النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سُورَةُ الحَةُ (٣٧) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة، وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو قول غريب. وقوله: ﴿ كَذَلِكَ سَخَرْتَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ يقول تعالى من أجل هذا ﴿سَخَّتَهَا لَكُمْ﴾ أي ذلَّلناها لكم، وجعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمًا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ ﴿ وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ (٨٠) وَلَهُمْ فِهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٍ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (®﴾ [يس]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ سَخَرْتَهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . - ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا بِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُنْ لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ ١٣٧ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُوْمُهَا وَلَ دِمَاؤُهَا﴾ . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جُريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله وَله: فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنكُمْ﴾(١) أي: يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))(٢). وجاء في الحديث: ((إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض)) كما تقدم في الحديث، رواه ابن ماجه والترمذي، وحسنه عن عائشة مرفوعاً(٣)، فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم. وقال وكيع، [عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك] (٤): سألت عامراً الشعبي، عن جلود الأضاحي، فقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا يِمَآؤُهَا﴾ إن شئت فبع، وإن شئت فأمسِك، وإن شئت فتصدق(٥). وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ أي: من أجل ذلك سخر لكم البُدن ﴿لِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ أي: لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه. (١) سنده معضل؛ لأن ابن جُريج تابع تابعي. (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة في آخر الآية ٢٧٥. (٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة آية ١٠٤. (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((عن ابن مسلم بن الضحاك)). (٥) سنده جيد. ٤٢٢ • سُورَةُ الدِّينُ (٣٧) وقوله: ﴿وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: ﴿وَبَشْرِ﴾ يا محمد ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي في عملهم القائمين بحدود الله المتبعين ما شرع لهم المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه رسمك . (مسألة): وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من مَلكَ نصاباً، وزاد أبو حنيفة: اشتراط الإقامة أيضاً، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من وجد سَعة فلم يضحِّ، فلا يقربنَّ مصلانا)) (١) على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل، وقال ابن عمر: أقام رسول الله وَّل عشر سنين يضحي، رواه الترمذي(٢). وقال الشافعي وأحمد: لا تجب الأُضحية؛ بل هي مستحبة لما جاء في الحديث: ((ليس في المال حق سوى الزكاة)) (٣)، وقد تقدم أنه عليه الصلاة والسلام ضحى عن أمته، فأسقط ذلك وجوبها عنهم. وقال أبو سريحة: كنت جاراً لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما . وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت، سقطت عن الباقين؛ لأن المقصود إظهار الشعار. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن مِحنف بن سُليم: أنه سمع رسول الله * يقول بعرفات: ((على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تدعونها: الرجبية(٤)(٥)، وقد تُكلم في إسناده. وقال [أبو](٦) أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله و 18 يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهی الناس، فصار كما ترى. رواه الترمذي وصححه وابن ماجه(٧). (١) أخرجه ابن ماجه (السنن، الأضاحي، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ ح٣١٢٣)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٣٨٩) كلاهما من طريق زيد بن الحباب عن عبد الله بن عياش عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الله بن عياش به، وضعفه محققوه (المسند ٢٤/١٤ ح٨٢٧٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٥٣٢)، وقد ذكر بعض النقاد أنه موقوف (ينظر: نصب الراية ٢٠٧/٤) وقال الطحاوي: الموقوف أشبه بالصواب (ينظر: فتح الباري ٣/١٠)، وهو الصواب. (٢) السنن، الأضاحي، باب الدليل على أن الأضحية سنة (ح ١٥٠٧)، وحسنه الترمذي، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي. (٣) أخرجه ابن ماجه من حديث فاطمة بنت قيس ﴿يا (السنن، الزكاة، باب ما أدى زكاته ليس بكنز ح١٧٨٩)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه. (٤) الرجبية: نسبة إلى رجب، وهي ذبيحة كان أهل الجاهلية يذبحونها في رجب (ينظر: مشكل الآثار ٨٢/٣، ٨٣). (٥) أخرجه الإمام أحمد وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ٤١٩/٢٩ ح١٧٨٨٩)، وأخرجه أبو داود، السنن، الضحايا، باب ما جاء في إيجاب الأضاحي (ح٢٧٨٨)، والترمذي (السنن، الأضاحي، باب العتيرة ح١٥١٨)، والنسائي (السنن، الضحايا، باب الفرع والعتيرة ١٦٧/٧)، وابن ماجه (السنن، الأضاحي، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ ح٣١٢٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٥٣٣). (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((ابن)). (٧) أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، الأضاحي، باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزي عن أهل = ٤٢٣ • سُورَةِ الحَةُ (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، رواه البخاري. وأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم عن جابر: أن رسول الله وسلم قال: ((لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن))(١)، ومن ههنا ذهب الزهري إلى أن الجذع لا يجزئ، وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس، وهما غريبان. والذي عليه الجمهور إنما يجزئ الثني من الإبل والبقر والمعز، أو الجذع من الضأن، فأما الثني من الإبل فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر ما له سنتان ودخل في الثالثة. وقيل: ما له ثلاث ودخل في الرابعة، ومن المعز ما له سنتان. وأما الجذع من الضأن فقيل: ما له سنة، وقيل: عشرة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه، وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم، والجذع شعر ظهره نائم، قد انفرق صدغين(٢)، والله أعلم. - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خََّنٍ كَغُورٍ ( يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيَّسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ: إِنَّ اللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهٍ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ خَّانِ كَفُورٍ﴾ أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق لا يفي بما قال، والكفر الجحد للنعم، فلا يعترف بها. - ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَقْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّدِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِزُ ﴾﴾. قال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة(٣). وقاله مجاهد والضحاك(٤)، وغير واحد من السلف كابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد(٥)، واستدل بهذا الآية بعضهم على أن السورة مدنية. بيت ح١٥٠٥)، وأخرجه ابن ماجه، السنن، الأضاحي، باب من ضحى بشاة عن أهله (ح٣١٤٧)، = وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٢٥٤٦). (١) صحيح مسلم، الأضاحي، باب سن الأضحية (ح ١٩٦٣). (٢) أي: الذي أتى له من وقت الولادة سبعة أيام (ينظر: النهاية ١٧/٣). (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي ويتقوى برواية ابن عباس التالية. (٤) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وكلاهما يقوي أحدهما الآخر، ولهما شاهد في الرواية التالية عن ابن عباس. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٤٢٤ • سُورَةُ الرِّو (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي، حدثنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم - هو: البطين -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي ◌َ﴿ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن. قال ابن عباس: فأنزل الله وَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣)﴾ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال(١). ورواه الإمام أحمد، عن إسحاق بن يوسف الأزرق به، وزاد: قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد الترمذي ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عباس(٢). وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ اُلِقَابٍ خََّ إِذَا أَنْخَتُهُوهُمْ فَهُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ حَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَوْ يَهُ اللَّهُ لَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضِنَّ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ جَ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْسِلُهُمُ اَلْنَّةَ عَرَّفَهَا لَمْ (®﴾ [محمد]، وقال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ ﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اَللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ﴾﴾ [التوبة] وقال: ﴿أَمَّ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَّكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنْكُمْ وَلَّْ يَتَخِذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةٌ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾﴾ [التوبة] وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ (٣٣)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَّى نَعْلَمَ الْمُجَتِهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَّكُمْ (﴾﴾ [محمد]، والآيات في هذا كثيرة . ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: وقد فعل(٣)، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً فلو أمر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله وَالخير، وكانوا نيفاً وثمانين، قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي؛ يعنون أهل منى، ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله ويالفر: ((إني لم أومر بهذا))(٤)، فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي وكل من بين أظهرهم وهمُّوا بقتله، وشرَّدوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن كما يلي. (٢) المسند ٢١٦/١، وسنن الترمذي، التفسير، باب سورة الحج (ح٣١٧١)، وسنن النسائي، الجهاد، باب وجوب الجهاد ٢/٦، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأحمد شاكر في تعليقه على المسند (ح ١٨٦٥)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٨/١١ ح ٤٧١٠)، والحاكم كلاهما من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٦٦/٢). (٣) هذا الأثر تتمة لرواية العوفي عن ابن عباس المتقدمة في بداية تفسير هذه الآية. (٤) أخرجه الإمام أحمد مطولاً من حدیث کعب بن مالك ټپه، وقال محققوه: حديث قوي، وهذا إسناد حسن (المسند ٨٩/٢٥ - ٩٥ ح ١٥٧٩٨). ٤٢٥ • سُورَةُ لحِقُ (٣٨، ٤٠) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله وَطقر واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلاً يلجؤون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٦َ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حٍَّ﴾. قال العوفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمداً وأصحابه(١). ﴿إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا إنهم وحّدوا الله وعبدوه لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلي ما في نفس الأمر؛ وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِّعُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ بِالَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ [البروج]، ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون: ولا تصدقنا ولا صلينا اللَّهم لولا أنت ما اهتدينا وثبت الأقدام إن لاقينا فأنزلنْ سكينة علينـا إن الألى قد بَغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا(٢) فيوافقهم رسول الله وَّله ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا يقول: ((أبينا)) يمد بها صوته (٣). ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكفُّ شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف. ﴿الَّتِمَتْ صَوَيِعُ﴾ وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله [ابن عباس](٤) ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم(٥). وقال قتادة: هي معابد الصابئين(٦)، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق. (١) الأثر تتمه لما قبل الحديث السابق. (٢) هذه الأبيات رواها مسلم عن عامر بن الأكوع ظه في غزوة خيبر (الصحيح، الجهاد والسير، باب غزوة خيبر ح ١٨٠٣). (٣) أخرجه البخاري من حديث البراء به (الصحيح، المغازي، باب غزوة الخندق ح ٤١٠٤). (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل بياض. (٥) قول ابن عباس عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وقول مجاهد، أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيج عنه، وقول أبي العالية وهو رُفيع، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. ٤٢٦ سُورَة لحم (٣٨، ٤٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَبِيَعٌ﴾ وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضاً، قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخُصيف(١) وغيرهم. وحكى ابن جرير، عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود، وحكى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس(٢)، والله أعلم. وقوله: ﴿وَصَلَوَتُ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس(٣)، وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود، وهم يسمونها صلواتاً(٤). وحكى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى(٥). وقال أبو العالية وغيره: الصلوات: معابد الصابئين(٦). وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الصلوات مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق(٧)، وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرً﴾ فقد قيل: الضمير في قوله يذكر فيها عائد إلى المساجد؛ لأنها أقرب المذكورات. وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيراً(٨). وقال ابن جرير: الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا ترقّ من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عماراً وأكثر عباداً، وهم [ذوو القصد](٩) الصحيح. وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِن نَصُرُواْ اللَّهَ يَصُرْكُمْ وَيُلَيْتْ ج﴾ [محمد]. أَقْدَامَكُمْ ﴾ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْسًا لَهُمْ وَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديراً، وبعزته لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب؛ بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي (١) قول أبي العالية وقتادة والضحاك تخريجه كقبل سابقه. (٢) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن عباس ضعيف؛ لأن الراوي عنه. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه. (٤) قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٥) سنده ضعيف؛ لأن السدي يرويه عن مجهول. (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عن رفيع وهو أبو العالية. (٧) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٩) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: ((دور الفصل)). ٤٢٧ سُورَةُ الرَّجُ (٤١، ٤٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 العزيز ناصره فهو المنصور وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [الصافات] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَّأَغْلِيَنَّ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَلِبُونَ ) إِنَّهُمْ لَمُ الْمَصُورُونَ أَنَا وَرُسُلَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾﴾ [المجادلة]. ﴿الَّذِينَ إِن ◌َّكََّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَِّ عَقِبَةُ الْأُمُورِ (@). قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع [الزهراني] (١)، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت ﴿ الَّذِينَ إِن ◌َّكَّنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوَأْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ﴾ فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا: ربنا الله، ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي(٢). وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد وَلي﴾(٣). وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿ الَّذِينَ إِن ◌َّكَّنَهُمْ فِ الْأَرْضِ ... ) الآية، ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكره بها، ولا المخالف سرها علانيتها (٤). وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اُلْأَرْضِ﴾ [النور: ٥٥]. وقوله: ﴿وَلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وقال زيد بن أسلم: ﴿وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ وعند الله ثواب ما صنعوا(٥). 2] ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (49) وَقَوْمُ إَِهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٣٢) وَأَصْحَبُ فَكَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِى مَدْيَنٌ وَكُذِّبَ مُوسَىٌّ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (وَ) ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِثْرٍ مُّعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ (@). يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد وَ* في تكذيب من خالفه من قومه: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: ((المرهداني)). (٢) سنده ضعيف؛ لأن محمد - وهو ابن سيرين - لم يسمع من عثمان اته، ومعناه صحيح. (٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية. (٤) معناه صحيح، وله شواهد من القرآن والسنة. (٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ٤٢٨ سُورَةُ لحِقُ (٤١، ٤٦) قَبْلَهُمْ قَوَّمُ نُوجِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: أنظرتهم وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرٍ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف: أنه كان بين قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى، وبين إهلاك الله له أربعون سنة. وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ◌َّله أنه قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا (٢٠٣) أخذه لم يفلته)) ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدُ [هود](١). ثم قال تعالى: ﴿فَكَيِّنِ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا﴾ أي: كم من قرية أهلكتها؟ ﴿وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: مكذبة لرسلها ﴿فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ . قال الضحاك: سقوفها(٢)؛ أي: قد خربت وتعطلت حواضرها ﴿وَبِثْرٍ مُّعَطّلَةٍ﴾ أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها . ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ قال عكرمة: يعني المبيض بالجص(٣)، وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك(٤). وقال آخرون: هو المنيف المرتفع(٥). وقال آخرون: المشيد: المنيع الحصين(٦)، وكل هذه الأقوال متقاربة ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوجِ تُشَيِّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾ أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضاً، وذلك كافٍ كما قال ابن أبي الدنیا في کتاب التفکر والاعتبار: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سیار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران ظلّا أن: يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سِح في الأرض، ثم اطلب الآثار والعبر، حتى يتخرق النعلان وتنكسر العصا (٧) . وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحيّ قلبك بالمواعظ، ونوّره بالتفكر، وموّته بالزهد، وقوّه باليقين، وذلّله بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر (١) الحديث تقدم تخريجه في تفسيرها . (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، ومعناه صحيح. (٣) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً. (٤) قول مجاهد أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه وقول عطاء أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق هلال بن خباب عنه. (٥) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٧) سنده مرسل. ٤٢٩ سُورَةُ الرِّج (٤٧، ٤٨) 10000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفحش تقلب الأيام، وأعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسيره في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا وأين حلُّوا وعمَّ انقلبوا؛ أي: فانظروا ما حلَّ بالأمم المكذبة من النقم والنكال. ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِّ﴾ أي: فيعتبرون بها ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ اٌلَتِى فِ الصُّدُورِ﴾ أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة : نادى به الناعيان الشيب والكبر يا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقد في رأسك الواعيان السمع والبصر إن كنت لا تسمح الذكرى ففيم ترى ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك لم يهده الهاديان العين والأثر الأعلى ولا النّيران الشمس والقمر فراقها الثاويان البدو والحضر ليرحلن عن الدنيا وإن كرها ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفِ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ وَكَأَيِّنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ ٤٧ يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أي: هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (®)﴾ [الأنفال]، ﴿وَقَالُواْ رَبَّاً ◌َّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (٣)﴾ [ص]. وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: الذي قد وعد من إقامة الساعة والانتقام من أعدائه، والإكرام لأوليائه. قال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عُبيد فقال: يا أبا عمرو، هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤماً، وعن الإيعاد كرماً، أما سمعت قول الشاعر(١): ولا أنثني عن سطوة المتهدد ليرهب ابن العم والجار سطوتي لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فإني وإن أوعدته أو وعدته وقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفِ سَنَةٍ مِّنَا تَعُدُّونَ﴾ أي: هو تعالى لا يعجل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حلمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء وإن أجل وأنظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنِ قَرْيَةٍ أَمْلَيَّتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ الْمَصِيرُ (®﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَل قال: ((يدخل (١) هو عامر بن الطفيل، وهذا الشعر في ديوانه ص٥٨. ٤٣٠ سُورَةُ الحِو (٤٧، ٤٨) · 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام))، ورواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري، عن محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: حسن صحيح(١). وقد رواه ابن جرير، عن أبي هريرة موقوفاً فقال: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَيْكَ كَلْفِ سَنَّةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾(٢) . وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ◌َّير أنه قال: ((إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم)) قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة(٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُونَ﴾ قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض(٤). ورواه ابن جرير(٥)، عن ابن بشار، عن ابن مهدي، وبه قال مجاهد وعكرمة (٦)، ونصَّ عليه أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية. وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾﴾ [السجدة](٧). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم محمد بن الفضل، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال: إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُونَ﴾ وجعل أجل الدنيا ستة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع ﴿وَإِنَ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفٍ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُونَ﴾. فقد مضت الستة الأيام وأنتم في اليوم السابع، فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها ففي أية لحظة ولدت كان تماماً(٨) . (١) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في فضل الفقر (ح٢٣٥٤)، والسنن الكبرى للنسائي (ح١١٣٤٨)، وأخرجه أيضاً ابن ماجه في سننه، الزهد، باب منزله الفقراء (ح٤١٢٢)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ٣٩٦/٢). (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق شعبة عن سعيد الجريري به، وصححه محققوه بالشواهد (المسند ٤٢٥/١٦ ح ١٠٧٣٠). (٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الملاحم، باب قيام الساعة ح ٤٣٥٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٥٦). (٤) سنده حسن. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن. (٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن جريج لم يسمع من مجاهد، ويشهد له سابقه. (٨) سنده مرسل. (٧) أخرجه الطبري كسابقه. ٤٣١ سُورَةُ الحِجُ (٤٩، ٥٤) 9000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَّم ◌َغْفِرَةٌ ٤٩ - ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُنْ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ ﴾ وَلَِّيْنَ سَعَوْ فِيّ ◌َكِنَا مُعَجِينَ أُوْلَتِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ يقول تعالى لنبيه وَ* حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستعجلوه به: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُرْ نَذِرٌ مُبِينٌ ﴾﴾ أي: إنما أرسلني الله إليكم نذيراً لكم، بين يدي عذاب شديد، وليس إلي من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد قَالَّذِينَ ويختار ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِةٍ، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١] ﴿إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (4) ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم ﴿لَّم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾ أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم. قال محمد بن كعب القرظي: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَرِزْقُ كَرِيمٌ﴾ فهو الجنة(١). وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْ فِيِّ مَيَئِنَا مُعَجِزِينَ﴾ قال مجاهد: يثبطون الناس عن متابعة النبي ◌َّ (٢)، وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين(٣). وقال ابن عباس: ﴿مُعَجِزِينَ﴾: مراغمين(٤). ﴿ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ وهي النار الحارة الموجعة، الشديد عذابها ونكالها، أجارنا الله منها. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ [النحل]. 2] ﴿وَمَّا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَجٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمَّنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿﴿ لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ فِى قُلُوبِهِم ◌َرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الَّلِمِينَ لَفِى شِفَاقٍ بَعِيدٍ (@) اُلْحَقُّ مِن رَّيِِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ، فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللََّ لَهَادِ الَّيْنَ ءَمَنُوْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ . ٥٤ قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله وَ﴿ بمكة النجم، فلما بلغ هذا الموضع ﴿أَفَهَيُّ الَّتَ وَالْعُزَّى (9)﴾ [النجم] قال: فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وأن وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأَخْرَىّ ١٩ شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله من هذه الآية (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، ومعناه صحيح. (٢) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد .. (٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، ويشهد له سابقه. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس بلفظ: مشاقِّين وفي سنده عثمان بن عطاء وهو ضعيف. ٤٣٢ • سُورَةُ لِّقُ (٤٩، ٥٤) 000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 ﴿وَمَّآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْفَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِمُ حَكِيمٌ ﴾﴾(١) رواه ابن جرير، عن بُندار، عن غُندر، عن شعبة به بنحوه(٢)، وهو مرسل، وقد رواه البزار في مسنده عن يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث: أن النبي ◌َّر قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى ﴿أَفَّيْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى (٨) ... وذكر بقيته، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور(٣)، وإنما يُروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، ثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي مرسلاً، وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلاً أيضاً(٤). وقال قتادة: كان النبي ◌َّله يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه وإن شفاعتها لترتجي، وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون وأجرى الشيطان أن النبي وَلهو قد قرأها، فزلت بها ألسنتهم، فأنزل الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ... ) الآية، فدحر الله الشيطان(٥) . ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله صلقر اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَّهَيْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى ﴿ وَمَنَوَّةَ الثَِّئَةَ الْأُخْرَىِ ي أَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ (١) أخرجه البُستي من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به، وسنده مرسل، ويتقوى بالروايات التالية، والمراد بقوله: ((فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العُلى وأن شفاعتهن ترتجى)) أي: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله وَّ ه. وهذا ما قرره الإمام البغوي والقاضي عياض كما سيأتي، وعبر الحافظ ابن كثير: أن هذا القول من ألطفها؛ أي من ألطف الأقوال التي قيلت في هذه القصة، وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى ١٩١/١٥)، وذكر الحافظ ابن حجر أن للقصة أصلاً (فتح الباري ٤٣٩/٨)، وعليه فإن هذه القصة حقيقية، ولا تؤثر على الوحي؛ لأن المؤمنين لم يسمعوا بذلك، وإنما سمع ذلك المشركون الذين يوسوس فيهم الشيطان فذلك من تلك الوسوسة التي تأثر بها المشركون ولم يتأثر بها المؤمنون. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى بما يليه. (٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٢٦٣)، وسنده حسن، وأخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مختصراً، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ١١٥)، وأخرجه الضياء المقدسي (المحتارة ٢٣٤/١٠). (٤) أخرجه الطبري بأسانيد مرسلة عن محمد بن كعب وأبي العالية وسعيد بن جبير والزهري، وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً وتتقوى برواية ابن عباس ◌ًا، وصححه السيوطي في الدر المنثور، وأما طريق الكلبي فضعيف وقد عزاه السيوطي إلى ابن مردويه. (٥) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وهو مرسل يتقوى بما سبق، وذكره البغوي (معالم التنزيل ٢٩٤/٣). ٤٣٣ سُورَةُ الحِج (٤٩، ٥٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجي، وكان ذلك من [سجع] الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه، فلما بلغ رسول الله بس ﴿ آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً فرفع على كفه تراباً فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله وَالر، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الآية الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أُمنية رسول الله وَلفيه، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله وير قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلَّوا مع رسول الله وَّة، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وحفظه من الفرية، وقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىٌّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِمُ حَكِيمٌ ﴾ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ وَالْغَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَ الظَّالِمِينَ لَفِى شِفَاقٍ بَعِيدٍ ﴾﴾ فلما بيّن الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم(١)، وهذا أيضاً مرسل. وفي تفسير ابن جرير، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه(٢)، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه ((دلائل النبوة))، فلم يجز به موسى بن عقبة ساقه من مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن أبي إسحاق هذه القصة. (قلت): وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات(٣)، والله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل ههنا سؤالاً: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله وَلقر، وليس كذلك في نفس الأمر؛ بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن وَلي (٤)، والله أعلم. وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته. (١) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وسنده مرسل يتقوى بما سق. (٢) أخرجه الطبري من طريق الزهري به مختصراً. (٣) لكنها تتقوى بما سبق. (٤) معالم التنزيل ٢٩٣/٣، ٢٩٤. ٤٣٤ • سُورَةُ لحِقُ (٤٩، ٥٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد تعرّض القاضي عياض تَُّ في كتاب الشفاء لهذا (١)، وأجاب بما حاصله أنها كذلك لثبوتها . وقوله: ﴿إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؛ أي لا يهيدنك ذلك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء. قال البخاري: قال ابن عباس: ﴿فِيّ أُمَنِيَّتِهِ﴾ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ عَايَتِهْ﴾(٢). قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ ﴿إِذَا تَمَنّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه(٣). وقال مجاهد: ﴿إِذَا تَمَنَّ﴾ يعني: إذا قال(٤)، ويقال: أمنيته قراءته ((إلا أماني)) يقولون ولا يكتبون. قال البغوي وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: ﴿تَمَنَّ﴾ أي: تلا وقرأ كتاب الله ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيِّ أُقْنِّيَّتِهِ﴾ أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل: (٥) تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر وقال الضحاك: ﴿إِذَا تَمَنََّ﴾ إذا تلا(٦). قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام. وقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ﴾ حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فيبطل الله ◌ُعَلَ ما ألقى الشيطان(٧). وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته(٨). وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يكون من الأمور والحوادث لا تخفى عليه خافية ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ولهذا قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمٍ قَرَضُ﴾ أي: شك وشرك وكفر ونفاق؛ كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عند الله، وإنما كان من الشيطان. قال ابن جريج: ﴿الذَّيِنَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ هم المنافقون، ﴿ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون (٩). وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد؛ أي من الحق والصواب، ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل والمؤمنون بالله ورسوله أن (١) الشفا ٢/ ٧٥٠. (٢) أخرجه البخاري تعليقاً بصيغة الجزم (الصحيح، تفسير سورة الحج باب ٢٢)، وقال الحافظ ابن حجر: وصله الطبري من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس مقطعاً (فتح الباري ٤٣٨/٨). (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) معالم التنزيل ٢٩٣/٣. (٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٨) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف مقطعاً، وفيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف. ٤٣٥ • سُورَةُ الحِّچ (٥٧،٥٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به وغيره بل هو كتاب حكيم ﴿لَّ يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (﴾﴾ [فصلت]. وقوله: ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: يصدقوه وينقادوا له، ﴿فَتُخْتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخضع وتذل له قلوبهم، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات. وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِنْهُ حَ تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَِلُواْ الصَِّحَتِ فِ جَنَّتِ اٌلَّعِيمِ ٥٧) وَالَّذِنَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ٥٦٦ عَقِيمٍ يقول تعالى مخبراً عن الكفار: إنهم لا يزالون في مرية (١)؛ أي في شك من هذا القرآن، قاله ابن جريج واختاره ابن جرير. وقال سعيد بن جبير وابن زيد ﴿مِّنْهُ﴾(٢)؛ أي مما ألقى الشيطان. ﴿حَّى تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ قال مجاهد: فجأة. وقال قتادة: ﴿بَغْتَةً﴾ بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. وقوله: ﴿أَوْ يَأْنَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ قال مجاهد: قال أُبي بن كعب: هو يوم بدر(٣)، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير(٤). قال عكرمة ومجاهد في رواية عنهما: هو يوم القيامة، لا ليل له، وكذا قال الضحاك والحسن البصري(٥)، وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يومٍ بدر من جملة ما أوعدوا به لكن هذا هو المراد، ولهذا قال: ﴿اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ كقوله: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾﴾ [الفاتحة] وقوله: ﴿ اَلْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا (٣)﴾ [الفرقان]. ﴿فَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وصدقوا بالله ورسوله وعملوا بمقتضى ما علموا، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم ﴿فِى جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لهم النعيم المقيم الذي لا یحول ولا يزوال ولا يبيد. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف. (٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر، وهو جعفر بن أبي وحشية عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. (٣) أخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق قتادة عن أبي، وسنده منقطع؛ لأن قتادة لم يسمع من أُبي، وأخرجه الضياء المقدسي عن ابن عباس (المختارة ٨٩/١٠، ٩٠). (٤) قول مجاهد أخرجه الطبري من طريقين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عنه. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عن الضحاك. ٤٣٦ (٥٨، ٦٠) سُورَةُ الحِى 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا﴾ أي: كفرت قلوبهم بالحق وجحدوا به، وكذبوا به وخالفوا الرسل واستكبروا عن اتباعهم ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين. ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللّهُ رِزْقًا حَسَنَّأْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ ٥٨ ذَلِك لَيُدْخِلَّهُم مُدْخَلًا يَرَضَوْنَةٍُّ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُفِىَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ يخبر تعالى عمن خرج مهاجراً في سبيل الله ابتغاء مرضاته وطلباً لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخلّان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله ﴿ثُمَّ قُتِلُواْ﴾؛ أي في الجهاد، ﴿أَوْ مَاتُواْ﴾؛ أي حتف أنفهم؛ أي من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل والثناء الجميل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى الَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ المَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُءُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. وقوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: ليجرين عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به لَيُدْسِلَّهُم مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ أي: الجنة كما قال أعينهم ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الَّرِقِينَ (@) تعالى: ﴿فَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨ فَوْعُ وَرَتْحَانٌ وَحَنَّثُ نَّعِيمٍ ﴾﴾ [الواقعة] فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال ههنا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ثم قال: ﴿لَيُدْسِلَّهُم ◌ُدْخَلًا يَرَضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله وبمن يستحق ذلك ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يحلم ويصفح ويغفر لهم الذنوب، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه وتوكلهم عليه. فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حي عند ربه يرزق كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَةُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (3)﴾ [آل عمران] والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم، وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه وعظيم إحسان الله إليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن شريح، عن ابن الحارث - يعني: عبد الكريم -، عن ابن عقبة - يعني: أبا عبيدة بن عقبة - قال: قال حدثنا شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمرَّ بي سلمان - يعني: الفارسي ظُه -، فقال: إني سمعت رسول الله وَّه يقول: ((من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأَمِن من الفتّانين، واقرأوا إن شئتم ﴿وَلَِّيْنَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنَّأْ وَإِنَ اللّهَ (٥٩) لَّهُوَ خَيْرُ الَّرِقِينَ ﴾ لَيُدِْلَّهُم مُدْخَلًا يَرَّضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (١) أخرجه مسلم من طريق عبد الرحمن بن شريح به بدون ذكر الآية، ومن طريق مكحول عن شرحبيل بن السمط به، بلفظ: وأَمنَ الفتَّان، وبدون ذكر الآية (الصحيح، الإمارة، باب فضل الرباط) (ح١٩١٣). ٤٣٧ • سُورَةُ لحُِّ (٦١، ٦٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني همام أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كنا برودس(١)، ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله وَلآ، فمر بجنازتين إحداهما قتيل، والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله، فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت؟ اسمعوا كتاب الله ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ﴾ حتى بلغ آخر الآية (٢). وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عبيدة بن سليمان، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، [حدثنا](٣) سلامان بن عامر الشيباني أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني، حدثه أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين أحدهما أصيب بمنجنيق، والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت إن الله يقول: ﴿وَلَّذِيْنَ هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَناً ... ﴾ الآيتين، فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلاً ترضاه، ورزقت رزقاً حسناً؟ والله أما أبالي من أي حفرتيهما بعثت. ورواه ابن جرير، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شریح، عن سلامان بن عامر قال: كان فضالة برودس أميراً على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين، أحدهما قتيل والآخر متوفى ... فذكر نحو ما تقدم(٤). وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ... ) الآية، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج أنها نزلت في سرية من الصحابة لقوا جمعاً من المشركين في شهر محرم، فناشدهم المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون فنصرهم الله عليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوُّ غَفُورٌ﴾(٥). ] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ اُلْكَبِيرُ يقول تعالى منبهاً على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ (١) رودس: جزيرة في البحر الأبيض المتوسط شمال الإسكندرية، غزاها المسلمون زمن معاوية ظه (معجم البلدان ٢/ ١٣٢). (٢) أخرجه الطبري من طريق سلامان بن عامر عن فضالة بنحوه، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم، كما سيأتي بالرواية التالية، وهذان الطريقان يقوي أحدهما الآخر. (٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((سقط)). (٤) تقدم تخريجه في سابقه. (٥) قول مقاتل بن حيان عزاه السيوطي في الدر المنثور ولباب النقول إلى ابن أبي حاتم، وسنده معضل؛ لأن مقاتل بن حيان تابع تابعي، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، وابن جريج أيضاً تابع تابعي. ٤٣٨ سُورَةُ الحِجُ (٦٣، ٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ وَتُمِزُ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُ مَن تَشَأَةُ بَِدِكَ الْخَيْرِّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿٣َ قُولِجُ اَلَيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ اٌلَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْعَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ()﴾ [آل عمران]، ومعنى: إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل: إدخاله من هذا في هذا ومن هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل كما في الصيف. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي: سميع بأقوال عباده، بصير بهم، لا يخفى عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ولما بيّن أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو السلطان العظيم الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ، هُوَ الْبَطِلُ﴾ أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضراً ولا نفعاً. وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿اَلْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه رَك عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً . ] ﴿أَلَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ الشَّمَاءِ مَآءَ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةُ إِنَ اللّهَ لَطِيفُ خَبِيرٌ لَّمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضَِّ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴿ أَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ اَلْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنٍِ إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ زَّحِيمٌ ﴾ وَهُوَ الَّذِىّ أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِئُكُمْ ثُمَّ يُحْمِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ وهذا أيضاً من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، فإنه يرسل الرياح فتثير سحاباً فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوادء فحلة، ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَلَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] وقوله: ﴿فَتُصْبِحُ اٌلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ الفاء ههنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿ثُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل شيئين أربعين يوماً(١)، ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا ههنا قال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أي: خضراء بعد يباسها ومحولها. وقد ذكر عن بعض أهل الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُّ خَبِيرٌ﴾ أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، ولا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء فينبته به، كما قال لقمان: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَاَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّقٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِ صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اَللَّهَ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفُّ خَبِيرٌ ﴾﴾ [لقمان]، وقال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْبَ فِ السَّمَوَتِ (١) تقدم تخريجه في تفسير الآية (٥) من هذه السورة. ٤٣٩ • سُوَرَّةُ الْحِمُ (٦٧، ٦٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ◌ُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِّكَ مِن مِثْقَالٍ ذَرَّةِ ... ﴾ الآية [يونس: ٦١]، ولهذا قال أمية بن أبي الصلت أو زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته: فيصبح منه البقل يهتز رابياً وقولا له من ينبت الحب في الثرى؟ ففي ذاك آيات لمن كان واعياً (١) ويخرج منه حبة في رؤوسه وقوله: ﴿لَّهُ مَا فِ الشَمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ﴾ أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه وكل شيء فقير إليه عبد لديه. وقوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: من حيوان وجماد وزروع وثمار، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي: من إحسانه وفضله وامتنانه ﴿وَالْفُلْكَ تَّجْرِى فِ اٌلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ أي: بتسخيره وتسييره؛ أي في البحر العجاج وتلاطم الأمواج تجري الفلك بأهلها بريح طيبة ورفق وتؤدة فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع من بلد إلى بلد وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك مما يحتاجون إليه ويطلبونه ويريدونه ﴿وَيُمْسِكُ اٌلَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّ بِإِذْنِهِةٍ﴾ أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد: ٦]. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ إِنَّ الْإِسَنَ لَكَفُورُ (﴾﴾ كقوله: ﴿كَيْفَ ﴾ [البقرة]. وقوله : تَكْفُرُونَ بِلّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيَكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَمُونَ ◌َّ ﴿قُلِ اَللَّهُ يُحِيَكُمْ ثُمَ يُسِتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَئُكُمْ إِلَى بَّوْ اَلْقِيَمَةِ لَا رَبِّبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: ٢٦]. وقوله: ﴿قَالُواْ رَبَّّا أَمْتَّنَا أَثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا أُنْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] ومعنى الكلام: كيف تجعلون لله أنداداً وتعبدون معه غيره وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَحْيَاكُمْ﴾ أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً يذكر، فأوجدكم ﴿ثُمَّ يُمِنُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ أي: جحود. ﴾ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوَةٌ فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِ آلْأَمْنِّ وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكٌ إِنَّكَ لَعَلَى ﴿ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا وَإِن جَدَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ هُدَّى مُسْتَقِيمٍ كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٦٩) يخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكاً، قال ابن جرير: يعني لكل أمة نبي منسكاً، قال: وأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما لخير أو شر، قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك لترداد الناس(٢) إليها وعكوفهم عليها، فإن كان كما قال من أن المراد لكل أمة نبي جعلنا منسكاً، فيكون المراد بقوله: ﴿فَلَا يَُزِعُنَّكَ فِ الْأَمْيِّ﴾ أي: هؤلاء (١) ينظر: السيرة النبوية لابن هشام ٢٢٨/١. (٢) ذكره الطبري بنحوه. ٤٤٠ • سُوَرَّةُ الحِجُ (٧٠) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 المشركين، وإن كان المراد لكل أمة جعلنا منسكاً جعلاً قدرياً كما قال: ﴿وَلِكُلِّ رِجْهَؤُ هُوَ مُوَلِّهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، ولهذا قال ههنا: ﴿هُمْ نَاسِكُوُهُ﴾ أي: فاعلوه، فالضمير ههنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق؛ أي هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك ولا يصرفك ذلك عما أنت عليه من الحق، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَّ إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود، وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكٌَ﴾ [القصص: ٨٧]. وقوله: ﴿وَإِن جَدَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (4)﴾؛ كقوله: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِىِ عَمَلِى وَلَكُمْ (٨)﴾ [يونس]. عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِقُونَ مِقَّآ أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد؛ كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيَّهِ كَفَ بِهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأحقاف: ٨]، ولهذا قال: ﴿اَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرِتٌ وَلَ نَِّعْ أَهْوَةَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبَّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اَللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَّا وَإِلَيْهِ اْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الشورى]. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرٌ . يخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السموات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَّله: ((إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)) (١). وفي السنن من حديث جماعة من الصحابة: أن رسول الله وَير قال: ((أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة))(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش تبارك وتعالى: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله للنبي وَّهِ: ﴿أَّ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ﴾(٣). (١) صحيح مسلم، القدر، باب حجاج آدم وموسى (ح ٢٦٥٣). (٢) أخرجه أبو داود، السنن، السنة، باب القدر (ح ٤٧٠٠)، والترمذي، تفسير القرآن، باب سورة الحج، (ح٣٣١٩) وحسنه، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٣٣). (٣) سنده حسن بالشواهد المتقدمة.