).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحذاء الحراني، حدثني
أبي، وحدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا جدي أحمد بن أبي شعيب، حدثني موسى بن أعين،
عن ليث، عن أبي إسحاق، عن صِلة بن زُفر، عن حُذيفة، عن النبيِ وَ لّ قال: ((قذف المحصنة
يهدم عمل مائة سنة) (٤).
قال ابن أبي حاتم :
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَبْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ (®﴾
حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو ابن أبي قيس، عن مِطرف، عن
المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنهم - يعني: المشركين - إذا رأوا أنه لا
يدخل الجنة إلا أهل الصلاة قالوا: تعالوا حتى نجحد فيجحدون، فيختم على أفواههم وتشهد
أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثاً(٥).
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني
عمرو بن الحارث، عن درَّاج، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، عن النبي ◌َّ- قال: (إذا كان يوم
القيامة عرف الكافر بعمله فيجحد ويخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول:
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف، وأخرجه الطبراني من طريق هشيم به (المعجم الكبير ١٥٤/٢٣
رقم ٢٣٤)، ويشهد له الآثار السابقة.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من
طريق أصبغ عن عبد الرحمن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو صحيح متفق عليه (صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ◌ُظُلّمًا﴾ [النساء: ١٠] ح٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب
أكبر الكبائر (ح٨٩).
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٨٧/٣ رقم ٣٠٢٣)، وفي سنده ليث، وهو ابن أبي سُليم،
فيه مقال.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.

٥١٥
• سُورَةُ النُّورِ (٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقال: احلفوا؛ فيحلفون، ثم يصمتهم الله
فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار))(١) .
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي، حدثنا
منجاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأسدي، حدثنا سفيان بن عبيد المكتب، عن
فضيل بن عمرو الفقيمي، عن الشعبي، عن أنس بن مالك قال: كنا عند النبي ◌َّ فضحك حتى
بدت نواجذه، ثم قال: ((أتدرون مم أضحك؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((من مجادلة العبد
لربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليّ إلا شاهداً من
نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام عليك شهوداً، فيختم على فيه ويقال
لأركانه: انطقي؛ فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بُعداً لكنَّ وسُحقاً فعنكنَّ كنت
أناضل(٢))(٣). وقد رواه مسلم والنسائي جميعاً عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبيه، عن عبيد الله
الأشجعي، عن سفيان الثوري به، ثم قال النسائي: لا أعلم أحداً روى هذا الحديث عن سفيان
الثوري غير الأشجعي، وهو حديث غريب (٤)، والله أعلم، هكذا قال.
وقال قتادة: ابن آدم، والله إن عليك لشهوداً غير متهمة في بدنك، فراقبهم واتق الله في سرك
وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن
يموت، وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله (٥).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَيِّدٍ يُوَفِّهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس: ﴿دِينَهُمُ﴾ أي: حسابهم وكل ما
في القرآن: دينهم؛ أي حسابهم، وكذا قال غير واحد، ثم إن قراءة الجمهور بنصب ﴿ اُلْحَقَّ﴾
على أنه صفة لدينهم، وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة (٦)، وقرأها بعض السلف في
مصحف أُبيّ بن كعب: (يومئذٍ يوفيهم الله الحق دينهم (٧).
وقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي: وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور
فيه .
42 ﴿اَلْبِيْشَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِثُونَ لِلْخَبِشَتِّ وَالطَّبَتُ لِلِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَّيِّبَنِّ أُوْلَكَ مُبَرَُّونَ
مِمَا يَقُولُونِّ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
.
قال ابن عباس: الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالسند والمتن، وسنده ضعيف؛ لأن رواية دراج عن أبي الهيثم فيها مقال.
(٢) أناضل: أي أُجادل وأُدافع.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) صحيح مسلم، الزهد والرقائق (ح٢٩٦٩)، وسنن النسائي ٧٦/٦، والنكت الظراف ٢٤٩/١.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٦) القراءتان متواترتان.
(٧) أخرجه الطبري بسند منقطع من طريق جرير بن حازم عن أبي بن كعب، وجرير لم يدرك أُبي بن كعب،
والقراءة شاذة تفسير به.

٥١٦
سُورَةُ النّورِ (٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000
القول والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول، قال:
ونزلت في عائشة وأهل الإفك(١)، وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن
البصري وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك (٢)، واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى
بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة
هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ مُبَّهُونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾ .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من
الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال
للطيبات من النساء(٣).
وهذا أيضاً يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم؛ أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله وَليه
إلا وهي طيبة؛ لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعاً ولا
قدراً، ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَّءُونَ مِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: هم بعداء عما يقوله أهل الإفك
والعدوان ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ ﴾ أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب، ﴿وَرِزْقُ كَرِيمُ﴾ أي: عند الله في
جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله وَر في الجنة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن
يزيد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد الله،
فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم اليوم بكلام أعجبني، فقال عبد الله: إن الرجل المؤمن
يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل (٤) في صدره ما يستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل عنده يُتْلّها
فيضمها إليه، وأن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الخبيثة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى
يلفظها فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضهما إليه. ثم قرأ عبد الله: ﴿الْفَبِيئَتُ لِلْخَبِيِنَ وَالْخَبِيثُونَ
لِلْخَبِشَتِّ وَالطَّيَِّتُ لِلَّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلَّبَنِّ﴾(٥)، ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند
مرفوعاً: ((مثل هذا الذي يسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشرّ ما سمع كمثل رجل جاء إلى صاحب
غنم فقال: اجزرني شاة، فقال: اذهب فخذ بأذن أيها شئت، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم)»(٦).
وفي الحديث الآخر: ((الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها أخذها))(٧).
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس ويتقوى بالآثار التي تليه.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج الطبري آثارهم بأسانيد ثابتة إلا قول الحسن البصري لم يخرجه
وقد عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب - وهو عبد الله - عن عبد الرحمن.
(٤) أي: تتردد وتتحرك، والجلجلة: حركة مع صوت (النهاية ٢٨٤/١).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضيه (المسند ٢٨٤/١٤ ح٨٦٣٩)، وضعفه محققوه؛ لأن فيه
علي بن زيد، وهو ابن جدعان: ضعيف، ولجهالة أوس بن خالد.
(٧) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث غريب (السنن، أبواب العلم، باب في فضل الفقه على العبادة
ح ٢٦٨٧)، وابن ماجه (السنن، الزهد، باب الحكمة ح٤١٦٩)، وضعفه السخاوي (المقاصد الحسنة
ص١٩١، ١٩٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه.

٥١٧
• سُوَرَّةُ النّورِ (٢٧، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُنَّا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَاَ ذَلِكُمْ
غَبِرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿ فَإِ لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَدًا فَلَ نَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمْ أَرْجِعُواْ
فَأَرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٨َ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا
(٢٩)
مَتَجُ لَّكُمَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ
هذه آداب شرعية، أدّب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان، أمرهم أن لا يدخلوا
بيوتاً غير بيوتهم حتى يستأنسوا؛ أي يستأذنوا قبل الدخول، ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن
ثلاث مرات، فإن أذن له وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح: أن أبا موسى حين استأذن على
عمر ثلاثاً فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا
له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما رجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثاً فلم
يؤذن لي، وإني سمعت النبي وَلّ يقول: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف)) فقال
عمر: لتأتيني على هذا ببيِّنة وإلا أوجعتك ضرباً، فذهب إلى ملاٍ من الأنصار فذكر لهم ما قال
عمر فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال:
ألهاني عنه الصفق(١) بالأسواق(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس أو غيره: أن
رسول الله وَ﴿ استأذن على سعد بن عبادة فقال: ((السلام عليك ورحمة الله)) فقال سعد: وعليك
السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ◌َّ﴿ حتى سلّم ثلاثاً، ورد عليه سعد ثلاثاً ولم يسمعه، فرجع
النبي ◌َ ﴿ واتبعه سعد فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني،
ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت
فقرب إليه زبيباً فأكل نبي الله، فلما فرغ قال: ((أكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة،
وأفطر عندكم الصائمون»(٣).
وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير
يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن قيس بن سعد - هو: ابن عبادة -
قال: زارنا رسول الله صل﴿ في منزلنا فقال: ((السلام عليكم ورحمة الله)) فردَّ سعد ردّاً خفياً، قال
قيس: فقلت ألا تأذن لرسول الله وَ﴿؟ فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله وَليه :
((السلام عليكم ورحمة الله)) فردَّ سعد رداً خفياً ثم قال رسول الله وَّر: ((السلام عليكم ورحمة الله))
ثم رجع رسول الله وَله، واتبعه سعد فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأردُ عليك ردّاً
خفياً لتكثر علينا من السلام. قال: فانصرف معه رسول الله وَ ﴿ وأمر له سعد بغسل فاغتسل، ثم
ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس، فاشتمل بها ثم رفع رسول الله وَلي يديه وهو يقول:
((اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة)). قال: ثم أصاب رسول الله وَل من
(١) أي: شغلني عن ذلك الحديث أمر التجارة في الأسواق.
(٢) صحيح البخاري، الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثاً (ح٦٢٤٥)، وصحيح مسلم، الآداب، باب
الاستئذان (ح٢١٥٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٨/٣)، وسنده صحيح.

٥١٨
سُورَةِ النّورٍ (٢٧، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الطعام، فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حماراً قد وطئ(١) عليه بقطيفة، فركب رسول الله وَ له
فقال سعد: يا قيس اصحب رسول الله وَ ل﴿، قال قيس: فقال رسول الله وَ ل: ((اركب)) فأبيت،
فقال: "إما أن تركب وإما أن تنصرف قال: فانصرفت(٢)، وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو
حديث جيد قوي، والله أعلم.
ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن
الباب عن يمينه أو يساره، لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا:
حدثنا بَقية، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بُشر قال: كان رسول الله وَّ إذا أتى
باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: ((السلام
عليكم، السلام عليكم، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور(٣)، تفرد به أبو داود.
وقال أبو داود أيضاً: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير (ح)، قال أبو داود: حدثنا أبو
بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل قال: جاء رجل، قال
عثمان: سعد فوقف على باب النبي ◌َ ﴿ يستأذن فقام على الباب قال عثمان: مستقبل الباب،
فقال له النبي : (هكذا عنك، أو هكذا، فإنما الاستئذان من النظر)) (٤). وقد رواه أبو داود
الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن
النبي ◌ُّر؛ رواه أبو داود من حديثه(٥).
وفي الصحيحين عن رسول الله وسلم أنه قال: لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فخذفته(٦)
بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح (٧).
وأخرج الجماعة من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيت النبي وَّ في
دين كان على أبي فدققت الباب، فقال: ((من ذا؟)) فقلت: أنا، قال: ((أنا أنا)) كأنه كرهه(٨)،
وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور
بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو
الاستئناس المأمور به في الآية.
وقال العوفي، عن ابن عباس: الاستئناس: الاستئذان، وكذا قال غير واحد(٩).
(١) أي: جعل عليه فراشاً وطيئاً.
(٢) سنن أبي داود، الأدب، باب كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان (ح ٥١٨٥)، وقال عنه الحافظ ابن كثير:
جيد قوي.
(٣) المصدر السابق (ح٥١٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٣١٨).
(٤) سنن أبي داود، الأدب، باب في الاستئذان (ح٥١٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١٠).
(٦) أي: فرميته.
(٥) المصدر السابق (ح٥١٧٥).
(٧) صحيح البخاري، الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه (ح٦٩٠٢)، وصحيح مسلم، الآداب،
باب تحريم النظر في بيت غيره (ح٢١٥٨).
(٨) صحيح البخاري، الاستئذان، باب إذا قال: أنا ... (ح ٦٢٥٠)، وصحيح مسلم، الأدب، باب كراهة قول
المستأذن: أنا ... (ح٢١٥٥).
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ومعناه صحيح.

٥١٩
سُوْرَةُ النُّورِ (٢٩،٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شبعة، عن أبي بشر، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتًّا غَيّرَ بُيُوتِكُمْ حَّى تَسْتَأْنِسُواْ
وَتُسَلِّمُواْ﴾ قال: إنما هي خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا(١). وهكذا رواه هشيم عن أبي
بشر - وهو جعفر بن إياس - به وروى معاذ بن سليمان عن جعفر بن إياس عن سعيد، عن ابن
عباس بمثله، وزاد: كان ابن عباس يقرأ («حتى تستأذنوا وتسلموا)) وكان يقرأ على قراءة أُبيّ بن
كعب رظه(٢)، وهذا غريب جداً عن ابن عباس.
وقال هشيم: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود «حتى تسلموا على أهلها
وتستأذنوا))(٣)، وهذا أيضاً رواية عن ابن عباس، وهو اختيار ابن جرير.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان، أن
عمرو بن عبد الله بن صفوان أخبره، أن كِلدة بن الحنبل أخبره أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح
بلبأ(٤) وجَدَاية(٥) وضغابيس(٦)، والنبي ◌َ ◌ّر بأعلى الوادي، قال: فدخلت على النبي ◌َّ ولم
أسلم ولم أستأذن، فقال ◌َّ: ((ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟)) وذلك بعدما أسلم
صفوان(٧). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج به. وقال الترمذي: حسن
غريب، لا نعرفه إلا من حديثه(٨).
وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص، عن منصور، عن رِبعي قال:
أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله وَّر وهو في بيته، فقال: أألج؟ فقال النبي ◌َّ
لخادمه: ((اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟)) فسمعه الرجل،
فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي وَلَّ، فدخل(٩). وقال هشيم: أخبرنا منصور، عن ابن
سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد الثقفي: أن رجلاً استأذن على النبي وَ لَه فقال:
أألج أو أنلج؟ فقال النبي ◌ّر لأمة له يقال لها: روضة: «قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن
يستأذن، فقولي له يقول: السلام عليكم أأدخل؟)) فسمعها الرجل فقالها، فقال: ((ادخل)) (١٠).
وقال الترمذي: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن،
عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله :
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، ولعل قول ابن عباس هذا مستند على قراءة منسوخة قرأ بها
أُبي بن كعب كما سيأتي في الرواية التالية.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين عن هشيم به، والحسين هو ابن داود: ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري من الطريق السابق، وفيه أيضاً إبراهيم وهو النخعي لم يسمع من ابن مسعود.
(٤) اللبا: هو أول ما يحلب عند الولادة.
(٥) الجَداية من أولاد الظباء ما بلغ ستة أشهر أو سبعة. (٦) الضغابيس: جمع ضغبوس، وهي صغار القثاء.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٢/٢٤ ح١٥٤٢٥)، وصحح سنده محققوه.
(٨) سنن أبي داود، الأدب، باب كيف الاستئذان (ح٥١٧٦)، وسنن الترمذي، الاستئذان؟ باب ما جاء في
التسليم قبل الاستئذان (ح٢٧١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١١).
(٩) المصدر السابق (ح ٥١٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٣١٢).
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق.

٥٢٠
• سُوْدَةُ النُورِ (٢٧، ٢٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
((السلام قبل الكلام)) ثم قال الترمذي: عنبسة: ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان: منكر
الحديث(١).
وقال هشيم: قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد آذاه الرمضاء، فأتى
فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام، فأعاد فأعادت وهو
يراوح بين قدميه، قال: قولي: ادخل. قالت: ادخل؛ فدخل(٢).
ولابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم الأحول، حدثني خالد بن إياس،
حدثتني جدتي أُم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة، فقلت: ندخل؟ فقالت:
لا، قلن لصاحبتكن تستأذن، فقالت: السلام عليكم أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت: ﴿يَأَيُّها
الَِّينَ ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُوُنًّا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىَ أَهْلِهَاً ... ) الآية(٣).
وقال هشيم: أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا
على أمهاتكم وأخواتكم، قال أشعث، عن عدي بن ثابت: إن امرأة من الأنصار قالت: يا
رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد،
وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، قال: فنزلت ﴿يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَدْخُلُواْ بُيُوتًا ... ) الآية(٤).
وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضيبه قال: ثلاث آيات
جحدهن الناس. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] قال: ويقولون:
إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتاً، قال: والأذن كله قد جحده الناس، قال: قلت: أستأذن على
أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبى، فقال:
تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن قال: فراجعته أيضاً. فقال: أتحب أن تطيع الله؟
قلت: نعم، قال: فاستأذن.
قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس، عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عورتها من
ذات محرم، قال: وکان یشدد في ذلك.
وقال ابن جريج، عن الزهري: سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود
يقول: عليكم الإذن على أُمهاتكم.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته قال: لا(٥). وهذا محمول على
عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا
تحب أن يراها عليها .
(١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ونقده (السنن، أبواب الاستئذان، باب السلام قبل الكلام ح٢٦٩٩).
(٢) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن هشيم به، والحسين هو ابن داود: ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً؛ لأن خالد بن إياس متروك، كما في التقريب.
(٤) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده ضعيف لضعف أشعث بن سوار.
(٥) أخرجه بطوله وطرقه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف؛ لأنه مروي من طريق الحسين، وهو ابن داود
ويُلقب بسُنيد وهو ضعيف، وأخرجه سنيد به كما في التمهيد لابن عبد البر ٢٣٢/١٦.