النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
• سُورَةُ لحِقُ (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
زياد العدوي، عن عمران بن الحصين .. فذكره، وهكذا روى ابن جرير، عن بندار، عن غندر،
عن عوف، عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله وَ ل﴿ لما قفلَ من غزوة العسرة ومعه أصحابه
بعدما شارف المدينة قرأ ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ )) ...
(١)
وذكر الحديث، فذكر نحو سياق ابن جدعان، والله أعلم.
(الحديث الثاني): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن الطباع، حدثنا أبو سفيان
المعمري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: نزلت ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ وذكر؛
يعني: نحو سياق الحسن، عن عمران غير أنه قال: ومن هلك من كثرة الجن والإنس. ورواه ابن
جرير بطوله من حديث معمر (٢).
(الحديث الثالث): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سلمان، حدثنا عباد
- يعني: ابن العوام -، حدثنا هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: تلا رسول الله وَليه
هذه الآية ... فذكر نحوه، وقال فيه: ((إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة))، ثم قال: ((إني
لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة))، ثم قال: ((إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة)) ففرحوا،
وزاد أيضاً: ((وإنما أنتم جزء من ألف جزء))(٣).
(الحديث الرابع): قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي،
حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد قال: قال النبي ◌َّه: ((يقول الله تعالى يوم
القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من
ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف ــ أراه قال -: تسعمائة
وتسعة وتسعون، فحينئذٍ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى وَمَا هُم
بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فشقَّ ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم)). قال
النبي وَله: ((من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون ومنكم واحد، أنتم في الناس كالشعرة
السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن
تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: ((ثلث أهل الجنة))، فكبّرنا ثم قال: ((شطر أهل الجنة))
فكبرنا(٤)، وقد رواه البخاري أيضاً في غير هذا الموضع، ومسلم والنسائي في تفسيره من طرق
عن الأعمش به(٥).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بسابقه.
(٢) أخرجه الطبري من طريق معمر به، وكذلك الحاكم من هذا الطريق وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٩/١).
(٣) في سنده هلال بن خباب: صدوق تغير بأخرة (التقريب ص٥٧٥)، ويتقوى برواية عمران بن الحصين
السابقة، وبرواية أبي سعيد الخدري اللاحقة، وأخرجه البزار من طريق هلال به (كشف الأستار ح٣٤٩٧)،
قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب، وهو ثقة (مجمع الزوائد ٣٩٤/١٠).
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى﴾ (ح ٤٧٤١).
(٥) صحيح البخاري، الرقاق، باب قوله رَك: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] (ح ٦٥٣٠)،
وصحيح مسلم، الإيمان، باب قوله: ((يقول الله: يا آدم أخرج بعث النار ... )) (ح٣٧٩)، والسنن الكبرى
للنسائي، التفسير، باب ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ [الحج: ٢] (ح ١١٣٣٩).

٣٨٢
• سُورَةُ الرَّجُ (٢،١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(الحديث الخامس): قال الإمام أحمد: حدثنا عمارة بن محمد ابن أخت سفيان الثوري
وعبيدة المعنى، كلاهما عن إبراهيم بن مسلم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال
رسول الله وَّيقول: ((إن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي: يا آدم إن الله يأمرك أن تبعث بعثاً من
ذريتك إلى النار، فيقول آدم: يا ربِّ من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعون)) فقال رجل
من القوم: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟ قال: ((هل تدرون ما أنتم في الناس إلا
كالشامة في صدر البعير))(١). انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد.
(الحديث السادس): قال الإمام [أحمد](٢): حدثنا يحيى، عن حاتم بن أبي صَغيرة، حدثنا
ابن أبي مليكة: أن القاسم بن محمد أخبره، عن عائشة، عن النبي وَّر قال: ((إنكم تحشرون
إلى الله يوم القيامة حفاة عراة غرلاً)) قالت عائشة: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم
إلى بعض، قال: ((يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك)»(٣). أخرجاه في الصحيحين(٤).
(الحديث السابع): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن
أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، هل يذكر الحبيب
حبيبه، يوم القيامة؟ قال: ((يا عائشة أما عند ثلاث فلا؛ أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا،
وأما عند تطاير الكتب إما يعطى بيمينه وإما يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي
عليهم ويتغيظ عليهم ويقول ذلك العنق: وكلت بثلاثة؛ وكلت بثلاثة، وكلت بثلاثة، وكلت بمن
ادعى مع الله إلهاً آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد قال:
فينطوي عليهم، ويرميهم في غمرات جهنم، ولجهنم جسر أرق من الشعر وأحد من السيف، عليه
كلاليب(٥) وحَسَك(٦) يأخذن من شاء الله، والناس عليه كالبرق وكالطرف(٧) وكالريح وكأجاويد
الخيل والركاب، والملائكة يقولون: ربِّ سَلِّم، سلِّم؛ فناج مسلم، ومخدوش مسلم، ومكور في
النار على وجهه)»(٨).
والأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار كثيرة جداً لها موضع آخر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنّ
زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىُْ عَظِيمٌ﴾ أي: أمر عظيم، وخطب جليل، وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن
عجيب، والزلزال هو ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلَ
الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾﴾ [الأحزاب].
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مقطعاً إلى حديثين، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ١٩٩/٦ - ٢٠١
ح ٣٦٧٧، ٣٦٧٨).
(٢) كذا في (حم)، وفي الأصل بياض.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وفي آخره: ((ذلك))، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٠٩/٤٠
ح ٢٤٢٦٥).
(٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب الحشر (ح٦٥٢٧)، وصحيح مسلم، الجنة، باب فناء الدنيا ...
(ح٢٨٥٩).
(٥) جمع كلّاب، وهي: حديدة معوجة الرأس.
(٧) أي: كطرف العين.
(٦) جمع حسكة، وهي: شوكة صلبة.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٣٠٢/٤١، ٣٠٣ ح ٢٤٧٩٣).

سورة الحج
(٤،٣)
٣٨٣
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم قال تعالى: ﴿يَوَّمَ تَرَوْنَهَا﴾ هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسراً له: ﴿تَذْهَلُ
كُلُ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أي: فتشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق
الناس عليه تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ ولم يقل: مرضع،
وقال: ﴿عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ أي: عن رضيعها قبل فطامه.
وقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا﴾ أي: قبل تمامه لشدة الهول ﴿وَتَرَى النَّاسَ
سُكَرَى﴾ وقرئ سكرى(١) أي: من شدة الأمر الذي قد صاروا فيه قد دهشت عقولهم،
وغابت أذهانهم، فمن رآهم حسب أنهم سكارى ﴿وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ
شَدِيدٌ﴾.
] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ قَرِيدٍ ﴾َ كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ
مَنْ تَوَلَاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٣)﴾.
يقول تعالى ذاماً لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضاً عما أنزل الله
على أنبيائه متبعاً في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل
البدع والضلال المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق
المبين، ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم
وأشباههم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: علم صحيح.
﴿وَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ فَرِيدٍ ﴿ كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قال مجاهد: يعني: الشيطان(٢)؛ يعني: كتب عليه
كتابة قدرية ﴿أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ﴾ أي: اتبعه وقلده ﴿فَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهَدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: يضله في
الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المقلق المزعج.
وقد قال السدي، عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث(٣)، وكذلك قال ابن
جریج.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن مسلم البصري، حدثنا عمر بن المحرم أبو قتادة، حدثنا
[المعتمر] (٤)، حدثنا أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش أخبرنا عن ربكم من ذهب
هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فقعقعت السماء قعقعة - والقعقعة في كلام العرب:
الرعد - فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه(٥).
وقال ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي
شيء هو، من درِّ أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته(٦).
(١) وهي قراءة متواترة.
(٢) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وسنده مرسل.
(٤) كذا في (ح) و(حم) وترجمته، وفي الأصل صُحف إلى: ((العمر).
(٥) سنده مرسل.
(٦) سنده مرسل.

٣٨٤
• سُورَةُ الرَّجُ (٧،٥)
0000000000000000 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
42 ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَفْتَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ
عَلَقَتِ ثُمَّ مِن مُضْغَةِ تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَقَةٍ لِنَبَيِنَ لَكُمْ وَنُفِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى ثُمَّ
تُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمٌّ وَمِنكُم ◌َن يُوَلَّ وَمِنكُمْ مَن يُرَّدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا
يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ
زَوْجَ بَهِيجِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَنَّهُ يُحِيِ اٌلْمَوْقَ وَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا
رَيِّبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ ﴾﴾.
لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد
بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ أي: في شك ﴿مِّنَ اٌلْبَعْثِ﴾
وهو: المعاد، وقيام الأرواح والأجساد، يوم القيامة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّنْ تُرَابٍ﴾ أي: أصل [برئه](١)
لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم ظلَّ* ﴿ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ﴾ أي: ثم جعل نسله من سلالة من
ماء مهين ﴿ثُرَّ مِنْ عَلَقَةِ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت
أربعين يوماً كذلك يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك
أربعين يوماً، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في
التشكيل والتخطيط فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء، فتارة
تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال
تعالى: ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أي: كما تشاهدونها.
﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُفِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها
المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿الُخَلَّقَةِ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال: هو السقط
مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة، أرسل الله تعالى ملكاً إليها فنفخ
فيها الروح وسواها كما يشاء الله رَق من حُسن وقُبح، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي
أو سعيد.
كما ثبت في الصحيحين من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود قال: حدثنا
رسول الله وَّ وهو الصادق المصدوق: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم
يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فیؤمر بأربع كلمات،
بكتب رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح)»(٢).
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن
عبد الله قال: النطفة إذا استقرت في الرحم، أخذها ملك بكفه فقال: يا ربِّ مخلقة أو غير
مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دماً، وإن قيل: مخلقة، قال: أي
ربِّ ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، ما الأجل وما الأثر، وبأي أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة:
من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال له: اذهب إلى أمِّ الكتاب، فإنك
ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها وتطأ أثرها، حتى إذا جاء
(١) كذا في (حم)، وفي الأصل و(ح): ((تربه)).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٢٣٤.

٣٨٥
سُورَة الآن (٧،٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان، ثم تلا عامر الشعبي: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُتُمْ فِ رَيْبٍ مِّنَ
الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ثَرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةِ ثُرَّ مِن مُضْغَتِ تُخَلَّقَةٍ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ فإذا بلغت
مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دماً، وإن
(١)
.
كانت مخلقة نكست في الخلق
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن عمرو بن
دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي و لو قال: ((يدخل الملك على النطفة
بعدما تستقر في الرحم بأربعين يوماً أو خمس وأربعين، فيقول: أي: رب أشقي أم سعيد؟
فيقول الله ويكتبان، فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله،
ثم تطوى الصحف فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص))(٢). ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة
ومن طرق أُخر عن أبي الطفيل بنحو معناه(٣).
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِحُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: ضعيفاً في بدنه وسمعه وبصره وبطشه وعقله، ثم يعطيه الله
القوة شيئاً فشيئاً، ويلطف به ويحنن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ
لِتَبْلُغُواْ أَشُنَكُمٌ﴾ أي: يتكامل القوى ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المظهر،
﴿وَمِنكُم ◌َن يُؤَنَّى﴾ أي: في حال شبابه وقواه، ﴿وَمِنْكُمْ مَّنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ آلْعُمُرٍ﴾ وهو
الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا
قال: ﴿لِكَيْلًا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلِمِ شَيْئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ يَخْلُقُ مَا يَشَةٍ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (@)﴾ [الروم].
وقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده: حدثنا منصور بن أبي
مزاحم، حدثنا خالد الزيات، حدثني داود أبو سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن
حزم الأنصاري، عن أنس بن مالك، رفع الحديث قال: ((المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من
حسنة كتبت لوالده أو لوالدته، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث
أجرى الله عليه القلم أمر الملكان اللّذان معه أن يحفظا وأن يشددا، فإذا بلغ أربعين سنة في
الإسلام أمَّنه الله من البلايا الثلاث: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين خفف الله
حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا
بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه
وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكتب أمين الله وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر
لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإذا عمل سيئة
لم تكتب عليه)) (٤).
هذا حديث غريب جداً، وفيه نكارة شديدة، ومع هذا قد رواه الإمام أحمد بن حنبل في
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي معاوية عن داود به.
(٢) سنده صحيح.
(٣) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي (ح ٢٦٤٤).
(٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٣٥٢/٦ ح٣٦٧٨)، وضعفه الحافظ ابن كثير.

٣٨٦
• سُوَرَّةُ الحِّةُ (٧،٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مسنده موقوفاً ومرفوعاً، فقال: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا محمد بن عامر، عن
محمد بن عبد الله العاملي(١)، عن عمرو بن جعفر، عن أنس قال: ((إذا بلغ الرجل المسلم أربعين
سنة، أمنه الله من أنواع البلايا: من الجنون، والبرص، والجذام، فإذا بلغ الخمسين لين الله
حسابه، وإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه الله عليها، وإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل
السماء، وإذا بلغ الثمانين تقبل الله حسناته ومحا عنه سيئاته وإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم
من ذنبه وما تأخر وسمي أسير الله في أرضه وشفع في أهله)) ثم قال: حدثنا [هاشم، حدثنا
الفرج، حدثني محمد بن عبد الله العامري] (٢)، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن
عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن النبي وَّر، مثله(٣).
رواه الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أنس بن عياض، حدثني يوسف بن أبي ذرة الأنصاري، عن
جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله وَ * قال: ((ما من معمر يعمر
في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والبرص،
والجذام ... )) (٤)، وذكر تمام الحديث كما تقدم سواء، رواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عبد الله بن
شبيب، عن أبي شيبة، عن عبد الله بن عبد الملك، عن أبي قتادة العدوي، عن ابن أخي
الزهري، عن عمه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَلجر: (ما من عبد يعمر في الإسلام
أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعاً من البلاء: الجنون، والجذام والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة
ليَّن الله له الحساب، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين سنة
غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين
تقبل الله منه حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،
وسمي أسير الله في أرضه وشُفّع في أهل بيته))(٥).
وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى كما يحيي
الأرض الميتة الهامدة، وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء.
وقال قتادة: غبراء متهشمة(٦).
وقال السدي: ميتة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَلَّ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجِ بَهِيجٍ﴾ أي:
فإذا أنزل الله عليها المطر، ﴿آُهْتَزَّتْ﴾؛ أي تحركت بالنبات، وحييت بعد موتها، ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي
ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون من ثمار وزروع وأشتات
(١) كذا في النسخ الخطية، وفي المسند في الرواية التي تليها: ((العامري)).
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((هشام، ثنا الروح)).
(٣) المسند ٨٩/٢، وضعفه الحافظ ابن كثير في سابقه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده ضعيف جداً (المسند ١٢/٢١ ح١٣٢٧٩)، وذكره
ابن الجوزي في الموضوعات (١٧٩/١).
(٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٣٥٨٨)، وسنده ضعيف لضعف عبد الله بن شبيب (لسان الميزان
٢٩٩/٣). وأبو شيبة متروك كما في التقريب.
(٦) عزاه السيوطي إلى عبد الرزاق والطبري وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة، ولم أجده في
تفسيري عبد الرزاق والطبري.

٣٨٧
سُورَةُ الرِّةُ (٧،٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
النبات في اختلاف ألوانها وطعومه وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِن
كُلِّ زَوْجِ بَهِيج﴾ أي: حسن المنظر طيب الريح.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الَْقُّ﴾ أي: الخالق المدبر الفعال لما يشاء ﴿وَّهُ يُحِ الْمَوْقَ﴾ أي:
كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع ﴿إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِىِ الْمَوْنَىَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ كُنْ فَيَكُونُ (19)﴾ [يس].
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَّةٌ لَّا رَبَ فِيهَا﴾ أي: كائنة لا شك فيها ولا مرية، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ
الْقُرِ﴾ أي: يعيدهم بعدما صاروا في قبورهم رمماً ويوجدهم بعد العدم، كما قال تعالى:
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُمْ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيهُ ﴿ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَآَ أَوْلَ مَرَّةٍ وَهُوَ
بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴾﴾ [يس]،
والآيات في هذه كثيرة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن
عدس، عن عمه أبي رزين العقيلي، واسمه: لَقيط بن عامر: أنه قال: يا رسول الله أكلُّنا يرى
ربه ك يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول الله وَلاير: ((أليس كلكم ينظر إلى القمر
مخلياً به؟» قلنا: بلى، قال: ((فالله أعظم)) قال: قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى، وما
آية ذلك في خلقه؟ قال: ((أما مررت بوادي أهلك محلاً؟» قال: بلى. قال: «ثم مررت به يهتز
خضراً؟)) قال: بلى. قال: ((فكذلك يحيي الله الموتى وذلك آيته في خلقه))(١). ورواه أبو داود
وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به (٢).
ثم رواه الإمام أحمد أيضاً: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن بن
يزيد بن جابر، عن سليمان بن موسى، عن أبي رزين العقيلي قال: أتيت رسول الله وَ له فقلت: يا
برسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: ((أمررت بأرض من أرض قومك مجدبة، ثم مررت بها
مخصبة؟)) قال: نعم. قال: ((كذلك النشور))(٣)، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [عبيس بن مرحوم، حدثنا بكير بن أبي السمط](٤)،
عن قتادة، عن أبي الحجاج، عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله هو الحق المبين، وأن
الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل الجنة(٥).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث حسن لغيره (المسند ٢٦/ ١٠٠ ح ١٦١٨٢)، وحسنه
الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٠).
(٢) سنن أبي داود، السنة، باب في الرؤيا (ح٤٧٣١)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية
(ح ١٨٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولاً، وقال محققوه: حديث حسن لغيره (المسند ١١٣/٢٦ - ١١٥
ح ٤ ١٦١٩).
(٤) كذا في الجرح والتعديل (٧/ ٣٤) إذ قال ابن أبي حاتم: روى عن بكير بن أبي السمط .. روى عنه أبي
وسئل عنه فقال: ثقة، وفي الأصل: ((عنبس بن مرحوم عن بكير بن السميط)).
(٥) في سنده أبو الحجاج، ولم يصرح قتادة باسمه، وهو مدلس من مدلسي المرتبة الثالثة.

٣٨٨
• سُورَةُ الرِّجُ (٨، ١٣)
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُنِيرٍ ﴿٨ ثَانِىَ عِطْفِهِ، لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
L
لَهُ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ
١٠
لمّا ذكر تعالى حال الضّال الجهّال المقلدين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
[الحج] ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر
وَنَِّعُ كُلَّ شَيْطَنِ ◌َّرِيدٍ
والبدع فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ فِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمِ وَلَا هُدَّى وَلَا كِتَبٍ مُِيرٍ ﴾﴾ أي: بلا عقل
صحيح، ولا نقل صحيح صريح؛ بل بمجرد الرأي والهوى.
وقوله: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ﴾ قال ابن عباس وغيره: مستكبر عن الحق إذا دعي إليه(١).
وقال مجاهد وقتادة ومالك، عن زيد بن أسلم: ﴿ثَانِىَ عِطْفِهِ،﴾ أي: لاوي عنقه وهي
رقبته(٢)؛ يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق، ويثني رقبته استكباراً، كقوله تعالى: ﴿وَفِى
(٣٩)﴾ [الذاريات]، وقال
مُوسَىَ إِذْ أَرْسَلْنَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُِّينٍ ﴿٨ فَتَوَ بِّكْيِهِ، وَقَالَ سَحِرٍ أَوْ مَجْنُنٌ
تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ اٌلْمُنَفِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ
صُدُودًا ﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوَأْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ
﴾ [المنافقون]، وقال لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِرْ خَلَّكَ لِلنَّاسِ﴾
وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُسْتَكْبُونَ
[لقمان: ١٨] أي: تميله عنهم استكباراً عليهم، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَنُنَا وَلَّى مُسْتَكْرًا
كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا كَنَّ فِيِّ أُذُنَّهِ وَقْرَا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾﴾ [لقمان].
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال بعضهم: هذه لام العاقبة؛ لأنه قد لا يقصد ذلك، ويحتمل
أن تكون لام التعليل؛ ثم إما أن يكون المراد بها المعاندين أو يكون المراد بها أن هذا الفاعل
لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق الدنيء لنجعله ممن يضل عن سبيل الله، ثم قال تعالى: ﴿لَهُ فِ
الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾ وهو الإهانة والذل، كما أنه لما استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا
وعاقبه فيها قبل الآخرة؛ لأنها أكبر همه ومبلغ علمه ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ جَ ذَلِكَ
بِمَا قَدَّمَتْ يَدَالَ﴾ أي: يقال له هذا تقريعاً وتوبيخاً ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّمِ لِلْعَبِيدِ﴾، كقوله تعالى:
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ
خُذُوهُ فَأَعْتِلُوهُ إِلَ سَوَاءِ الْجَحِيمِ
٤٧
ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (@)
الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُم بِهِ، تَمْتَرُونَ
(٥)﴾ [الدخان].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا
هشام، عن الحسن قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة(٣).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ الْمَأَنَ بِّ وَإِنْ أَصَابَنَّهُ فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى رَجْهِهِ،
خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿ يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ
هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ ﴿ يَدْعُواْ لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ، لَبِئْسَ اُلْمَوْلَى وَلَبْسَ الْعَشِيرُ
قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ﴿عَلَى حَرْفٍّ﴾ على شك، وقال غيرهم: على طرف، ومنه حرف
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيج عن مجاهد بنحو، وأخرجه الطبري بسند صحيح من
طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.
(٣) سنده مرسل.
....-

٣٨٩
• سُؤَدَّةُ الرِّجُ (٨، ١٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الجبل؛ أي طرفه؛ أي: دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر(١).
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا إسرائيل، عن
أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قال: كان
الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد
امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن
أبيه، عن أشعث بن إسحاق القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي ◌ّله فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا
عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا
عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه ﴿وَمِنَ
الَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُ الْمَنَّ بِّ وَإِنْ أَصَابَنَّهُ فِئْنَةُ أَنْقَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صحَّ بها
جسمه، ونتجت فرسه مهراً حسناً، وولدت امرأته غلاماً رضي به، واطمأن إليه، وقال: ما أصبت
منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِئْنَةُ﴾ والفتنة: البلاء؛ أي وإن أصابه وجع
المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت
على دينك هذا إلا شراً، وذلك الفتنة (٤). وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من
السلف في تفسير هذه الآية(٥). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق إن صلحت له
دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح
من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر (٦).
وقال مجاهد في قوله: ﴿أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ،﴾ أي: ارتد كافراً (٧).
وقوله: ﴿خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ أي: فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد
كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
أي: هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة.
(١) قول مجاهد أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عنه.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] (ح ٤٧٤٢).
(٣) في سنده جعفر بن أبي المغيرة فيه مقال، ويتقوى شطره الأول برواية الصحيح المتقدمة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى برواية الصحيح المتقدمة.
(٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، لكنه مرسل ويتقوى بسابقه،
وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه لكنه معضل ويتقوى بما سبق،
وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف معضل.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن ابن زيد.
(٧) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٣٩٠
• سُورَةُ لِّمُ (١٤، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿يَدْعُوْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ﴾ أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث
بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾.
وقوله: ﴿يَدْعُوْ لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ﴾ أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه
فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن.
وقوله: ﴿لَيْسَ الْمَوْلَى وَلَيْسَ الْعَشِيرُ﴾ قال مجاهد: يعني: الوثن(١)؛ يعني: بئس هذا الذي
دعاه من دون الله مولى؛ يعني: ولياً وناصراً، ﴿وَلَِسَ الْعَشِيرُ﴾ وهو المخالط والمعاشر، واختار
ابن جرير أن المراد لبئس ابن العم والصاحب ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ الْمَأَنَّ بِهٌ وَإِنْ
أَصَابَتْهُ فِثْنَةُ أَنْقَلَبَ عَى وَجْهِهِ،﴾ وقول مجاهد: إن المراد به الوثن، أولى وأقرب إلى سياق الكلام،
والله أعلم.
2] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ إِنَ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا
)﴾.
يُريدُ
لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا
إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك
سكنى الدرجات العاليات في روضان الجنات، ولما [ذكر](٢) تعالى أنه أضلَّ أولئك وهدى هؤلاء
قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿ ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَّنْ يَنْصُرَهُ اَللَّهُ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْفُرْ
هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيُ ﴿ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَهُ ◌َيَتٍ بَيِّنَتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يُرِيدُ ﴾﴾.
قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً وَ﴿ في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب؛
أي بحبل ﴿إِلَى السَّمَآءِ﴾ أي: سماء بيته ﴿ثُمَّ لَيَقْطَعْ﴾ يقول: ثم ليختنق به(٣)، وكذا قال مجاهد
وعكرمة وعطاء وأبو الجوزاء وقتادة وغيرهم (٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: ليتوصل إلى بلوغ
السماء، فإن النصر إنما يأتي محمداً من السماء ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ذلك عنه إن قدر على ذلك(٥).
وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم، فإن المعنى: من كان
يظن أن الله ليس بناصر محمداً وكتابه ودينه، فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: ((وتر)).
(٣) أخرجه البستي والطبري والحاكم كلهم من طريق سفيان عن أبي إسحاق السبيعي عن التيمي، وهو أربدة،
عن ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الطبري (المستدرك ٣٨٦/٢).
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٥) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.

٣٩١
• سُورَةُ الرِّو (١٧، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
ناصره لا محالة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمِّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّهُ الدَّارِ ﴾﴾ [غافر]، ولهذا قال:
الأَشْهَدُ
﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ .
قال السدي: يعني: من شأن محمد دَله.
وقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ﴾ أي: القرآن ﴿مَايَتٍ بَيْنَتٍ﴾ أي: واضحات في لفظها ومعناها،
حجة من الله على الناس، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهَدِى مَن يُرِيدُ﴾ أي: يضل من يشاء ويهدي من يشاء،
(١٢)﴾ [الأنبياء]
وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (
أما هو فلحكمته ورحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته لا معقب لحكمه، وهو سريع
الحساب.
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئِينَ وَالَصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ
بَيْنَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ
يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين ومن سواهم من اليهود والصابئين،
وقد قدمنا في سورة البقرة التعريف بهم واختلاف الناس فيهم، والنصارى والمجوس والذين
أشركوا فعبدوا غير الله معه، فإنه تعالى: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ﴾ ويحكم بينهم بالعدل،
فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم،
عليم بسرائرهم وما تكنّ ضمائرهم.
] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَاَلْجِبَالُ
وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآَبُ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِِّ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ
يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾
يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعاً
وكرهاً، وسجود كل شيء مما يختص به، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن
[النحل] وقال ههنا: ﴿أَلَّ تَرَ أَتَّ
ثَوْءٍ يَنَفَيَّوُاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَابِلِ سُبَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (@)
اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُمَ مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: من الملائكة في أقطار السموات،
والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِهْدِهِ﴾
[الإسراء: ٤٤].
وقوله: ﴿وَالشَمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عُبدت من دون الله
فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ
الَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (4)﴾ [فصلت]، وفي الصحيحين عن أبي ذرِّ ◌َّ ◌ُهـ
قال: قال لي رسول الله وسلم: ((أتدري أين تذهب هذه الشمس؟)) قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: ((فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث

٣٩٢
• سُورَةُ لِّمُ (١٧، ١٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جئت))(١). وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه في حديث الكسوف: ((إن
الشمس والقمر خلقان من خلق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله ربك
إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له))(٢).
وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا
ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه(٣).
وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل.
وعن ابن عباس قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي
خلف شجرة فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللَّهم اكتب لي بها
عندك أجراً، وضع عني بها ورزاً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك
داود، قال ابن عباس: فقرأ رسول الله وَّل سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره
الرجل عن قول الشجرة. رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه (٤).
وقوله: ﴿وَالذَّوَآتُّ﴾ أي: الحيوانات كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد: أن
رسول الله ◌َ، نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، فرُبَّ مركوبة خير وأكثر ذكراً لله تعالى من
راکیھا(٥).
وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ﴾ أي: يسجد لله طوعاً مختاراً متعبّداً بذلك ﴿وَكَثِيُ حَقَّ عَلَيْهِ
اٌلْعَذَابُ﴾ أي: ممن امتنع وأبى واستكبر ﴿وَمَن يُّهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَآءُ﴾ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدثنا القداح، عن جعفر بن محمد، عن
أبيه، عن علي قال: قيل لعلي: إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد الله
خلقك الله كما يشاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء. قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال:
بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء. قال: فيدخلك حيث شئت أو
حيث شاء؟ قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف(٦).
(١) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر (ح٣١٩٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان
الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (ح١٥٩).
(٢) المسند ٢٦٧/٤، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة الكسوف (ح١١٧٧)، وسنن النسائي، الكسوف ٣/
١٤١، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة الكسوف (ح١٢٦٢)، وصححه الألباني في
صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٠٤٤).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف، وهو الأعرابي، عن أبي العالية.
(٤) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما يقول في سجود القرآن (ح٥٧٩)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب
سجود القرآن (ح١٠٥٢)، والإحسان ٤٧٣/٦ ح٢٧٦٨، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه
(ح ٨٦٥).
(٥) أخرجه الإمام أحمد من حديث معاذ بن أنس عن أبيه ربه (المسند ٤٣٩/٣)، وسنده ضعيف لضعف زبان،
وكذلك ابن لهيعة فيه مقال.
(٦) سنده ضعيف للانقطاع بين والد جعفر، وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فإنه لم
يسمع من علي ـ

٣٩٣
• سُورَةُ الحِج (١٩، ٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وسلم: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي،
يقول: يا ويله أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيتُ فلي النار)) رواه
مسلم(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا : حدثنا ابن
لهيعة، قال: حدثنا مشرح بن هاعان، أبو مصعب المعافري، قال: سمعت عقبة بن عامر قال:
قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: ((نعم، فمن لم يسجد
بهما فلا يقرأهما))(٢)، ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن لهيعة به. وقال الترمذي:
ليس بقوي، وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح ((فيه)) بالسماع، وأكثر ما نقموا عليه تدليسه(٣).
وقد قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنبأنا ابن وهب، أخبرني
معاوية بن صالح، عن [عامر بن جَشيب](٤)، عن خالد بن معدان تَخُّْ: أن رسول الله وَل قال:
(فُضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين)) ثم قال أبو داود: وقد أسند هذا؛ يعني: من غير
هذا الوجه ولا يصح(٥).
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثني ابن أبي داود، حدثنا يزيد بن عبد الله، حدثنا
الوليد، حدثنا أبو عمرو، حدثنا حفص بن عنان، حدثني نافع قال: حدثني أبو الجهم أن عمر
سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين(٦). وروى أبو داود وابن
ماجه من حديث الحارث بن سعيد العتقي، عن عبد الله بن مُنين، عن عمرو بن العاص أن
رسول *، أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج
سجدتان، فهذه شواهد يشدُّ بعضها بعضاً(٧).
﴿ ﴿﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ أُخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ فَلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ نِبَابٌ مِّنِ ثَارٍ يُصَبُّ مِن
كُلَّمَا
وَلَكُمْ تَّقَيِعُ مِنْ حَدِيدٍ (@
فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (٨ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ وَاَلْجُلُودُ هـ
﴾.
أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
ثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذرٍّ: أنه كان يقسم
(١) صحيح مسلم، الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (ح ٨١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥١/٤)، وفي سنده ابن لهيعة فيه مقال ولشطره الأول شواهد
كما يليه. وأخرجه الحاكم من طريق ابن لهيعة، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٢١/١).
(٣) سنن أبي داود، الصلاة، باب تفريع أبواب السجود (ح١٤٠٢)، وسنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما
جاء في السجدة في الحج (ح٥٧٨)، وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وتعقبه الأستاذ
أحمد شاکر بقوله: بل هو حديث صحيح.
(٤) كذا في ترجمته (التقريب ص٢٨٧)، وفي الأصل صُحف: ((عامر بن حسيب))، وفي (ح) و(حم): ((عامر بن
حبیب)).
(٥) المراسيل رقم ٧٨، ويشهد له سابقه.
(٦) يشهد له ما سبق عن عقبة بن عامر ظـ
(٧) سنن أبي داود، الصلاة، باب تفريع أبواب السجود (ح١٤٠١)، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب عدد
سجود القرآن (ح١٠٥٧)، وله شاهد یقویه کسابقه.

٣٩٤
سُورَةُ لحَةُ (١٩، ٢٢)
·
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
قسماً أن هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اَخْتَصَمُواْ فِ رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه
يوم برزوا في بدر، لفظ البخاري عند تفسيرها (١)، ثم قال البخاري: حدثنا حجاج بن المنهال،
حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي
طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم
نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ﴾ قال: هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة
وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد به البخاري (٢).
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ قال: اختصم
المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله
منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله
منكم، فأفلج(٣) الله الإسلام على من ناوأه، وأنزل ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْخَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾(٤). وكذا
روى العوفي عن ابن عباس(٥) .
وقال شعبة، عن قتادة في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمٌ﴾ قال: مصدق ومكذب(٦).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث(٧).
وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون (٨).
وقال عكرمة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ أَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ﴾ قال: هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني
للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة (٩) .
وقول مجاهد وعطاء: إن المراد بهذه الكافرون والمؤمنون، يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه
قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله رَّت، والكافرون يريدون إطفاء نور
الإيمان وخذلان الحق وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو حسن، ولهذا قال: ﴿فَلَّذِينَ
كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن ثَارٍ﴾ أي: فُصِّلت لهم مقطعات من النار.
قال سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ
اْحَمِيمُ ﴾ يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِىِ بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ﴾﴾ أي: إذا صب على رؤوسهم الحميم وهو الماء
الحار في غاية الحرارة. وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب(١٠)، أذاب ما في بطونهم من
(١) صحيح البخاري، المغازي، باب قتل أبي جهل (ح٣٩٦٦)، وصحيح مسلم، التفسير، باب قوله تعالى:
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ لُخْتَصَمُواْ فِ رَبِمَّ﴾ (ح٣٠٣٣).
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِمَّ﴾ [الحج: ١٩] (ح ٤٧٤٤).
(٣) أي: أظفر والفلج الظفر والفوز.
(٤) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم وعبد بن حميد.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٦) يشهد له سابقه ولاحقه.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، ويشهد له ما سبق.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف كسابقه.
(١٠) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.

O
سُورَةُ لحِقُ (٢٢،١٩)
٣٩٥
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الشحم والأمعاء، قاله ابن عباس(١) ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم، وكذلك تذوب جلودهم،
وقال ابن عباس وسعيد: تساقط(٢).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثني إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن
المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن ابن حُجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي وَلاين
قال: ((إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في
جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو [الصَّهُر](٣)، ثم يعاد كما كان))(٤)، ورواه الترمذي من حديث ابن
المبارك وقال: حسن صحيح(٥)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن ابن
المبارك به(٦). ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن أبي الحواري،
قال: سمعت عبد الله بن السري قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من
وجهه تكرهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه
(٧)
فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِ بُطُونِهِمْ وَاْجُلُودُ
٢٠
وقوله: ﴿وَلَمُ تَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن
لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله وَّر قال: (لو أن
مقمعاً من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان ما أقلَّوه (٨) من الأرض)) (٩).
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم،
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلي: (لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت، ثم.
عاد كما كان، ولو أن دلواً من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا))(١٠).
(١)﴾ قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على
﴿وَلَهُمْ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ
حياله فيدعون بالثبور (١١).
وقال ابن عباس في قوله:
وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُوْ مِنْهَا مِنْ غَرٍّ أُعِيدُواْ فِهَا﴾ قال الأعمش، عن أبي ظبيان، عن
سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا
(١) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن سعيد بن جبير، كسابقه.
(٣) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحفت إلى: ((الضير)).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه أيضاً من طريق يعمر بن بشر عن عبد الله بن المبارك به، وفي كليهما
أبو السمح وهو دراج بن سمعان القرشي، وهو ضعيف، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به،
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٨٧/٢).
(٥) السنن، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار (ح٢٥٨٢).
(٦) سنده ضعيف كسابقه.
(٨) أي: ما رفعوه.
(٧) سنده ضعيف؛ لأنه معضل.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٣٣٤/١٧ ح ١١٢٣٣).
(١٠) المسند ٨٣/٣، وسنده كسابقه.
(١١) أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير، وليس عن ابن عباس، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي:
ضعيف، وكذلك عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير.

٣٩٦
• سُورَةُ الرِّو (٢٣، ٢٤)
مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾(١).
وقال زيد بن أسلم في هذه الآية ﴿كُلَّمَا أَرَادُوْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ قال:
بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون(٢).
وقال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة وإن الأيدي لموثقة،
ولكن يرفعهم لهبها وتردُّهم مقامعها(٣).
وقوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخَرِيقِ﴾ كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُنْتُم بِهِ، ثُكَّذِّبُونَ﴾
[السجدة: ٢٠] ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولاً وفعلاً.
﴿ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ مُحَلَّوْنَ
وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوَأْ
فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٌ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ شََّ
إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ
لما أخبر تعالى عن حال أهل النار، عياذاً بالله من حالهم وما هم فيه من العذاب والنكال
والحريق والأغلال وما أعدَّ لهم من الثياب من النار، ذكر حال أهل الجنة - نسأل الله من فضله
وكرمه أن يدخلنا الجنة - فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ﴾ أي: تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث
شاؤوا وأين أرادوا ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ من الحلية ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلؤًا﴾ أي: في أيديهم،
كما قال النبي ◌َّ في الحديث المتفق عليه: ((تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء))(٤).
وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكاً لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ لأهل الجنة الحلي
منذ خلقه الله إلى يوم القيامة لو أبرز قلب منها - أي: سوار منها - لردَّ شعاع الشمس كما تردّ
الشمس نور القمر(٥).
وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء
من الحرير إستبرقه وسندسه، كما قال: ﴿عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقُّ وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَلُهُمْ
رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءَ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٣)﴾ [الإنسان].
وفي الصحيح: ((لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في
الآخرة)) قال عبد الله بن الزبير: من لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة (٦)، قال الله
تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِرٌ﴾ .
(١) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده مرسل، وقد أخرجه الحاكم من طريق الأعمش به عن
سلمان، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٨٧/٢).
(٢) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده مرسل.
(٣) نسبه السيوطي إلى ابن أبي حاتم وسنده معضل.
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ته (الصحيح، الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء ح ٢٥٠).
(٥) سنده مرسل.
(٦) أخرجهما البخاري بدون ذكر الآية ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] (الصحيح، اللباس، باب لبس
الحرير للرجال ... ح ٥٨٣٢ و٥٨٣٣).

٣٩٧
• سُورَّةُ الرِّجُ (٢٥)
وقوله: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوَّلِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
جَاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِدِينَ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمَّ تَحِيِّئُهُمْ فَِهَا سَلَمُ (٣)﴾ [إبراهيم].
وقوله: ﴿وَالْمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَتِهِم مِّن كُلِّ بَادٍ ﴿٣ سَلَمُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْىَ الَّارِ
٢٤
[الواقعة]، فهدوا إلى
[الرعد]، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأْتِيمًا (٣٥) إِلَّا قِيلًا سَلَمًا سَلَمًا (فِيَ﴾
المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، وقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَمًا﴾ [الفرقان: ٧٥] لا
كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به ويقرعون به، يقال لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ اُلْحَرِيقِ﴾
[آل عمران: ١٨١]، وقوله: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم
على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الحديث الصحيح: ((إنهم يلهمون
التسبيح والتحميد كما يلهمون النّفس))(١).
وقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوَأْ إِلَى الَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: القرآن.
وقيل: لا إله إلا الله(٢). وقيل: الأذكار المشروعة ﴿وَهُدُوَاْ إِلَى صِرَطِ الْحَمِيدِ﴾ أي: الطريق
المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافى ما ذكرناه، والله أعلم.
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءُ
٢٥
اُلْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلٍْ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (
يقول تعالى منكراً على الكفار في صدِّهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام وقضاء مناسكهم
فيه ودعواهم أنهم أولياؤه ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَآءَهُ: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُنَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الأنفال: ٣٤]، وفي هذه الآية دليل على أنها مدنية، كما قال في سورة البقرة: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ
الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيَةِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيْرُ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرًا بِهِ، وَاُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ
أَكْبُرُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَكِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ﴾ أي: ومن صفتهم أنهم مع كفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله ﴿ وَالْسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي:
ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر،
وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ
[الرعد] أي: ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله.
٢٨
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
وقوله: ﴿الَّذِى جَعَلْنَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَارٍ﴾ أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى
المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعاً سواء لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه
﴿سَوَآءَ الْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَارِ﴾ ومن ذلك استواء الناس في رِباع مكة وسكناها، كما قال علي بن أبي
طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَوَآءً اٌلْعَكِفُ فِيهِ وَالْبَارِ﴾ قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في
المسجد الحرام(٣).
(١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يونس آية ١٠.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.

٣٩٨
• سُورَةُ الَّةُ (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: ﴿سَوَآءً اٌلْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادٍ﴾ أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل(١)، وكذا قال
أبو صالح وعبد الرحمن بن سابط وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٢).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله(٣).
وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف، وأحمد بن حنبل
حاضر أيضاً، فذهب الشافعي تَخْذَلُ إلى أن رِباع مكة تُملَّك وتورثَ وتؤجَّر، واحتج بحديث
الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله
أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: ((وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟)) ثم قال: ((لا يرث الكافر
المسلم ولا المسلم الكافر»، وهذا الحديث مخرَّج في الصحيحين(٤)، وبما ثبت أن عمر بن
الخطاب اشترى من صفوان بن أمية داراً بمكة، فجعلها سجناً، بأربعة آلاف درهم(٥)، وبه قال
طاوس وعمرو بن دينار(٦)، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث ولا تؤجر، وهو مذهب
طائفة من السلف، ونصَّ عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجه، عن
أبي بكر بن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن
أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صل* وأبو بكر وعمر وما تدعي رباع مكة
إلا السوائب من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن(٧) .
وقال عبد الرزاق، عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور
مكة ولا كراؤها(٨).
وقال أيضاً، عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن
الخطاب كان ينهى عن تبويب دور مكة؛ لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره
سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت
امرأ تاجراً، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فذلك إذاً(٩).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بمعناه.
(٢) قول أبو صالح أخرجه الطبري بسند فيه مجهول عن أبي صالح، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول عبد الرحمن بن
سابط أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه، ولكنه مرسل ويتقوى برواية ابن عباس ومجاهد، وقول
عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه لكنه معضل ويتقوى كسابقه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق عن معمر به، وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، المغازي، باب أين ركز النبي الراية يوم الفتح؟ (ح ٤٢٨٢) وصحيح مسلم، الفرائض
(ح ٤ ١ ١٦).
(٥) أخرجه عبد الرزاق من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار ... فذكر القصة (المصنف ١٤٧/٥، ١٤٨ رقم
٩٢١٣)، وقد ثبت ذلك كما قرره الحافظ ابن كثير.
(٦) تقدم أثر عمرو بن دينار، كما في سابقه.
(٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، المناسك، باب أجر بيوت مكة ح ٣١٠٧)، وفي سنده علقمة بن
نضلة: مقبول، كما في التقريب.
(٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ١٤٨/٥ رقم ٩٢١٤) وسنده ضعيف لضعف ابن مجاهد وهو
عبد الوهاب.
(٩) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ١٤٦/٥، ١٤٧ رقم ٩٢١٠) وسنده صحيح.

٣٩٩
• سُورَةُ الحِّچ (٢٥)
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة
لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث يشاء، [قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول:
﴿سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَارِ﴾ قال: ينزلون حيث شاؤوا(١)، وروى الدارقطني من حديث ابن أبي
نجيح، عن عبد الله بن عمرو موقوفاً: ((من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً))(٢)](٣)، وتوسط الإمام
أحمد فقال: تُملَّك وتورَّث ولا تؤجّر جمعاً بين الأدلة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَمَن يُرِّدِّ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلٍْ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال بعض المفسرين من أهل
العربية: الباء ههنا زائدة، كقوله: ﴿تَنَّبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] أي: تنبت الدهن، وكذا قوله:
﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ تقديره إلحاداً، وكما قال الأعشى:
بين المراجل (٤) والصريح الأجرد(٥)
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا
وقال الآخر:
بواد يمان ينبت الشَّتُّ(٦) صدره وأسفله بالمرخ (٧) [والشبهان](٨)(٩)
والأجود أنه ضمّن الفعل ههنا معنى يهم، ولهذا عدّاه بالباء فقال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾
أي: يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار.
وقوله: ﴿يُظُلْمٍ﴾ أي: عامداً قاصداً أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال ابن جريج، عن ابن
عباس هو: التعمد (١٠).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿يُظُلْمٍ﴾ بشرك(١١).
وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله(١٢)، وكذا قال قتادة وغير واحد(١٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يُظُلْمٍ﴾ هو أن تستحل من الحرم ما حرَّم الله عليك من إساءة
أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب
الأليم (١٤)، وقال مجاهد: ﴿يُظُلْمٍ﴾ يعمل فيه عملاً سيئاً(١٥)، وهذا من خصوصية الحرم أنه
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصدر السابق رقم ٩٢١١)، وسنده ضعيف لأن مجاهداً لم يسمع من
عمر بن الخطاب.
(٢) بياض في الأصل، واستدرك من (ح) و(حم) ومصنف عبد الرزاق.
(٣) أخرجه الدارقطني من طريق ابن أبي نجيح به (السنن ٢٩٩/٢)، وسنده ضعيف لأن ابن أبي نجيح لم يسمع
من عبد الله بن عمر
(٤) المراجل: جمع مرجل، وهو القدر.
(٥) ديوان الأعشى ٥٧.
(٦) الشّث: شجر طيب الريح مُرّ الطعم.
(٧) المرخ: شجر ليس له ورق ولا شوك سريع الاشتعال.
(٨) الشبهان: نبات طيب من الرياحين.
(٩) كذا في تفسير الطبري فقد استشهد به، وفي الأصل صُحفت إلى: ((شبهات)).
(١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(١٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف ویشهد له سابقه.
(١١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(١٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (١٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به .
(١٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.

٤٠٠
• سُوَرَّةُ الرِّجُ (٢٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 00 0 0 0 0 000000
يعاقب البادي فيه الشرَّ إذا كان عازماً عليه وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره،
حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن السدي أنه سمع مُرَّة يحدث عن
عبد الله - يعني: ابن مسعود - في قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: لو أن رجلاً أراد
فيه بإلحاد بظلم - وهو بعدن أبين، لأذاقه الله من العذاب الأليم(١)، قال شعبة: هو رفعه لنا وأنا
لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه(٢).
ورواه أحمد، عن یزید بن هارون، به(٣) .
قلت: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على
وقفه من كلام ابن مسعود، وكذلك رواه أسباط وسفيان الثوري، عن السدي، عن مُرَّة، عن ابن
مسعود موقوفاً، والله أعلم.
وقال الثوري، عن السدي، عن مُرَّة، عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن
رجلاً بعدن أبين همّ أن يقتل رجلاً بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم (٤)، وكذا قال الضحاك بن
مزاحم(٥)، وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد: إلحاد فيه لا والله وبلى والله(٦)، وروي
عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مثله(٧)، وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه(٨)، وقال
سفيان الثوري عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَن
يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: تجارة الأمير فيه(٩). وعن ابن عمر: بيع الطعام بمكة إلحاد(١٠).
وقال حبيب بن أبي ثابت: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: المحتكِّر بمكة (١١)، وكذا قال
غير واحد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم، عن
جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان، حدثني موسى بن باذان، عن يعلى بن أمية: أن
رسول الله ◌َ﴿ قال: ((احتكار الطعام بمكة إلحاد))(١٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة،
حدثنا عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قول الله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ
(١) سنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق زبيد عن مُرَّة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٨٧/٢).
(٢) أخرجه الطبري من طریق یزید بن هارون به، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون به، وحسّن سنده محققوه (المسند ٧/ ١٥٥ ح ٤٠٧١).
(٤) سنده حسن.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق فضيل عن الضحاك.
(٧) أخرجه الطبري من طريق منصور عن مجاهد به.
(٦) سنده صحيح.
(٨) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
(٩) في سنده عبد الله بن عطاء: صدوق يخطئ ويدلس.
(١٠) عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(١١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أشعث عن حبيب بن أبي ثابت.
(١٢) سنده ضعيف؛ لأن موسى بن باذان مجهول (التقريب ص ٥٥٠)، وأخرجه أبو داود عن جعفر بن يحيى به
(السنن، المناسك، باب تحريم حرم مكة ح ٢٠٢٠)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٤٤٠).