النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ • سُورَةُ الأَنَّبِيَاءِ (٦٤، ٧٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ملكهم، فقالوا: ﴿حَرِّقُهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ﴾ فجمعوا حطباً كثيراً جداً، قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم، ثم جعلوه في جوبَة(١) من الأرض وأضرموها ناراً، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم عليّ في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد. قال شعيب الجبائي: اسمه هيزن: فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة(٢)، فلما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل. كما رواه البخاري، عن ابن عباس: أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد وَ لّ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣](٣). وروى الحافظ أبو يعلى: حدثنا [أبو هشام] (٤)، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وعليه: ((لما ألقي إبراهيم عليّل في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في أرض واحد أعبدك))(٥). ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: لا إله إلا أنت، سبحانك لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك(٦) . وقال شعيب الجبائي: كان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة(٧)، فالله أعلم. وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما من الله فبلى. وقال سعيد بن جبير - ويروى عن ابن عباس أيضاً - قال: لما ألقي إبراهيم، جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ قال: فكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله: ﴿يَنَارُ كُنِ بَّا وَسَلَمًا عَلَىّ إِزَهِيمَ﴾ قال: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت(٨). وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أحد يومئذٍ بنار، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه(٩). (١) أي: حفرة. (٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود ضعيف. (٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] (ح ٤٥٦٣). (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف: ((ابن هشام)). (٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٣٤٩)، وأبو نعيم (الحلية ١٩/١) كلاهما من طريق أبي هشام الرفاعي به، وسنده ضعيف لضعف عاصم، وهو ابن عمر بن حفص العمري (التقريب ص٢٨٦)، ومتنه يخالف ما تقدم في الصحيح. (٦) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف، ومتنه يخالف ما تقدم في الصحيح عن ابن عباس (٧) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود، وهو ضعيف. (٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير بدون ذكر ابن عباس، والخبر من الإسرائيليات. (٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف كالذي قبل سابقه. ٣٤٢ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٦٤، ٧٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال [الثوري] (١)، عن الأعمش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب ﴿قُلْنَا يَنَارُ كُنِ بَدًا وَسَلَمًا عَلَىّ إِزَهِيمَ ﴾ قال: بردت عليه حتى كادت تقتله، حتى قيل: ((وسلاماً)) قال: لا تضريه(٢). وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله رغمت قال: ﴿وَسَلَمًا﴾ لَاذى إبراهيم بردها(٣). وقال جويبر، عن الضحاك: ﴿كُوْنِ بَرَّدًّاً وَسَلَمًا عَلَى إِّزَهِيمَ﴾، قالوا: صنعوا له حظيرة من حطب جزل، وأشعلوا فيه النار من كل جانب، فأصبح ولم يصبه منها شيء حتى أخمدها الله، قال: ويذكرون أن جبريل كان معه يمسح وجهه من العرق، فلم يصبه منها شيء غير ذلك(٤). وقال السدي: كان معه فيها ملك [الظل](٥)(٦). . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا یوسف بن موسى، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن المنهال بن عمرو قال: أُخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فقال: كان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال: ما كنت أياماً وليالي قط أطيب عيشاً إذ كنت فيها وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها(٧) . وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة قال: إن أحسن شيء قال أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار: وجده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم(٨). وقال قتادة: لم يأت يومئذٍ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ (٩). وقال الزهري: أمر النبي وَّر بقتله، وسماه فويسقاً (١٠). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثني عمي، حدثنا جرير بن حازم أن نافعاً حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة، فرأيت في بيتها رمحاً، فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله وَ﴿ قال: ((إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم)) فأمرنا رسول الله وَ ل بقتله(١١). وقوله: ﴿وَرَادُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾﴾ أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنبي الله كيداً، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك. (١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((الهروي)). (٢) أخرجه الثوري، ومن طريق أخرجه الطبري به، وسنده ضعيف لجهالة الراوي عن علي رضيته، ومعناه صحيح. (٣) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية. (٤) سنده ضعيف لضعف جويبر. (٥) زيادة من (ح) و(حم). (٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، والخبر من الإسرائيليات. (٨) الخبر من الإسرائيليات. (٧) الخبر من الإسرائيليات. (٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وهو مرسل. (١٠) سنده مرسل ويتقوى بالحديث الآتي لكن بدون سماه: ((فويسقاً)). (١١) أخرجه ابن ماجه (السنن، الصيد، باب قتل الوزغ ح٣٢٣١)، وابن حبان (الإحسان ١٢ / ٤٤٧ ح ٥٦٣١) كلاهما من طريق سائبة مولاة الفاكه به، قال البوصيري: إسناد حديث عائشة صحيح ورجاله ثقات، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٦١٦). ٣٤٣ سُورَةُ الإنْبيَاءِ (٧١، ٧٥) 00900000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار، جاء ملكهم لينظر إليه، فطارت شرارة فوقعت على إبهامه، فأحرقته مثل الصوفة(١). وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ ] ﴿وَجَيْنَكَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ وَكُلُّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَّيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ الَّتِى كَانَتَ وَإِيْتَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُواْ لَنَا عَبِدِينَ وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَآ إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ VE تَعْمَلُ الْخَبَِّثَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم أنه سلمه الله من نار قومه وأخرجه من بين أظهرهم مهاجراً إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها. كما قال الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿إِلَى اٌلْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ قال: الشام وما من ماء عذب إلا يخرج من تحت الصخرة (٢)، وكذا قال أبو العالية أيضاً. وقال قتادة: كان بأرض العراق، فأنجاه الله إلى الشام، وكان يقال للشام: عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرضي زيد في الشام، وما نقص من الشام زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى ابن مريم ظلّل، وبها يهلك المسيح الدجال(٣). وقال كعب الأحبار في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾: إلى حران. وقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على أن لا يغيرها(٤)، رواه ابن جرير، وهو غريب، والمشهور: أنها ابنة عمه، وأنه خرج بها مهاجراً من بلاده. وقال العوفي، عن ابن عباس: إلى مكة، ألا تسمع إلى قوله: ﴿إِنَّ أَوََّ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى ﴿ فِيهِ ءَايَتُ بَيْنَكُ مَّقَامُ إَِّهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ [آل عمران](٥). بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾ قال عطاء ومجاهد: عطية (٦). وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عُتيبة: النافلة: ولد الولد(٧)؛ يعني: أن يعقوب ولد إسحاق، كما قال: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: سأل واحداً، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِى مِنَ الصَّلِحِينَ (١) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم. (٢) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس به. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٦) قول عطاء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن جريج، وقول مجاهد أخرجه الطبري وآدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. (٧) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. ٣٤٤ • سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٧٦، ٨٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 [الصافات] فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة(١). ﴿وَكُلَّ جَعَلْنَا صَلِحِينَ﴾ أي: الجميع أهل خير وصلاح ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِنَّةً﴾ أي: يقتدى بهم، ﴿يَهْدُونَ يِأَمْرِنَا﴾ أي: يدعون إلى الله بإذنه، ولهذا قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوَةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَوَةٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام ﴿وَكَانُوْ لَنَا عَبِدِينَ﴾ أي: فاعلين لما يأمرون الناس به، ثم عطف بذكر لوط، وهو لوط بن هاران بن آزر. كان قد آمن بإبراهيم ظلَكلا واتبعه وهاجر معه، كما قال تعالى: ﴿فَامَنَ لَهُمْ لُوطُ وَقَالَ إِنِ مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّ﴾ [العنكبوت: ٢٦] فآتاه الله حكماً وعلماً، وأوحى إليه وجعله نبياً وبعثه إلى سدوم وأعمالها، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودمر عليهم، كما قصّ خبرهم في غير موضع من كتابه العزيز، ولهذا قال: ﴿وَتَيْنَهُ مِنَ الْقَرْبَةِ الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ الْخَبَِّتَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ (١٤) وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَآَ إِنَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ ٧٥] - ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْتَهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَُّواْ بِثَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ W Vi يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح ظلَّ حين دعا على قومه لما كذبوه ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنَصِرْ ®﴾ [القمر]، ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبٍّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا (٨) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوْاْ إِلَّا نَجِرً كَفَّارًا (٣)﴾ [نوح] ولهذا قال ههنا: ﴿إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيَّنَهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: الذين آمنوا به، كما قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَّ وَمَاً ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِلٌ﴾ [هود: ٤٠]. وقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ أي: من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله 3 فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يتصدون لأذاه ويتواصون قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل على خلافه، وقوله: ﴿وَنَصَرْنَهُ مِنَ الْقَوْ﴾ أي: ونجيناه وخلصناه منتصراً من القوم ﴿الَّذِينَ كَذَُّواْ بِثَايَتِنَاْ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: أهلكهم الله بعامة، ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد، كما دعا عليهم نبيهم. ﴿وَدَأُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرَثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا ◌ِكْمِهِمٍْ شَهِدِينَ فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّ ◌َنَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالَّيْرْ وَعُنَّا فَعِلِينَ وَعََّهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ ﴾ وَلِسُلَيْمَنَ الرِّيَحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴿٨ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ (٨). لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ قال أبو إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد تدلّت عناقيده(٢)، وكذا (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بنحوه. (٢) أخرجه الطبري والحاكم من طريق أشعث عن أبي إسحاق به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٨٨/٢). ٣٤٥ • سُوَرَّةُ الأَبِسَاءِ (٧٦، ٨٢) 0000000000000000000000000000000000000000000 000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 قال شُريح(١). وقال ابن عباس: النفش: الرعي(٢). وقال شريح والزهري وقتادة: النفش لا يكون إلا بالليل، زاد قتادة: والهمل بالنهار (٣). وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم، قالا: حدثنا المحاربي، عن أشعث، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِ اَلْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ قال: كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته، قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله: قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾(٤)، وكذا روى العوفي عن ابن عباس(٥). وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: حدثني خليفة، عن ابن عباس قال: قضى داود بالغنم لأصحاب الحرث فخرج الرعاء معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضي بينكم؟ فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا، فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه، أخذه أصحاب الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها(٦). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا خديج، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، إنما كان كرماً نفشت فيه الغنم فلم تدع فيه ورقة ولا عنقوداً من عنب إلا أكلته، فأتوا داود فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: لا بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم فيكون لهم لبنها ونفعها ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمروه ويصلحوه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم(٧)، وهكذا قال شريح ومرة ومجاهد وقتادة وابن زيد وغير واحد(٨). (١) أخرجه الطبري من طريق مسروق عن شُريح، وهو مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني، ويتقوى بما تقدم وتأخر. (٣) أخرجه عبد الرزاق من قول مسروق (المصنف رقم ١٨٤٣٣)، والطبري من طريق مسروق عنه، وقول الزهري وقتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنهما . (٤) تقدم تخريجه قبل ثلاث روايات. (٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بسابقه. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وعلي بن زيد وهو ابن جدعان، ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٧) سنده مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٨) قول شريح تقدم تخريجه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه. ٣٤٦ سُورَةُ الأنبيَاءِ (٧٦، ٨٢) وقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا إسماعيل، عن عامر قال: جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما: إن شياه هذا قطعت غزلاً لي، فقال شريح: نهاراً أم ليلاً؟ فإن كان نهاراً فقد برئ صاحب الشياه، وإن كان ليلاً فقد ضمن، ثم قرأ: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرَّثِ ... ) الآية (١)، وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى رسول الله وسلم على أهل الحائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها(٢). وقد عُلِّل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب الأحكام، وبالله التوفيق. وقوله: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلًا ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن حُميد أن إياس بن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى، فقال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد بلغني أن القضاة رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري: إن فيما قصَّ الله من نبأ داود وسليمان ◌َلـ والأنبياء حكما يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيَّمَنَ إِذْ يَحْكُمَانٍ فِي الْحَرَّثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا ◌ِكْمِهِمْ شَهِدِينَ فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود، ثم قال - يعني الحسن -: إن الله اتخذ على الحكام ثلاثاً: لا يشتروا به ثمناً قليلاً، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحداً، ثم تلا ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِقَابَتِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١](٣). قلت: أما الأنبياء لّل، فكلهم معصومون مؤيدون من الله وَمَ، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر))(٤). فهذا الحديث يردُّ نصّاً ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم. (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل به (المصنف ٤٣٦/٩)، وأخرجه عبد الرزاق من طريق الشعبي به (المصنف رقم ١٨٤٣٩)، وسنده صحيح. (٢) المسند، وقال محققوه: إسناده مرسل صحيح (٩٧/٣٩ ح ٢٣٦٩١)، وسنن أبي داود، البيوع، باب المواشي تفسد زرع القوم ح٣٥٦٩)، وسنن ابن ماجه، التجارات، باب الحكم فيما أفسدت المواشي (ح٢٣٣٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١٨٨٨)، وأخرجه الحاكم من طريق الأوزاعي عن الزهري به، وصححه ووافقه الذهبي وذكر خلافاً في الإسناد (المستدرك ٤٨/٢) وقال ابن عبد البر: هذا الحديث وإن كان مرسلاً فهو حديث مشهور أرسله الأئمة، وحدث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز وتلقّوه بالقبول (التمهيد ٨٢/١١). (٣) سنده حسن. (٤) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (ح ٧٣٥٢). ٣٤٧ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٧٦، ٨٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وفي السنن: ((القضاة ثلاثة: قاضٍ في الجنة، وقاضيان في النار، رجل عَلِم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل عَلِم الحق وقضى خلافه فهو في النار))(١). وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا علي بن حفص، أخبرنا ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " بينما امرأتان معهما ابنان لهما، إذ جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكما إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها لا تشقه، فقضى به للصغرى))(٢). وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما(٣)، وبوّب عليه النسائي في كتاب القضاء: (باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق). وهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ظلّ* من تاريخه من طريق الحسن بن سفيان، عن (صفوان](٤) بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكر قصة مطولة، ملخصها: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود فعاليّ أنها مكنت من نفسها كلباً لها قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها، فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان واجتمع معه ولدان مثله، فانتصب حاكماً وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلباً، فقال سليمان: فرقوا بينهم، فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود، فعزله واستدعى الآخر فسأله عن لونه، فقال: أحمر، وقال الآخر: أغبش، وقال الآخر: أبيض، فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكي ذلك لداود عل* فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه فأمر بقتلهم(٥). وقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرٌّ ... ﴾ الآية، وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا ترنّم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه، وتردُّ عليه الجبال تأويباً، ولهذا لما مرَّ النبي 18 على أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن من الليل وكان له صوت طيب جداً، فوقف (١) أخرجه أصحاب السنن الأربعة كلهم من حديث بريدة ربه (سنن أبي داود، الأقضية، باب في القاضي يخطئ ح٣٥٧٣)، وسنن الترمذي، الأحكام باب ما جاء عن رسول الله وَّر في القاضي (ح١٣٢٢)، والسنن الكبرى للنسائي، القضاء، باب ذكر ما أعد الله تعالى للحاكم الجاهل (ح٥٩٢٢)، وسنن ابن ماجه، الأحكام، باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق (ح٢٣١٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١٨٧٣. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٣٣/١٤ ح ٨٢٨٠). (٣) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ ... ﴾ [ص: ٣٠] (ح ٣٤٢٧)، وصحيح مسلم، الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين (ح ١٧٢٠). (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: (بيان)). (٥) تاريخ دمشق ٢٣٢/٢٢، وسنده ضعيف؛ لضعف سعيد بن بشير. ٣٤٨ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٧٦، ٨٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 واستمع لقراءته، وقال: ((لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود)) قال: يا رسول الله لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيراً (١). وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى ظُه، ومع هذا قال عليه الصلاة والسلام: ((لقد أوتي مزماراً من مزامير آل داود)). وقوله: ﴿وَعَلََّهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ يعني: صنعة الدروع. قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح، وهو أول من سردها حلقاً (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ " أَنِ أَعْمَلْ سَبِغَتٍ وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ﴾ [سبأ]، أي: لا توسع الحلقة فتقلق المسمار، ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة، ولهذا قال: ﴿لِنُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ﴾ يعني: في القتال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ﴾ أي: نِعَم الله عليكم لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم. وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الرّيَحَ عَاصِفَةً﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح العاصفة ﴿تَجْرِى بِأَمْرٍِ إِلَى الْأَرْضِ اَلَّتِ بَرَكْنَا فِيهَا﴾ يعني: أرض الشام ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ﴾ وذلك أنه كان له بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته ثم تحمله وترفعه وتسير به، وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل وتوضع آلاته وخشبه، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِيحَ تَجْرِى بِأَعْرِ، رَُّةً حَيْثُ أَصَابَ (٣)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢]. قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن سفيان بن عيينة، عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي، فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمره الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحمله وَّه. قال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم كالجبل، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة فيرتفع حتى يصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء، وهو مطأطئ رأسه ما يلتفت يميناً ولا شمالاً، تعظيماً لله ريت، وشكراً لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله رَق، حتى تضعه الريح حيث شاء أن تضعه(٣). وقوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوُصُونَ لَهُ﴾ أي: في الماء يستخرجون اللآلئ والجواهر وغير ذلك، ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكٌ﴾ أي: غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَخَرِينَ مُقَرَِّينَ فِ اَلْأَصْفَادِ (٨)﴾ [ص]. وقوله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾ أي: يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء؛ بل كل في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه؛ بل هو يحكم فيهم إن شاء أطلق وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال: ﴿وَءَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِ الْأَصْفَادِ (١) أخرجه مسلم بدون الجملة الأخيرة (الصحيح، صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن ح ٧٩٣). (٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٣) سنده ضعيف لتعليقه وإرساله، وهو من أخبار أهل الكتاب. ٣٤٩ سُورَةُ الإنْبيَاء (٨٣، ٨٤) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا وَأَيُوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ: أَنِي مَسَنِىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ مَا بِهِ، مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ يذكر تعالى عن أيوب غاليَّلا، ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير وأولاد ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله رَ، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه سوى زوجته كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت، فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي ◌ّ﴾: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل))(١). وفي الحديث الآخر: ((يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه))(٢). وقد كان نبي الله أيوب علّلا غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك. وقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب تعلَّلا بذهاب الأهل والمال والولد، ولم يبق شيء له أحسن من الذكر، ثم قال: أحمدك ربَّ الأرباب، الذي أحسنت إليّ، أعطيتني المال والولد فلم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرغت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء، ولو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت حسدني. قال: فلقي إبليس من ذلك منكراً. قال: وقال أيوب عليّ *: يا ربِّ إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وأنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها، وأقول لنفسي: يا نفس إنك لم تخلقي لوطء الفراش ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك(٣). رواه ابن أبي حاتم. وقد روي عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول (٤)، وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة. ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة: ابتلي أيوب لظلّلا سبع سنين وأشهراً، ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدوابُّ في جسده، ففرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن عليه الثناء(٥). وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص (٦). وقال السدي: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالزاد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب لو دعوت ربك يفرج عنك، (١) أخرجه الإمام أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص عظاته، وحسّنه محققوه (المسند ٧٨/٣ ح ١٤٨١). (٢) هذا الحديث هو تتمه لسابقه عن سعد حظ ه. (٣) أخرجه أبو نعيم (الحلية ٢٣٩/٥، ٢٤٠)، والخبر من الإسرائيليات. (٤) أخرجه الطبري مطولاً، وهو من الإسرائيليات. (٥) أخرجه الإمام أحمد في الزهد ص٤١، ٤٢، وأخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضاً عن الحسن، والخبر من الإسرائيليات التي تخالف مقام نبي الله أيوب، في ذكر الكناسة والدواب. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن وهب بن منبه. ٣٥٠ • سُوَرَّةُ الأَنْبَيَاءِ (٨٣، ٨٤) 000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحاً، فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة، فجزعت من ذلك، فخرجت فكانت تعمل للناس بالأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من أهل فلسطين، كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه، واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن شرب منه برئ، فأتياه فلما نظرا إليه بكيا، فقال: من أنتما؟ فقال: نحن فلان وفلان، فرحب بهما وقال: مرحباً بمن لا يجفوني عند البلاء، فقالا: يا أيوب لعلك كنت تسر شيئاً وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء فقال: هو يعلم، ما أسررت شيئاً أظهرت غيره، ولكن ربي ابتلاني لينظر أصبر أم أجزع. فقالا له: يا أيوب اشرب من خمرنا، فإنك إن شربت منه برأت. قال: فغضب، وقال: جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما عليَّ حرام، فقاما من عنده، وخرجت امرأته تعمل للناس، فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصاً (١)، وكان ابنهم نائماً، فكرهوا أن يوقظوه فوهبوه لها، فأتت به إلى أيوب فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر، قال: فلعل الصبي قد استيقظ فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله، فانطلقي به إليه، فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء، فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص ويبكي على أهله لا يقبل منهم شيئاً غيره، فقالت: رحمه الله؛ - يعني: أيوب -، فدفعت إليه القرص ورجعت، ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سقمه، فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذباباً فليذبحه باسم صنم بني فلان، فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك، فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث، لله عليّ إن برأت أن أجلدك مائة جلدة، فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها، فلما اشتد عليها ذلك وخافت على أيوب الجوع حلقت من شعرها قرناً فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعاماً طيباً كثيراً، فأتت به إلى أيوب، فلما رآه أنكره وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني، فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد، فحلقت أيضاً قرناً فباعته من تلك الجارية، فأعطوها أيضاً من ذلك الطعام، فأتت به أيوب فقال: والله لا أطعمه حتى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقاً جزع جزعاً شديداً، فعند ذلك دعا الله رم، فقال: ﴿نَادَى رَبَّهُمْ أَنِي مَسَّتِىَ الُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾(٢). قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي: أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له: مبسوط، قال: وكانت امرأة أيوب تقول: ادع الله فيشفيك، فجعل لا يدعو حتى مرَّ به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: ﴿نَادَى رَبَّهُ، أَنِّ مَسَِّىَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾(٣). وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ظلّلا أخوان، فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه (١) أي: رغيفاً من الخبز. (٢) خبر السدي من الإسرائيليات. (٣) سنده مرسل، ونوف مشهور بالرواية عن أهل الكتاب. ٣٥١ • سُورَةُ الأَنْبَاءِ (٨٣، ٨٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزءاً لم يجزع من شيء قط، فقال: اللَّهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع، فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللَّهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عارٍ، فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللَّهم بعزتك، ثم خر ساجداً، فقال: اللَّهم بعزتك لا أرفع رأسي أبداً حتى تکشف عني، فما رفع رأسه حتی کشف عنه(١). وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعاً بنحو هذا، فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﴾ قال: ((إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخصِّ إخوانه له، كان يغدوان إليه ويروحان))، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر له، فقال أيوب علّ: ما أدري ما تقول، غير أن الله رَك يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، قال: وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن ﴿أَرَّكُضْ بِرْلٌِ هَذَا مُعْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾﴾(٢) (ص). رفع هذا الحديث غريب جداً . وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: وألبسه الله حُلَّة من الجنة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب؟ فجعلت تكلمه ساعة. فقال: ويحك أنا أيوب. قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك أنا أيوب قد ردَّ الله علي جسدي. وبه قال ابن عبّاس: وردّ عليه ماله وولده عياناً ومثلهم معهم(٣). وقال وهب بن منبه: أوحى الله إلى أيوب قد رددت عليك أهلك ومالك، ومثلهم معهم؛ فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك قرباناً، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك(٤). رواه ابن أبي حاتم. (١) سنده مرسل، والخبر من الإسرائيليات. (٢) أخرجه ابن حبان (الإحسان ١٥٧/٧، ١٥٨ ح٢٨٩٨)، والبزار (المسند ١٠٧/٣ ح ٢٣٥٧)، والحاكم كلهم من طريق نافع بن يزيد به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٨١)، وقال الهيثمي: ورجال البزار رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢١١/٨)، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١٧). (٣) سنده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، والشطر الأخير عن ابن عباس له شواهد تأتي بعد ثلاث روايات. (٤) أخرجه الطبري، وهو من الإسرائيليات. ٣٥٢ • سُوَرَّةُ الأَنْبِيَاء (٨٣، ٨٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّر قال: ((لما عافى الله أيوب أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذ منه بيده ويجعله في ثوبه، قال: فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: يا ربِّ ومن يشبع من رحمتك)) (١) أصله في الصحيحين، وسيأتي في موضع آخر. وقوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ﴾ قد تقدم عن ابن عباس أنه قال: ردُّوا عليه بأعيانهم (٢)، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس أيضاً(٣)، وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقتادة (٤). وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب وصحَّ ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب. وقد سماها ابن عساكر في تاريخه رحمه الله تعالى: قال: ويقال اسمها: ليا بنت مِنَشّا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ويقال: ليا بنت يعقوب ظلّ* زوجة أيوب كانت معه بأرض البثنية(٥) . وقال مجاهد: قيل له: يا أيوب إن أهلك لك في الجنة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم؟ قال: لا بل اتركهم لي في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا (٦). وقال حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن نوف البكالي قال: أوتي أجرهم في الآخرة وأعطي مثلهم في الدنيا. قال: فحدثت به مطرفاً، فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم، وكذا روي عن قتادة والسدي وغير واحد من السلف(٧)، والله أعلم. قوله: ﴿رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ أي: فعلنا به ذلك رحمة من الله به ﴿وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ﴾ أي: وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن أهل البلاء أنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله [الحكمة](٨) في ذلك. (١) أصله في صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة ... (ح٢٧٩). (٢) تقدم قبل ثلاث روايات وتبين أنه ضعيف ولكن يتقوى بالآثار التالية. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٤) قول ابن مسعود أخرجه الطبري والطبري والطبراني (المعجم الكبير ٢٥٤/٩) كلاهما من طريق الضحاك عن ابن مسعود، وسنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يسمع من ابن مسعود، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول قتادة والحسن، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنهما. (٥) هي قرية بين دمشق وأذرعات كان يسكنها أيوب عليه الصلاة والسلام، كما في مراصد الاطلاع. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف مختصراً، وفي سنده ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وليث هو ابن أبي سُليم، وكلاهما فيهما مقال. (٧) هذا القول يخالف قول مجاهد والحسن وقتادة المتقدم من الإيتاء في الدنيا وليس في الآخرة. (٨) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((الحمد)). ٣٥٣ • سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٨٥، ٨٦) ﴿وَإِسْمَعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلُّ مِنَ الصَّبِينَ الصَلِحِينَ (َ)﴾ . وَأَدْخَلَْهُمْ فِى رَحْمَتِّنَاْ إِنَّهُمْ مِنَ ٨٥ وأما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل بثالشّله، وقد تقدم ذكره في سورة مريم(١)، وكذا إدريس ظلّلا، وأما ذو الكفل، فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي. وقال آخرون: إنما كان رجلاً صالحاً، وكان ملكاً عادلاً، وحكماً مقسطاً، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم. قال ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِّ﴾ قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي: ذا الكفل؛ وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضاً . وروى ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا داود، عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يفعل، فجمع الناس فقال: من يتقبل مني بثلاث أستخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه(٢) الأعين، فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فرده ذلك اليوم وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا، فاستخلفه. قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة(٣)، وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدقَّ الباب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقصُّ عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا بي، وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح (٤) وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدقَّ الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم، ففتح له فقال: ألم أقل لك: إذا قعدت فأتني؟ قال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق، فإذا رحت فأتني، قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينتظره ولا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدع أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق عليّ النوم، فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل: وراءك، وراءك، قال: إني قد أتيته أمس وذكرت له أمري، فقال: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحداً يقربه، فلما أعياه نظر [فرأى](٥) كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدقَّ الباب من داخل، قال: واستيقظ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك؟ قال: أما من قبلي والله فلم تؤت فانظر من أين أتيت، قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه. وإذا الرجل معه في البيت فعرفه، فقال: (١) في الآيات ٥٤ - ٥٧. (٣) أي: نصف النهار. (٥) زيادة من (ح) و(حم). (٢) أي: تستصغره. (٤) أي: آخر النهار. ٣٥٤ سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٨٦،٨٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أعدوَ الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبك، فسماه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به(١). وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث زهير بن إسحاق، عن داود، عن مجاهد بمثله(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن مسلم قال: قال ابن عباس: كان قاضٍ في بني إسرائيل فحضره الموت فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ قال: فقال رجل: أنا، فسمي ذا الكفل، قال: فكان ليله جميعاً يصلي، ثم يصبح صائماً فيقضي بين الناس، قال: وله ساعة يقيلها، قال: فكان كذلك، فأتاه الشيطان عند نومته، فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق، وقد غلبني عليه، قالوا: كما أنت حتى يستيقظ، قال: وهو فوق نائم، قال: فجعل يصيح عمداً حتى يوقظه، قال: فسمع، فقال: ما لك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق، قال: فاذهب فقل له يعطيك، قال: قد أبى، قال: اذهب أنت إليه، قال: فذهب ثم جاء من الغد فقال: مالك؟ قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأساً. قال: اذهب إليه فقل له يعطيك حقك، فذهب ثم جاء من الغد حين قال(٣)، قال: فقال له أصحابه: اخرج فعل الله بك تجيء كل يوم حين ينام لا تدعه ينام، قال: فجعل يصيح من أجل أني إنسان مسكين لو كنت غنياً، قال: فسمع أيضاً فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فضربني، قال: امش حتى أجيء معك، قال: فهو ممسك بيده فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففرّ(٤). وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث، ومحمد بن قيس، وأبي حجيرة الأكبر، وغيرهم من السلف نحو هذه القصة، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن أبي كنانة بن الأخنس قال: سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي ولكن كان - يعني في بني إسرائيل - رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفَّل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل(8)، وقد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة قال: قال أبو موسى الأشعري ... فذكره منقطعاً، والله أعلم (٦) . وقد روى الإمام أحمد [حديثاً](٧) غريباً فقال: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر قال: سمعت من رسول الله وَالهل حديثاً لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عدّ سبع مرات، ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال: ((كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ومن الإسرائيليات. (٣) أي: في وقت القائلة. (٢) كسابقه. (٤) في سنده أبو بكر بن عياش، فيه مقال، والخبر من الإسرائيليات. (٥) سنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف؛ لأن قتادة لم يسمع من أبي موسى ـ (٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((ثنا)). ٣٥٥ سُورَةُ الانْبيَاءِ (٨٧، ٨٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك أكرهتك؟ قالت: لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة، قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ ثم نزل فقال: اذهبي بالدنانير لك، ثم قال: والله لا يعصي الله الكفل أبداً، فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه: غفر الله للكفل))(١)، هكذا وقع في هذه الرواية الكفل من غير إضافة، والله أعلم، وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث: إن كان الكفل، ولم يقل: ذو الكفل، فلعله رجل آخر، والله أعلم. ﴿وَذَا الْتُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنََْهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ نُشَجِى الْمُؤْمِنِينَ سُبْحَنَكَ إِنِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٨) هذه القصة مذكورة هنا وفي سورة الصافات(٢) وفي سورة ((ن))(٣)، وذلك أن يونس بن متى عليّ، بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله رَبَك وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحملانها (٤)، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرّيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ ﴾ [یونس] . (٩٨) عَذَابَ الْخِرِيِ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ وأما يونس ظلّلا فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم، وخافوا أن يغرقوا فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ ◌ُلَّل وتجرد من ثيابه، ثم (10)﴾ [الصافات] أي: وقعت عليه القرعة فقام يونس مِنَ الْمُدْحَضِينَ ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله سبحانه من البحر الأخضر - فيما قاله ابن مسعود - حوتاً يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت أن لا تأكل له لحماً ولا تهشم له عظماً، فإن يونس ليس لك رزقاً، وإنما بطنك تكون له سجناً . وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني: الحوت صحت الإضافة إليه بهذه النسبة. وقوله: ﴿إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا﴾ قال الضحاك لقومه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نضيق عليه في بطن الحوت، يروى (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٩/٨ ح ٤٧٤٧) وضعفه محققوه، وأخرجه الترمذي من طريق أسباط بن محمد به وحسّنه (السنن، صفة القيامة باب رقم ٤٨ ح ٢٤٩٦)، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٥٤/٤)، وإن صح سنده فقد وجه الحافظ متنه بأن المقصود غير ذي الكفل. (٢) الآيات ١٣٩ - ١٤٨. (٤) جمع حمل، وهو: الخروف. (٣) الآيات ٤٨ - ٥٠. ٣٥٦ • سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ (٨٧، ٨٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم(١)، واختاره ابن جرير واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَائَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّ مَآ ءَاتَنَهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧]. وقال عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَن لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: نقضي عليه(٢). كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول: قدر وقدّر بمعنى واحد، وقال الشاعر: تباركت ما تَقدْرَ يَكُن فلَكَ الأمر (٣) فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْنَفَى الْمَآءُ عَلَىَ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢] أي: قدر. ﴿فَنَادَى فِىِ الُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِى كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل(٤)، وكذا روي عن ابن عباس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقتادة(٥). وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في بطن حوت آخر في ظلمة البحر (٦). قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوت في البحار يشقها حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦). وقال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى يا رب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يبلغه أحد من الناس (٧). وقال سعيد بن أبي الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يوماً (٨). رواهما ابن جرير. وقال محمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَالله: ((لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسّاً فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسندين يقوّي أحدهما الآخر، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بسابقه. (٣) استشهد به القرطبي (الجامع ٣٣٢/١١). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٥٤١/١١)، والبستي بسند صحيح من طريق عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٨٣/٢). (٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، وفيه عنعنة ابن إسحاق، ويتقوى بسابقه، وبقية أقول التابعين كلها مراسيل يقوّي بعضها بعضاً، وتتقوى بقول ابن مسعود. (٦) قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما غالباً ما يرويه الطبري بسند السدي الذي خلط بين طرق هذا الإسناد فترك. (٧) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف. (٨) أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح من طريق عوف عن سعيد بن أبي الحسن البصري (العقوبات ص١٧٨). ٣٥٧ • سُورَةُ الأَبِيَاءِ (٨٧، ٨٨) البحر، قال: وسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة، قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥])) رواه ابن جرير(١)، ورواه البزار في مسنده من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي وَّ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد (٢) وروى ابن عبد الحق من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي مرفوعاً: ((لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى، سبح لله في الظلمات))(٣)، وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة من حديث ابن عباس وابن مسعود وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة (ن))(٤). وروى ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر، أن يزيد الرقاشي قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلى رسول الله وَ ﴿ أن يونس النبي لعلّه حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللَّهم لا إله إلا أنت، سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش، فقالت الملائكة: يا ربِّ صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا ربِّ، ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة، قال: نعم قالوا: يا ربِّ أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى، فأمر الحوت فطرحه في العراء(٥) . وقوله: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ﴾ أي: أخرجناه من بطن الحوت وتلك الظلمات ﴿وَكَذَلِكَ نُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا كانوا في الشدائد ودعونا منيبين إلينا ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء به عن سيد الأنبياء. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد هو : - ابن أبي وقاص - ◌َظ ◌ُه قال: مررت بعثمان بن عفان رؤيته في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين هل حدث في الإسلام شيء، مرتين قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق. (٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٢٥٤)، وسنده ضعيف أيضاً لعنعنة ابن إسحاق وإسقاط شيخه. (٣) في سنده عبد الله بن سلمة: صدوق تغير حفظه (التقريب ص٣٠٦)، ولعل الزيادة منه لأنه ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس بدون قوله: ((سبح لله في الظلمات)) (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ مُوسَى ) ... ﴾ [طه] ح ٣٣٩٥). (٤) في الآيات ٤٨ - ٥٠. (٥) سنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي. ٣٥٨ • سُورَةُ الأنبيَاءِ (٨٧، ٨٨) ثم لم يرد عليّ السلام، قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفاً وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ◌َي، لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشى بصري وقلبي غشاوة، قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله وَ﴿ ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله، وله فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلى رسول الله وليه فقال: ((من هذا، أبو إسحاق؟)) قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: ((فمه)) قلت: لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: ((نعم، دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ اٌلَِّينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له))(١). ورواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه عن سعد به(٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير بن زيد، عن المطلب بن حنطب، قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب - يعني: ابن سعد -، عن سعد، قال: قال رسول الله ◌َ: ((من دعاء بدعاء يونس استجيب له)) قال أبو سعيد: يريد به ﴿وَكَذَلِكَ نُشچِى المُؤمِنِينَ﴾(٣). وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بکار الکلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك - وهو: ابن أبي وقاص - يقول: سمعت رسول الله وَ ل يقول: (اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى)) قال: قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: ((هي ليونس بن متى خاصة، ولجماعة المؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله رَت: ﴿فَنَادَى فِ القُلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (M) ﴿ فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَيْنَهُ مِنَ الْغَوَّ وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ فهو شرط من الله لمن دعاه به))(٤). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي شريج، حدثنا داود بن المحبر بن قحذم المقدسي، عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن فقلت: يا أبا سعيد اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى؟ قال: ابن أخي أما تقرأ القرآن، قول الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسّن سنده محققوه (المسند ٦٥/٣ ح ١٤٦٢)، وأخرجه الحاكم من طريق إبراهيم بن محمد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٠٥/١). (٢) سنن الترمذي، الدعوات، باب ٨٢ (ح ٣٥٠٥)، والسنن الكبرى للنسائي، عمل اليوم والليلة، باب ذكر دعوة ذي النون (ح١٠٤٩١). (٣) أخرجه الحاكم من طريق أبي خالد الأحمر به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٨٤/٢)، ويشهد له سابقه. (٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن زيد، وهو ابن جدعان، ويتقوى بسابقيه. ٣٥٩ • سُورَةُ الأَثَبَاءِ (٨٩، ٩٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ذَهَبَ مُغَضِبًا﴾ إلى قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى(١). فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴿وَزَكَرِنَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ، إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّا وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ يخبر تعالى عن عبده زكريا حين طلب أن يهبه الله ولداً يكون من بعده نبياً، وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم وفي سورة آل عمران أيضاً، وههنا أخصر منها ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: خفية عن قومه ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا﴾ أي: لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ﴾ دعاء وثناء مناسب للمسألة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْبَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ أي: امرأته. قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: كانت عاقراً لا تلد فولدت(٢). وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء: كان في لسانها طول، فأصلحها الله(٣). وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله، وهكذا قال محمد بن كعب والسدي(٤)، والأظهر من السياق الأول. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَةِ﴾ أي: في عمل القربات وفعل الطاعات. ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَّاً﴾ قال الثوري: ﴿رَغَبًّا﴾ فيما عندنا ﴿وَرَهَبَّاً﴾ مما عندنا ﴿وَكَانُواْ لَنَا خَشِعِينَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي مصدقين بما أنزل الله(٥). وقال مجاهد: مؤمنين حقاً(٥). وقال أبو العالية: خائفين(٥). وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبداً(٥). وعن مجاهد أيضاً: ﴿خَشِعِينَ﴾؛ أي متواضعين. وقال الحسن وقتادة والضحاك: ﴿خَشِعِينَ﴾؛ أي متذللين لله رحمت(٥)، وكل هذه الأقوال متقاربة. وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الله القرشي، عن [عبد الله بن حكيم] (٦) قال: خطبنا أبو بكر ظُه. ثم قال: أما بعد؛ فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا (١) سنده ضعيف جداً؛ لأن داود بن المحبر متروك (التقريب ص ٢٠٠). (٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمار، وهو الدهني. (٣) أخرجه الحاكم من طريق أبي نعيم عن طلحة بن عمرو به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: طلحة: واوٍ (المستدرك ٣٨٣/٢). (٤) قول محمد بن كعب أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق ٥٣/١٩). وجعله الحافظ ابن كثير مرجوحاً. (٥) هذه الأقوال تقدم تخريجها في تفسير سورة البقرة آية ٤٥. (٦) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحف إلى: ((عبيد الله بن حكيم)). ٣٦٠ • سُوَّرَةُ الأَنَبِيَاءِ (٩١، ٩٤) الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله رمّ أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوْ يُسَرِعُونَ فِ الْخََْتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبٌَّ وَكَانُوْ لَنَا خَشِعِينَ﴾(١). ] ﴿وَلَّتِّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن زُوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَلَمِينَ هكذا يذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى ◌َّ مقرونة بقصة زكريا وابنه يحيى عَلَّالِّ، فيذكر أولاً قصة زكريا ثم يتبعها بقصة مريم؛ لأن تلك مربوطة بهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طعن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر لم تكن تلد في حال شبابها، ثم يذكر قصة مريم وهي أعجب، فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر، هكذا وقع في سورة آل عمران وفي سورة مريم، وههنا ذكر قصة زكريا ثم أتبعها بقصة مريم بقوله: ﴿وَالَّتِىّ أَحْصَنَتْ فَحَهَا﴾ يعني: مريم ـَلا، كما قال في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ الَِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ [١٢]. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَآ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ أي: دلالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء، و﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾ [يس] وهذا كقوله: وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١]. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن علي، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن شعيب - يعني: ابن بشر -، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِلْعَلَمِينَ﴾ قال: العالمين الجن والإنس(٢). وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ﴿إِنَّ هَذِهِة أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ كُلُ إِلَيْنَا رَجِعُونَ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ ٩٤ كَلِبُونَ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾: يقول: دينكم دين واحد(٣). وقال الحسن البصري في هذه الآية: يبين لهم ما يتقون وما يأتون. ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ: أُمَّتُكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ أي: سنتكم سنة واحدة، فقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ إن واسمها، و﴿أُمَّتُكُمْ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾؛ أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم. وقوله: ﴿أَمَّةً وَحِدَةً﴾ نصب على الحال، ولهذا قال: ﴿وَأَنَأْ رَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ﴾ كما قال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً إِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتَكُمْ أُمَّةُ وَحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَنَّقُونِ﴾ (١) أخرجه الحاكم من طريق محمد بن فضيل به، وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: عبد الرحمن بن إسحاق كوفي ضعيف (المستدرك ٣٨٣/٢). (٢) سنده حسن. (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن جريج لم يسمع من مجاهد، وقول قتادة عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.