النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
،سُورَةً طَّنة (٨٠، ٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
سبيل الرشاد، كذلك ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِّ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
[هود].
] ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيَلَ قَدْ أَنْجَتَّكُ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَعَدَّكُرْ جَاِبَ الْقُلُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى
٨٠
كُلُواْ مِن طَيَْتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى
٨١
٨٢
وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْنَدَى
يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام ومِننه الجسام، حيث أنجاهم من عدوهم فرعون،
وأقرَّ أعينهم منه، وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينجُ منهم أحد،
كما قال: ﴿وَأَغْرَقَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠].
وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا أبو
بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله وّ ر المدينة، وجد اليهود تصوم
عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال: ((نحن أولى
بموسى فصوموه)»(١). رواه مسلم أيضاً في صحيحه(٢).
ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي
كلمه الله تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هنالك، وفي [غضون](٣) ذلك عبد بنو
إسرائيل العجل كما يقصُّه الله تعالى قريباً، وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في
سورة البقرة وغيرها، فالمن حلوى كانت تنزل عليهم من السماء، والسلوى طائر يسقط عليهم
فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد، لطفاً من الله ورحمة بهم وإحساناً إليهم، ولهذا قال
تعالى: ﴿كُوْ مِن طَيَْتِ مَا رَزَقْتَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٍّ﴾ أي: كلوا من هذا الرزق
الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما أمرتكم به ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ
غَضَبِىٌ﴾ أي: أغضب عليكم.
﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضيّ: أي فقد شقي(٤).
وقال شفي بن ماتع: إن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين
خريفاً قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى﴾ رواه ابن أبي
(٥)
حاتم(٥).
وقوله: ﴿وَإِنِى لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَِحًا﴾ أي: كل من تاب إليَّ، تبت عليه من أي ذنب
كان، حتى أنه تاب تعالى على من عبد العجل من بني إسرائيل. وقوله تعالى: ﴿كَابَ﴾ أي: رجع
عما كان فيه من كفر أو شرك أو معصية أو نفاق.
وقوله: ﴿وَءَامَنَ﴾ أي: بقلبه. ﴿وَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: بجوارحه.
(١) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى ... ﴾ [طه: ٧٧] (ح ٤٧٣٧).
(٢) صحيح مسلم، الصيام، باب صوم يوم عاشوراء (ح١١٢٥).
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: ((غبون)).
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
٣٠٢
• سُورَةُ طَّةٌ (٨٣، ٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿ثُمَّ أُهْتَدَى﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي ثم لم يَشكُك(١).
وقال سعيد بن جبير: ﴿ثُمَّ أُهْتَدَى﴾ أي: استقام على السنة والجماعة وروي نحوه عن مجاهد
والضحاك وغير واحد من السلف.
وقال قتادة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: لزم الإسلام حتى يموت(٢).
وقال سفيان الثوري: ﴿ثُمَّ أُهْتَدَى﴾ أي: علم أن لهذا ثواباً، و((ثم)) ههنا لترتيب الخبر على
(٧)﴾ [البلد].
الخبر، كقوله: ﴿ثُقَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِلْمَرْهَمَةِ
﴿ قَالَ هُمْ أُوْلَاءِ عَلَى أَثَرِى وَعَِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى
وَمَآ أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى
E
، فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَأَ قَالَ
٨٥
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِ وَأَضَلَّهُ السَّامِرِىُّ
٨٤
يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِذْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنَّأْ أَفَطَالَ عَلَيَّكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَّتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ
﴿ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حِلْنَاً أَوْزَارًا مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ أَلَّقَى
فأَنْلَفْتُم مَّوْعِدِى
التَّامُِ
ـ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُر خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ ﴿َ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلََّ
يَرَّجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا (﴾﴾.
لما سار موسى ظلَّ ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون ﴿وَجَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَِّيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ
يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كَمَا لَمْ ءَالِهَّةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ
مُتَبٌِّ مَّا هُمْ فِيهِ وَنَطِلُ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الأعراف] وواعده ربه ثلاثين ليلة، ثم أتبعها عشراً،
فتمت أربعين ليلة؛ أي يصومها ليلاً ونهاراً، وقد تقدم في حديث الفتون بيان ذلك، فسارع
موسىظلّ مبادراً إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَّآ
أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى ﴾ قَالَ هُمْ أُوْلَآءٍ عَلَى أَثَرِى﴾ أي: قادمون ينزلون قريباً من الطور
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَرْضَى﴾ أي: لتزداد عني رضا ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُ
السَّامِرِىُّ ﴾﴾ أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل وعبادتهم العجل
الذي عمله لهم ذلك السامري.
وفي الكتب الإسرائيلية أنه كان اسمه هارون أيضاً، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح
المتضمنة للتوراة كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةُ وَتَفْضِيلًا لِكُلِّ
شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُؤْرِيِكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ (٣)﴾ [الأعراف] أي: عاقبة
الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري.
وقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ أي: بعدما أخبره تعالى بذلك في غاية الغضب
والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها
شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير الله، ما يعلم كل عاقل له لب وحزم بطلان ما هم فيه
وسخافة عقولهم وأذهانهم، ولهذا قال: رجع إليهم غضبان أسفاً، والأسف: شدة الغضب.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
٣٠٣
سُورَلاَ طَّة (٨٣، ٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: ﴿غَضْبَنَ أَسِفَأَ﴾؛ أي جزءاً (١).
وقال قتادة والسدي: ﴿أَسِفًا﴾ حزيناً على ما صنع قومه من بعده(٢) ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ
وَهْدًا حَسَناً﴾ أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة وحسن العاقبة، كما
شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم وإظهاركم عليه وغير ذلك من أيادي الله ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ
اَلْعَهْدُ﴾ أي: في انتظار ما وعدكم الله ونسيان ما سلف من نعمه وما بالعهد من قدم، ﴿أَمْ أَرَدَثُمْ
أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن ◌َّيِّكُمْ﴾ أم ههنا بمعنى بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول وعدول إلى
الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحلَّ عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي،
قالوا - أي بنو إسرائيل - في جواب ما أنّبهم موسى وقرّعهم: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدََكَ بِمَلَكِنَا﴾ أي: عن
قدرتنا واختيارنا، ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من
حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر، ﴿فَقَذَفْتَهَا﴾؛ أي ألقيناها عنا.
وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون عليه هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها
نار .
وفي رواية السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس، إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في
تلك الحفرة، ويجعل حجراً واحداً، حتى إذا رجع موسى ظلّا، رأى فيه ما يشاء ثم جاء ذلك
السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل هارون أن يدعو الله أن
يستجيب له في دعوته، فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد فأجيب له، فقال السامري عند ذلك:
أسأل الله أن يكون عجلاً، فكان عجلاً له خوار؛ أي صوت استدراجاً، وإمهالاً ومحنة واختباراً،
ولهذا قال: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامُِ ﴿٨ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾(٣).
وقال ابن أبي حاتم: [حدثنا محمد بن عبادة بن البختري] (٤)، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا
حماد، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هارون مر بالسامري وهو ينحت
العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضرُّ ولا ينفع، فقال هارون: اللهم اعطه ما سأل
على ما في نفسه، ومضى هارون. وقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور فخار، فكان إذا
خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رؤوسهم(٥). ثم رواه من وجه آخر عن حماد وقال: أعمل ما
ينفع ولا يضر.
وقال السدي: كان يخور ويمشي(٦). ﴿فَقَالُواْ﴾ - أي الضّلال منهم الذين افتتنوا بالعجل
وعبدوه -: ﴿هَذَّا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَسِىَ﴾ أي: نسيه ههنا وذهب يتطلبه، كذا تقدم في حديث
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٣) سنده حسن، والرواية من الإسرائيليات.
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((محمد بن عباد النحوي)).
(٥) سنده حسن، والرواية من الإسرائيليات.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
٣٠٤
• سُورَةُ طبة (٩٠، ٩٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الفتون عن ابن عباس، وبه قال مجاهد(١).
وقال سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فَنَسِىَ﴾ أي: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم(٢).
وقال محمد بن إسحاق، عن [حكيم بن جبير](٣)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فقال:
﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ قال: فعكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط؛ يعني مثله،
يقول الله: ﴿فَنَسِىَ﴾ أي: ترك ما كان عليه من الإسلام؛ يعني: السامري(٤). قال الله تعالى ردّاً
عليهم وتقريعاً لهم وبياناً لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: ﴿ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ
قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّ وَلَا نَفْعًا ﴾﴾ أي: العجل، أفلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه ولا إذا
خاطبوه، ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: في دنياهم ولا في أخراهم.
قال ابن عباس ظه: لا والله ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره. فيخرج من فمه
فيسمع له صوت، وقد تقدم في [حديث الفتون](6) عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه
بهموت، وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا
العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن
عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب؛ يعني: هل يصلي فيه أم
لا؟ فقال ابن عمر : انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله وَ ﴾ - يعني:
الحسين -، وهم يسألون عن دم البعوضة (٦).
- ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الَّحْمَنُ فَِّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى
.
قَالُواْ لَنْ تََّحَ عَلَيَّهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجَعَ إِلَيْنَا مُوسَى (
٩٠
يخبر تعالى عما كان من نهي هارون عليّلا لهم عن عبادة العجل وإخباره إياهم، إنما هذا فتنة
لكم وإن ربكم الرحمن الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، ذو العرش المجيد الفعال لما يريد
﴿فَِّعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى﴾ أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه، ﴿قَالُواْ لَن نَّْرَحَ عَلَيَّهِ عَلِكِفِينَ
حَ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴾﴾ أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في
ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه.
قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا
١٩٣
- ﴿قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَيْنَهُمْ ضَلُّوَاْ (٨) أَلَّا تَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى
تَأْخُذْ بِلِحْيَتِ وَلَ بِأْسِىٌّ إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ
ـ﴾ .
يخبر تعالى عن موسى بنعلّله حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم،
(١) أخرجه آدم والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) سنده حسن.
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحف إلى: ((حكيم بن جرير)).
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي، وهو ضعيف، وفيه ابن إسحاق
لم يصرح بالسماع، وحكيم بن جبير: ضعيف (التقريب ص١٧٦).
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: ((متون الحديث)).
(٦) أخرجه البخاري (الصحيح، الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ح٥٩٩٤).
٣٠٥
سُورَةُ طَّفة (٩٥، ٩٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فامتلأ عند ذلك غضباً وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه،
وقد قدمنا في سورة الأعراف بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث: ((ليس الخبر كالمعاينة))(١)، وشرع
يلوم أخاه هارون، فقال: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَهُمْ ضَلُواْ ﴾ أَلَّا تَتَّعَنِّ﴾ أي: فتخبرني بهذا الأمر أول
ما وقع ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ أي: فيما كنت قدمت إليك، وهو قوله: ﴿أَخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ
سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ﴾ ترقق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر
الأم ههنا أرقّ وأبلغ في الحنو والعطف، ولهذا قال: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْتِى وَلَا بِرَأْمِّ إِّى
خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ (®﴾، هذا اعتذار من هارون عند موسى في
سبب تأخره عنه حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم، قال: ﴿إِنِ خَشِيتُ﴾
أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ﴿وَلَمَّ تَرْقُبْ قَوْلِ﴾ أي: وما
راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم، قال ابن عباس: وكان هارون هائباً مطيعاً له(٢).
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِنْ أَثَرِ
] ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِرِىُّ
ـ﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِ الْحَيَوَةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسِّ
الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَةٌ وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِعًاً لَّتُحَرِّقَتَهُ ثُمَّ لَنَنَسِفَنَّهُ فِ الْيَدْ
١٩٨
نَسْفًا ﴿ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا
يقول موسى ظلّ للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما
فعلت؟.
قال محمد بن إسحاق، عن [حكيم بن جبير](٣)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
كان السامري رجلاً من أهل باجرما (٤)، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في
نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل، وكان اسمه موسى بن ظفر(٥).
وفي رواية عن ابن عباس: أنه كان من كرمان. وقال قتادة: كان من قرية سامرا (٦) ﴿قَالَ
بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْ بِهِ﴾ أي: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِّنْ أَثَرٍ
الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسه، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، أخبرني عبيد الله بن موسى، أخبرنا
إسرائيل، عن السدي، عن أبي بن عمارة، عن علي ◌َُّه قال: إن جبريل ظلّلا لما نزل فصعد
بموسى ظلّ إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، قال:
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٥٠. (٢) أخرجه الطبري بالسند المتقدم والتالي.
(٣) كذا في تفسير الطبري، وفي الأصل و(ح) و(حم) صُحف إلى: ((حكيم بن جرير))، وحكيم بن جبير ترجم له
الحافظ ابن حجر وضعفه (التقريب ١٧٦).
(٤) باجرما: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة في أرض الجزيرة (معجم البلدان ٤٥٤/١)، والرقة بلدة معروفة
في سوریا.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق به، وتقدم تضعيف سنده، والرواية من
الإسرائيليات (تفسير الطبري ١/ ٦٧٢، تفسير سورة البقرة، آية ٥١).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((من قبيلة))، وليس ((قرية)).
٣٠٦
سُورَةِ طَفن (٩٥، ٩٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وحمل جبريل موسى عل* خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد وكتب الله الألواح، وهو يسمع
صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده، قال: نزل موسى فأخذ العجل
فأحرقه(١). غريب.
وقال مجاهد: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةُ مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل(٢)، قال:
والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع، قال مجاهد: نبذ السامري؛ أي ألقى ما كان في
يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلاً جسداً له خوار حفيف الريح فيه فهو خواره.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زريع،
حدثنا عمارة، حدثنا عكرمة أن السامري رأى الرسول، فألقي في روعه أنك إن أخذت من أثر
هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء فقلت له: كن فكان، فقبض قبضة من أثر الرسول فيبست
أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي آل فرعون،
فقال لهم السامري: إنما أصابكم من أجل هذا الحلي، فاجمعوه فجمعوه، فأوقدوا عليه فذاب،
فرآه السامري فألقي في روعه أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت: كن فيكون، فقذف القبضة
وقال: كن، فكان عجلاً جسداً له خوار، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾(٣) [طه: ٨٨]. ولهذا
قال: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: ألقيتها مع من ألقى ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى﴾ أي: حسّنته وأعجبها، إذ
ذاك ﴿قَالَ فَأَذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِ الْحَيَوَةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسٌِّ﴾ أي: كما أخذت ومسست ما لم يكن
لك أخذه ومسه من أثر الرسول فعقوبتك في الدنيا أن تقول: لا مساس، أي لا تماسّ الناس ولا
يمسونك ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَّنْ تُخْلَفَةٌ﴾ أي: لا محيد لك عنه.
وقال قتادة: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسٌَّ﴾ قال: عقوبة لهم وبقاياهم اليوم يقولون: لا مساس(٤).
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَةٌ﴾ قال الحسن وقتادة وأبو نَهيك: لن تغيب عنه(٥).
وقوله: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أي: معبودك ﴿الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفً﴾ أي: أقمت على عبادته
يعني: العجل ﴿لَنْحَرِّقَنَّهُ﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس(٦) والسدي: سحله بالمبارد وألقاه على
النار (٧). وقال قتادة: استحال العجل من الذهب لحماً ودماً، فحرقه بالنار(٨)، ثم ألقى رماده في
البحر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَنَسِفَنَّهُ فِ الْيَمِّ نَسْفًا﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا
(١) في سنده عبيد الله بن موسى والسدي كلاهما من الشيعة، وروايتهما عن علي ظه، والرواية من
الإسرائيليات، وقد استغرب متنه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) عمارة هو ابن أبي حفصة، يروي عن عكرمة ويروي عنه يزيد بن زريع، وهو ثقة (تهذيب التهذيب ٧/
٤١٥). والخبر من الإسرائيليات.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٥) ذكره الطبري معلقاً عنهم ثلاثتهم ثم أسنده عن قتادة وأبي نَهيك، وهذا التفسير على قراءة ((لن تُخلِفه)) بضم
التاء وكسر اللام، وهي قراءة متواترة.
(٦) سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بلفظ: ((ثم حرقه بالمبرد)).
(٨) عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم بلفظ: ((وكان له لحم ودم!)).
٣٠٧
سُورَةُ طَّفة (٩٩، ١٠١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن، عن
علي ظُه قال: إن موسى لما تعجل إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني
إسرائيل، ثم صوره عجلاً، قال: فعمد موسى إلى العجل فوضع عليه المبارد، فبرده بها وهو على
شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب،
فقالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً (١). وهكذا قال السدي، وقد تقدم في تفسير
سورة البقرة، ثم في حديث الفتون بسط ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَا إَِهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴾﴾ يقول لهم
موسى ظلّل: ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن
كل شيء فقير إليه، عبد له.
وقوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ نصب على التمييز؛ أي هو عالم بكل شيء، ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ
عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، فلا ﴿يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]،
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَ حَبَّةٍ فِ خُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَْبٍ وَلَا يَابِسِ إِلَّا فِ كِنٍَ مِينٍ﴾
[الأنعام: ٥٩]، ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلِّ فِي كِتَبٍ
مُبِينٍ ﴾﴾ [هود]، والآيات في هذا كثيرة جداً.
مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ
﴿كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن ◌َّكُنَّا ذِكْرًا
خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (﴾﴾.
يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا (٣َ
يقول تعالى لنبيه محمد رَلو: كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده
على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقصُّ عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا
نقص، هذا ﴿وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدْنَا﴾ أي: من عندنا ﴿ذِكْرًا﴾، وهو: القرآن العظيم الذي ﴿لَّا يَأْتِهِ
الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾﴾ [فصلت] الذي لم يعطِ نبي من الأنبياء
[منذ بعثوا إلى أن ختموا] (٢) بمحمد سل﴿ل كتاباً مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق
وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه.
ولهذا قال تعالى: ﴿مِّنْ أَعْرَضَ عَنّهُ﴾ أي: كذّب به وأعرض عن اتباعه أمراً وطلباً، وابتغى الهدى من
غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم، ولهذا قال: ﴿مَّنْ أَعْرَضٍَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا
﴾﴾ أي: إثماً كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وهذا عام في
كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم، كما قال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:
١٩] فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هُدي ومن خالفه وأعرض عنه، ضلَّ وشقي في
الدنيا، والنار موعده يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿مَّنْ أَغْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا ® خَلِينَ فِيهِ﴾
أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك ﴿وَسَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِملًا﴾ أي: بئس الحمل حملهم.
(١) أخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٧٩/٢، ٣٨٠).
(٢) زيادة من (حم) و(ح).
٣٠٨
• سُو ◌َلاَ طَّنة (١٠٢، ١٠٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا
2- ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورَّ وَتَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا (9َ)
.
(١٠٣
فَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن ◌َّثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا
ثبت في [الحديث](١): أن رسول الله وَّ ر سئل عن الصور، فقال: ((قرن ينفخ فيه).
وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم، الدائرة منه بقدر السموات
والأرض، ينفخ فيه إسرافيل علّله وجاء في الحديث: ((كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن
وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له)) فقالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: ((قولوا: حسبا الله ونعم
الوكيل على الله توكلنا))(٢).
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِنَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ قيل: معناه: زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال.
﴿يَتَّخَفَتُونَ يَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يتسارُّون بينهم(٣)؛ أي يقول بعضهم لبعض: ﴿إِن ◌َّئْتُمْ إِلَّ
عَشْرًا﴾؛ أي في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلاً عشرة أيام أو نحوها، قال الله تعالى:
﴿َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: في حال تناجيهم بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أي: العاقل الكامل
فيهم ﴿إِن لَّئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ أي: لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد؛ لأن الدنيا كلها وإن
تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها، كأنها يوم واحد، ولهذا يستقصر الكافرون مدة
الحياة الدنيا يوم القيامة، وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ اٌلْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ اٌلْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
(٥٢)﴾ [الروم]، وقال تعالى: ﴿أَوْلَمْ نُعَمَِّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا
قَالُواْ لَبِئْنَا يَوْمًا
لِلَّكِمِينَ مِن تَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]، وقال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
قَلَ إِن ◌َّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ لَّوْ أَنَكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (19)﴾ [المؤمنون] أي:
أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ فَسْشَلِ الْعَآَدِينَ
[إنما](٤) كان لبثكم فيها قليلاً، لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم
التصرف، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي.
فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِ نَسْفًا
لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا
.
٨٠٨)
﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّعِىَ لَا عِوَجَ لَهُّ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَمْسًا
وَلَّ أَمْتَّا
يقول تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ لَلْجِبَالِ﴾ أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ ﴿فَقُلْ يَنِسِفُهَا رَبِىِ
نَسْفًا﴾ أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييراً ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: الأرض ﴿قَاءًا
صَفْصَفًا﴾ أي: بساطاً واحداً، والقاع هو: المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى
(١) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((الصحيح))، وقد أثبت لفظ: الحديث؛ لأن الحديث في المسند
والسنن، وليس في الصحيح.
(٢) تقدم تخريج هذه الأحاديث الثلاثة في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صحفت إلى: ((بما)).
٣٠٩
سُورَةُ طَّفة (١٠٢، ١٠٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مراداً أيضاً باللازم، ولهذا
قال: ﴿لَّا تَرَى فِيَهَا عِوَجًا وَلَّ أَمْنًا (٣)﴾ أي: لا ترى في الأرض يومئذٍ وادياً ولا رابية ولا
مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً، كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك
وقتادة وغير واحد من السلف(١).
﴿يَوْمَيِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّعِىَ لَا عِوَجَ لَمّ﴾ أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين
إلى الداعي حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم ولكن حيث لا
ينفعهم، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]، وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الََّحَ يَقُولُ
اُلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَِرٌ ﴾﴾ [القمر].
وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر
النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي منادٍ، فيتبع الناس الصوت يؤمّونه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَهِدٍ
يَتَّبِعُونَ الَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَمٌ﴾(٢).
[وقال قتادة: ﴿لَا عِوَجَ لَمِّ﴾ لا يميلون عنه.
وقال أبو صالح: لا عوج له أي: لا عوج عنه](٣) (٤).
وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال ابن عباس: سكنت(٥)، وكذا قال السدي ﴿فَلَا تَسْمَعُ
إِلَا هَمْسًا﴾ قال سعيد بن جبير، عن عباس: يعني وطء الأقدام(٦)، وكذا قال عكرمة ومجاهد
والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم(٧).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَسْئًا﴾ الصوت الخفي (٨)، وهو رواية
عن عكرمة والضحاك(٩). وقال سعيد بن جبير: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّ هَسْسًا﴾ الحديث وسره ووطء
الأقدام(١٠)، فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي
إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند ضعيف من
طريق جويبر عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٤) قول قتادة وأبي صالح عزاهما السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق علي بن عابس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير به، وعلي بن عابس
ضعيف كما في التقريب. ويتقوى بما يلي عن التابعين وعن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عن عكرمة وقتادة والحسن وابن زيد، ولكن ما ورد عن مجاهد بسند صحيح
من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ((خفض الصوت))، وقد ورد عن مجاهد بلفظ: ((نقل الأقدام)) ولكنه لم
يصح لأن البستي أخرجه من طريق رجل مجهول.
(٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٩) قول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.
(١٠) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
٣١٠
• سُورَةُ طَّةٌ (١١٢،١٠٩)
إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون
(٢٥) ﴾ [هود].
حال، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَمُ نَفْسُ إِلَّا بِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ
- ﴿يَوْمَيِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلَا (﴿َ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا
خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمًا ﴿ ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُِّ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (® وَمَنْ
يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا حَضْمًا (﴾﴾.
يقول تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ﴾ أي: عنده ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ
وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾ كقوله: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنٍِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿﴿ وَكَمْ مِّن
مَّلَكٍ فِى السَّمَوَتِ لَا تُغْنِى شَفَعَهُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدٍ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَّهُ وَيَرْضَ (٣)﴾ [النجم]، وقال:
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿وَلَ نَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَمْ﴾
[سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَِّكَةُ صَفَّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا
[النبأ].
وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله وَطير، وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق
على الله رَك أنه قال: ((آتي تحت العرش، وأخرُّ لله ساجداً، ويُفتح عليَّ بمحامد لا أحصيها
الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، واشفع تشفع،
فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة ثم أعود)) (١) فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى
سائر الأنبياء.
وفي الحديث أيضاً: ((يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان،
فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال مِن إيمان،
أخرجوا مِن النار مَن كان في قلبه ما يزن ذرة، مَن كان في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة مِن
إيمان ... )) الحديث(٢).
وقوله: ﴿يَعْلُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: يحيط علماً بالخلائق كلهم ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ.
عِلْمًا﴾ كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾. قال ابن عباس وغير واحد: خضعت وذلّت(٣)
واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيّم على كل شيء
يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه لا قوام له إلا به.
وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كلَّ حقِّ إلى صاحبه حتى
(١) أخرجاه من حديث أنس به، صحيح البخاري، الرقاق، صفة الجنة والنار (ح ٦٥٦٥)، وصحيح مسلم،
الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ٣٢٢).
(٢) أخرجه الشيخان بنحوه من حديث أنس ظه، صحيح البخاري، الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه
(ح٤٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ٣٢٥.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((ذَلَّت)).
٣١١
• سُؤُ هَلاَ طَّئَةٌ (١١٣، ١١٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء، وفي الحديث: ((يقول الله : وعزتي وجلالي لا
يجاوزني اليوم ظلم ظالم)»(١)، وفي [الصحيح](٢): ((إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم
القيامة، والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]))(٣).
وقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (1)﴾ لما ذكر الظالمين
ووعيدهم، ثنّى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون؛ أي لا يزاد في سيئاتهم
ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة وغير واحد (٤)،
فالظلم الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ فُرْءَانًّا عَرَبَِّّا وَصَرَّفْنَا فِهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (٣) فَتَعَلَى
اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا
يقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعاً لا محالة، أنزلنا القرآن بشيراً
ونذيراً بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عي، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ أي:
يتركون المآئم والمحارم والفواحش ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرً﴾ وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات ﴿فَعَلَى
اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ﴾ أي: تنزه وتقدس الملك الحق الذي هو حق ووعده حق، ووعيده حق ورسله
حق، والجنة حق، والنار حق وكل شيء منه حق، وعدله تعالى أن لا يعذب أحداً قبل الإنذار
وبعثة الرسل، والإعذار إلى خلقه لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيٌُّ﴾، كقوله تعالى في سورة ﴿لَا أُقِْمُ
إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْهَهُ ﴿٣ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ
بِيَّوْمِ الْقِيَمَةِ ﴾﴾: ﴿لَا تُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِح ◌َلَّ
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (4)﴾ [القيامة]، وثبت في الصحيح عن ابن عباس: أن رسول الله وَّةٍ، كان
يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية(٥)؛ يعني: أنهلِلَّلا كان
إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية، قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن،
فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه، فقال: ﴿لَا تُحرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ
لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴾ [القيامة] أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس
(١) عزاه الزبيدي إلى الخطيب البغدادي من حديث جابر بن عبد الله وغيره مطولاً من عدة طرق (ينظر: إتحاف
السادة المتقين ٤٧٩/١٠).
(٢) كذا في (حم)، وفي الأصل: ((الصحيحين))، والصواب المثبت؛ لأنه في صحيح مسلم دون صحيح
البخاري.
(٣) أخرجه مسلم من حديث جابر ظُه الشطر الأول بنحوه الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الظلم (ح٢٥٧٨).
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق علي ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن
سليمان عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ميمون بن سياه عنه، وقول قتادة أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٥) أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب سورة القيامة (ح٤٩٢٧)).
٣١٢
• سُورَةُظَّةٌ) (١١٥، ١٢٢)
[القيامة]، وقال في هذه
من غير أن تنسى منه شيئاً ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَيَعْ قُرْءَانَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
الآية: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُّةٌ﴾ أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من
قراءته عليك فاقرأه بعده ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ أي: زدني منك علماً.
قال ابن عيينة تَخْتُ: ولم يزل وَ ﴿ في زيادة حتى توفاه الله رَ.
ولهذا جاء في الحديث: ((إن الله تابع الوحي على رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم
توفي رسول الله وَلاير))(١).
وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن موسى بن عبيدة، عن
محمد بن ثابت، عن أبي هريرة رضيبه قال: كان رسول الله وَل و يقول: ((اللهم انفعني بما علمتني،
وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، والحمد لله على كل حال))(٢). وأخرجه الترمذي، عن أبي كريب،
عن عبد الله بن نمير، به. وقال: غريب من هذا الوجه(٣). ورواه البزار، عن عمرو بن علي الفلاس،
عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به. وزاد في آخره: ((وأعوذ بالله من حال أهل النار)).
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمَا (١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِأَدَمَ
فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ ﴿ فَقُلْنَا بَّكَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَُّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى (١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِهَا وَلَا تَضْحَى ﴾ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ
يَعَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى (٢) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ
عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اٌلْجَنَّةِ وَعَصَىّ ءَدَمُ رَُّ فَغَوَ ﴿٦ ثُمَّ اجْتَهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سُمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي (٤)، وكذا رواه علي بن
أبي طلحة عنه(٥). وقال مجاهد والحسن: ترك (٦). وقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ اسْجُدُواْ لِأَدَمَ﴾
يذكر تعالى تشريف آدم، وتكريمه وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلاً، وقد تقدم الكلام
على هذه القصة في سورة البقرة (٧)، وفي الأعراف(٨)، وفي الحجر(٩)، والكهف(١٠)، وسيأتي في
(١) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك ﴿ه، (صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب كيف نزل
الوحي .. ح ٤٩٨٢)، وصحيح مسلم، التفسير (ح٣٠١٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، المقدمة، باب اتباع الرسول وَيوح٢٥١) وفي سنده موسى بن عبيدة
وهو الربذي ضعيف، ولشطر الأول شواهد، ولهذا صححه الألباني دون قوله: ((والحمد لله على كل حال))
(صحيح سنن ابن ماجه ح٢٠٣).
(٣) أخرجه الترمذي من طريق موسى بن عبيدة به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (السنن،
الدعوات، باب في العفو والعافية ح٣٥٩٩).
(٤) سنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((فترك)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) الآيات ٣٠ - ٣٨.
(٩) الآيات ٢٨ - ٤٠.
(٨) الآيات ١١ - ٢٤.
(١٠) آية ٥٠.
٣١٣
• سُورَةُ طَّفة (١١٥، ١٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
آخر سورة ﴿صٍ﴾(١) يذكر تعالى فيها خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له تشريفاً وتكريماً، ويبين
عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديماً، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ﴾ أي: امتنع
واستكبر ﴿فَقُلْنَا يَتَّعَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْحِكَ﴾ يعني: حواء عَّهِ ﴿فَلَا يُخْرِجَنَُّاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْفَ﴾
أي: إياك أن تسعى في إخراجك منها فتتعب وتعن وتشقى في طلب رزقك، فإنك ههنا في عيش
رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى ﴾﴾ إنما قرن بين الجوع والعري؛
لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر، ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى (٣)﴾ وهذان أيضاً
متقابلان، فالظمأ حرُّ الباطن وهو العطش، والضحى حرُّ الظاهر.
وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَادَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (٣٥)﴾ قد تقدم
أنه ﴿فَدَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِ لَّكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴾﴾ [الأعراف]، وقد تقدم
أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في
الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها وكانت شجرة الخلد؛ يعني: التي مَن أكل منها خلد
ودام مكثه، وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن
أبي الضحاك: سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي وسلم قال: ((إن في الجنة شجرة يسير الراكب في
ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد))، ورواه الإمام أحمد(٢).
وقوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن
إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن [سعيد بن أبي عروبة](٣)، عن قتادة، عن الحسن، عن
أبي بن كعب قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس، كأنه
نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته
جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم مني تفرّ، فلما سمع
كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياء، أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال:
نعم)) فذلك قوله: ﴿فَلَقََّ ءَادَمُ مِنْ زَيٍِّ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِ﴾(٤) [البقرة: ٣٧]، وهذا منقطع بين الحسن
وأبي بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضاً.
وقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال مجاهد: يرفعان كهيئة الثوب، وكذا قال
قتادة والسدي(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ينزعان ورق التين
فيجعلانه على سوآتهما(٦).
(١) في الآيات ٧١ - ٨٥.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الرعد آية ٢٩.
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفٍ إلى: ((سعيد عن عروبة)).
(٤) سنده ضعيف؛ لأن الحسن لم يسمع من أُبي.
(٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق أسباط عنه، والخبر من الإسرائيليات.
(٦) سنده حسن، والخبر من الإسرائيليات.
٣١٤
• سُؤْرَأَ طَّةٌ (١٢٣، ١٢٦)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 00000000000000
(٣)﴾ قال البخاري: حدثنا
وقوله: ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَُّ فَغَوَ ﴿ ثُمَّ أَجْتَبَهُ رَبُّهُ فَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى
قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن
النبيِ وَّ﴾ قال: ((حاجَّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك
وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر
كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدَّره الله عليَّ قبل أن يخلقني؟))، قال رسول الله وَّ: ((فحجَّ
آدم موسى)) (١)، وهذا الحديث له طرق في الصحيحين (٢)، وغيرهما من المسانيد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن
عياض، عن الحارث بن أبي ذياب، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال
رسول الله وَ﴾: ((احتجَّ آدم وموسى عند ربهما، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنت الذي
خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأَسجَدَ لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت
الناس إلى الأرض بخطيئتك، قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك
الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجياً، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال
موسى: بأربعين عاماً، قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قال: نعم، قال:
أفتلومني على أن عملت عملاً كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟)) قال
رسول الله وَل: ((فحجَّ آدم موسى))، قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك عن أبي
هريرة، عن النبي ◌َ﴾(٣).
2] ﴿قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعً بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٍّ فَإِمَا يَأْنِيَنَّكُمْ مِّنِّى هُدَّى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ
يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (٨) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَتَحْشُرُهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ أَعْمَى
(١٢٤)
قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٥) قَالَ كَذَلِكَ أَنْتََّكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَا وَكَذَلِكَ الْيَّوْمَ نُنسَى
يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا منها جميعاً؛ أي من الجنة كلكم، وقد بسطنا ذلك
في سورة البقرة (٤).
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌ﴾ قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته. وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْنِيَنَّكُم مِّنِّى هُدَّى﴾ قال
أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان(٥) ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَ يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ قال ابن عباس: لا
يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (٦).
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿فَلَا يُخْرِحَتَّكَُا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ﴾ [طه: ١١٧] ح ٤٧٣٨).
(٢) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى (ح٧٥١٥)، وصحيح مسلم، القدر، باب حجاج
آدم وموسى الشَّفي (ح ١٣/٢٦٥٢).
(٣) سنده صحيح، وأخرجه مسلم عن إسحاق بن موسى بن عبد الله عن أنس بن عياض به (الصحيح، القدر،
باب حجاج آدم وموسى الثالا ح ١٥/٢٦٥٢).
(٤) آية: ٣٦.
(٥) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية في تفسير سورة البقرة آية ٣٨ (٥٨٩/١).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٣٧١/١٣)، والطبري بسند حسن كلاهما من طريق عمرو بن قيس عن
عكرمة عن ابن عباس.
٣١٥
• سُورَةُ طَّفة (١٢٣، ١٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى﴾ أي: خالف أمري وما أنزلته على رسولي أعرض عنه وتناساه وأخذ من
غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي: ضنكاً في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشرح لصدره، بل صدره
ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم
يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: الشقاء(١).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: كل ما أعطيته عبداً من عبادي قلّ
أو كثر، لا يتَّقيني فيه، فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، ويقال أيضاً: إن قوماً ضُلّالاً
أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنهم كانوا
يرون أن الله ليس مخلفاً لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله
ويسيء الظن به والثقة به، اشتدت عليه معيشته؛ فذلك الضنك(٢).
وقال الضحاك: هو العمل السيء والرزق الخبيث(٣)، وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار(٤).
وقال سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قوله: ﴿مَعِيشَةً
ضَنًا﴾ قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه(٥). وقال أبو حاتم الرازي: [النعمان بن
أبي عياش يكنى] (٦) أبا سلمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا
الوليد، أنبأنا عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله
في قول الله رَى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: ضمة القبر له(٧)، والموقوف أصح. وقال ابن أبي
حاتم أيضاً: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو
السمح، عن ابن حُجَيرة واسمه: عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَّر قال: ((المؤمن
في قبره في روضة خضراء، ويفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر،
أتدرون فيما أنزلت هذه الآية ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكً﴾؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟)) قالوا: الله
ورسوله أعلم. قال: ((عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون
تنيناً؛ أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رؤوس ينفخون في جسمه ويلسعونه
ويخدشونه إلى يوم يبعثون))(٨)، رفعه منكر جداً.
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس بلفظه تقريباً.
(٣) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٤) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه محمد بن حميد، وهو الرازي، وهو ضعيف. وقول مالك بن
دينار عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه البستي من طريق سفيان بن عيينة به، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي حازم به (المصنف ١٣/
٣٩٢)، وسنده صحيح وله حكم الرفع؛ لأن أبا سعيد هو الخدري
(٦) كذا في (ح) وترجمته، وفي (حم): ((النعمان بن أبي عياض يكنى))، وفي الأصل صُحف إلى: ((اليعمري
أبي عباس یحیى)).
(٧) سنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.
(٨) أخرجه أبو يعلى من طريق دراج به (المسند ٥٢١/١١)، وضعف متنه الحافظ ابن كثير لما فيه من الغرائب.
٣١٦
• سُؤْرَقَ طَّفة (١٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال البراز: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي: حدثنا محمد بن عمر، حدثنا هشام بن سعد،
عن سعيد بن أبي هلال، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر في قول الله رَ: ﴿فَإِنَّ
لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: ((المعيشة الضنك الذي قال الله أنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية ينهشون
لحمه حتى تقوم الساعة))(١).
وقال أيضاً(٢): [حدثنا](٣) أبو زرعة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن
عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّهِ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: ((عذاب
القبر))(٤). إسناد جيد.
وقوله: ﴿وَتَحْشُرُهُ يَوْمَ اٌلْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قال مجاهد وأبو صالح والسدي: لا حجة له(٥)، وقال
عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم(٦)، ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار
أعمى البصر والبصيرة أيضاً، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيَا وَبُكْمًا وَصُنّاً
مَأْوَنَّهُمْ جَهٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، ولهذا يقول: ﴿رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِيّ أَعْمَى وَقَّدْ
كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي: في الدنيا ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيْنَهٌ وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُسَى (٣٦)﴾ أي: لما أعرضت
عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك، تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها،
كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك ﴿فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:
٥١]، فإن الجزاء من جنس العمل.
فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلاً في هذا الوعيد الخاص، وإن
كان متوعداً عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، [عن](٧) يزيد بن أبي زياد، عن
عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة عنه، عن النبي وَلّ قال: ((ما من رجل قرأ القرآن
فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم))(٨)، ثم رواه الإمام أحمد من حديث يزيد بن أبي زياد،
عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت، عن النبي وَّر ... فذكر مثله سواء(٩).
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بَِايَتِ رَيِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىَ
يقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِى
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في زوائد مسند البزار (٩٤/٢)، وسنده ضعيف جداً؛ لأن محمد بن عمر هو
الواقدي، وهو متروك.
(٢) القائل هو: ابن أبي حاتم.
(٤) جوّد سنده الحافظ ابن كثير.
(٣) زيادة من (ح) و(حم).
(٥) قول مجاهد أخرجه الثوري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول أبي صالح أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.
(٦) عزاه السيوطي إلى هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٧) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل صحفت إلى: (بن)).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨٥/٥)، وسنده ضعيف؛ لجهالة عيسى بن فائد وجهالة شيخه.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢٣/٥)، وسنده ضعيف لجهالة عيسى بن فائد.
٣١٧
• سُورَلاَ طَّفة (١٢٨، ١٣٠)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
{ِ﴾ [الرعد]، ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْأَخِرَةِ
اٌلَْوَةِ الدُّنْيَّ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَىْ وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن ◌َاقٍ
أَشَدُّ وَأَبْقَ﴾ أي: أشد ألماً من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه، ولهذا قال
رسول الله ◌َ﴿ للمتلاعنين: ((إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)(١).
42 ﴿أَفَمْ يَهْدٍ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ اُلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَكِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِىِ النُّهَىِ
فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيْحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
١٢٩
وَلَوْلَا كِمَّةٌ سَبَقَتْ مِنْ زَّيِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَقَّى
◌ُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَيْلِ فَسَيِّحْ وَأَْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
٢٠
يقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ﴾ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد كم أهلكنا من الأمم
المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم
الخالية التي خلفوهم فيها يمشون فيها ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَى﴾ أي: العقول الصحيحة
والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ
يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ (@)﴾ [الحج] وقال في سورة
﴿الّ ﴾﴾ ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَّمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَلِكِنِهِمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَأَيَتٍّ
أَفَلاَ يَسْمَعُونَ (®َ)) [السجدة].
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى (13)﴾ أي: لولا الكلمة السابقة من الله
وهو أنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء
المكذبين إلى مدة معينة، لجاءهم العذاب بغتة، ولهذا قال لنبيه مسلياً له: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي:
من تكذيبهم لك ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ﴾ يعني: صلاة الفجر ﴿ وَقْلَ غُرُوِهاً﴾ يعني: صلاة
العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ظ ◌ُبه قال: كنا جلوساً عند رسول الله وَالـ
فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن
استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا)) ثم قرأ هذه الآية(٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن [رؤيبة](٣)
قال: سمعت رسول الله وقليل يقول: ((لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها))(٤)،
رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به(٥). وفي المسند والسنن عن ابن عمر قال: قال
رسول الله وَر: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه
كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين))(٦).
(١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة النور.
(٢) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر (ح٥٥٤)، وصحيح مسلم، المساجد، باب
فضل صلاتي الصبح والعصر (ح ٦٣٢).
(٣) كذا في (ح) و(حم) والمسند وصحيح مسلم، وفي الأصل صحف إلى: ((روبة)).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣٦/٤)، وسنده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي العصر (ح ٦٣٤).
(٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر، وضعف سنده محققوه لضعف ثوير (المسند
٢٤٠/٨ ح٤٦٢٣)، وأخرجه الترمذي (السنن، صفة الجنة ح٢٥٥٣)، وأبو يعلى (المسند ح٥٧٢٩).
٣١٨
• سُورَةُ طَّفة (١٣١، ١٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَتْلِ فَسَيِّحْ﴾ أي: من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب
والعشاء ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ في مقابلة آناء الليل ﴿لَعَلَّكَ تَرَضَى﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ
رَبُّكَ فَتَرْضَ (جَ﴾ [الضحى].
وفي الصحيح: ((يقول الله تعالى: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل
رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: إني
أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا
أسخط عليكم بعده أبداً)(١).
وفي الحديث: ((يقال: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون:
وما هو؟ ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة، فيكشف الحجاب
فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم خيراً من النظر إليه، وهي الزيادة))(٢).
تَمُدَّنَّ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ- أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَوَةِ الدُّنْيَاَ لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ
.
٠
وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَبِرُ عَلَيْهَا لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكْ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَىُ
وَأَبْقى
يقول تعالى لنبيه محمد رَله: لا تنظر إلى ما هؤلاء المترفون وأشباههم ونظراؤهم وما هم فيه
من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك وقليل من عبادي الشكور.
وقال مجاهد: ﴿أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ يعني: الأغنياء، فقد آتاك خيراً مما آتاهم، كما قال في الآية
الأخرى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيَّكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ﴿ لَا تَعُدََّ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا
مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٧، ٨٨]، وكذلك ما ادخره الله تعالى لرسوله و ◌ّلقر في الآخرة أمر عظيم لا يحد
ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَرْضَ ﴾﴾ [الضحى]، ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ
رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ .
وفي الصحيح: أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله وملي في تلك المشربة التي كان
قد اعتزل فيها نساءه حين آلى منهن، فرآه متوسداً مضطجعاً على رمال حصير، وليس في البيت
إلا صبرة من قرظ(٣) وأهب(٤) معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال له رسول الله وَليقول: (ما
يبكيك يا عمر؟)) فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه؟
فقال: ((أَوَ في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا))(٥).
فكان * أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في
عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئاً لغد.
(١) أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري ظه، صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار
(ح٦٥٤٩)، وصحيح مسلم، الجنة، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة (ح٢٨٢٩).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة يونس آية ٢٦.
(٤) أي: جلد من البقر والغنم والوحش.
(٣) أي: كومة مما يُدبغ به الجلود.
(٥) أخرجه البخاري مطولاً (الصحيح، المظالم، باب الغرفة والعليَّة المشرفة .. ح ٢٤٦٨)، وأخرجه مسلم
(الصحيح، الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء .. ح١٤٧٩).
٣١٩
سُورَةً طَ (١٣١، ١٣٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن أبي سعيد أن رسول الله وَ لو قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله
لكم من زهرة الدنيا)) قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: (بركات الأرض)) (١).
وقال قتادة والسدي: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَوْمِ الذُّنْيَا﴾؛ يعني: زينة الحياة الدنيا(٢).
وقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ﴾ لنبتليهم(٣) .
وقوله: ﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهً﴾ أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، واصبر
أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوْاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن
سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب كان يبيت عنده أنا ويرفأ، وكان له ساعة
من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم، فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ
أقام؛ يعني: أهله، وقال: ﴿وَأَمْرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾(٤).
وقوله: ﴿لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكْ﴾ يعني: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب،
كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَمًا ﴿ وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق]، وقال
تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ ﴿﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴿ إِنَّ اللَّهَ
هُوَ اُلَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ (@)﴾ [الذاريات]، ولهذا قال: ﴿لَا نَسْشَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكْ﴾.
وقال الثوري: ﴿لَا نَسْتَّلُكَ رِزْقًا﴾ أي: لا نكلفك الطلب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه:
أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفاً، فإذا رجع إلى أهله، فدخل الدار قرأ
﴿وَلَا تَمُدَنَ عَيْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿فَّحْنُ نَرْزُقُكْ﴾ ثم يقول: الصلاة، الصلاة، رحمكم الله(٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [عبد الله بن أبي زياد القطواني](٦)، حدثنا سيار،
حدثنا جعفر، عن ثابت قال: كان النبي ◌َ ﴿ إذا أصابه خصاصة نادى أهله: يا أهلاه صلُّوا،
صلُّوا. قال ثابت: وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة(٧).
وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي،
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله تعالى: يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك
(١) سنده صحيح، أخرجه مسلم من طريق ابن وهب به (الصحيح، الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة
الدينا ح ١٢٢/١٠٥٢)، وأخرجه البخاري بلفظ: ((إنما أخشى عليكم من بعدي أن يفتح عليكم من بركات
الأرض ثم ذكر زهرة الدنيا))، (صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله ح ٢٨٤٢).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري كسابقه.
(٤) سنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق هشام بن سعد به.
(٥) سنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق هشام بن عروة به.
(٦) كذا في ترجمته في التقريب، وفي الأصل صحف إلى: ((عبد الله بن زياد البطراني))، وفي (ح) و(حم):
((عبد الله بن أبي زياد القطراني)).
(٧) سنده مرسل؛ لأن ثابت هو ابن أسلم البناني، وهو تابعي.
٣٢٠
• سُورَوَ طَّفة (١٣٣، ١٣٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
غنّى وأسدُّ فقرك؛ وإن لم تفعل، ملأت صدرك شغلاً ولم أسدّ فقرك))(١).
وروى ابن ماجه من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود: سمعت نبيكم ◌ّ يقول:
((من جعل الهموم همّاً واحداً همّ المعاد كفاه الله همّ دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال
الدنيا لم يبال الله في أيِّ أوديته هلك))(٢). وروي أيضاً من حديث شعبة، عن عمر بن سليمان،
عن عبد الرحمن بن أبان، عن أبيه، عن زيد بن ثابت، سمعت رسول الله وَ لو يقول: ((من كانت
الدنيا همّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن
كانت الآخرة نيته، جمع له أمره وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة))(٣).
وقوله: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى﴾ أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، وهي الجنة لمن اتقى الله.
وفي الصحيح: أن رسول الله وَ ر قال: ((رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأنّا أتينا
برطب ابن طاب، فأوّلت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب))(٤).
] ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا يَأْتِيِنَا بِعَايَةٍ مِّن زَيِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِّنَةُ مَا فِ الضُّحُفِ اْأُوْلَى (﴿ وَلَوْ أَنَّاً
أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبََّا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَبِعَ ءَايَلِكَ مِن قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى
﴿ قُلْ كُلُّ مُتَيَصٌْ فَضُواْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ وَمَنِ أُهْتَدَى
يقول تعالى مخبراً عن الكفار في قولهم: ﴿لَوْلًا﴾ أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه؛ أي:
بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمِ بَيْنَهُ مَا فِ الضُّحُفِ الْأُولَى﴾
يعني: القرآن الذي أنزله عليه الله، وهو أمّي لا يحسن الكتابة ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء
فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة
منها، فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها، وهذه الآية
كقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَيْهِ ءَايَتٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُ عِندَ اللَّهِ
وَإِنََّآَ أَنْ نَذِيِرٌ تُبِينُ ﴾َ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمَّ إِنَ فِ ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ
(@) [العنكبوت].
وَذِكْرَىْ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
وفي [الصحيحين](٥) عن رسول الله وهلهى: أنه قال: ((ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما
آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً
يوم القيامة))(٦).
(١) سنن الترمذي، صفة القيامة (ح٢٤٦٦)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب الهمّ بالدنيا (ح ٤١٠٧)، وصححه
الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٣١٥).
(٢) المصدر السابق (ح٤١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٣١٤).
(٣) المصدر السابق (ح٤١٠٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٣١٣).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ظه بلفظ: ((برطب من رطب ابن طاب)) (الصحيح، الرؤيا، باب
رؤيا النبي ◌َّ و ح ٢٢٧٠)، ورطب ابن طاب: نوع من التمور.
(٥) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((وفي الصحيح)).
(٦) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي؟ (ح٤٩٨١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب
وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ◌َ﴾ (ح ١٥٢).