النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
• سُوَدَّةُ الكَهْفِظَ (٧٤، ٧٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يملك موسى علّ نفسه أن قال منكراً عليه ﴿أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ وهذه اللام لام العاقبة لا لام
التعليل، كما قال الشاعر(١):
لدوا للموت وابنوا للخراب (٢)
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: منكراً(٣) .
وقال قتادة: عجباً (٤)، فعندها قال له الخضر مذكراً بما تقدم من الشرط ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ
تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ يعني: وهذا الصنيع فعلته قصداً، وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا
تنكر علي فيها؛ لأنك لم تحط بها خبراً ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت ﴿قَالَ﴾ أي: موسى
﴿لَ نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ أي: لا تضيق علي ولا تشدد علي، ولهذا تقدم
في الحديث عن رسول الله وَلقر أنه قال: ((كانت الأولى من موسى نسياناً))(٥).
٧٤
2- ﴿فَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَثَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا
قَالَ أَلَمَّ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (١٥) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِنْ
Vi
لَّكُنِ عُذْرًا
يقول تعالى: ﴿فَطَلَقَا﴾ أي: بعد ذلك ﴿حَتَّىَ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا﴾ وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان
في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأضوأهم فقتله، وروي أنه
احتز رأسه، وقيل رضخه بحجر، وفي رواية اقتلعه بيده، والله أعلم، فلما شاهد موسىتعالَّلامُ
هذا، أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾ أي: صغيرة لم تعمل الحنث ولا
عملت إثماً بعد فقتلته ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير مستند لقتله ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا ثُْرًا﴾ أي: ظاهر
النكارة ﴿ قَالَ أَلَمَّ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٣٥)﴾ فأكد أيضاً في التذكار بالشرط الأول،
فلهذا قال له موسى: ﴿إِن سَأَلَئُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا﴾ أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة
﴿فَلَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِ عُذْرًا﴾ أي: أعذرت إليّ مرة بعد مرة.
قال ابن جرير: حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات، عن أبي
إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: كان النبي ◌َّ- إذا ذكر أحداً فدعا
له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: ((رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، ولكنه
قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً)) [مثقلة](٦)(٧).
(١) هو أبو العتاهية كما في ديوانه ص٤٦.
(٢) عجزه: فكلكم يصير إلى تباب.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) تقدم في رواية البخاري في أول تفسير الآية.
(٦) زيادة من (ح) و(حم) وتفسير الطبري.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق حمزة الزيات به، وصححه ووافقه الذهبي.
(المستدرك ٢/ ٥٧٤).

١٨٢
• سُورَةُ الكَهْفظ (٧٧، ٨١)
﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا حِدَارًا يُرِيدُ أَنَ
يَنْقَضَّ فَقَامَةِّ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٨) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبِكَ سَأُنْبِئُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَّمْـ
تَسْتَطِعِ غَّلَيْهِ صَبْرًا
يقول تعالى مخبراً عنهما: إنهما ﴿فَأَنْطَلَقًا﴾ بعد المرتين الأوليين ﴿حَّ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ روى
ابن جرير، عن ابن سيرين أنها الأيلة (١)(٢)، وفي الحديث: ((حتى إذا أتيا أهل قرية لئاماً))(٣)؛
أي: بخلاء ﴿أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ إسناد الإرادة ههنا
إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو
السقوط. وقوله: ﴿فَأَقَامَةٌ﴾ أي: فردّه إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه ردَّه بيديه
ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي:
لأجل أنهم لم يضيفونا، كان ينبغي أن لا تعمل لهم مجاناً ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَنِكَ﴾ أي: لأنك
شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها، فلا تصاحبني فهو فراق بيني وبينك
﴿سَأْنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ﴾ أي: بتفسير ﴿مَا لَّمْ تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا﴾.
] ﴿أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ
سَفِینَةٍ غَصْبًا
هذا تفسير ما أشكل أمره على موسىلعلها، وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضرلَّلا
على حكمة باطنة، فقال: إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ لأنهم كانوا يمرون بها على مَلك من
الظَّلَمة ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة؛ أي: جيدة ﴿غَصْبًا﴾ فأردت أن أعيبها لأردَّه عنها لعيبها،
فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل: إنهم أيتام،
وروى ابن جريج، عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي أن اسم الملك هدد بن بدد(٤)،
وقد تقدم أيضاً في رواية البخاري(٥)، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق، وهو
من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم.
فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا
] ﴿وَأَمَّا اٌلْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا
رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَّكَوَةً وَأَقْرَبَ رُّهًا (﴾﴾.
قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جيسور. وفي هذا الحديث عن ابن عباس، عن أبي بن
(١) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحفت إلى: ((الأيكة)).
(٢) أخرجه الطبري من طريق عمران بن المعتمر صاحب الكرابيسي عن حماد أبي صالح عن ابن سيرين،
وعمران، وحماد لم أقف لهما على ترجمة.
(٣) أخرجه الإمام مسلم من حديث ابن عباس ها، (الصحيح، الفضائل، باب من فضائل الخضر لفظلا ح ٢٣٨٠).
(٤) أخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج به، وسنده ضعيف لضعف الحسين، وهو ابن
داود.
(٥) تقدم في تفسير الآيات ٦٠ - ٦٥ من السورة نفسها .

١٨٣
سُوَّةُ الكَهْفِ﴾ (٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كعب، عن النبي ◌َّلفر قال: ((الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً)) رواه ابن جرير من
حديث أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس به(١)، ولهذا قال: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَّيْنِ فَخَشِينَآ أَن
يُرِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر.
قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي لكان فيه هلاكهما،
فليرض امرؤ بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب(٢)، وصحّ
في الحديث: ((لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيراً له))(٣)، وقال تعالى: ﴿وَعَسَّ أَن تَكْرَهُواْ
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَتُهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَّكَوَةً وَأَقْرَبَ رُّحْمًا ﴾﴾ أي: ولداً أزكى من هذا، وهما
أرحم به منه، قاله ابن جريج(٤).
وقال قتادة: أبرّ بوالديه(٥)، وقد تقدم أنهما بدلا جارية.
وقيل: لما قتله الخضر كانت أُمه حاملاً بغلام مسلم، قاله ابن جريج (١).
﴿وَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَدُ كَنْ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ
رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِهَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَّ وَمَا فَعَلْنُهُ عَنْ أَمْرِئَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَطِعِ
عَلَيْهِ صَبْرًا لها
في هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولاً: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَّرْيَةٍ﴾
وقال ههنا: ﴿فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ اٌلْمَدِينَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن قَرْبَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ
الَّتِيّ أَخْرَجَنَّكَ﴾ [محمد: ١٣]، ﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلِ مِّنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمِ (4)﴾ [الزخرف]
يعني: مكة والطائف، ومعنى الآية؛ أن هذا الجدار إنما أصلحته؛ لأنه كان لغلامين يتيمين في
المدينة، وكان تحته كنز لهما .
قال عكرمة وقتادة وغير واحد: وكان تحته مال مدفون لهما (٧)، وهو ظاهر السياق من الآية،
وهو اختيار ابن جرير دَّتُهُ .
وقال العوفي، عن ابن عباس: كان تحته كنز علم (٨)، وكذا قال سعيد بن جبير(٩).
(١) أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق به، وأخرجه مسلم من طريق رقبة عن أبي إسحاق به مطولاً
(الصحيح، الفضائل، باب من فضائل الخضر ظل ح ١٧٢/٢٣٨٠).
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة (المصنف رقم ٢٠٢١١).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ٩٥.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري كما في الرواية قبل السابقة.
(٧) قول عكرمة أخرجه الثوري والطبري من طريق أبي حصين عن عكرمة، وأخرجه الطبري من طريق شعبة عن
أبي حصين عن عكرمة قال شعبة: ولم يسمعه منه. وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.
(٩) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.

١٨٤
• سُوَرَّةُ الكَهْفِ (٨٢)
0000000000000000000000 000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000
وقال مجاهد: صحف فيها علم (١).
وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك. قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق
البزار في مسنده المشهور: حدثنا إبراهيم بن سعید الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا
الحارث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش بن عباس [القتباني](٢)، عن ابن حجيرة، عن أبي ذرّ
رفعه قال: ((إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت، مكتوب فيه: عجبت لمن
أيقن بالقدر لم نصب، وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل، لا
إله إلا الله محمد رسول الله))(٣). وبشر بن المنذر هذا يقال له: قاضي المصيصة. قال الحافظ أبو
جعفر العقيلي: في حديثه وهم.
وقد روي في هذا آثار عن السلف، فقال ابن جرير في تفسيره: حدثني يعقوب، حدثنا الحسن بن
حبيب بن ندبة، حدثنا سلمة، عن نعيم العنبري وكان من جلساء الحسن قال: سمعت الحسن
- يعني: البصري - يقول في قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَفْرٌ لَّهُمَا﴾ قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله
الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح؟
وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله (٤).
وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، عن [عمرو](٥) مولى غُفرَة
قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْ لَّهُمَا﴾ قال:
كان لوحاً من ذهب مصمت، مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجب لمن عرف النار ثم
ضحك، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن بالموت ثم أمِنَ، أشهد أن
لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله(٦).
وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، حدثتنا هنادة بنت مالك الشيبانية قالت: سمعت صاحبي
حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَفْ
لَّهُمَا﴾ قال: سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت للمؤمن
بالحساب كيف يغفل، وعجبت للمؤمن بالموت كيف يفرح؟ وقد قال الله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ
حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَنَيْنَا بِهَأْ وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] قالت: وذكر أنهما حُفظا بصلاح أبيهما،
ولم يذكر منهما صلاح، وكانت بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجاً(٧).
وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة وورد به الحديث المتقدم، وإن صحَّ لا ينافي قول عكرمة أنه
(١) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) كذا في (ح) و(حم) ومختصر زوائد مسند البزار، وفي الأصل صحف إلى: ((القيناني)).
(٣) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٩١/٢ ح١٤٧٩) وسنده ضعيف، قال الهيثمي:
الحارث وبشر لا أعرفهما. (مجمع الزوائد ٥٦/٧).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٥) كذا في تفسير الطبري وفي التقريب، وفي الأصل صحف إلى: ((عفير))، وفي (ح) و(حم) صحف إلى: ((عمرو)).
والصواب ما أثبت، وهو عمر بن عبد الله المدني مولى غُفرة: ضعيف كثير الإرسال (التقريب ص٤١٤).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل أيضاً.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل أيضاً.

١٨٥
سُورَةُ الكَهْفَ (٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كان مالاً؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحاً من ذهب، وفيه مال جزيل أكثر ما زادوا أنه كان مودعاً فيه
علم، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة
عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عينه
بهم، كما جاء في القرآن ووردت به السنة.
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحاً (١).
وتقدم أنه كان الأب السابق، فالله أعلم.
وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنَزَهُمَا﴾ ههنا أسند الإرادة إلى الله تعالى؛ لأن
بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً﴾
﴿فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] فالله أعلم.
[الكهف: ٨١] وقال في السفينة:
وقوله تعالى: ﴿رَحْمَةٌ مِّن رَّبِكْ وَمَا فَعَلَُّهُ عَنْ أَمْرِيَّ﴾ أي: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال
الثلاثة، إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة، ووالدي الغلام وولدي الرجل
الصالح، وما فعله عن أمري أي لكني أُمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة
الخضر علّ* مع ما تقدم من قوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْتَهُ مِن لَُّنَا
عِلْمًا (®)﴾ [الكهف] وقال آخرون: كان رسولاً. وقيل: بل كان ملكاً، نقله الماوردي في
تفسيره(٢)، وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبياً، بل كان ولياً، فالله أعلم.
وذكر ابن قتيبة في (المعارف) أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن شالخ بن
أرفخشد بن سام بن نوح عليها(٣)، قالوا: وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء
الملوك، ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقياً إلى الآن، ثم إلى يوم
القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثاراً عن السلف
وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث التعزية،
وإسناده ضعيف، ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا
جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبَلِكَ الْخُلَّدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وبقول النبي وَّهِ يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا
تعبد في الأرض)) (٤)، وبأنه لم ينقل أنه جاء رسول الله وَ ط ﴿ ولا حضر عنده ولا قاتل معه، ولو كان
حياً لكان من أتباع النبي وَلّهِ وأصحابه؛ لأنه ظلّا كان مبعوثاً إلى جميع الثقلين: الجن والإنس،
وقد قال: ((لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي))(٥)، وأخبر قبل موته بقليل أنه لا
(١) أخرجه عبد الله بن المبارك عن مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن سعيد بن جبير به (الزهد رقم ٣٣٢)،
وفي سنده عبد الملك بن ميسرة: مقبول أو مجهول (ينظر: التقريب ص٣٦٥)، ومعناه صحيح.
(٣) المعارف ص٤٢.
(٢) النكت والعيون ٤٩٥/٢.
(٤) صحيح مسلم، الجهاد، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (ح ١٧٦٣).
(٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ٨١، ٨٢ بدون ذكر عيسى.
وقال الألباني: وهو حديث محفوظ دون ذكر عيسى فيه، فإنه منكر عندي لم أره في شيء من طرقه، وهي
مخرجة في (إرواء الغليل، رقم ١٥٨٩).

١٨٦
• سُوَدَّةُ الكَهْفِ (٨٣، ٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل.
قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه،
عن أبي هريرة ظله عن النبي ◌َّ في الخضر قال: ((إنما سمي خضراً لأنه جلس على فروة
بيضاء، فإذا هي تهتز من تحته خضراء)»(١). ورواه أيضاً عن عبد الرزاق(٢)، وقد ثبت أيضاً في
صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لقول قال: ((إنما سمي الخضر لأنه جلس
على فروة، فإذا هي تهتز من تحته خضراء)) (٣). والمراد بالفروة ههنا الحشيش اليابس وهو الهشيم
من النبات، قاله عبد الرزاق. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض.
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعاً، ولم تصبر حتى
أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال: ﴿تَسْطِعِ﴾ وقبل ذلك كان
الإشكال قوياً ثقيلاً، فقال: ﴿سَأُنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعِ عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، فقابل الأثقل
بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: ﴿فَمَا أُسْطَعُوْ أَن يَظْهَرُوهُ﴾ وهو الصعود إلى أعلاه ﴿وَمَا
اُسَتَطَهُواْ لَهُمْ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] وهو أشق من ذلك، فقابل كلّاً بما يناسبه لفظاً ومعنى، والله أعلم.
فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب أن المقصود
بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرّح في
الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد
موسى عليه، هذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال: حدثنا ابن حميد،
حدثنا سلمة: حدثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة قال: قيل لابن
عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث ، وقد كان معه؟ قال ابن عباس فيما يذكر من
حديث الفتى، قال: شرب الفتى من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في
البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب(٤). إسناده
ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف.
٤ ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ٨ إِنَّا مَكَّنَا لَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ
مِن كُلِّ شَىْءٍ سَيًِّّا
يقول تعالى لنبيه وَله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ ﴾ يا محمد ﴿عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾ أي: عن خبره وقد قدمنا أنه بعث
كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي و 18 فقالوا: سلوه عن رجل طواف في
الأرض، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح؛ فنزلت سورة الكهف(٥)، وقد أورد ابن جرير
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ٤٧٤/١٣ ح ٨١١٣).
(٢) (المسند ٥٣٤/١٣ ح٨٢٢٨)، وصحح سنده محققوه.
(٣) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى ظـ
ـّا (ح ٣٤٠٢).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً؛ لأن الحسن بن عمارة متروك، كما قرر الحافظ ابن كثير.
وفيه أيضاً عنعنة ابن إسحاق.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير الآيات ١ - ٥.

١٨٧
سُورَةُ الگەفن (٨٣، ٨٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ههنا والأموي في مغازيه حديثاً أسنده، وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر أن نفراً من اليهود جاءوا
يسألون النبي ◌ّ ﴿ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شاباً من
الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك إلى السماء وذهب به إلى السد، ورأى أقواماً وجوههم
مثل وجه الكلاب(١)، وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل.
والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره، ساقه بتمامه في كتابه (دلائل النبوة)، وذلك
غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني، وهو ابن
فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم، فأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع
إبراهيم الخليل لل أول ما بناه وآمن به واتبعه، وكان وزيره الخضر فعلا، وأما الثاني فهو
إسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم.
وهو الذي تؤرخ من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيحعليّ* بنحو ثلاثمائة سنة، فأما الأول
المذكور في القرآن، فكان في زمن الخليل، كما ذكره الأزرقي وغيره، وأنه طاف مع الخليل
بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم علّلا، وقرب إلى الله قرباناً، وقد ذكرنا طرفاً صالحاً من أخباره في
كتاب البداية والنهاية بما فيه كفاية(٢)، ولله الحمد.
وقال وهب بن منبه: كان ملكاً، وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس (٣)،
قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه
القرنين. وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل قال: سئل علي ◌َظ ◌ُه عن
ذي القرنين، فقال: كان عبداً ناصحاً لله، فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه، فمات،
فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين (٤)، وكذا رواه شعبة
عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل سمع علياً يقول ذلك(٥).
ويقال: إنه سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب.
وقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أعطيناه ملكاً عظيماً ممكناً فيه من جميع ما يؤتى الملوك
من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات، ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض،
ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم، ولهذا ذكر
بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها .
وقوله: ﴿وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَيًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة،
والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علماً(٦).
(١) أخرجه ابن عبد الحكم (فتوح مصر ص٣٨)، وضعفه الحافظ ابن كثير، ونقد سنده وبين نكارته.
(٢) ينظر البداية والنهاية ١٠٢/٢ - ١٠٩.
(٣) أخرجه الطبري عن وهب والخبر من الإسرائيليات.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٥٦٣/١١)، والبستي والطبري كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن سفيان به.
وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، وسنده صحيح.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد لم أجده، وقول قتادة =

١٨٨
• سُوَرَّةُ الْكَهْفِظَ (٨٨،٨٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0
وقال قتادة أيضاً في قوله: ﴿وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾ قال: منازل الأرض وأعلامها(١).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبِيًّا﴾ قال: تعليم الألسنة،
قال: كان لا يغزو قوماً إلا كلمهم بلسانهم(٢) .
وقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد بن أبي هلال: أن معاوية بن أبي سفيان
قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت
قلت ذلك فإن الله تعالى قال: ﴿وَءَانَيْتَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَيِّبًا﴾ .
وهذا الذي أنكره معاوية ربه على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في ذلك
الإنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب؛ يعني فيما ينقله، لا أنه كان
يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مُبدّل
مُصحَّف مُحرَّف مُختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله وَّر إلى شيء منها بالكلية،
فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله: ﴿وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ
سَبًا﴾ واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا
مطابق، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السموات، وقد قال الله
في حق بلقيس: ﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] أنه مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو
القرنين، يسر الله له الأسباب؛ أي: الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق(٣) والبلاد
والأراضي، وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما
يحتاج إليه مثله سبباً، والله أعلم.
وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من طريق قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب،
عن حبيب بن جماز قال: كنت عند علي ربه وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق
والمغرب؟ فقال: سبحان الله سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد(٤).
٤ ﴿فَعَ سَبَبًّا (٥َ حَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمَأْ قُلْنَا يَذَا
اُلْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا. ﴿٨ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُ
.(4)
عَذَابًا تُكْرًا ﴿٨) وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُرْ جَزَآءَ الْحُسْنَىّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا
[قال ابن عباس: ﴿فَأَنْعَ سَبَبًّا (﴾﴾ يعني بالسبب المنزل](٥)(٦) .
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي بسند حسن من
=
طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن
وهب بلفظ آخر وهو: ((من كل شيء علماً)).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور من طريق سعيد بن أبي هلال به.
(٣) جمع رستاق، وهي القرى والأراضي الخضراء.
(٤) أخرجه الضياء من طريق قتيبة به وأطول، وصحح سنده محققه (المختارة ٣٢/١ رقم ٤٠٩).
(٥) زيادة من (ح) و(حم).
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بما يليه.

١٨٩
سُورَةُ الكهف (٨٨،٨٥)
وقال مجاهد: ﴿فَأَنْعَ سَبَبًّا (٥﴾﴾ منزلاً وطريقاً ما بين المشرق والمغرب(١).
وفي رواية عن مجاهد ﴿سَبَبًّا﴾ قال: طريقاً في الأرض(٢).
وقال قتادة: أي اتبع منازل الأرض ومعالمها(٣).
وقال الضحاك: ﴿فَأَنَعَ سَبِّبًّا ﴾﴾ أي: المنازل (٤).
وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَنْعَ سَبَبًّا (69)﴾ قال: علماً، وهكذا قال عكرمة وعبيد بن يعلى
والسدي.
وقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: فسلك طريقاً حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من
الأرض من ناحية المغرب وهو مغرب الأرض، وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء
فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة، والشمس تغرب من
ورائه، فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاق زنادقتهم وكذبهم،
وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا
شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة
فيه لا تفارقه، والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين(٥) من الحمأة وهو الطين، كما قال تعالى:
﴿إِنِ خَلِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] أي: طين أملس، وقد تقدم بيانه(٦).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أنبأنا نافع بن أبي نعيم: سمعت
عبد الرحمن الأعرج يقول: كان ابن عباس يقول: ﴿فِى عَيْنٍ حَثَةٍ﴾ ثم فسرها ذات حمئة، قال
نافع: وسئل عنها كعب الأحبار، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب
في طينة سوداء(٧)، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس(٨)، وبه قال مجاهد وغير واحد(٩).
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن
عباس، عن أبي بن كعب: أن النبي ◌َله أقرأه حمئة(١٠).
(١) أخرجه آدم ابن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق أبي يحيى القتات عن مجاهد، وأبو يحيى لين الحديث (التقريب
ص٦٨٤).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك.
(٥) أي قراءة: (حمئة) وهو متواترة، والقراءة الأخرى: ﴿حَامِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٤] وهي متواترة أيضاً.
(٦) تقدم في تفسير سورة الحجر، آية ٢٨.
(٧) أخرجه نافع بن أبي نعيم في تفسيره بسنده ومتنه (التفسير رقم ٣٣)، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري عن
یونس به.
(٨) أخرجه عبد الرزاق والطبري من طريق عكرمة وعثمان بن حاضر، وكلها أسانيد ثابتة.
(٩) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١٠) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند رقم ٥٣٦)، وأخرجه أبو داود السجستاني من طريق محمد بن دينار
به (السنن، الحروف والقراءات ح٣٩٨٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٧٢).

١٩٠
• سُوَرَّةُ الْكَفَفِظ (٨٨،٨٥)
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وجدها تغرب في عين حامية) يعني: حارة (١)،
وكذا قال الحسن البصري(٢).
وقال ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان، وأيهما قرأ القارئ فهو مصيب(٣)، قلت:
ولا منافاة بين معنييهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع
بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثني مولى
لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله قال: نظر رسول الله و8َّ إلى الشمس حين غابت فقال: ((في
نار الله الحامية في نار الله الحامية لولا ما يزعها(٤) من أمر الله لأحرقت ما على الأرض))(٥).
قلت: ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون(٦). وفي صحة رفع هذا الحديث نظر ولعله من
كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا محمد - يعني: ابن بشر -، حدثنا عمرو بن
ميمون، أنبأنا ابن حاضر: أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة
الكهف (تغرب في عين حامية) قال ابن عباس لمعاوية: ما نقرؤها إلا ﴿حَمنَةٍ﴾، فسأل معاوية
عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال: عبد الله كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في
بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل
أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده
إلى المغرب. قال ابن حاضر: لو أني عندك أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة، قال ابن عباس:
وإذاً ما هو؟ قلت: فيما يؤثر من قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه:
أسباب أمر من حكيم مرشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي
في عين ذي خلب وثأط حرمد(٨)
فرأى [مغاب] (٧) الشمس عند غروبها
فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم، قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة، قال:
فما الحرمد؟ قلت: الأسود، قال: فدعا ابن عباس رجلاً أو غلاماً فقال: اكتب ما يقول هذا
الرجل، وقال سعيد بن جبير: بينا ابن عباس، يقرأ سورة الكهف فقرأ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْبٍ
حَثَةٍ﴾ قال كعب: والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحداً يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن
عباس، فإنا نجدها في التوراة (تغرب في مدرة سوداء)(٩).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عن الحسن.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) أي: يمنعها .
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف الإبهام مولى عبد الله بن عمرو.
(٦) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون به (المسند ٥٢٦/١١ ح٦٩٣٤)، وسنده كسابقه.
(٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: ((مغار)).
(٨) قاله أمية بن أبي الصلت كما في ديوانه ص٤٨، ونسبه الحافظ ابن حجر لتُبَّع الحميري (فتح الباري ٣٨٤/٦).
(٩) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل بن علي عن عثمان بن حاضر به بدون ذكر الشعر وما بعده. وأخرجه =

١٩١
سُورَةُ الْكَهْفِظَ (٨٩، ٩١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف قال في
تفسير ابن جريج: ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا﴾ قال: مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها
لسمع الناس وجوب(١) الشمس حين تجب(٢).
وقوله: ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا﴾ أي: أمّة من الأمم ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم، وقوله:
﴿قُلْنَا يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّ أَنْ نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا﴾ معنى هذا أن الله تعالى مكّنه منهم وحكمه فيهم
وأظفره بهم، وخيّره إن شاء قتل وسبي، وإن شاء منّ أو فدى فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله،
وبيانه في قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أي: استمر على كفره وشركه بربه ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ .
قال قتادة: بالقتل(٣).
وقال السدي: كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها حتى يذوبوا (٤).
وقال وهب بن منبه: كان يسلط الظلمة فتدخل أجوافهم وبيوتهم وتغشاهم من جميع
جهاتهم(٥)، والله أعلم.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِهِ، فَيُعَذِّبُ عَذَابًا ثُكْرًا﴾ أي: شديداً بليغاً وجيعاً أليماً وفي هذا إثبات المعاد
والجزاء.
وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ﴾ أي: اتبعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَلَهُ جَزَآءً
اٌلْحُسْنِى﴾ أي: في الدار الآخرة عند الله وَّ ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال مجاهد: معروفاً(٦).
﴿ حَّ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا نَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرً
-﴾ ﴿ثُمَّ أَنْعَ سَبِبًا
كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبَ (﴾﴾.
يقول تعالى: ثم سلك طريقاً فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها، وكان كلما مرّ بأُمة قهرهم
وغلبهم ودعاهم إلى الله ريت، فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم
واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الأقاليم المتاخمة لهم، وذكر في أخبار بني
إسرائيل أنه عاش ألفاً وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض حتى بلغ المشارق والمغارب
ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَجَدَهَا نَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ أي: أمة ﴿لَمْ
نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾ أي: ليس لهم بناء يكنهم (٧)، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس.
= عبد الرزاق من طريق خليل بن أحمد، ومن طريق عمرو بن مبذول عن عثمان بن حاضر عن ابن عباس
بنحوه، وهذه الطرق تقوي بعضها بعضاً. والقراءة شاذة تفسيرية.
(١) أي: سقوطها عند المغيب.
(٢) أخرجه أبو الشيخ عن أبي يعلى به (العظمة ١٤٤٠/٤ ح ٩٥٢) وسنده مرسل، وهو من الإسرائيليات.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي كما في الدر المنثور.
(٥) وهذه الرواية والتي قبلها ظاهرها من الإسرائيليات.
(٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أي: یسترهم.

١٩٢
• سُورَةُ الْكَهْفِ (٩٢، ٩٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال سعيد بن جبير: كانوا حمراً قصاراً مساكنهم الغيران أكثر معيشتهم من السمك(١).
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل بن أبي الصلت: سمعت الحسن وسئل عن قول الله
تعالى: ﴿لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾ قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس تغوروا
في المياه فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم قال الحسن: هذا حديث سَمُرة (٢).
وقال قتادة: ذُكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئاً فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب
حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم (٣).
وعن سلمة بن كهيل أنه قال: ليست لهم أكنان (٤) إذا طلعت الشمس طلعت عليهم فلأحدهم
أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى(٥).
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُحُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا
سِتْرًا﴾ قال: هم الزنج (٦).
وقال ابن جريج في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا﴾ قال: لم يبنوا فيها
بناء قط، ولم يبن عليهم بناء قط كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس
أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل. جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلعن
عليكم الشمس وأنتم بها، قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس ما هذه العظام؟ قال: هذه جيف
جيش طلعت عليهم الشمس ههنا ... فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الأرض(٧).
وقوله: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً (﴾﴾ قال مجاهد والسدي: علماً (٨)؛ أي: نحن
مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت
بهم الأرض، فإنه تعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآَِّ﴾ [آل عمران: ٥].
- ﴿ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًا ﴿٨ حَقّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا
قَالَ
قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ تَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَيَنْتَهُمْ سَذَّا
مَا مَكَِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَتَهُمْ رَدْمًا (٥ ◌َتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىَ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفِيْنِ
قَالَ أَنْفُخُواْ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارً قَالَ ءَانُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٥)﴾ .
يقول تعالى مخبراً عن ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًا ﴾﴾ أي: ثم سلك طريقاً من مشارق
(١) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المثور.
(٢) أخرجه الطبري من طريق أبي داود به، وأخرجه أبو الشيخ من طريق سهل به (العظمة رقم ٩٧٩)، وسنده
منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من سمرة سوى حديث العقيقة.
(٣) أخرجه الطبري من طريق قتادة به وسنده مرسل لأن قتادة لم يذكر اسم شيخه.
(٤) الأكنان: جمع كِن، وهو البيت والوِقاء.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور، وهذا الخبر غريب عليه أمارات الإسرائيليات.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.
(٨) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي لم
أجده .

١٩٣
• سُوَرَّةُ الكَهْفِ﴾ (٩٢، ٩٦)
الأرض حتى إذا بلغ بين السدين، وهما جبلان متناوحان(١) بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج
ومأجوج على بلاد الترك فيعيثون فيها فساداً ويهلكون الحرث والنسل، ويأجوج ومأجوج من
سلالة آدم عليّ*، كما ثبت في الصحيحين: ((إن الله تعالى يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك
فيقول: ابعث بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون
إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذٍ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها فقال: إن فيكم
أمّتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج))(٢).
وقد حكى [النووي](٣) تَُّ في شرح مسلم عن بعض الناس: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من
مني خرج من آدم فاختلط بالتراب فخلقوا من ذلك(٤)، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا
من حواء، وهذا قول غريب جداً لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد ههنا
على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحايث المفتعلة، والله أعلم.
وفي مسند الإمام أحمد عن سَمُرة أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب،
وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك))(٥).
قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبو الترك، وقال: إنما سمي هؤلاء تركاً؛ لأنهم
تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك ولكن كان في أولئك بغي وفساد
وجراءة .
وقد ذكر ابن جرير ههنا عن وهب بن منبه أثراً طويلاً عجيباً في سير ذي القرنين وبنائه السد
وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم
وآذانهم (٦)، وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها(٧)، والله
أعلم.
وقوله: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ فَوَلَا﴾ أي: لاستعجام كلامهم وبعدهم عن
الناس ﴿قَالُوْ يَذَا اُلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْمَلُ لَكَ خَرْبًا﴾ قال ابن جريج، عن
عطاء، عن ابن عباس: أجراً عظيماً (٨). يعني: أنهم أرادوا أن يجمعوا لهم من بينهم مالاً يعطونه
(١) أي: متقابلان.
(٢) أخرجاه من حديث أبي سعيد الخدري (صحيح البخاري، الرقاق، باب قوله وَك: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ
شَىُْ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ح٦٥٣٠) وصحيح مسلم، الإيمان، باب قوله: (يقول الله لآدم: أخرج بعث
النار ... ح ٣٧٩).
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل: ((النوادي)).
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي ٣/ ٩٧.
(٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحسن البصري عن سَمُرة ◌َُّه، وضعف سنده محققوه لأن الحسن لم
يصرح بالسماع (المسند ٢٩٣/٣٣ ح ٢٠١٠٠)، وأخرجه الحاكم من طريق الحسن به وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٥٤٦/٢)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ح٣٢١٤)، وهو كما قال.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن إسحاق عن مجهول عن وهب ونقد متنه الحافظ ابن كثير.
(٧) ذكرها السيوطي في الدر المنثور.
(٨) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.

١٩٤
• سُوَّرَةُ الكَهْفِ (٩٧، ٩٩)
إياه حتى يجعل بينه وبينهم سداً، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿مَا مَكَّنِّى فِيهِ
رَبِّ خَيْرٌ﴾ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه كما قال
سليمان لعلَّ *: ﴿أَتُعِدُونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَئِنِءَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّنَآ ءَاتَنْكُمْ بَلْ أَنْتُم بِهَدِيَتِكُمْ نَفْرَحُونَ﴾ [النمل: ٣٦]
وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه ولكن ساعدوني بقوة؛ أي بعملكم
وآلات البناء ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَيَتْهُمْ رَدْمًا (® ◌َتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والزبر: جمع زبرة، وهي القطعة منه،
قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة(١)، وهي كاللبنة يقال: كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه
﴿حََّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّلَفَيْنِ﴾ أي: وضع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حاذى به رؤوس
الجبلين طولاً وعرضاً، واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال ﴿قَالَ أَنْفُُواْ﴾ أي: أجج
عليه النار حتى صار كله ناراً ﴿قَالَ ءَانُونِيِّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطّرًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة
والضحاك وقتادة والسدي هو النحاس(٢): زاد بعضهم المذاب (٣)، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا
لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِ﴾ [سبأ: ١٢] ولهذا يشبه بالبرد المحبر.
قال ابن جرير: حدثنا بشر، عن يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلاً قال: يا
رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوح قال: ((انعته لي)) قال: كالبرد المحبر(٤)، طريقة سوداء
وطريقة حمراء قال: ((قد رأيته))(٥)، هذا حديث مرسل.
وقد بعث الخليفة الواثق في دولته أحد أمرائه وجهز معه جيشاً سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه
وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من هناك إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا
بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه باباً عظيماً، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية
اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرساً من الملوك المتاخمة له، وأنه عالٍ منيف شاهق لا
يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا
أهوالاً وعجائب. ثم قال الله تعالى:
﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا ﴿﴿ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن ◌َبِّ فَإِذَا جَّمَ وَعْدُ رَبٍِ
جَعَلَهُ ذَكََّةَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا ﴿ ﴿ وَتَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضِ وَتُفِخَ فِي الصُّورِ ◌َجَمَعْنَهُمْ جَمَا ()]﴾.
يقول تعالى مخبراً عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد،
ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلّاً بما يناسبه فقال:
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
ضعيف من طريق ابن يحيى القتات عنه، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عنه.
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بما يليه، فقول مجاهد
أخرجه آدم بن إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الضحاك أخرجه البستي
بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن
قتادة.
(٣) ذكره معمر بن المثنى (مجاز القرآن ٤١٥/١).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل كما قال.
(٤) أي: الثوب الملون.

١٩٥
سُورَةُ الكَهْفِ (٩٧، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُواْ لَهُمْ نَقْبًا (45)﴾ وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا
على شيء منه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا سعيد بن أبي عروبة،
عن قتادة: حدثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَّ ﴾ قال: ((إن يأجوج ومأجوج
ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه
غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا
حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس(١)، قال الذي عليهم (٢): ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله،
ويستثني(٣) فيعودون إليه كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه،
ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم،
فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفاً(٤) في رقابهم فيقتلهم بها،
قال رسول الله وَله: ((والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر(٥) شكراً من
لحومهم ودمائهم»(٦).
ورواه أحمد أيضاً عن حسن هو: ابن موسى الأشهب، عن سفيان، عن قتادة، به (٧). وكذا
رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال:
حدث أبو رافع، وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة، ثم قال: غريب لا يعرف إلا
من هذا الوجه(٨). وإسناده جيد قوي ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم
يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار
أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون: غداً نفتحه، فيأتون من
الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك فيصبحون، وهو
كما كان فيلحسونه ويقولون: غداً نفتحه ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله فيصبحون وهو كما فارقوه
فيفتحونه(٩). وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيراً ما كان يجالسه ويحدثه،
فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع(١٠) فرفعه، والله أعلم.
ويؤكد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع قول
(٢) أي: أميرهم.
(٤) هو دود يكون في أنوف الإبل والغنم.
(١) أي: عند غروب الشمس.
(٣) أي يقول: إن شاء الله.
(٥) أي: تسمن.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٦/ ٣٧٠ ح ١٠٦٣٢)، وأخرجه ابن ماجه
من طريق سعيد بن أبي عروبة به (السنن، الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم ... ح ٤٠٨٠)،
وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٢٩٨) ومن الطريق نفسه أخرجه ابن حبان (الإحسان ١٥/
٢٤٢ ح٦٨٢٩)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤٨٨/٤).
(٧) المسند ٣٧١/١٦ (ح ١٠٦٣٣).
(٨) أخرجه ابن ماجه كما تقدم في الرواية السابقة، وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن غريب (السنن،
التفسير، باب ومن سورة الكهف ح٣١٥٣).
(٩) نسبه السيوطي إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.
(١٠) لكن لبعضه شواهد في صحيح من مسلم من حديث النواس بن سمعان ته (الصحيح، الفتن، باب ذكر
الدجال ح٢١٣٧)، وقد أجاب الألباني على نقد الحافظ ابن كثير (السلسلة الصحيحة ح ١٧٣٥).

١٩٦
سُوْدَّةُ الكَهْفِظَ (٩٧، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أبي سلمى، عن حبيبة بنت
أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أُم حبيبة، عن زينب بنت جحش زوج النبي ◌َّ - قال سفيان:
أربع نسوة - قالت: استيقظ النبي ◌َّلتر من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول: ((لا إله إلا الله ويل
للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا)) وحلَّق(١) قلت: يا
رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث (٢))(٣). هذا حديث صحيح اتفق
البخاري ومسلم (٤) على إخراجه من حديث الزهري، ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة
وأثبتها مسلم، وفيه أشياء عزيزة قليلة نادرة الوقوع في صناعة الإسناد منها رواية الزهري عن عروة
وهما تابعيان، ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهم عن بعض، ثم كل منهن
صحابية، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان رضي الله عنهن.
قد رُوي نحو هذا عن أبي هريرة، أيضاً، فقال البزار: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا
مؤمل بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي وَلّ أنه
قال: ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأموج مثل هذا)) وعقد التسعين، وأخرجه البخاري ومسلم من
حدیث وهیب به(٥).
وقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن نَِّّ﴾ أي: لما بناه ذو القرنين ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِن ◌َِّ﴾ أي: بالناس
حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلاً بمنعهم من العيث في الأرض والفساد، ﴿فَإِذَا جَّءَ
وَعْدُ رَبِ﴾ أي: إذا اقترب الوعد الحق ﴿جَعَهُ دَكَّةَ﴾ أي: ساواه بالأرض، تقول العرب: ناقة دكاء
إذا كان ظهرها مستوياً لا سنام لها، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَمُ دَڪًا﴾ [الأعراف:
١٤٣]: أي مساوياً للأرض.
وقال عكرمة في قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَقٍِ جَعَلَهُ دَكَّةَ﴾ قال: طريقاً كما كان(٦)، ﴿وَكَانَ وَهْدُ رَنٍِ
حَقًّا﴾ أي: كائناً لا محالة.
وقوله: ﴿وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ أي: الناس يومئذٍ، أي يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في
الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: ﴿وَرَّكْنَا بَعْضَهُمْ
يَوْمَيِذٍ يَمُوُ فِى بَعْضٍ﴾ قال: ذاك حين يخرجون على الناس(٧)، وهذا كله قبل القيامة وبعد الدجال،
كما سيأتي بيانه عند قوله: ﴿حَّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوُجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم ◌ِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
٩٦
وَأَقْتَرَبَ اٌلْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]، وهكذا قال ههنا: ﴿وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾
قال: هذا أول القيامة ﴿وَتُفِيخَ فِي الصُورِ﴾ على أثر ذلك ﴿فَعْتَهُمْ جَمْعًا﴾ .
وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿وَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ قال: إذا ماج الجن والإنس
(١) أي: حلُّق بأصبعيه الإبهام والسبابة.
(٢) أي: الفسوق والفجور.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٢٨/٦). وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج (ح٣٣٤٦)، وصحيح مسلم، الفتن، باب
اقتراب الفتن (ح ٢٨٨٠).
(٥) صحيح البخاري، الباب السابق (ح٣٣٤٧)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٨٨١).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.

١٩٧
• سُوَرَّةُ الكَهْفِ (٩٧، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يوم القيامة يختلط الإنس والجن(١).
وروى ابن جرير عن محمد بن حميد، عن يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن شيخ من
بني فزارة في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوُ فِى بَعْضٍ﴾ قال: إذا ماج الإنس والجن قال إبليس: أنا
أعلم لكم علم هذا الأمر، فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد قطعوا الأرض، ثم يظعن إلى
المغرب فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص، ثم يظعن يميناً وشمالاً إلى
أقصى الأرض فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص، فبينما هو كذلك إذ
عرض له طريق كالشراك فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النار، فأخرج الله
خازناً من خزان النار، فقال: يا إبليس ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟ ألم تكن في الجنان؟
فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد
من خلقه، فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة، فيقول: ما هي؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النار
فيتلكأ عليه، فيقول: به وبذريته بجناحيه، فيقذفهم في النار، فتزفر النار زفرة لا يبقى ملك مقرب
ولا نبي مرسل إلا جثى لركبتيه (٢)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به (٣)، ثم
رواه من وجه آخر عن يعقوب عن هارون بن عنترة، عن أبيه عن ابن عباس ﴿وَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِدٍ
يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ قال: الإنس والجن يموج بعضهم في بعض(٤).
وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن
الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن وهب بن
جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي وَّ قال: ((إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا
لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من
ورائهم ثلاث أمم: تاويل وتايس ومنسك))(٥) هذا حديث غريب، بل منكر ضعيف.
وروى النسائي من حديث شعبة، عن النعمان بن سالم، عن ابن عمرو بن أوس، عن أبيه،
عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعاً: ((إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاؤوا، وشجر
يلقحون كما شاؤوا، ولا يموت رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً)) (٦).
وقوله: ﴿وَتُّخَ فِ الُورِ﴾ والصور كما جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه
إسرافيل فعاليّلا، كما تقدم في الحديث بطوله(٧)، والأحاديث فيه كثيرة.
وفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعاً: ((كيف أنعم(٨) وصاحب القرن قد
(١) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
(٣) سنده کسابقه.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده مرسل.
(٤) تقدم عزوه قبل حاشیتین.
(٥) أخرجه الطيالسي عن المغيرة به (المسند ح٢٢٨٢)، وضعفه الحافظ ابن كثير وزاد (في البداية والنهاية ٢/
١٣١) وفيه نكارة شديدة.
(٦) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة الأنبياء، قوله تعالى: ﴿حَقَّ إِذَا فُيُحَتْ
يَأْجُوُجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ح١١٣٣٤)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ح٢٠٢٧).
(٧) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.
(٨) أي: أفرح وأتنعم.

١٩٨
• سُورَةُ الكَهْفِ (١٠٠، ١٠٦)
التقم القرن وحنى جبهته (١) واستمع متى يؤمر؟)) قالوا: كيف نقول؟ قال: ((قولوا: حسبنا الله ونعم
الوكيل على الله توكلنا))(٢).
لَمَجْمُوعُونَ إِلَى
وقوله: ﴿لََّعْتَهُمْ جَمْعًا﴾ أي: أحضرنا الجميع للحساب ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ
مِيقَتِ يَوْم ◌َعْلُومِ ®﴾ [الواقعة] ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِّرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
اُلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُهُمْ فِ غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى وَكَانُواْ لَا يَسْتَطِيعُونَ
﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَؤَمَيِذٍ لِّلْكَفِرِينَ عَرْضًا
أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كُفَرُواْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى مِن دُونِيّ أَوْلِيَ، إِنَّ أَعْنَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَمِنَ ◌ٌّ (َ)﴾.
سَمْعٌ
يقول تعالى مخبراً عما يفعله بالكفار يوم القيامة أنه يعرض عليهم جهنم؛ أي يبرزها لهم
ويظهرها ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهمّ والحزن
لهم.
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَلا ير: ((يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة
بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها))(٣). ثم قال مخبراً عنهم: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ
أَعْيُهُمْ فِ غِطَآءٍ عَن ذِكْرِى﴾ أي: تغافلوا وتعاموا وتصامّوا عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال:
﴾ [الزخرف] وقال ههنا: ﴿وَكَانُواْ لَا
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَمُ قَرِينٌ ()
يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ يَتَّخِذُواْ عِبَادِى
مِن دُونِيِّ أَوْلِيَاءٌ﴾ أي: اعتقدوا أنهم يصلح لهم ذلك وينتفعون به ﴿كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ
ضِدًّا (49)﴾ [مريم]. ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد أعدَّ لهم جهنم يوم القيامة منزلاً .
﴿قُلْ هَلْ نُنَّئُهُ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا (٨٢) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْخَوِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا
(١٠٤)
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ، فَتِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فَ تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا ﴿َ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ
جَهَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَتَّخَذُوَاْ ءَيَتِى وَرُسُلِى هُزُوًّا (٦﴾﴾.
قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن
مصعب قال: سألت أبي - يعني سعد بن أبي وقاص - عن قول الله: ﴿قُلّ هَلْ نُبِّئُكُمْ بِالْأَخَْرِينَ أَعْمَلًا
أهم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً وَّله، وأما
النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من
بعد میثاقه، فكان سعد
◌ُّنْه يسميهم الفاسقين (٤).
وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية(٥)، ومعنى هذا عن علي
(١) أي: أمالها، وهي كناية عن المبالغة في التوجه الإصغاء السمع.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية ١٧٣ من حديث ابن عباس ته. وكلا الطريقين ضعيف لضعف
عطية وهو العوفي.
(٣) تقدم تخريجه في الآية رقم ٥٣ من هذه السورة الكريمة.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿قُلْ هَلْ تُلِئَهُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا (٣)﴾ ح٤٧٢٨).
(٥) قول علي بن أبي طالب تظ له أخرجه البستي بسند صحيح من طريق أبي الطفيل عنه، وأخرجه الطبري من
عدة طرق يقوي بعضها بعضاً.

١٩٩
• سُوَرَّةُ الْكَهْفِ (١٠٣، ١٠٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في
هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعمُّ من هذا (١)، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب
اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل مَن عبدَ اللهَ على غير
طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال
تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةُ ﴿﴿ عَمِلَةٌ نَصِبَةٌ ﴿٣َ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾﴾ [الغاشية] وقال تعالى:
﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَهُ هَبَآهُ مَنْتُورًا (٣)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿وَأُلَّذِينَ كَفَرُواْ
أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اُلَّمْثَانُ مَآءَ حَ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وقال تعالى في
هذه الآية الكريمة: ﴿قُلَّ هَلْ نُنََّهُ﴾ أي: نخبركم ﴿ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾، ثم فسرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ
سَعْيُهُمْ فِي الْخَوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: عملوا أعمالاً باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ
أَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي: يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون.
وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ﴾ أي: جحدوا آيات الله في الدنيا وبراهينه التي
أقام على وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة ﴿فَلَا نُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾ أي: لا نثقل
موازينهم لأنها خالية عن الخير.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة، حدثني
أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((إنه ليأتي الرجل العظيم
السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة - وقال : - اقرأوا إن شئتم ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَزَّْ﴾))(٢). وعن يحيى بن بكير، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله، هكذا ذكره عن
يحيى بن بكير معلقاً، وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن [بكير](٣)،
به (٤) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن
صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَلقر: ((يؤتى بالرجل الأكول
الشروب العظيم، فيوزن بحبة فلا يزنها)) قال: وقرأ ﴿فَلَ تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾، وكذا رواه ابن
جرير، عن أبي كريب، عن أبي الصلت، عن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي
هريرة مرفوعاً ... فذكره بلفظ البخاري سواء(٥).
وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عمارة،
حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله وَلآه،
فأقبل رجل من قريش يخطر في حلّة له، فلما قام على النبي وَ ل﴿ قال: ((يا بُريدة هذا ممن لا
يقيم الله له يوم القيامة وزناً) ثم قال: تفرد به واصل مولى أبي عنبسة، وعون بن عمارة، وليس
(١) ونحوه ذكره القسطلاني (إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ٧/ ٢٣٠).
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَآَبِهِ، ◌َّطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٥] (ح ٤٧٢٩).
(٣) كذا في (حم) و(ح) وصحيح مسلم، وفي الأصل صحفت إلى: ((طبر)).
(٤) صحيح مسلم، صفة القيامة والجنة والنار (ح ٢٧٨٥).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو حديث صحيح متفق عليه كما سبق.

٢٠٠
• سُورَةُ الكَهْف (١٠٧، ١٠٨)
0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
بالحافظ ولم يتابع عليه(١).
وقد قال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن
الأعمش، عن شمر، عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا
يزن عند الله جناح بعوضة، اقرأوا ﴿فَلَ تُقِيُ لَهُمْ يَوْمَ اُلْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾(٢) .
وقوله: ﴿ذَلِكَ جَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾ أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم بسبب كفرهم
واتخاذهم آيات الله ورسوله هزواً، استهزؤوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.
خَلِينَ فِيَهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَمُمْ جَنَّتُ اٌلْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
.
١٠٨
يخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا
به، أن لهم جنات الفردوس، قال مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية(٣). وقال كعب والسدي
والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب(٤)، وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنة(٥)،
وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها، وقد روي هذا مرفوعاً من حديث سعيد بن
بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ◌ّله: ((الفردوس ربوة الجنة وأوسطها
وأحسنها))(٦). وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن سَمُرة مرفوعاً(٧)، وروي عن
قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعاً بنحوه روى ذلك كله ابن جرير تَّتُهُ، وفي الصحيحين: ((إذا
سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة))(٨).
وقوله: تعالى ﴿نُزُلًا﴾ أي: ضيافة، فإن النزل الضيافة. وقوله: ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين ساكنين
فيها لا يظعنون عنها أبداً ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي: لا يختارون عنها غيرها ولا يحبون سواها،
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه، كما في مختصر زوائد مسند البزار (٦٥٠/١ ح١١٧٧)، وضعفه الحافظ
ابن حجر وقال الهيثمي: فيه عون بن عمارة وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٢٨/٥).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويشهد له سابق المتفق عليه.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن كثير عن مجاهد.
(٤) قول كعب أخرجه ابن المبارك (الزهد رقم ١٤٦٠)، وابن أبي شيبة (المصنف ١٤٩/١٣)، والطبري، وقول
السدي أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٤٨/١٣)، والطبري، والطبراني (المعجم الكبير ح ٧٩٦٦) كلهم من طريق
الفرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي أمامة. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (ح٣٢٧٣).
وأخرجه الحاكم من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة، وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله:
جعفر: هالك. (المستدرك ٣٧١/٢).
(٦) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة المؤمنون ح٣١٧٤)، والطبري وقال الترمذي: حسن
صحيح، وصححه الألباني إلا قوله: والفردوس ربوة. أنها مدرجة (السلسلة الصحيحة ٤/ ٤٢٧).
(٧) أخرجه الطبري من طريق إسماعيل بن مسلم به، وفي سنده الحسن لم يصرح بالسماع ولم يسمع من سَمُرة
سوى حديث العقيقة.
(٨) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ظه (الصحيح، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله
ح٢٧٩٠).