النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
• سُوْرَةُ الكَهْفِظ (١٣، ١٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
مخالفة قومهم ومدينتهم ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه ذكر غير
واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا
يوماً في بعض أعياد قومهم وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا
يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان
يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء
الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه
قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض، فجعل
كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم
وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس
إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر،
وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان(١).
كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقاً من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن
عائشة ﴿ها قالت: قال رسول الله بَله: ((الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر
منها اختلف))(٢). وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل، عن أبي هريرة، عن
رسول الله ﴾(٣).
والناس يقولون: الجنسية علة الضم، والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن
أصحابه خوفاً منهم، ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما
أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا
فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك
به شيء هو الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وقال الآخر: وأنا والله وقع لي
كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يداً واحدة، وإخوان
صدق، فاتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم فوشوا بأمرهم إلى ملكهم
فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله رقم (٤)،
ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبَُّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَنْ
نَّدْعُواْ مِن دُونِهِ، إِلَهًا﴾.
ولن لنفي التأبيد؛ أي: لا يقع منا هذا أبداً، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم:
(١) أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة ومرسلة عن مجاهد وعبيد بن عمير وهي من أخبار بني إسرائيل، وأخرجه
بنحوه عبد بن حميد في تفسيره وابن أبي حاتم بسند صححه الحافظ ابن حجر عن ابن عباس مطولاً (تغليق
التعليق ٢٤٤/٤ - ٢٤٦).
(٢) أخرجه البخاري تعليقاً (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة ح٣٣٢٦) ووصله الحافظ
ابن حجر من طرق كثيرة (تغليق التعليق ٥/٤ - ٧)، وأخرجه البخاري موصولاً في الأدب المفرد وصححه
الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٦٩١).
(٣) صحيح مسلم، البر، باب الأرواح جنود مجندة (ح٢٦٣٨).
(٤) هذه تتمة القصة التي تقدم تخريجها قبل روايتي البخاري ومسلم.

١٤٢
سُورَةُ الكَهْف (١٣، ١٦)
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا﴾ أي: باطلاً وبهتاناً ﴿هَؤُلَاءٍ قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ ءَالِهَةٌ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم
بِسُلْطَانٍ بَيٍِّ﴾ أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ
أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه
إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة
قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من
لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة، وهذا هو
المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه، كما جاء في الحديث:
((يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من
الفتن))(١) ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها، لما يفوت بها من ترك
الجماعات والجمع.
فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك وأخبر عنهم
بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ﴾ أي: وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم
في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضاً بأبدانكم، ﴿فَأَوُاْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ﴾
أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم ﴿وَيُّهَيِّئْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾
أي: أمراً ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هِراباً إلى الكهف فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين
أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال أنه لم يظفر بهم وعمى الله عليه خبرهم كما فعل بنبيّه
محمد وَّر، وصاحبه الصديق حين لجأ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب
فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي وَلّر حين رأى جزع الصديق في قوله:
يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله
ثالثهما؟»(٢). وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى
أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنَزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ
وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَىّ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ
وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ ﴾﴾ [التوبة]، فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة
أصحاب الكهف.
وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم
من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم، فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم ففعلوا ذلك(٣)،
وفي هذا نظر، والله أعلم، فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة
وعشياً، كما قال تعالى:
(١) أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري بظل اله (الصحيح، الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن
(ح١٩).
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي بكر ظُه (صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ ... ﴾
[التوبة: ٤٠] (ح ٤٦٦٣)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، من فضائل أبي بكر الصديق ظه (ح ٢٣٨١).
(٣) هذه نهاية القصة التي تقدم تخريجها قبل بضع روايات.

١٤٣
سُوَدَّةُ الكَهْفِ (١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ
فِى فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا تُرْشِدًا
هذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا
دخلته عند طلوعها تزاور عنه ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ أي: يتقلص الفيء يمنة، كما قال ابن عباس
وسعيد بن جبير وقتادة ﴿تَّزَوَرُ﴾ أي: تميل (١)، وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها
بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَت
تَفْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على
صحة ما قلناه، وهذا بيّن لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب،
وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من
ناحية القِبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يميناً ولا شمالاً،
ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع بل بعد الزوال، ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين
ما ذكرناه، ولله الحمد.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿تَّفْرِضُهُمْ﴾ تتركهم(٢)، وقد أخبر الله تعالى بذلك، وأراد منا
فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه ولا
قصد شرعي، وقد تكلّف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالاً، فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو
قريب من أيلة.
وقال ابن إسحاق: هو عند نينوى. وقيل: ببلاد الروم. وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي
بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال رَاليقين: ((ما
تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به))(٣) فأعلمنا تعالى بصفته،
ولم يعلمنا بمكانه، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ قال مالك عن زيد بن
أسلم: تميل (٤) ﴿ذَاتَ اٌلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِ فَجْوَةٍ مِّنْهُ﴾ أي: في متسع منه
داخلاً بحيث لا تصيبهم، إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم، قاله ابن عباس (٥).
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر
عنه .
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: ((تذرهم))، وقول مجاهد
أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عنه بلفظ: (تدعهم)).
(٣) أخرجه الطبراني من حديث أبي ذرِّ رَظُه مرفوعاً (المعجم الكبير ١٥٥/٢ ح ١٦٤٧) قال الهيثمي: رجاله
رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة (مجمع الزوائد ٢٦٦/٨) وصححه الألباني
في السلسلة الصحيحة (ح ١٨٠٣).
(٤) يشهد له ما تقدم صحته عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة قبل روايتين.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صححه الحافظ ابن حجر من طريق سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس مطولاً (تغليق التعليق ٢٤٤/٤ - ٢٤٦).

١٤٤
9000000000000000000000000000000 000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000
سُورَةُ الكَهْفِ (١٨)
﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾ حيث أرشدهم إلى هذا الغار الذي جعلهم فيه أحياء والشمس والريح
تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ الَهُ﴾، ثم قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ
فَهُوَ الْمُهْتَّدِ﴾ الآية؛ أي: هو الذي أرشد هؤلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من
هداه الله اهتدى، ومن أضله فلا هادي له.
﴿وَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودُ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِّ وَكَلْبُهُم بَسِطْ ذِرَاعَيْهِ
بِالْوَصِيدٍ لَوِ الطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا
ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق لئلا يسرع إِليها البلى،
فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودُ﴾ وقد ذُكر
عن الذئب أنه ينام فيطبق عيناً ويفتح عيناً، ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد، كما قال الشاعر(١):
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي
بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم
وقوله تعالى: ﴿وَتُقَلِبُهُمْ ذَاتَ أَلْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين.
قال ابن عباس: لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض(٢).
قوله: ﴿وَكَلْبُهُم بَسِطٌّ ذِرَاعَيْهِ بِاَلْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة:
الوصيد: الفناء(٣)، وقال ابن عباس: بالباب(٤). وقيل: بالصعيد(٥). وهو التراب، والصحيح أنه
بالفناء وهو الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَهِم مُؤْصَدَةٌ ﴾﴾ [الهمزة] أي: مطبقة مغلقة، ويقال:
وصيد وأصيد، ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب، قال ابن جريج: يحرس
عليهم الباب(٦)، وهذا من سجيته وطبيعته حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج
الباب، لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، كما ورد في الصحيح ولا صورة(٧) ولا جنب(٨)
ولا كافر، كما ورد به الحديث الحسن(٩)، وشملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم
(١) هو حميد بن ثور، والبيت في ديوانه ص١٠٤.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالطريق السابق الذي صححه الحافظ ابن حجر.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي
إياس بسند ثابت من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق
سالم الأفطس عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة عن ابن عباس وسعيد بن جبير.
(٦) أخرجه الطبري بلفظ: ((يُمسك عليهم الباب)).
(٧) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر ها مرفوعاً (الصحيح، اللباس، باب لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة
ح ٥٩٦٠).
(٨) أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، باب في الجنب يؤخر الغسل ح٢٢٧)، والنسائي (السنن، الطهارة، باب
الجنب إذا لم يتوضأ ١٤١/١)، وابن ماجه (السنن، اللباس، باب الصور في البيت ح٤٤) كلهم من طريق
عبد الله بن نُجي عن أبيه عن علي بن أبي طالب ◌َؤُه مرفوعاً: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب
ولا جنباً))، ونجي: مقبول (التقريب ص ٥٦٠)، ولم يتابع، فسنده ضعيف.
(٩) ضعیف کما تقدم ولیس بحسن.

١٤٥
• سُورَةُ الكَهْفظ (١٩، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن. وقد قيل:
إنه كان كلب صيد لأحدهم، وهو الأشبه، وقيل: كلب طباخ الملك، وقد كان وافقهم على
الدین وصحبه کلبه، فالله أعلم.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي: حدثنا صدقة بن عمر
الغساني، حدثنا عباد المنقري، سمعت الحسن البصري يقول: كان اسم كبش إبراهيم عليه
الصلاة والسلام: جرير، واسم هدهد سليمان عليّلا: عنقز، واسم كلب أصحاب الكهف: قطمير،
واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه: بهموت، وهبط آدم عَلَّ* بالهند، وحواء بجدة، وإبليس
بدست بيسان، والحية بأصفهان(١). وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران(٢)، واختلفوا
في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها، بل هي مما
ینھی عنه، فإن مستندها رجم بالغيب.
وقوله تعالى: ﴿لَوِ الطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: أنه تعالى ألقى
عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو
منهم أحد ولا تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء تبارك
وتعالى فيهم، لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة.
﴿وَكَذَلِكَ بَعَتْنَهُمْ لِيَتَسَآءَ لُواْ بَيْنَهُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمَّ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمَا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
قَالُواْ رَبِكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّ أَذْكَى طَعَامًا
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَ بِكُمْ أَحَدًّا ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوَكُمْ أَوْ
يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذَا أَبَدًا
يقول تعالى كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبصارهم لم يفقدوا من أحوالهم
وهيآتهم شيئاً وذلك بعد ثلثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا تساءلوا بينهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: كم
رقدتم؟ ﴿قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًّا أَوْ بَعْضَ يَوٍْ﴾ لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان
في آخر نهار، ولهذا استدركوا فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئْتُمْ﴾ أي: الله أعلم
بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم، فالله أعلم، ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ
ذاك، وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ أي: فضتكم
هذه، وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي
منها، فلهذا قالوا: ﴿فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ أي: مدينتكم التي خرجتم منها،
والألف واللام للعهد ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّ أَزْكَى طَعَامًا﴾ أي: أطيب طعاماً. كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَحْتُ مَا زَكَ مِنْكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١] وقوله: ﴿قَدْ أَفَْحَ مَنْ تَزََّى ﴾﴾ [الأعلى] ومنه الزكاة التي
تطيب المال وتطهره، وقيل: أكثر طعاماً، ومنه زكا الزرع إذا كثر، قال الشاعر:
(١) ذكره ابن منظور (مختصر تاريخ دمشق ١٤٣/٢٧) وهو ضعيف سنداً ومتناً، فالسند مرسل، والمتن من
الإسرائيليات.
(٢) تقدم في تفسير الآية رقم ٩.

١٤٦
• سُورَةُ الكَهْفِ (٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب(١)
والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو: الطيب الحلال سواء كان كثيراً أو قليلاً.
وقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، يقولون: وليختف كل ما يقدر
عليه ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ﴾ أي: ولا يعلمنّ ﴿بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ أي: إن
علموا بمكانكم ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ﴾ يعنون: أصحاب دقيانوس يخافون منهم أن
يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في مِلَّتهم التي هم
عليها، أو يموتوا، وإن واتوهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة،
ولهذا قال: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوْاْ إِذَا أَبَدًا﴾ .
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقِّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَزَعُونَ بَيْنَهُمْ
أَمْرَهُمَّ فَقَالُواْ أَبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَتَّا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِذَّ قَالَ الَّذِينَ غَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَسْجِدًا
يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْتَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أطلعنا عليهم الناس ﴿لِيَعْلَمُواْ أَنَ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ
السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في
البعث وفي أمر القيامة.
وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فبعث الله أهل
الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك، وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في
شراء لهم ليأكلوه، تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة(٢)، وذكروا أن
اسمها: دقسوس (٣)، وهو يظن أنه قريب العهد بها، وكان الناس قد تبدلوا قرناً بعد قرن وجيلاً
بعد جيل وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها، كما قال الشاعر:
وأرى رجال الحي غير رجاله(٤)
أما الديار فإنها كديارهم
فجعل لا يرى شيئاً من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحداً من أهلها: لا خواصها ولا
عوامّها، فجعل يتحير في نفسه ويقول: لعلّ بي جنوناً أو مسّاً أو أنا حالم، ويقول: والله ما بي
شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة. ثم قال: إن تعجيل
الخروج من ههنا لأولى لي، ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام، فدفع إليه ما معه من النفقة،
وسأله أن يبيعه بها طعاماً، فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضربها، فدفعها إلى جاره،
وجعلوا يتداولونها بينهم ويقولون: لعل هذا وجد كنزاً، فسألوه عن أمره ومن أين له هذه النفقة؟
لعله وجدها من كنز وممن أنت؟ فجعل يقول: أنا من أهل هذه البلدة، وعهدي بها عشية أمس
وفيها دقيانوس، فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى ولي أمرهم، فسأله عن شأنه وخبره حتى
(١) البيت للقتال الكلابي كما في: الكتاب لسيبويه ٥٦٥/٣، واستشد به معمر (المجاز ٢٣٧/١) دون نسبه
وكذا الطبري.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن عكرمة لكنه مرسل ومن أخبار بني إسرائيل.
(٣) وفي تفسير الطبري: أقسوس، وفي بعض النسخ: بلفظه.
(٤) استشهد به الطبري ولم يعزه لأحد.

١٤٧
• سُوْدَةُ الكَهْفِ (٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أخبرهم بأمره، وهو متحير في حاله وما هو فيه، فلما أعلمهم بذلك قاموا معه إلى الكهف - ملك
البلد وأهلها - حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال لهم: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم
أصحابي فدخل، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى الله عليهم خبرهم، ويقال: بل
دخلوا عليهم ورأوهم، وسلم عليهم الملك واعتنقهم، وكان مسلماً فيما قيل، واسمه:
تيدوسيس، ففرحوا به وآنسوه بالكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه، وعادوا إلى مضاجعهم،
وتوفاهم الله رَق(١)، فالله أعلم.
قال قتادة: غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمرّوا بكهف في بلاد الروم، فرأوا فيه عظاماً
فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلثمائة
سنة، ورواه ابن جرير(٢).
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيآتهم، أطلعنا عليهم أهل ذلك
الزمان ﴿لِيَعْلَّمُوْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقِّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَّتَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ أي: في أمر
القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم.
﴿فَقَالُواْ أَبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَئِنَّا زَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ أي: سدوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم
﴿ قَالَ اُلَّذِينَ غَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾ حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين:
(أحدهما): أنهم المسلمون منهم.
(والثاني): أهل الشرك منهم(٣)، فالله أعلم.
والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه
نظر؛ لأن النبي وَ لّ قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)) (٤)
يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضيبه أنه لما وجد قبر دانيال في
زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده، فيها شيء
من الملاحم وغيرها .
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْهُمْ رَحْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ
سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَبٍ أَعْلَمُ بِعِدَتِهِم ◌َا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ فَلَا تُمَارٍ فِيهِمْ إِلَّ مِآءَ ظَهِرًا وَلَا
تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا
يقول تعالى مخبراً عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل
على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ﴿رَمَّا بِالْغَيْبٍ﴾ أي: قولاً بلا علم،
كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه؛ فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد.
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده عن وهب بن منبه والخبر من الإسرائيليات.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن عباس.
(٣) وهذه الأخبار كسابقها.
(٤) أخرجه مسلم من حديث جُندب مرفوعاً (الصحيح، المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور
ح ٥٣٢).

١٤٨
سُورَةُ الكهف (٢٣، ٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فدل على صحته، وأنه هو
الواقع في نفس الأمر.
وقوله: ﴿قُل رَّبِىَ أَعْظَمُ بِعِذَتِهِم﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله
تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به وإلا
وقفنا .
وقوله: ﴿مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِلٌ﴾ أي: من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي
استثنى الله رَك، كانوا سبعة (١). وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول: أنا
ممن استثنى الله رَمك ويقول: عدتهم سبعة (٢)، وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن،
حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس؛ ((ما يعلمهم إلا قليل)) قال: أنا من القليل،
كانوا سبعة، فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان
على بعضهم من حداثة سنة وضح الورق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله
بيكون ويستغيثون بالله، وكانوا ثمانية نفر (٣): مكسلمينا(٤) وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم،
ومجسيميلنينا ومرطونس وكشطونس وبيرونس ودنيموس ويطبونس وقالوش(6)، هكذا وقع في هذه
الرواية، ويحتمل أن هذا من كلام ابن إسحاق أو من بينه وبينه، فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم
كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم
بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد
قال تعالى: ﴿فَلَ تُمَارٍ فِهِمْ إِلَّا مِرّاءً ظَاهِرًا﴾ أي: سهلاً هيناً، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه
كبير فائدة ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء
أنفسهم رجماً بالغيب؛ أي: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي
لا شك فيه ولا مرية فيه، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال.
- ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذْكُرُ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ وَقُلْ
عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبٍِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا
هذا إرشاد من الله تعالى لرسول الله 18 إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل
(١) أخرجه الطبري من طريق قتادة قال ذُكر لنا أن ابن عباس كان يقول ... بنحوه. وسنده منقطع لأن قتادة لم
يسمع من ابن عباس، وقد توبع فقد أخرجه الطبري والبستي بسند حسن من طريق عكرمة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني به ويشهد له سابقه.
(٣) أخرجه الطبراني بسند ضعيف من طريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس (المعجم الأوسط ٦/ ١٧٥
ح ٦١١٣) وهذا يخالف ما صح عن ابن عباس كما تقدم بأنهم سبعة.
(٤) كذا في تفسير الطبري و(ح) و(حم) وفي الأصل صُحف إلى: ((مكيليمنينا)).
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق من كلامه مطولاً وهو كما قال الحافظ ابن كثير أنه من كلام ابن
إسحاق، والخبر من الإسرائيليات.

١٤٩
• سُوَرَّةُ الْكَهْفِ (٢٣، ٢٤)
أن يرد ذلك إلى مشيئة الله 35، علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان
كيف يكون، كما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((قال
سليمان بن داود ◌ِالسَ: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة - وفي رواية: تسعين امرأة، وفي رواية:
مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له - وفي رواية قال له الملك:
قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف بهم فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال
رسول الله ولو - والذي نفسي بيده، لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته)) وفي
رواية: ((ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعين))(١) وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه
الآية في قول النبي ◌َ ﴿ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف غداً أجيبكم)) فتأخر الوحي خمسة
عشر يوماً، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة(٢)، فأغنى عن إعادته.
وقوله: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ قيل: معناه: إذا نسيت الاستثناء، فاستثن عند ذكرك له، قاله
أبو العالية والحسن البصري(٣).
وقال هشيم عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني
ولو إلى سنة وكان يقول: ﴿وَأَذْكُرُ زَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ ذلك، قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟
فقال: حدثني به ليث بن أبي سُليم تُرى ذهب كسائي هذا (٤)! ورواه الطبراني من حديث أبي
معاوية، عن الأعمش به(٥) .
ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة؛ أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو في كلامه
إن شاء الله وذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك، ليكون آتياً بسنة الاستثناء حتى ولو كان
بعد الحنث، قاله ابن جرير كَُّ(٦)، ونصّ على ذلك لا أن يكون رافعاً لحنث اليمين ومسقطاً
للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير تكّثهُ هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه،
والله أعلم.
وقال عكرمة: ﴿وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ أي إذا غضبت(٧). وهذا تفسير باللازم.
وقد قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن
(١) أخرج الروايتين البخاري (الصحيح، النكاح، باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائي ح ٥٢٤٢) وكتاب
كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان (ح ٦٧٢٠).
(٢) تقدم في الآية رقم (٥) وتبين أنه ضعيف السند.
(٣) قول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري
والبيهقي (الأسماء والصفات ٣٦٦) بسند منقطع من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه بلاغاً عن الحسن.
(٤) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٣٠٣/٤) وقول الأعمش: تُرى ذهب كسائي هذا! ورد معناه في حاشية تفسير الطبري المحقق:
يريد أنه لم ينقصه شيء بإسقاط ليث بن أبي سليم من الإسناد.
(٥) المعجم الكبير (٦٨/١١ ح ١١٠٦٩).
(٦) ذكره الطبري بنحوه ولكن فيه: ((ولو بعد عشر سنين)) بدل سنة.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢٨٨/٨)، والطبري بسند جيد من طريق ثابت بن جابان عن عكرمة.

١٥٠
• سُوَرَّةُ الكَهْفِ (٢٦،٢٥)
العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ
لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٣) إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ أن تقول: إن شاء الله(١).
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحارث [الجُبيلي](٢)، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا
الوليد بن مسلم، عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس
[في قوله: ﴿وَلَ نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهَ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتِّ﴾ أن
تقول: إن شاء الله(٣). وروى الطبراني أيضاً عن ابن عباس(٤)] في قوله: ﴿وَأَذْكُر رَّبَّكَ إِذَا
نَسِيتٌ﴾ الاستثناء فاستثن إذا ذكرت، وقال: هي خاصة برسول الله وَّةٍ وليس لأحد منا أن يستثني
إلا في صلة من يمينه، ثم قال: انفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين(٥)، ويحتمل في الآية
وجه آخر وهو أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى؛ لأن
النسيان منشؤه الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]
وذكر الله تعالى يطرد الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذكر الله تعالى سبب للذكر،
ولهذا قال: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ .
وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبٍِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي: إذا سئلت عن شيء لا تعلمه،
فاسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك، وقيل في تفسيره غير
ذلك، والله أعلم.
﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِنْتَقِ سِنِينَ وَأَزْدَادُواْ قِبْعًا (٥ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْجِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ- أَحَدًا
هذا خبر من الله تعالى لرسوله وَله بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى
أن بعثهم الله وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلثمائة سنة تزيد تسع سنين
بالهلالية، وهي الثلثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية
ثلاث سنين، فلهذا قال: بعد ثلثمائة وازدادوا تسعاً.
وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ﴾ أي: إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف
من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِّ﴾ أي: لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه عليه غير واحد
من علماء التفسير كمجاهد(٦) وغير واحد من السلف والخلف.
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٧٩/١٢ ح١٢٨١٧) وسنده حسن.
(٢) كذا في المعجم الكبير ١٧٩/١٢ (ح ١٢٨١٧) وفي الأصل: ((الجيلي)) وفي (ح) و(حم): الحبلي.
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ٦٨/٧ ح ٦٨٧٢)، قال الهيثمي: وفيه عبد العزيز بن حصين
وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٥٦/٧)، وقد تابعه سفيان بن حسين في الرواية السابقة فيكون سنده حسناً لغيره.
(٤) زيادة من (ح) و(حم).
(٥) في سنده عبد العزيز بن الحصين وهو ضعيف كما تقدم في الرواية السابقة ولم يتابع فسنده ضعيف.
(٦) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.

١٥١
سُورَةُ الگھْفظ (٢٧، ٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُواْ فِ كَهْفِهِمْ ثَثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ الآية، هذا قول أهل الكتاب، وقد
ردّه الله تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِئُواْ﴾(١). قال: وفي قراءة عبد الله (وقالوا ولبثوا)، يعني
أنه قاله الناس(٢)، وهكذا قال كما قال قتادة مطرف بن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر،
فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان الله
قد حكى قولهم لما قال: وازدادوا تسعاً، والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله لا حكاية
عنهم، وهذا اختيار ابن جرير تَخْلُهُ، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة
إلى قراءة الجمهور، فلا يحتج بها، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ أي: أنه لبصير بهم سميع لهم، قال ابن جرير: وذلك في معنى
المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام ما أبصر الله لكل موجود،
وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء (٣). ثم روي عن قتادة في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِِ.
وَأَسْمِعْ﴾ فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع(٤).
وقال ابن زيد ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعاً بصيراً(٥).
وقوله: ﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ، مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِ حُكْمِهِ: أَحَدًا﴾ أي: أنه تعالى هو الذي له
الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير، تعالى
وتقدس.
] ﴿وَأَتْلُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكٌ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَن تَجِدَ مِن دُونِ، مُلْتَحَدًا
وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْهِ وَالْغَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٍ وَلَا تَعْدُ عَيْنَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةً
اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُؤُ فُرُطًا (جَا﴾
يقول تعالى آمراً رسوله وَ ه بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ﴾ أي: لا
مغير لها ولا محرّف ولا مؤول.
وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدً﴾ [عن مجاهد ملتحداً قال: ملجأ (٦).
وعن قتادة: ولياً ولا مولى(٧). قال ابن جرير: يقول: إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك
من كتاب ربك، فإنه لا ملجأ لك من الله (٨)](٩)، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة به، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع ابن مسعود، والقراءة شاذة
تفسیریة.
(٣) ذكره الطبري بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد.
(٦) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرج الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: ((ملجأ ولا موئلاً)).
(٨) ذكره الطبري بنحوه.
(٩) زيادة من (ح) و(حم).

١٥٢
سورة الكهف (٢٧، ٢٨)
مِن رَّيٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ
عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَاٍَ﴾ [القصص: ٨٥] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة.
وقوله: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالَْشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ أي: اجلس مع
الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشياً، من عباد الله
سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء، يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا
من النبي ﴿ أن يجلس معهم، وحده، ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه، كبلال وعمار وصهيب
وخباب وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَظْرُرِ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ﴾ الآية [الأنعام: ٥٢]، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء،
فقال: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالَشِ﴾ الآية.
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن
إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد هو: ابن أبي وقاص قال: كنّا مع النبي ◌َّ
ستة نفر فقال المشركون للنبي ولو: اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا قال: وكنت أنا وابن مسعود
ورجل من هذيل وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله صل* ما يشاء الله أن
يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله رَى: ﴿وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَمٍ﴾(١).
انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التّيَّاح قال: سمعت أبا
الجعد يحدث عن أبي أمامة قال: خرج رسول الله ﴿ ﴿ على قاصِّ يقصُّ فأمسك، فقال
رسول الله وسلم: ((قصّ، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع
رقاب))(٢)
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا هاشم، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت
كردوس بن قيس، وكان قاصّ العامة بالكوفة، يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر أنه سمع
النبي * يقول: ((لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب)) قال شعبة:
فقلت أي مجلس؟ قال: كان قاصاً(٣).
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال: قال
رسول الله وسلم: ((لأن أجالس قوماً يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما
طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إلي من أن أعتق
ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفاً)) فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس
أنس، فبلغت ستة وتسعين ألفاً وههنا من يقول أربعة من ولد إسماعيل، والله ما قال إلا ثمانية،
دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفاً (٤).
(١) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص فته ٢٤١٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه (المسند ٥٩٠/٣٦ ح ٢٢٢٥٤).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه محققوه لجهالة كردوس (المسند ٢٣٦/٢٥ ح ١٥٩٠٠).
(٤) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص٢٨١ ح٢١٠٤)، وسنده ضعيف لضعف يزيد بن أبان وهو الرقاشي.

١٥٣
سُورَةُ الكهف (٢٧، ٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري،
حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم وهو: الكوفي أن رسول الله وال
مرَّ برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ◌ِّي سكت، فقال النبي ◌َّ: ((هذا المجلس الذي
أمرت أن أصبر نفسي معهم)»، هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر،
عن الأغر مرسلاً.
وحدثنا يحيى بن المعلى، عن المنصور، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن
علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، قالا: جاء رسول الله وَله
ورجل يقرأ سورة الحجر، أو سورة الكهف، فسكت، فقال رسول الله وَله: ((هذا المجلس الذي
أمرت أن أصبر نفسي معهم))(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون [المرئي] (٢)، حدثنا ميمون بن سياه،
عن أنس بن مالك ظُه، عن رسول الله وَلجر قال: ((ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون
بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم منادٍ من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم
حسنات))(٣). تفرد به أحمد نظّتُهُ.
وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، عن
أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: نزلت على رسول الله وصله
وهو في بعض أبياته ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِلْغَدَوَةِ وَالْعَشِ﴾ الآية، فخرج يتلمسهم،
فوجد قوماً يذكرون الله تعالى، منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم
جلس معهم وقال: ((الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم))(٤)
عبد الرحمن هذا، ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة. وأما أبوه فمن سادات الصحابة
وقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ثُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنياً﴾ قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى
غيرهم(٥). يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة، ﴿وَلَ نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ أي:
شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع،
ولا تكن مطيعاً ولا محباً لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا
بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةً اٌلْحَيَّوَةِ الذُّنْيَاَ لِنَغْتَِهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبَقَ (٣)﴾ [طه].
(١) أخرجه البزار متصلاً ومرسلاً كما في كشف الأستار (ح٢٣٢٥، ٢٣٢٦)، قال الهيثمي وفيه عمرو بن ثابت
وهو متروك (مجمع الزوائد ٧/ ١٦٧).
(٢) كذا في المسند، وفي الأصل (ح) و(حم): ((المراي)).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٤٣٧/١٩ ح ١٢٤٥٣).
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب به. وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد
٢٤/٧)، ولكن سنده مرسل لأن عبد الرحمن تابعي وليس بصحابي، فقد أخرجه ابن منده وأبو نعيم في
الصحابة، واستدرك ابن الأثير بقوله: ((ولا يصح وإنما لصحبة لأبيه ولأخيه أبي أمامة وله رؤية)) (أسد الغابة
٣٥٣/٣).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، ويتقوى بما أخرجه الطبري بسند ثابت من
طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.

١٥٤
• سُوَّةُ الكَهْفِ (٢٩)
0000000008000000009900000000 000000 000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000000
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَنْ شَآءَ فَلْيَكْفُرُّ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلَّلِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ
سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُّ بِتْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًّا (3)﴾.
يقول تعالى لرسوله محمد ريال: وقل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق
الذي لا مرية فيه ولا شك ﴿فَمَنْ شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرَّ﴾ هذا من باب التهديد والوعيد
الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنَّ أَعْتَدْنَا﴾ أي: أرصدنا ﴿لِلَّالِمِينَ﴾ وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه
﴿َثَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَأَ﴾ أي: سورها.
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم،
عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((السرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار
مثل مسافة أربعين سنة))(١). وأخرجه الترمذي في صفة النار، وابن جرير في تفسيره، من حديث
دراج أبي السمح به (٢).
وقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاَ﴾ قال: حائط من نار(٣).
قال ابن جرير: حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن
أمية، حدثني محمد بن حيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية قال: قال
رسول الله وَحجر: ((البحر هو جهنم)) قال: فقيل له: [كيف ذلك]؟ (٤) فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية
﴿فَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَأَ﴾ ثم قال: ((والله لا أدخلها أبداً أو ما دمت حياً لا تصيبني منها قطرة))(٥).
وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ الآية، قال ابن عباس: المهل: الماء
الغليظ مثل دُردي(٦) [الزيت](٧)(٨) .
وقال مجاهد: هو كالدم والقيح(٩) .
وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره(١٠).
وقال آخرون: هو كل شيء أذيب.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/٣)، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم.
وضعفه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٩٣٦/٢).
(٢) أخرجه الترمذي (السنن، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار ح ٢٥٨٧)، والطبري كلاهما
من طريق دراج به، وحكمه كسابقه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٤) الزيادة من تفسير الطبري.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة محمد بن حيي، وأخرجه الإمام أحمد من طريق
محمد بن حيي به، وضعفه محققوه لجهالة محمد بن حيي (المسند ٤٧٨/٢٩ ح ١٧٩٦٠).
(٦) الدردي: ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان (النهاية ١١٢/٢).
(٧) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: ((الزبيب)).
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى برواية الطبري بسند ثابت من
طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((أسود كهيئة الزيت)).
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١٠) أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير وليس عن عكرمة.

١٥٥
• سُورَةُ الْكَهْفِ (٣٠، ٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال قتادة: أذاب ابن مسعود شيئاً من الذهب في أخدود، فلما انماع وأزبد، قال: هذا أشبه
شيء بالمهل(١).
وقال الضحاك: ماء جهنم أسود وهي سوداء وأهلها سود(٢).
وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو
أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: ﴿يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ أي: من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه
وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه.
كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد
الخدري عن رسول الله صللو أنه قال: ((ماء كالمهل - قال - كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه
فيه))(٣). وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد، عن عمرو بن
الحارث، عن دراج به، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قبل حفظه هكذا،
قال: وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد: عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بسر، عن
أبي أمامة، عن النبي ◌َّ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن ◌َّآءِ صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦ - ١٧]،
قال: ((يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه،
يقول الله تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُّ بِنْسَ الشَّرَابُ﴾(٤).
وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا، فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها،
فاجتئت جلود وجوههم، فلو أن مارّاً مرَّ بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصب
عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم
اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود(٥)، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا
الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ أي: بئس هذا الشراب، كما قال في
الآية الأخرى ﴿وَسُقُواْ مَآءَ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَلَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وقال تعالى: ﴿تُتْقَى مِنْ عَيْنِ ءَانِيَّةٍ
[الغاشية] أي: حارة، كما قال تعالى: ﴿وَبَّنَ حَيٍْ ءَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٤].
﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: وساءت النار منزلاً ومقيلاً ومجتمعاً وموضعاً للارتفاق، كما قال في
[الفرقان].
الآية الأخرى ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًا وَمُقَامًا
أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّتُ
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
عَدْنٍ تَّجْرِى مِن تَخْنِهِمُ الْأَنْهُرُ بُلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِنَ
٣١
فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِّ نِعْمَ الثَّوَبُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا
لما ذكر تعالى حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما
(١) أخرجه الطبري من طريق قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود.
(٢) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد، وهو ابن سليمان، عن الضحاك.
(٣) تقدم تخريجه وضعفه في بداية تفسير هذه الآية. (٤) تقدم تخريجه في سورة إبراهيم آية ١٧.
(٥) أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.

١٥٦
• سُوَرَّةُ الكَهْفِ (٣٢، ٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جاؤوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم جنات عدن، والعدن: الإقامة،
﴿َّْرِى مِن تَخِيِمُ الْأَنْهَرُ﴾ أي: من تحت غرفهم ومنازلهم، قال فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن
تَحْتِىٌ﴾ [الزخرف: ٥١].
و﴿يُحْلَوْنَ﴾ أي: من الحلية ﴿فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ وقال في المكان الآخر: ﴿وَلْلٌّاً وَلِبَاسُهُمْ
فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] وفصله ههنا، فقال: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ فالسندس
ثياب رفاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها. وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق.
وقوله: ﴿مُتَّكِينَ فِهَا عَلَى الْأَرَابِ﴾ الاتكاء قيل: الاضطجاع، وقيل: التربع في الجلوس وهو
أشبه بالمراد ههنا، ومنه الحديث الصحيح: ((أما أنا فلا آكل متكئاً))(١)، فيه القولان: والأرائك
جمع أريكة، وهي السرير تحت الحجلة، والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالباشخاناة،
والله أعلم.
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة ﴿عَلَى الْأَرَائِّ﴾ قال: هي الحجال، قال معمر وقال
غيره: السرر في الحجال(٢).
وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: نعمت الجنة ثواباً على أعمالهم وحسنت مرتفقاً، أي
حسنت منزلاً ومقيلاً ومقاماً، كما قال في النار: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]
وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إِنَّهَا سَآَمَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦)﴾ [الفرقان]، ثم
ذكر صفات المؤمنين، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا
خَكَلِينَ فِيهَأَ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًاً (®﴾ [الفرقان].
٧٥
وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَقْتَهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهَمَا زَرْعًا
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِهِ، وَهُوَ
كِنَا الْجَنَيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَا
يُحَاوِرُهُ، أَنَأْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا (٨) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَآ أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَيِن زُدِدْتُ إِلَى رَبٍِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا
يقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين،
وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم مثلاً برجلين جعل الله لأحدهما جنتين؛ أي:
بستانتين من أعناب، محفوفتين بالنخيل، المحدقة في جنباتهما وفي خلالهما الزروع، وكل من
الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، ولهذا قال: ﴿كِنَا الْجَنََِّّ ◌َانَتْ أَكْلَهَا﴾ أي: أخرجت
ثمرها، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي: ولم تنقص منه شيئاً، ﴿وَفَجَرْنَا خِلَهُمَا نَهْرًا﴾ أي: والأنهار متفرقة
فيهما ههنا وههنا. ﴿وَكَانَ لَهُمُ ثَمَرٌ﴾ قيل: المراد به المال، روى عن ابن عباس ومجاهد وقتادة(٣).
(١) أخرجه البخاري (الصحيح، الأطعمة، باب الأكل متكئاً ح٥٣٩٨).
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي
إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن
معمر عنه.

١٥٧
سُورَةُ الْكَفْفِ (٣٧، ٤١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقيل: الثمار(١)، وهو أظهر ههنا ويؤيده القراءة الأخرى ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ بضم الثاء وتسكين
الميم، فيكون جمع ثمرة كخشبة وخشب. وقرأ آخرون ثمر بفتح الثاء والميم (٢)، فقال أي
صاحب هاتين الجنتين لصاحبه وهو يحاوره، أي يجادله، ويخاصمه يفتخر عليه ويترأس ﴿أَنَاْ أَكْثَرُ
مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي: أكثر خدماً وحشماً وولداً، قال قتادة: تلك والله أمنية الفاجر، كثرة
المال وعزة النفر (٣).
وقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكار المعاد
﴿قَالَ مَا أَخُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك اغتراراً منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار،
والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، ذلك
لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَآ
أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ﴾ أي كائنة ﴿وَلَيِن رُدِدتُ إِلَى رَبٍِّ لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ أي: ولئن كان معاد
ورجعة ومرد إلى الله ليكوننَّ لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما
أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلَيِن ◌ُجِعْتُ إِلَى رَبِ إِنَّ لِ عِندَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]
وقال: ﴿أَفَرَعَّيْتَ الَّذِىِ كَفَرَ بِثَايَِنَا وَقَالَ لَأُوْتَيَ مَالًا وَوَلَدًا (٣)﴾ [مريم] أي: في الدار الآخرة تألى
على الله . وكان سبب نزولها في العاص بن وائل، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله،
وبه الثقة [وعليه التكلان] (٤)(٥).
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ: أَكَفَرَتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّكَ رَجُلًا
E
١٣٧
﴿ وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَهَّ إِن
لَكِنَّا هُوَ اللّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَقِّ أَحَدًا
تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالًاً وَوَلَدًا ﴿ فَعَسَى رَبِّ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرً مِّنْ جَنَّئِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ
فَنُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴿® أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَن تَسْتَطِيعَ لَهُمْ طَلَبًا
يقول تعالى مخبراً عما أجابه به صاحبه المؤمن، واعظاً له وزاجراً عما هو فيه من الكفر بالله
والاغترار ﴿أَكَفَرْتَ بِلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن تُظْفَةٍ ثُمَّ سَوَّلَكَ رَجُلًا﴾، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه
من جحود ربه الذي خلقه، وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء
مهين، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَتًا فَأَخْيَكُمَّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٨] أي: كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية؟ كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه
ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوماً، ثم وجد وليس وجوده من نفسه ولا مستنداً
إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق
كل شيء، ولهذا قال المؤمن: ﴿لَّكِنَّأْ هُوَ اَللَّهُ رَبِّ﴾ أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف الله
بالوحدانية والربوبية، ﴿وَلَا أُشْرِلُكُ بِرَبِّ أَحَدًا﴾ أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٢) القراءتان متواترتان.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) زيادة من (ح) و(حم).
(٥) سيأتي في تفسير سورة مريم آية ٧٧.

١٥٨
سُورَةُ الْكَهْفِ﴾ (٣٧، ٤١)
ثم قال: ﴿وَلَوْلَّ إِذْ دَخَلْتَ جَنََّكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اَللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِلَهِّ إِن تَرَنِ أَنَأْ أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا
(﴾﴾ هذا تحضيض وحثّ على ذلك؛ أي: هلّا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها،
حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت: ما شاء الله
لا قوة إلا بالله، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ما
شاء الله لا قوة إلا بالله، وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريم. وقد روي فيه حديث مرفوع، أخرجه
الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمر بن یونس، حدثنا
عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس وظبه قال: قال رسول الله وَ الله: (ما
أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد، فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فيرى فيه آفة
دون الموت)) وكان يتأول هذه الآية ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّ بِلهِ﴾(١).
قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح
حديثه .
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة، عن عاصم بن
عبيد الله، عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة عن النبي والر أنه قال: ((ألا أدلك على كنز
من كنوز الجنة؟ لا قوة إلا بالله))(٢) تفرد به أحمد.
وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله وَالار قال: ((ألا أدلك على كنز من كنوز
الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله))(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا بكر بن عيسى، حدثنا أبو عوانة، عن أبي [بَلْج](٤)، عن عمرو بن
ميمون قال: قال أبو هريرة: قال لي رسول الله وَلجر: ((يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز
الجنة تحت العرش؟)) قال: قلت: نعم فداك أبي وأُمي. قال: ((أن تقول لا قوة إلا بالله)) قال [أبو
بَلج](٤): وأحسب أنه قال: ((فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم) قال: فقلت لعمرو: قال أبو
بلج: قال عمرو: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: لا إنها في سورة الكهف
﴿وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَّئَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اَللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾(٥).
وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّ أَنْ يُؤْتِيَّنِ خَيْرًا مِّنْ جَنَّيِكَ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ أي: على
(١) عزاه الحافظ ابن حجر إلى مسند أبي يعلى (المطالب العالية ٣٥٠/٣ ح٣٦٧٣)، وأخرجه الطبراني في
المعجم الأوسط (٣٠١/٤ ح ٤٢٦١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢٤/٤ ح٤٥٢٥) كلاهما من طريق
عيسى بن عون به، وسنده ضعيف لضعف عبد الملك بن زراه كما قرر الهيثمي (مجمع الزوائد ١٤٣/١٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف لضعف عاصم بن
عبيد الله (المسند ٩٠/١٦ ح ١٠٠٥٦) وهذا التصحيح بالمتابعات والشواهد.
(٣) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، القدر، باب لا حول ولا قوة إلا بالله ح٦٦١٠)، وصحيح مسلم، الذكر
والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (ح ٢٧٠٤).
(٤) كذا في (ح) وفي المسند، وفي الأصل صحفت إلى: ((بلخ))، وفي (حم): بلح.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه دون قوله: ((تحت العرش)) (المسند ١٤٩/١٤
ح٨٤٢٦)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي بلج به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢١/١)، وصححه
الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١٥٢٨).

١٥٩
• سُورَةُ الْكَهُفِ﴾ (٤٢، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَآءِ﴾ قال ابن عباس والضحاك
وقتادة ومالك عن الزهري؛ أي: عذاباً من السماء(١).
والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال: ﴿فَنْصْيِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي:
بلقاً تراباً أملس لا يثبت فيه قدم.
وقال ابن عباس: كالجُرز(٢) الذي لا ينبت شيئاً.
وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا﴾ أي: غائراً في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه
طلب أسفلها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بٍِّ
، فالغائـ
الأرض
مَّعِينِ ٥
﴾ [الملك] أي: جار وسائح، وقال ههنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾﴾
والغور مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر(٣):
تظل جياده نوحاً عليه مقلدة أعِنَّتها صفونا(٤)
بمعنی نائحات علیه.
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَّةٌ عَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَيْنَنِى لَمْ أُشْرِهِ
بِرَبِّ أَحَدًا ﴿﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَُّ فِئَةٌ يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْنَصِرًا ﴿ هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ لِلَّهِ الْحَقَّ هُوَ خَيْرٌّ
ثَوَابًا وَخَيْرُ عُقْبًا
يقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره على القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا
الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغترَّ بها وأَلْهَته
عن الله رَكْ ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ .
وقال قتادة: يصفق كفيه متأسفاً متلهفاً على الأموال التي أذهبها عليها ﴿وَيَقُولُ يَلَنِىِ لَمْ أُشْرِكِ بِرَبِىّ
وَلَمْ تَكُنْ لَُّ فِئَةٌ﴾(٥) أي: عشيرة أو ولد، كما افتخر بهم واستعز ﴿يَنَصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا
لَحَدًا بَِّ
كَانَ مُنْنَصِرًا ﴿ هُنَالِكَ الْوَيَةُ لِلّهِ الْحَقِّ﴾ اختلف القراء ههنا فمنهم من يقف على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا
هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الموطن الذي حلَّ به عذاب الله، فلا منقذ له منه، ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلَيَةُ
١٤٣
لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ ومنهم من يقف على ﴿وَمَا كَانَ مُنْنَصِرًا﴾ يبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَيَةُ لِلّهِ الْحَيَّ﴾.
ثم اختلفوا في قراءة الولاية، فمنهم من فتح الواو من الولاية، فيكون المعنى هنالك
الموالاة لله؛ أي: هنالك كل أحد مؤمن أوكافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع
العذاب، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ (َ﴾ [غافر]
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بما يليه، وقول الضحاك أخرجه
الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه،
وقول مالك عن الزهري صحيح سنده.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٣) هو عمرو بن كلثوم وقد استشهد بهذا البيت معمر بن المثنى في (مجاز القرآن ٤٠٤/١) والطبري.
(٤) صفونا: الصافن من الخيل الذي قد قلب أحد حوافره وقام على ثلاث قوائم.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.

١٦٠
سُوْدَةُ الكَهْفِ (٤٥، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وكقوله إخباراً عن فرعون: ﴿حَتَّىَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَآمَنَتْ بِه بَنُواْ
﴾ [يونس] ومنهم من
٩٢
ءَالْكَانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
إِسْرَّهِيلَ وَأَنَّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
كسر الواو من الولاية (١)؛ أي: هنالك الحكم الله الحق، ثم منهم من رفع الحق على أنه نعت
للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَيِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنَّ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]
ومنهم من خفض القاف(٢) على أنه نعت لله ◌َق، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوَأْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحَكْمُ
وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِينَ (٣)﴾ [الأنعام]، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أي: جزاء ﴿وَخَيْرُ عُقْبًا﴾ أي:
الأعمال التي تكون لله ومك، ثوابها خير وعاقبتها حميدة رشيدة كلها خير.
﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا
نَذْرُوهُ الْرَّخُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا (﴿ اَلْمَالُ وَاَلْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَأُ وَالْنَفِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيْرُ
عِندَ رَبِّكَ ثَّوَابًا وَخَيْرُ أَمَلًّا (﴾﴾.
يقول تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ﴾ يا محمد للناس ﴿مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ في زوالها وفنائها وانقضائها ﴿كَمَاءِ
أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ اٌلْأَرْضِ﴾ أي: ما فيها من الحب، فشبَّ وحسن، وعلاه الزهر
والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله ﴿فَأَضْبَحَ هَشِيمًا﴾ يابساً ﴿نَذْرُوهُ الرِّيَجُ﴾ أي: تفرقه وتطرحه ذات
اليمين وذات الشمال، ﴿وَكَانَ اَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ أي: هو قادر على هذه الحال وهذه الحال،
وكثيراً ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، كما قال تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَدِ فَأَخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِنَّا أَخَذَتِ آلْأَرْضُ
زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ﴾ الآية [٢٤]، وقال في الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَلَكُمُ يَِيَعَ فِى
اَلْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَنُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُمُ خُطَمَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى
لِأَوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾﴾ الآية، وقال في سورة الحديد ﴿أَعْلَمُواْ أَنََّا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَلَوْ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌُ
بَيْنَكُمْ وَتَكَثُرٌ فِ اَلْأَوَلِ وَالْأَوْلَّدِ كَعَثَلِ غَيْثٍ أَعَْبَ اَلْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُنُ حُطَمَاً وَفِ
اَلَّخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنُ وَمَا الْخَوَةُ الذُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ
وفي الحديث الصحيح: ((الدنيا خضرة حلوة))(٣).
وقوله: ﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَأُ﴾ كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَآِ وَالْبَنِينَ
وَالْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيًّا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَعَابِ ﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمَوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاَللَّهُ
عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾﴾ [التغابن] أي: الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم،
والجمع لهم، والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال: ﴿وَالَْقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيُّ عِندَ رَيِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرُ
أَمَلًا﴾.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات الصلوات
(١) وهي قراءة متواترة.
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٦٥.
(٢) وهي قراءة متواترة.