النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ • سُؤَرَّةُ الأَسْرَاءِ (٩٤، ٩٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وتهوي وتدلي أطرافها، فاجعل ذلك في الدنيا وأسقطها كسفاً، [أي قطعاً كقوله: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمَطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا](١) كِسَفًا مِنَ السَّمَآءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٧] فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم، وأما نبي الرحمة ونبي التوبة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجيلهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئاً، وكذلك وقع فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه حتى عبد الله بن أبي أمية الذي تبع النبي ◌َّه وقال له ما قال، أسلم إسلاماً تاماً وأناب إلى الله وفيات. ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو الذهب(٢)، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود: أو يكون لك بيت من ذهب(٣) ﴿أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَآءِ﴾ أي: تصعد في سلم ونحن ننظر إليك ﴿وَلَنْ تُؤْمِنَ لِرُفِّكَ حَتَّى تُنَزِلَ عَلَيْنَا كِنَبًا نَّفْرَؤُمُ﴾ . قال مجاهد: أي مكتوب فيه إلى كل واحد واحد صحيفة هذا كتاب من الله لفلان تصبح موضوعة عند رأسه (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: سبحانه وتعالى وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته، بل هو الفعال لما يشاء إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله رأيك. قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي وَلّ قال: ((عرض علي ربي ◌َ ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك)»(٥). ورواه الترمذي في الزهد عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث(٦). قُل لَّوْ كَانَ 42 ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُ الْهُدَى إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا (فَ) فِي الْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم ◌ِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا يقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي: أكثرهم ﴿أَنْ يُؤْمِنُواْ﴾ ويتابعوا الرسول إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلاً، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَكَثِيْرِ (١) زيادة من (ح) و(حم). (٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه ويتقوى بالأثرين التاليين، إذ أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة. (٣) أخرجه الطبري من طريق مجاهد عن ابن مسعود، ومجاهد لم يسمع من ابن مسعود والقراءة شاذة تفسيرية. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وهو لم يسمع من مجاهد. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده ضعيف جداً. لضعف عبيد الله بن زحر وعلي بن یزید. (٦) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه (ح ٢٣٤٧). ١٢٢ • سُؤْرَةُ الإِشْراءِ (٩٦، ٩٧) الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [يونس: ٢]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَأْنِهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَِّتِ فَقَالُواْ أَبَرٌّ ◌َهُدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾﴾ [التغابن]. وقال فرعون وملؤه: ﴿أَثْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وكذلك قالت الأمم لرسلهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [إبراهيم: ١٠] والآيات في هذا كثيرة. ثم قال تعالى منبهاً على لطفه ورحمته بعباده أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ليفقهوا منه لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر رسولاً من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ فَذَكُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ وَاشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ (٣)﴾ [البقرة] ولهذا قال ههنا: ﴿قُل لَّوْ ١٥١ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ كَانَ فِ الْأَرْضِ مَلَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ﴾ أي: كما أنتم فيها ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ أي: من جنسهم. ولما كنتم أنتم بشراً بعثنا فيكم رسلنا منكم لطفاً ورحمة. ٩٦ قُلْ كَفَى بِاللَِّ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَيرًا بَصِيرًا يقول تعالى مرشداً نبيه و * إلى الحجة على قومه في صدق ما جاءهم به: إنه شاهد علي وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذباً عليه لانتقم مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ﴿ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (®﴾ [الحاقة]. 33 ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اٌلْأَقَوِيلِ ( وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًاْ بَصِيرًا﴾ أي: عليماً بهم بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِّ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُفَّا مَأْوَنَهُمْ جَهَنٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا يقول تعالى مخبراً عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضلّ له، ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه؛ أي: يهدونهم، كما قال: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن نُفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: ((الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم))(١)، وأخرجاه في الصحيحين(٢). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف جداً، نفيع وهو أبو داود الأعمى متروك الحديث (المسند ١٣١/٢٠ ح ١٢٧٠٨). (٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُودِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَِّكَ شَرِّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان] (ح ٤٧٦٠)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب يحشر الكافر على وجهه (ح ٦ ٢٨٠). ١٢٣ • سُورَةُ الإِسْرَاءِ (٩٨، ٩٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد أيضاً: [حدثنا يزيد](١)، حدثنا الوليد بن جميع القرشي عن أبيه، حدثنا أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذرّ فقال: يا بني غفار، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار، فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: ((يلقي الله رحمت الآفة(٢) على الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف ذات القتب(٣) فلا يقدر عليها))(٤). وقوله: ﴿عُمْيًّا﴾ أي: لا يبصرون، ﴿وَبُكْمًا﴾ يعني: لا ينطقون، ﴿وَصُنَّا﴾ لا يسمعون، وهذا لا يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكماً وعمياً وصماً عن الحق، فجوزوا في محشرهم بذلك أحوج ما يحتاجون إليه ﴿مَّأْوَهُمْ﴾ أي: منقلبهم ومصيرهم ﴿جَهَنَّمٌ كُلَّمَا خَبَتْ﴾. قال ابن عباس: سكنت(٥). وقال مجاهد: طفئت (٦). ﴿َزِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ أي: لهباً ووهجاً وجمراً، كما قال: ﴿فَذُوقُواْ فَن ◌َّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [النبأ]. ٣٠ 2- ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِعَايَئِنَا وَقَالُواْ أَعِذَا كُنَا عِظَمًا وَرُفَتَا أَِنَا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ٩٨ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّاً لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظََّلِمُونَ إِلَّا كُفُورً ٩٩٦ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به من البعث على العمي والبكم والصمم جزاؤهم الذي ماج يستحقونه؛ لأنهم كذبوا ﴿بِعَايَئِنَا﴾ أي: بأدلتنا وحجتنا، واستبعدوا وقوع البعث عِظَمًا وَرُفَتَّا﴾ أي: بالية نخرة ﴿أَوِنَّا لَمَبْعُوُثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي: بعد ما صرنا إليه من البلى والهلاك والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية؟ فاحتج تعالى عليهم ونبههم على قدرته على ذلك بأنه خلق السموات والأرض، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك، كما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وقال: ﴿أَوَلَّ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ [الأحقاف] وقال: ﴿أَوَلَيْسَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِّىَ الْمَوْقَّ بَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ (١) زيادة من المسند كما في التخريج. (٢) أي: آفة الموت. (٣) الشارف: الناقة المُسنة، والقتب للبعير شبه الرحل. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: إسناده قوي (المسند ٣٦٠/٣٥، ٣٦١ ح٢١٤٥٦). قال الحافظ ابن حجر: أي يشتري الناقة المسنة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزّه الظهر الذي يوصله إلى مقصوده. (فتح الباري ١١/ ٣٨١). (٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٦) أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ١٢٤ • سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١٠٠، ١٠٤) شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿﴿ فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس]. وقال ههنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى كما بدأهم. وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَا لَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلاً مضروباً ومدة مقدرة لا بدّ من انقضائها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُورِ (®)﴾ [هود]. وقوله: ﴿فَبَى الظَّالِمُونَ﴾ أي: بعد قيام الحجة عليهم ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ إلا تمادياً في باطلهم وضلالهم. ١٠٠ ] ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُنَ خَزَآبِنَ رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَّأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِفَاقِ، وَكَانَ الْإِنسَنُ قَتُورًا يقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: قل لهم يا محمد لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس وقتادة: أي الفقر (١)، خشية أن تذهبوها مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبداً؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اُلْإِسَنُ قَتُورًا﴾ قال ابن عباس وقتادة: أي بخيلاً منوعاً(٢)، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ﴾ [النساء] أي: لو أن لهم نصيباً في ملك الله لما أعطوا أحداً اَلْمُلْكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا شيئاً ولا مقدار نقير، والله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله وهداه، فإن البخل والجزع والهلع صفة له، كما قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اُلْإِسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ [المعارج] ولهذا نظائر كثيرة في القرآن جَزُوْعًا ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٨) إِلَّا الْمُصَلِّيْنَ العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين: ((يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه)(٣). ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى نِسْعَ مَيَتٍ بَيِّنَتٍّ فَسْئَلْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِّ لَأَظُنُّكَ ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّ رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِ لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا فَأَرَدَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَعَلُ جَمِيعًا (٢﴾ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِىّ يَفِرْ عَوْنُ مَثْبُورًا إِسْرَِّلَ أَسْكُنُواْ الْأَرْضَ فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (®)﴾ يخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات وهي الدلائل القاطعة على صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلى فرعون، وهي: العصا واليد والسنين والبحر والطوفان والجراد (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس، ومعناه صحيح، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة بلفظ: ((خشية الفاقة)). (٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: ((بخيلاً))، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر بلفظ: ((خشية الفاقة)). (٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه صحيح البخاري، التفسير، باب (وكان عرشه على الماء ح ٤٦٨٤، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة ... ح -٩٣٣). ١٢٥ • سُورَّةُ الإِشْرَاءِ (١٠١، ١٠٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، قاله ابن عباس(١). وقال محمد بن كعب: هي اليد والعصا، والخمس في الأعراف والطمسة(٢) والحجر (٣). وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هي يده وعصاه والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم(٤). وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري السنين ونقص الثمرات واحدة، وعنده أن التاسعة هي تلقف العصا ما يأفكون(٥) ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها، كفروا بها ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَتْهَاَ أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُواْ﴾ [النحل: ١٤]، وما نجعت فيهم: فكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا منك ما سألوا، وقالوا: ﴿لَن تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء الله، كما قال فرعون لموسى وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات ﴿إِنِّ لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ قيل: بمعنى ساحر، والله تعالى أعلم. فهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المراد ههنا، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وَلْقِ عَصَالَ فَمَّا رَءَاهَا تَرُّ كَأَنَّهَا جَنٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبَّ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِ لَا يَخَافُ لَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (®) إِلَّا ، وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَمْيِكَ تَخْرُجْ بَيَضَلَهُ مِنْ غَيْرِ سُوْءٌ فِ نِشْعِ تَحِيمٌ مَنْ ظَلَمَ ثُرَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوْءٍ فَإِنِ غَفُورُ ﴾ [النمل] فذكر هاتين الآيتين العصا واليد وبيَّن الآيات ءَيْتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِنَّ إِنَهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَلِقِينَ الباقيات في سورة الأعراف وفصلها . وقد أوتي موسى علَّا آيات أخر كثيرة، منها ضربُه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه، ومنها تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما أوتيه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ههنا التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، فكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفراً وجحوداً . فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي رابه قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى تِسْعَ مَايَتٍ بَيِّنَتِّ﴾ فقال: لا (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس. (٢) الطمسة هي دعاء موسى وتأمين هارون، كما في الرواية نفسها في الطبري. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه عنعنة ابن إسحاق، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف. (٤) قول ابن عباس أخرجه عبد الرزاق والطبري كلاهما من طريق قتادة عن ابن عباس وقتادة لم يسمع من ابن عباس ويتقوى بما يليه. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف، وقول عكرمة أخرجه أحمد بن منيع في مسنده بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه (المطالب العالية رقم ٤٠٣٣) وقول الشعبي أخرجه مسدد في مسنده (المطالب العالية رقم ٤٠٣٢)، والطبري كلاهما بسند صحيح من طريق مغيرة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن الحسن. ١٢٦ • سُوَرَةُ الإِشْرَاءِ (١٠١، ١٠٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 تقل له نبي، فإنه لو سمعك لصارت له أربع أعين، فسألاه، فقال النبي وَله: ((لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة - أو قال لا تفروا من الزحف شعبة الشاك ـ وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت)) فقبلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي. قال: ((فما يمنعكما أن تتبعاني؟)) قالا: لأن داودعليّلا دعا أن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود (١). فهذا الحديث رواه هكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج به، وقال الترمذي: حسن صحيح(٢). وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم، ولهذا قال موسى لفرعون ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنْزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ﴾ أي: حججاً وأدلة على صدق ما جئتك به ﴿وَإِى لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: هالكاً، قاله مجاهد وقتادة(٣)، وقال ابن عباس: ملعوناً (٤)، وقال أيضاً هو والضحاك ﴿مَثْبُورًا﴾ أي: مغلوباً(٥)، والهالك كما قال مجاهد يشمل هذا كله، قال الشاعر عبد الله بن الزبعري: إذ [أُجاري](٦) الشيطان في سنن الغـ يِّ ومَن مال ميله مثبور(٧) وقرأ بعضهم برفع التاء من قوله: علمتُ(٨)، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب لفرعون، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَتْهُمْ ءَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ ﴿﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَمْتَقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌّ (١٤) [النمل] . فهذا كله مما يدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، التي فيها حجج وبراهين (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ١٢/٣٠، ١٣ ح ١٨٠٩٢) وقال محققوه: إسناده ضعيف لضعف عبد الله بن سَلِمَةَ المرادي. اهـ. وأيضاً فإن رواية عمرو بن مرة عنه بعدما كبر وتغير حفظه. (٢) سنن الترمذي، الاستئذان، باب ما جاء في قبلة اليد والرجل (ح٢٧٣٣)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب السحر ١١١/٧، وسنن ابن ماجه، الأدب، باب الرجل يقبل يد الرجل (ح ٣٧٠٥)، وتفسير الطبري، وسنده ضعيف كسابقه. (٣) قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وبسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري. (٦) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل صُحف إلى: ((أجارمى)). (٧) استشهد به الطبري وابن هشام ٤١٩/٢. (٨) وهي قراءة متواترة. ١٢٧ • سُوَرَّةُ الأَشْراءِ (١٠٥، ١٠٦) على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله، وليس المراد منها كما ورد في الحديث، فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه؛ وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟ وما جاءهم هذا الوهم إلا من قبل عبد الله بن سلمة؛ فإن له بعض ما ينكر، والله أعلم. ولعل ذينك اليهوديين إنما سألا عن العشر الكلمات فاشتبه على الراوي بالتسع الآيات فحصل وهم في ذلك، والله أعلم. وقوله: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ﴾ أي: يخليهم منها ويزيلهم عنها، ﴿فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِىّ إِسْرَِّلَ أُسْكُنُواْ الْأَرْضَ﴾ وفي هذا بشارة لمحمد بَّر بفتح مكة مع أن السورة مكية نزلت قبل الهجرة، وكذلك فإن أهل مكة همُّوا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِلًا ﴿ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (49)﴾ [الإسراء]، ولهذا أورث الله رسوله مكة فدخلها عنوة على أشهر القولين، وقهر أهلها ثم أطلقهم حلماً وكرماً، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم، كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَتْنَهَا بَنِيّ إِسْرَِّيلَ ﴾﴾ [الشعراء] وقال ههنا: ﴿ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ، لِبَنِىّ إِسْرَِّلَ أُسْكُنُواْ أُلْأَرْضَ فَإِذَا جَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِثْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (9﴾﴾ أي: جميعكم أنتم وعدوكم. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: لفيفاً أي: جميعاً (١). لِثَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى وَقُرْءَانًا فَرَقْنَهُ ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْتَهُ وَبِاَلْمِّ نَزَلْ وَمَآ أَرْسَلْتَكَ إِلَّ مُبَشِيرًا وَنَذِيرًا () مُكٍْ وَنَزَّلْنَهُ نَِّيلًا يقول تعالى مخبراً عن كتابه العزيز وهو القرآن المجيد أنه بالحق نزل، أي: متضمناً للحق، كما قال تعالى: ﴿لَّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكٌ أَنزَلَهُ بِعِلْمِةٍ،﴾ [النساء: ١٦٦] أي: متضمناً علم الله الذي أراد أن يطلعكم عليه من أحكامه وأمره ونهيه. وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلْ﴾ أي: وصل إليك يا محمد محفوظاً محروساً لم يشب بغيره ولا زيد فيه ولا نقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القوى الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى. وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ﴾ أي: يا محمد ﴿إِلَّ مُبَشْرًا وَنَذِيرًا﴾ مبشراً لمن أطاعك من المؤمنين ونذيراً لمن عصاك من الكافرين. وقوله: ﴿وَقُرْءَانًا فَقْتَهُ﴾ أما قراءة من قرأ بالتخفيف فمعناه: فصلناه من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفرقاً منجماً على الوقائع إلى رسول الله و ◌ّل في ثلاث وعشرين سنة، قاله عكرمة عن ابن عباس(٢). (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه ومعناه صحيح ويتقوى بالآثار التالية: فقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري. (٢) أخرجه الطبري والنسائي (السنن الكبرى، التفسير، باب سورة الفرقان ح ١١٣٧٢)، والحاكم (المستدرك = ١٢٨ سُورَةُ الأَسْرَاءِ (١٠٧، ١١١) وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ: فرقناه بالشديد(١)، أي: أنزلناه آية آية مبيناً ومفسراً، ولهذا قال: ﴿لِنَقْرَمُ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم، أي: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ أي: مهل ﴿وَزَّلْنَهُ نَزِيلاً﴾ أي: شيئاً بعد شيء. ] ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ، أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا؟ ١٠٨ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَآ إِن كَنَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا ١٠٧ يقول تعالى لنبيه وَّ: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء الكافرين بما جئتهم به من هذا القرآن العظيم ﴿مَامِنُواْ بِهِ، أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ﴾ أي: سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه أنزله الله ونوه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة على رسله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلّمَ مِن قَبْلِهِ»﴾ أي: من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه ولا حرفوه ﴿إِذَا يُتْلَى عَيْهِمْ﴾ هذا القرآن ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن وهو أسفل الوجه ﴿سُجَّدًا﴾ أي: لله رَ شكراً على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلاً أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب، ولهذا يقولون: ﴿سُبْحَنَ رَيْنَا﴾ أي: تعظيماً وتوقيراً على قدرته التامة وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد بَّه ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَنَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾. وقوله: ﴿وَيَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ أي: خضوعاً لله م وإيماناً وتصديقاً بكتابه ورسوله ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ أي: إيماناً وتسليماً، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَهُمْ تَقْوَهُمْ [محمد]. وقوله: ﴿وَيَخِرُونَ﴾ عطف صفة على صفة لا عطف السجود على السجود، كما قال الشاعر : وليث الكتيبة في المزدحم إلى الملك القَرْم وابن الهُمام ] ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَّا مَّا تَدْعُوْ فَهُ الْأَسْمَآءُ الْمُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَ وَ يَكُن لَّهُ شَرِيِكُ فِىِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَيْرَهُ تَكْبِرًا يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة لله رحمة، المانعين من تسميته بالرحمن ﴿اَدِّعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ أي: لا فرق بين دعائكم له باسم الله أو باسم الرحمن، فإنه ذو الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (﴾﴾ إلى أن قال: ﴿لَهُ الْأَسْمَُّ الْحُسْنَىَّ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤]. ٣٦٨/٢)، والبيهقي (دلائل النبوة ١٣١/٧)، كلهم من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة به وصححه = الحاكم ووافقه الذهبي، ووافقهما الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٤/٩). وأصله في صحيح البخاري من طريق هشام عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه (الصحيح، مناقب الأنصار، باب مبعث النبي صل ح٣٨٥١). (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف. والقراءة شاذة تفسيرية. ١٢٩ سُورَةُ الأَشْراءِ (١٠٧، ١١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقد روى مكحول أن رجلاً من المشركين سمع النبي ◌َّار وهو يقول في سجوده: ((يا رحمن يا رحيم)) فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعو اثنين، فأنزل الله هذه الآية(١)، وكذا روي عن ابن عباس(٢)، رواهما ابن جرير. وقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ الآية قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ورسول الله وَ* متوارٍ بمكة، ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبُّوا القرآن وسبُّوا من أنزله ومن جاء به، قال: فقال الله تعالى لنبيه وَّهِ: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ أي: بقراءتك فيسمع المشركون فيسبون القرآن ﴿ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك ﴿ وَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾(٣). أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس به (٤)، وكذا رواه الضحاك عن ابن عباس، وزاد: فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك يفعل أي ذلك شاء(٥) . وقال محمد بن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله وَي﴿ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله وَّر بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقاً منهم، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم فلم يسمع، فإن خفض صوته وَّر لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئاً، فأنزل الله ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ﴾ فيتفرقوا عنك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمع من أراد أن يسمع ممن يسترق ذلك منهم فلعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به، ﴿وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾(٦). وهكذا قال عكرمة والحسن البصري وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة(٧) . وقال شعبة، عن [الأشعث بن سليم](٨) عن الأسود بن هلال، عن ابن مسعود لم يخافت بها من أسمع أذنيه (٩). قال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سلمى بن علقمة، عن محمد بن سيرين (١) أخرجه الطبري من طريق الأوزاعي عن مكحول وسنده مرسل. (٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن واقد عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وسنده ضعيف جداً لأن عبد الله بن واقد متروك (التقريب ص٣٢٨). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣/١) وسنده صحيح. (٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] (ح ٤٧٢٢)، وصحيح مسلم، الصلاة، باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية (ح٤٤٦). (٥) أخرجه الطبري بسند فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس. (٦) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وداد بن الحصين ثقة إلا في عكرمة كما في التقريب. (٧) قول عكرمة تقدم في الرواية السابقة، وقول الحسن البصري أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه. (٨) كذا في (ح) و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((أبي سليم)). (٩) أخرجه الطبري عن شيخه مطر بن محمد ولم يتبين لي من هو لأنه ورد ثلاثة شيوخ بهذا الاسم. ١٣٠ • سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١٠٧، ١١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال: نُبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي ◌ّ وقد علم حاجتي، فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قيل لأبي بكر: ارفع شيئاً، وقيل لعمر: اخفض شيئاً(١). وقال أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء (٢)، وهكذا روى الثوري ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّا أنها نزلت في الدعاء(٣)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو عياض ومكحول وعروة بن الزبير (٤). وقال الثوري، عن ابن عياش العامري، عن عبد الله بن شداد قال: كان أعرابي من بني تميم إذا سلم النبي وَّ﴾ قال: ((اللهم ارزقنا إبلاً وولداً)) قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَ ◌ُّخَافِتْ بِهَا﴾(٥). (قول آخر): قال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّ: نزلت هذه الآية في التشهد ﴿وَلَ تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾(٦)، وبه قال حفص عن أشعث بن سوار، عن محمد بن سيرين مثله(٧) . (قول آخر): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قال: لا تصلِّ مراءاة للناس ولا تدعها مخافة الناس(٨). وقال الثوري، عن منصور، عن الحسن البصري ﴿ وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ قال: لا تحسن علانيتها وتسيء سريرتها(٩)، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن الحسن به (١٠)، (١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده ضعيف لأن ابن سيرين لم يسمع من أبي بكر ته، وقد رواه بصيغه: ((نُبئت)). (٢) أخرجه الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ٤٤١/٢)، وأحمد بن منيع في مسنده (المطالب العالية ٦٠٦/٨) كلهم من طريق أشعث بن سوار به وفي سنده أشعث بن سوار وهو ضعيف كما في التقريب، ويتقوى برواية عائشة ثنا التالية. (٣) سنده صحيح وأخرجه الشيخان من طريق هشام بن عروة به صحيح البخاري، التفسير، باب (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ح ٤٧٢٣، وصحيح مسلم، الصلاة، باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية ح ٤٤٧). (٤) هذه الآثار مراسيل أخرجها الطبري بأسانيد صحاح ويقوي بعضها بعضاً وتتقوى بالرواية السابقة. (٥) أخرجه ابن أبي شيبه (المصنف ٤٤١/٢)، والطبري كلاهما من طريق الثوري به، وسنده مرسل لأن عبد الله بن شداد تابعي. (٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلا أن حفص بن غياث تغير في آخره كما في التقريب، وأخرجه ابن خزيمة من طريق حفص بن غياث به (الصحيح ١/ ٣٥٠ ح ٧٠٧) وكذا أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٣٠/١). وقد خالف حفص الثوري ورواية الصحيح. (٧) أخرجه الطبري من طريق حفص بن غياث به وسنده ضعيف لضعف أشعث وإرسال ابن سيرين. (٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٩) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده صحيح. (١٠) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح. ١٣١ • سُوَرَّةُ الإِسْرَاءِ (١٠٧، ١١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وهشيم، عن عوف عنه به(١)، وسعيد عن قتادة عنه كذلك(٢). قول آخر: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال: أهل الكتاب يخافتون ثم يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك الذي سنَّ له جبريل من الصلاة(٣). وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَّخِذْ وَلَ﴾ لمَّا أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى نزَّه نفسه عن النقائض فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَخِذْ وَا وَ يَكُن لَُّ شَرِيكُ فِ الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. ﴿وَلَمَّ يَّكُنْ لَّهُ وَلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ﴾ أي: ليس بذليل فيحتاج إلى أن يكون له وليّ أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له، ومدبرها ومقدرها وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَّ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ﴾ لم يخالف أحداً ولا يبتغي نصر أحد(٤). ﴿وَكَيْرَهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً. قال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَّخِذْ وَلَ﴾ الآية، قال: إن اليهود والنصارى يقولون: اتخذ الله ولداً، وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون(٥) والمجوس(٦): لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَّخِذْ وَلَا وَ يَكُن لَّهُ شَرِيِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَّ يَكُنْ لَّهُ وَلٌِ مِّنَ الذُّلِّ وَكَيْرُ تَكْبِيًّا (﴾﴾(٧). وقال أيضاً: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة ذُكر لنا أن النبي ◌َلو كان يعلم أهله هذه الآية ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْ يَخِذْ وَلَا وَ يَكُن لَّهُ شَرِيكُ فِىِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَّلِىٌ مِّنَ الذُّلِّ وَكَيرهُ تَكْبِيرًا﴾ الصغير من أهله والكبير(٨). قلت: وقد جاء في حديث أن رسول الله وَ ﴿ل سمّى هذه الآية آية العزّ(٩)، وفي بعض الآثار أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة، والله أعلم. (١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده صحيح. (٢) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة، وسنده صحيح. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن مع تقديم وتأخير، لكنه معضل لأن عبد الرحمن تابع تابعي. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٥) الصابئة: صبأ الرجل إذا مال وزاغ، فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق قيل لهم الصابئة (الملل والنحل ٥/٢). (٦) المجوس: هم الذين يقولون بالأصلين: وهما النور والظلمة، يزعمون أن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة (الملل والنحل ٢٣٠/١). (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل. (٨) أخرجه الطبري بسند ومتنه، ورجاله ثقات لكنه مرسل. (٩) أخرجه الإمام أحمد بسند ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني وزبان بن فائد. اللّه (المسند ٤٣٩/٣) في سنده ابن لهيعة ١٣٢ • سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١٠٧، ١١١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا بشر بن سيحان البصري، حدثنا حرب بن ميمون، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة قال: خرجت أنا ورسول الله صل﴿ ويده في يدي، أو يدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة فقال: ((أي فلان ما بلغ بك ما أرى؟)) قال: السقم والضر يا رسول الله، قال: ((ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟)) قال: لا، قال: ما يسرني بها أن شهدت معك بدراً أو أُحداً، قال: فضحك رسول الله وَ﴿ وقال: ((وهل يدرك أهل بدر وأهل أُحد ما يدرك الفقير القانع؟)) قال: فقال أبو هريرة: يا رسول الله إياي فعلمي، قال: ((فقل يا أبا هريرة توكلت على الحي الذي لا يموت، الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيراً)) قال: فأتى علي رسول الله وقد حسنت حالي قال: فقال لي: ((مهيم)) قال: قلت: يا رسول الله لم أزل أقول الكلمات التي علمتني))(١)، إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة، والله أعلم. آخر تفسير سورة سبحان. (١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي (المسند ٢٣/١٢ ح ٦٦٧١). ١٣٣ سُورَةُ الكَهْفِتْ 0000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000000000 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 4700000 سُورَةُ الْكَهْفِ وهي مكية ذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ◌َ ﴿ فقال: ((اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزل عند القرآن أو تنزلت للقرآن))(١). أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به(٢)، وهذا الرجل الذي كان يتلوها هو أُسيد بن الحضير كما تقدم في تفسير سورة البقرة(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا هَمَّام بن يحيى، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، عن النبي وَلّ قال: ((من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال))(٤). رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث قتادة به، ولفظ الترمذي: ((من حفظ ثلاث آيات من أول الكهف)) وقال: حسن صحيح(٥). (طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان، عن أبي الدرداء، عن النبي و لو قال: ((من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال))(٦) ورواه مسلم أيضاً والنسائي من حديث قتادة به. وفي لفظ النسائي: ((من قرأ (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨١/٤) وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح ٣٦١٤)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب نزول السكينة لقراءة القرآن (ح ٧٩٥). (٣) تقدم في فضائل سورة البقرة. (٤) أخرجه الإمام أحمد عن عبد الصمد وعفان كلاهما عن همام به، وصحح سنده محققوه (المسند ٤٥/ ٥٢٧) (ح ٢٧٥٤٢). (٥) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (ح٨٠٩)، وسنن أبي داود، الملاحم، باب خروج الدجال (ح٤٣٢٣)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب فضائل القرآن (ح٨٠٢٥)، وسنن الترمذي، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة الكهف (ح٢٨٨٦). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه ثم ذكروا فائدة مهمة في قولهم: لكن شذّ فيه شعبة فقال: ((من أواخر سورة الكهف)) فخالف همّام بن يحيى في الرواية السالفة برقم (٢١٧١٢)، وسعيد بن أبي عروبة في الرواية الآتية برقم (٢٧٥٤٠)، وشيبان النحوي في الرواية (٢٧٥٤١)، وهشام الدستوائي عند مسلم (٨٠٩) قالوا جميعاً: من أول سورة الكهف (المسند ٥٠٨/٤٥، ٥٠٩ ح٢٧٥١٦). ١٣٤ • سُوَرَّةُ الكَهْفِ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عشر آيات من الكهف)) فذكره(١). حديث آخر: وقد رواه النسائي في ((اليوم والليلة)) عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، عن رسول الله وَلاخر أنه قال: ((من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف، فإنه عصمة له من الدجال))(٢) فيحتمل أن سالماً سمعه من ثوبان ومن أبي الدرداء. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فايد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه عن رسول الله وَالر أنه قال: ((من قرأ أول سورة الكهف وآخرها، كانت له نوراً من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً ما بين السماء والأرض))(٣). انفرد به أحمد ولم يخرجوه. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بإسناد له غريب عن خالد بن سعيد [بن](٤) أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين))(٥) وهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف. وهكذا روى الإمام سعيد بن منصور في سننه عن هشيم بن بشير، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري ظبه أنه قال: من قرأ سوة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق. هكذا وقع موقوفاً (٦)، وكذا رواه الثوري، عن أبي هاشم به من حديث أبي سعيد الخدري وقد أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي بكر محمد بن المؤمل، حدثنا الفضيل بن محمد الشعراني، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا هشيم، حدثنا أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد، عن النبي ◌ّ أنه قال: ((من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين)) ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه(٧). وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في سننه عن الحاكم، ثم قال البيهقي: ورواه يحيى بن كثير، عن شعبة، عن أبي هاشم بإسناده أن النبي وَّ قال: ((من قرأ سورة الكهف كما نزلت، كانت له نوراً يوم القيامة))(٨). وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن مصعب، عن منظور بن زيد بن خالد الجهني، عن علي بن الحسين، عن (١) صحيح مسلم، الحديث السابق والسنن الكبرى للنسائي، كتاب عمل اليوم والليلة (ح ١٠٧٨٦). (٢) المصدر السابق (ح ١٠٧٨٤). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه (المسند ٢٤/ ٣٩٠ ح ١٥٦٢٦). (٤) كذا في (ح) و(حم)، وفي الأصل صُحِّف إلى: ((عن)). (٥) ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن خالد الختلي مسنداً ونقل عن ابن الجوزي أنه كذبوه، وعن ابن منده: صاحب مناكير (لسان الميزان ١٥١/٥) ولهذا وصفه الحافظ ابن كثير بالغرابة، والراجح وقفه كما قرر الشيخ الألباني وأن له حكم الرفع (إرواء الغليل ٩٤/٣)، وقال المنذري: رواه ابن مردويه بإسناد لا بأس به (الترغيب ٥١٣/١)، والصحيح وقفه. (٦) سنده صحيح وهذا الموقوف هو الراجح، وقد رجح ذلك البيهقي (الجامع لشعب الإيمان ح٢٤٤٦). (٧) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: نعيم ذو مناكير (المستدرك ٣٦٨/٢). (٨) السنن الكبرى ٢٤٩/٣. ١٣٥ • سُورَّةُ الكَهْفِظ (١، ٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبيه، عن علي مرفوعاً: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال عصم منه))(١). ﴿اَلْحَبْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا ﴾ قَبِّمَا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن ◌َّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًّاً حَسَنًّا جَ مَّكِتِينَ فِيهِ أَبَدًّا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّا ٣ ◌َّا لَهُم بِهِ، مِنْ عٍِّ وَلَا لِّبَبِهِمَّ كَبُرَتْ كَلِمَةُ تَّخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾﴾. قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور حيث جعله كتاباً مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم واضحاً بيناً جلياً نذيراً للكافرين، بشيراً للمؤمنين، ولهذا قال: ﴿وَلَْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ أي: لم يجعل فيه اعوجاجاً ولا ميلاً، بل جعله معتدلاً مستقيماً ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيماً ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّكُنَّهُ﴾ أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به ينذره ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى ﴿مِّن لَُّنْهُ﴾ أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي: مثوبة عند الله جميلة ﴿مَّكِتِينَ فِيهِ﴾ في ثوابهم عند الله، وهو الجنة خالدين فيه ﴿أَبَدًا﴾ دائماً لا زوال له ولا انقضاء. وقوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اُللَّهُ وَلَدًا ﴾﴾ قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله(٢). ﴿َّا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بهذا لقول الذي افتروه وائتفكوه من علم ﴿وَلَا لِلَّبَّبِهِمَّ﴾ أي: لأسلافهم. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ نصب على التمييز تقديره: كبرت كلمتهم هذه كلمةً. وقيل: على التعجب تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلاً، قاله بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة: (كبرت كلمةٌ) (٣) كما يقال: عظم قولك وكبر شأنك، والمعنى على قراءة الجمهور أظهر، فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإفكهم، ولهذا قال: ﴿ كَبِرَتْ كَلِمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِهِمَّ﴾ أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال: ﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة، فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعثت (١) أخرجه الضياء المقدسي بسنده ومتنه (المختارة ٤٢٩/٢)، وفي سنده عبد الله بن مصعب فهو الجهني تُكلم فيه (لسان الميزان ٣٦٢/٣). (٢) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣٠٢/١). (٣) وهي قراءة شاذة. ١٣٦ • سُورَةُ الكَهْفِ (٦، ٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار اليهود عن رسول الله وَّر، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طوَّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها (١) ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاؤوا رسول الله وَله فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله وَتليفون: ((أخبركم غداً عما سألتم عنه)) ولم يستثن فانصرفوا عنه ومكث رسول الله وَل خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبريل نِالَّلا حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها، لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه وحتى أحزن رسول الله ويسير مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريلمنظلل من الله رَك بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطّاف، وقول الله زم [الإسراء] (٢) . ٨٥ ﴿وَيَسْتَلُونَ عَنِ الرُِّجَّ قُلِ الزُّوُجُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴿فَلَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاتَرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًّا (٦َ إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴿ وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا ﴾﴾. يقول تعالى مسلياً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه كما قال تعالى: ﴿فَلَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَتٍ﴾ [فاطر: ٨] وقال: ﴿وَلَا تَّحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَخٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [الشعراء] باخع؛ أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: ﴿فَعَلَّكَ بَخِعُ نَّفْسَكَ عَلَى ءَاثَِهِمْ إِن لَّْ يُؤْمِنُوْ بِهَذَا اُلْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن ﴿أَسَفًّا﴾ يقول: لا تهلك نفسك أسفاً. قال قتادة: قاتل نفسك غضباً وحزناً عليهم(٣). وقال مجاهد: جزءاً(٤)، والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم؛ بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات. (١) الرجل هو ذو القرنين. (٢) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وذكره ابن هشام (السيرة ٣٠٢/١) وسنده ضعيف الإبهام شيخ ابن إسحاق. (٣) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة. (٤) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. ١٣٧ • سُوَّرَةُ الكَهْفِظَ (٩، ١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا داراً فانية مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال ﴿إِنَا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لََّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله وَ ل﴿ أنه قال: ((إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء))(١). ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخرابها، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا ﴾﴾ أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكاً صعيداً جرزاً لا ينبت ولا ينتفع به. كما قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا ﴾﴾ يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد(٢). وقال مجاهد: صعيداً جرزاً بلقعاً (٣). وقال قتادة: الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات (٤). وقال ابن زيد: الصعيد الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا نَسُوقُ ﴾﴾ [السجدة](٥). الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُِ فَتُخْرِجُ بِهِ. زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَنْفُسُهُمَّ أَفَلَا يُبْصِرُونَ وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴾﴾ يعني: الأرض وأن ما عليها لفانٍ وبائد، وأن المرجع لإلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى (٦). ] ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوْ مِنْ ءَايَِنَا ◌َبًا ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْبَةُ إِلَى اُلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَائِنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ فَضَرَيْنَا عَلَى جَاذَانِهِمْ فِ اَلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ٨ ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعَلَمَ أَىُّ الْخِزْبَنِ أَحْصَى لِمَا لَبِنُواْ أَمَدًا ﴾﴾. هذا إخبار من الله تعالى عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ يعني: يا محمد ﴿أَنَّ أَصْحَبَ اَلْكَهْفِ وَالرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَئِنَا عَبًا﴾ أي: ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا، فإن خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال [ابن جريج](٧) عن مجاهد: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَالَرَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَتِنَا ◌َجَبًا (٤)﴾ يقول: (١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنعام آية ١٦٥. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن ابن زيد. (٦) يشهد له ما سبق. (٧) كذا في (ح) وفي الأصل صُحّف إلى ابن جرير وكذا في (حم). ١٣٨ • سُوَرَّةُ الكَهْفِظَ (١٢،٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك(١). وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَبَ الْكَهْفِ وَلَّقِ كَانُواْ مِنْ ءَايَئِنَا ◌َجَبًا يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم(٢). وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وأما الكهف فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون(٣)، وأما الرقيم فقال العوفي عن ابن عباس: هو وادٍ قريب من أيلة(٤)، وكذا قال عطية العوفي وقتادة(٥) . وقال الضحاك: أما الكهف فهو غار في الوادي، والرقيم اسم الوادي(٦). وقال مجاهد: الرقيم [كتاب تبيانهم](٧)، ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم (٨). وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله الرقيم: كان يزعم كعب أنها القرية(٩) . وقال ابن جريج، عن ابن عباس: الرقيم الجبل الذي فيه الكهف (١٠). وقال ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس(١١). وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران(١٢). وقال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: القرآن أعلمه (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وليس عن مجاهد، وما ورد عن ابن جريج عن مجاهد بلفظ: ((كانوا يقولون: هم عجب)). (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق بنحوه وكذا ابن هشام والسيرة ٣٠٣/١. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به. (٥) قول عطية العوفي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن إدريس عن أبيه عنه بلفظ: ((الرقيم وادٍ))، وكذا أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. (٦) أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك. (٧) كذا في تفسير الطبري: كتاب تبيانهم وفي (ح) و(حم): كتاب بنيانهم، وصحف في الأصل إلى: ((كان))، وهكذا في جميع الطبعات. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٩) أخرجه البستي من طريق سفيان به، وسنده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح أيضاً. (١٠) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس. (١١) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وفي سنده عنعنة ابن إسحاق، وشيخ الطبري هو محمد بن حميد وهو الرازي: ضعيف. (١٢) أخرجه الطبري والإمام أحمد كلاهما من طريق حجاج عن ابن جريج به (العلل برواية ابنه عبد الله ١٠٠/١) ووهب بن سليمان سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح ٢٧/٩) وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٥٧) والرواية إسرائيلية. ١٣٩ • سُوَرَّةُ الكَهْفِ (٩، ١٢) إلا حناناً والأواه والرقيم(١). وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم؟ كتاب أم بنيان(٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرقيم الكتاب(٣). وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف(٤). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم الكتاب، ثم قرأ: ﴿كِتَبٌ تَرَقُومُ ﴾﴾ [المطففين](٥). وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: الرقيم فعيل بمعنى مرقوم، كما يقال للمقتول قتيل، وللمجروح جريح، والله أعلم. وقوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبََّآ ءَائِنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ١٠) يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه فهربوا منهم فلجأوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: ﴿رَبَّنَآ ءَائِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً﴾ أي: هَب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ أي: وقدِّر لنا من أمرنا هذا رشداً؛ أي: اجعل عاقبتنا رشداً، كما جاء في الحديث: ((وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشداً))(٦). وفي المسند من حديث بُسر بن أرطاة عن رسول الله وَي أنه كان يدعو: ((اللَّهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلِّها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة))(٧). وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ فِ الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾﴾ أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف فناموا سنين كثيرة، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ﴾ أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاماً يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَهُمْ لِنَعْلَمَ أَىُّ الْحِبَنِ﴾ (١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وفي رواية سماك عن عكرمة اضطراب ولكنه توبع في الرواية التالية، فسنده حسن. (٢) أخرجه القاضي البستي بسند صحيح عن ابن أبي عمر، وهو العدني، عن سفيان عن عمرو بن أبي دينار به، وأخرجه الطبري من طريق الحسين عن حجاج عن ابن جريج به، وفي سنده الحسين وهو ابن داود: ضعيف ویتقوی بسابقه. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن قيس عن سعيد بن جبير. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به وأطول. (٦) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة ◌ُؤُها كاملاً وما ورد هو من آخر الحديث، وصحح سنده محققوه (المسند ٦٧/٤٢ ح ٢٥١٣٧)، وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح٦٣٩) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٤٩٧). (٧) أخرجه الإمام أحمد وقال محققوه: رجاله موثقون غير أيوب بن ميسرة فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، وبسر بن أرطاة مختلف في صحبته (المسند ٢٩/ ١٧٠، ١٧١ ح ١٧٦٢٨)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٩١/٣)، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ١٨١). ١٤٠ • سُوْرَةُ الكَهْفِ (١٣، ١٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أي: المختلفين فيهم ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا﴾ قيل: عدداً، وقيل: غاية، فإنّ الأمد الغاية، كقوله(١): سبق الجواد إذا استولى على الأمد(٢) وَرَبَطْنَا عَلَى ـنُ نَقُّ عَلَيْكَ نَبَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةُ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَهُمْ هُدَّى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبِّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَأْ مِن دُونِهِ إِلَهَّاً لَّقَدْ قُلْنَا إِذَا شَطَطًا (١٦) هَؤُلَاءٍ قَوْمُنَا أَتَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةٌ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍّ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ أَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلََّّ اللهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ، وَيُّهَبِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُ مِرْفَقًا من ههنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية، وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين الله تعالى ولرسوله * شباباً، وأما المشايخ من قريش، فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً . وقال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة (٣) يعني: الحلق، فألهمهم الله رشدهم وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم؛ أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو. ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدِّى﴾ استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كالبخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَى﴾ كما قال: ﴿وَأَِّينَ أَهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَنُهُمْ تَقْوَنَّهُمْ (٣)﴾ [محمد] وقال: ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيَنَّا﴾ [التوبة: ١٢٤] وقال: ﴿لِيَزْدَادُوَاْ إِيمَنَا مَعَ إِيَمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. وقد ذُكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم، وقد تقدم عن ابن عباس (٤) أن قريشاً بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله وَالر، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدلَّ هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم. وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَتِ﴾ يقول تعالى: وصبرناهم على (١) هو النابغة الذبياني ذكره في ديوانه ص١٤. (٢) هذا عجز البيت وصدره: إلا لمثلك أو مَن أنت سابقه وكذا استشهد به الطبري كاملاً. (٣) رواه مجاهد بلاغاً ومن الواضح أنه من الإسرائيليات الموسومة بالتكلف. (٤) تقدم في أول التفسير بسند ضعيف.