النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سُورَةُ الإِشْرَاءِ (١)
الغيب والشهادة، قلت: يا عبد الله، أي دابة البراق؟ قال: دابة أبيض طويل، هكذا خطوه مد
البصر(١). ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة، عن عاصم به(٢). ورواه الترمذي والنسائي
في التفسير من حديث عاصم وهو ابن أبي النجود به. وقال الترمذي: حسن صحيح(٣).
وهذا الذي قاله حذيفة ربه نفي وما أثبته غيره عن رسول الله وَله من ربط الدابة بالحلقة،
ومن الصلاة ببيت المقدس مما سبق وما سيأتي مقدم على قوله، والله أعلم بالصواب.
رواية أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب، حدثنا
عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو محمد راشد الحماني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد
الخدري مَُّله، عن النبي وَ ل أنه قال له أصحابه: يا رسول الله، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها.
قال: قال الله ◌َّ: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى
بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِغُرِيَهُ مِنْ ◌َيَدِنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ قال: فأخبرهم، قال: ((فبينما أنا نائم عشاء
في المسجد الحرام إذ أتاني آتٍ فأيقظني، فاستيقظت فلم أر شيئاً، فإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعته
بصري حتى خرجت من المسجد الحرام، فإذا أنا بدابة أدنى شبهاً بدوابكم هذه، بغالكم هذه،
غير أنه مضطرب الأذنين يقال له: البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عند مد بصره،
فركبته، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع من يميني: يا محمد انظرني أسألك، يا محمد انظرني
أسألك، يا محمد انظرني أسألك، فلم أجّبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن
يساري: يا محمد انظرني أسألك، فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة
عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت: يا محمد، انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها
ولم أقم عليها حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها .
ثم أتاني جبريل ◌ُللا بإنائين: أحدهما خمر والآخر لبن، فشربت اللبن وأبيت الخمر، فقال
جبريل: أصبت الفطرة، أما إنك لو أخذت الخمر غوت أُمتك، فقلت: الله أكبر الله أكبر، فقال
جبريل: ما أريت في وجهك هذا؟ قال: فقلت: بينما أنا أسير إذا دعاني داع عن يميني: يا
محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو
وقفت عليه لتهودت أمتك، قال: فبينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري قال: يا محمد انظرني
أسألك فلم ألتفت ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي النصارى أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك،
قال: فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تقول:
يا محمد انظرني أسألك فلم أجبها ولم أقم عليها، قال: تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها أو قمت
عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٢١/٣٨، ٣٢٢ ح ٢٣٢٨٥).
(٢) المسند (ح٤١١).
(٣) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل (ح٣١٤٧)، وقال الترمذي: حسن صحيح. والسنن
الكبرى، التفسير، باب سورة الإسراء (ح ١١٢٨٠).

٢٢
• سُورَةُ الإِشْرَاءِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أتيت المعراج الذي
كانت تعرج عليه أرواح بني آدم فلم ير الخلائق أحسن من المعراج أما رأيت الميت حين يشق بصره
طامحاً إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحاً إلى السماء عُجْبُهُ بالمعراج، قال: فصعدت أنا
وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له: إسماعيل وهو صاحب السماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك
مع كل ملك جنوده مائة ألف ملك، قال: قال الله وَى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [المدثر: ٣١]
قال: فاستفتح جبريل باب السماء، قيل: من هذا؟ قال جبريل: قيل: ومن معك؟ قال: محمد.
قيل: أوَقد بعث إليه؟ قال: نعم، فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله رَّك على صورته، فإذا هو تعرض
عليه أرواح ذريته من المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه
أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين، فمضيت هنيهة فإذا أنا
بأخونة(١) عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن
عندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون
الحرام، قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر فيقول:
اللهم لا تقم الساعة. قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلة فتطؤهم، قال:
فسمعتهم يضجون إلى الله، قال: قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿ الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، قال: فتفتح أفواههم فيلقمون من
ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجُّون إلى الله وَ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء من أمتك ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ الْيَتَى كُلِلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَضْلَوْنَ
سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] قال: ثم مضيت هنيهة، فإذا أنا بنساء تعلقن بثديهن، فسمعتهنَّ يضججنَّ
إلى الله ، قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك. قال: ثم مضيت
هنيهة، فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم
أخيك، قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون.
قال: ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله وَ قد فضل الناس في
الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف
ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه فرد عليّ.
ثم صعدنا إلى السماء الثالثة، واستفتح فإذا أنا بيحيى وعيسى ◌َّاهِ، ومعهما نفر من قومهما،
فسلمت عليهما وسلما عليّ، ثم صعدنا إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكاناً
علياً، فسلمت عليه فسلم عليّ.
قال: ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد
لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا
هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ.
(١) أي: مائدة يؤكل عليها.

٢٣
• سُورَةُ الإِشْرَاءِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم، كثير الشعر، لو كان
عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا،
بل هذا أكرم على الله مني. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن
عمران ظلَّل* ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ.
ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن، سانداً ظهره إلى البيت
المعمور كأحسن الرجال، قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم خليل الرحمن
ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه فسلم عليّ. وإذا أنا بأمتي شطرين: شطر عليهم ثياب بيض
كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد قال: فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم
الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب السود وهم على خير، فصليت أنا ومن معي
في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي.
قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين
تجري يقال لها: سلسبيل فينشق منها نهران: (أحدهما): الكوثر، (والآخر): يقال له: نهر
الرحمة، فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر.
قال: إني رفعت إلى الجنة فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن
حارثة، وإذا بأنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة
للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وإذا رمانها كالدلاء(١) عظماً، وإذا أنا بطيرها كأنها بختكم
هذه، فقال عندها وَ﴾: ((إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت
ولا خطر على قلب بشر))، قال: ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو
طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم أغلقت دوني.
ثم إني رفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى. قال: وينزل
على كل ورقة منها ملك من الملائكة، قال: وفرضت علي خمسون صلاة، وقال: لك بكل حسنة
عشر، فإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشراً، وإذا
هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كُتبت عليك سيئة واحدة.
ثم رجعت إلى موسى فقال: بم أمرك ربك؟ فقلت: بخمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك
فاسأله التخفيف لأُمتك، فإن أُمتك لا تطيق ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر، فرجعت إلى ربي فقلت:
يا ربِّ خفف عن أُمتي، فإنها أضعف الأُمم، فوضع عني عشراً وجعلها أربعين، فما زلت أختلف
بين موسى وربي كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالته، حتى رجعت إليه، فقال لي: بمَ أُمرت؟
فقلت: أُمرت بعشر صلواتٍ. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي
فقلت: أي رب خفف عن أُمتي فإنها أضعف الأمم فوضع عني خمساً وجعلها خمساً فناداني
ملك عندها تممت فريضتي وخففت عن عبادي وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها .
ثم رجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرت؟ فقلت: بخمس صلوات. قال: ارجع إلى ربك فإنه لا
(١) جمع دلو.

٢٤
• سُورَةُ الإِشْرَاءِ (١)
يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك، فقلت: رجعت إلى ربي حتى استحييت. ثم أصبح بمكة
يخبرهم بالأعاجيب: إني أتيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا،
فقال أبو جهل - يعني: ابن هشام -: ألا تعجبون مما قال محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت
المقدس، ثم أصبح فينا وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهراً ومقفلة شهراً، فهذه مسيرة شهرين في
ليلة واحدة، قال: فأخبرتهم بعير لقريش لما كنت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها
نفرت، فلما رجعت وجدتها عند العقبة، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا
وكذا، فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء، فقال رجل منهم: أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف
بناؤه وهيئته، وكيف قربه من الجبل، فإن يك محمد صادقاً فسأخبركم وإن يك كاذباً فسأخبركم،
فجاء ذلك المشرك فقال: يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني: كيف بناؤه؟ وكيف
هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ قال: فرفع لرسول الله وَل بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر
أحدنا إلى بيته، قال: بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا، فقال
الآخر: صدقت، فرجع إليهم فقال: صدق محمد فيما قال أو نحواً من هذا الكلام(١).
وكذا رواه الإمام أبو جعفر بن جرير بطوله عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن
معمر، عن أبي هارون العبدي، وعن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي هارون
العبدي به. ورواه أيضاً من حديث محمد ابن إسحاق حدثني روح بن القاسم عن أبي هارون به نحو
سياقه المتقدم(٢)، ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أحمد بن عبدة، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن
عبد الصمد، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره بسياق طويل حسن أنيق، أجود
مما ساقه غيره على غرابته وما فيه من النكارة(٣). ثم ذكره البيهقي أيضاً من رواية نوح بن قيس
الحداني وهشيم ومعمر، عن أبي هارون العبدي(٤) واسمه عمارة بن جوين وهو مضعف عند الأئمة.
وإنما سقنا حديثه ههنا لما فيه من الشواهد لغيره، ولما رواه البيهقي: أخبرنا الإمام أبو عثمان
إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزاز، حدثنا أبو حامد بن
بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يزيد بن أبي حكيم قال: رأيت في النوم رسول الله شار قلت: يا
رسول الله، رجل من أُمتك يقال له: سفيان الثوري لا بأس به. فقال رسول الله: ((لا بأس به»
حدثنا عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عنك يا رسول الله ليلة أسري بك، قلت:
رأيت في السماء، فحدثته بالحديث فقال لي: ((نعم)) فقلت له: يا رسول الله إن ناساً من أُمتك
يحدثون عنك في المسرى بعجائب؟ قال لي: ((ذلك حديث القصاص)) (٥).
رواية شداد بن أوس:
قال الإمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن
(١) أخرجه البيهقي بسنده بنحوه (دلائل النبوة ٣٩٠/٢ - ٣٩٣)، وسنده ضعيف جداً لأن أبا هارون العبدي وهو
عمارة بن جوين متروك (التقريب ص٤٠٨).
(٢) أخرجه الطبري وفي هذه الأسانيد أيضاً عمارة بن جوين.
(٣) سنده كسابقه.
(٤) دلائل النبوة ٣٩٦/٢.
(٥) دلائل النبوة ٤٠٥/٢، وفي سنده أيضاً أبو هارون عمارة بن جوين وهو متروك.

٢٥
سُورَةُ الإِسْراءِ (١)
الضحاك الزبيدي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم الأشعري، عن محمد بن
الوليد بن عامر الزبيدي، حدثنا الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، حدثنا شداد بن أوس
قال: قلنا: يا رسول الله كيف أسري بك؟ قال: ((صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتماً
فأتاني جبريل عليهلا بداية أبيض أو قال: بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال: اركب فاستصعب
عليّ فرازها(١) بأذنها ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث انتهى طرفها حتى
بلغنا أرضاً ذات نخل، فأنزلني فقال: صلِّ فصليت ثم ركبت، فقال: أتدري أين صليت؟
قلت: الله أعلم، قال: صليت بيثرب صليت بطيبة.
فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها عند منتهى طرفها ثم بلغنا أرضاً قال: انزل، ثم قال: صلِّ.
فصليت ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت بمدين عند شجرة
موسى، ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضاً بدت لنا قصور
فقال: انزل، فنزلت فقال: صلِّ. فصليت ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم،
قال: صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى المسيح ابن مريم.
ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني فأتى قِبلةَ المسجد، فربط فيه دابته ودخلنا
المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر، فصليت من المسجد حيث شاء الله وأخذني من
العطش أشد ما أخذني، فأُتيت بإنائين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل أرسل إلي بهما جميعاً،
فعدلت بينهما ثم هداني الله رَ فأخذت اللبن فشربت حتى قرعت به جبيني (٢) وبين يدي شيخ
متكئ على مثواة له فقال: أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى.
ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه المدينة فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابي قلت: يا
رسول الله كيف وجدتها؟ قال: وجدتها مثل الحمة (٣) السخنة، ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش
بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيراً لهم قد جمعه فلان فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت
محمد، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر ظُنه فقال: يا رسول الله أين كنت
الليلة فقد التمستك في مظانك؟ فقال: علمت أني أتيت من بيت المقدس الليلة، فقال: يا
رسول الله إنه مسيرة شهر فصفه لي، قال: ففتح لي صراط كأني أنظر إليه لا يسألني عن شيء إلا
أنبأته به، فقال أبو بكر أشهد أنك لرسول الله، وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم
أنه أتى بيت المقدس الليلة، قال: فقال: إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان
كذا وكذا وقد أضلوا بعيراً لهم فجمعه فلان وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا
وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغراراتان سوداوان.
فلما كان ذلك اليوم قد أشرف الناس ينظرون حين كان قريباً من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم
ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله وير. هكذا رواه البيهقي من طريقين عن أبي إسماعيل الترمذي به (٤)
(٢) أي: شرب جميع ما فيه.
(١) أي: اختبرها .
(٣) أي: عين ماء حار.
(٤) دلائل النبوة ٣٥٥/٢ - ٣٥٧، وصحح سنده البيهقي ولا يخلو من الغرائب كالصلاة في طيبة ومدين وبيت =

٢٦
• سُؤَدَّةُ الإِسْراءِ (١)
0000000000000000000000000000002200000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم قال بعد تمامه: هذا إسناد صحيح، وروى ذلك مفرقاً من أحاديث غيره ونحن نذكر من ذلك
إن شاء الله ما حضرنا ثم ساق أحاديث كثيرة في الإسراء كالشاهد لهذا الحديث.
وقد روى هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإمام أبو عبد الرحمن بن أبي حاتم في
تفسيره عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به، ولا شك أن هذا الحديث أعني
الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي ومنها
ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم. وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس، وغير ذلك، والله
أعلم.
رواية عبد الله بن عباس :
قال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه قال: حدثنا ابن
عباس قال: ليلة أسري برسول الله وَّر، دخل الجنة فسمع في جانبها وخشاً فقال: يا جبريل ما
هذا؟ قال: هذا بلال المؤذن، فقال النبي ◌َّ حين جاء إلى الناس: ((قد أفلح بلال رأيت له كذا
وكذا)) قال: فلقيه موسى ظلَّلا، فرحب به قال: مرحباً بالنبي الأمي، قال: وهو رجل آدم طويل،
سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى، قال فمضى فلقيه
عيسى فرحب به وقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عيسى قال: فمضى فلقيه شيخ جليل متهيب
فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم - قال :
ونظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف، قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم
الناس، ورأى رجلاً أحمر أزرق جداً قال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عاقر الناقة - قال : فلما
أتى رسول الله ﴿ ﴿ المسجد الأقصى، قام يصلي فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف
جيء بقدحين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال، في أحدهما لبن وفي الآخر عسل، فأخذ
اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة(١)، إسناد صحيح، ولم يخرجوه.
(طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ثابت أبو زيد، حدثنا هلال، حدثني
عكرمة، عن ابن عباس قال: أُسري برسول الله وَلّ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم
بمسيرة وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم، فقال الناس: نحن لا نصدق محمداً بما يقول، فارتدُّوا
كفاراً فضرب الله رقابهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بشجرة الزقوم، هاتوا تمراً
وزبداً فتزقموا(٢)، ورأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس برؤيا منام وعيسى وموسى وإبراهيم،
وسئل النبي ◌ّر عن الدجال فقال: ((رأيته فيلمانياً(٣) أقمر (٤) هجاناً(٥)، إحدى عينيه قائمة كأنها
= لحم، وهذا الحديث ذكره الهيثمي وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير ... وفيه إسحاق بن إبراهيم بن
العلاء وثقه يحيى بن معين وضعفه النسائي (مجمع الزوائد ٧٨/١، ٧٩). وقال الحافظ ابن حجر: صدوق
كثيراً وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب (التقريب ص٩٩) وغالباً ما تكون هذه الغرائب من أوهامه.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥٧/١) وسنده حسن، وصحح سنده الحافظ ابن كثير، والحافظ
السيوطي (الخصائص الكبرى ١٥٩/١).
(٢) أي: كلوا.
(٤) أي: شديد البياض.
(٣) أي: عظيم الجثة.
(٥) أي: الأبيض.

٢٧
• سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة، ورأيت عيسى ظلّا أبيض، جعد الرأس حديد
البصر، ومبطن الخلق، ورأيت موسى ظلّله أسحم (١) آدم، كثير الشعر، شديد الخلق، ونظرت إلى
إبراهيم ◌ِليلا فلم أنظر إلى أرب (٢) منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل: سلم
على مالك، فسلمت عليه))(٣). ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد عن هلال، وهو
ابن خباب به(٤)، وهو إسناد صحيح.
(طريق أخرى): قال البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا
إسحاق بن الحسن، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، عن أبي العالية قال:
حدثنا ابن عم نبيكم ◌ّه ابن عباس ها قال: قال رسول الله وَليقول: «رأيت ليلة أسري بي موسى بن
عمران رجلاً طوالاً جعداً، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم عليَّ مربوع الخلق إلى
الحمرة والبياض سبط الرأس))، وأرى مالكاً خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه، قال:
﴿فَلَا تَكُنْ فِى مِرْيَةٍ مِّن لِقَآئِةٍ،﴾ [السجدة: ٢٣] فكان قتادة يفسرها أن نبي الله وَّ قد لقي موسى
﴿وَجَعَلْنَهُ هُدَى لِبَنِىّ إِسْرَوِيلَ﴾ [الإسراء: ٢] قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل(٥)، رواه مسلم
في الصحيح عن عبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن شيبان، وأخرجاه من حديث شعبة عن
قتادة مختصراً(٦).
(طريق أخرى): وقال البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار،
حدثنا دُبيس المعدل، حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلر: لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة،
فقلت: ما هذه الرائحة؟ قالوا: ماشطة بنت فرعون وأولادها، سقط المشط من يدها فقالت:
باسم الله، فقالت بنت فرعون: أبي؟ قالت: ربي وربك ورب أبيك، قالت: أوَلك رب غير أبي؟
قالت: نعم ربي وربك ورب أبيك الله .. قال: فدعاها، فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم ربي
وربك الله ريك. قال: فأمر ببقرة من نحاس، فأحميت ثم أمر بها أن تلقى فيها، قالت: إن لي
إليك حاجة، قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع، قال: ذاك لك لما
لك علينا من الحق، قال: فأمر بهم فألقوا واحداً واحداً حتى بلغ رضيعاً فيهم، فقال: يا أمه
قعي ولا تقاعسي، فإنك على الحق، قال: وتكلم أربعة في المهد وهم صغار: هذا وشاهد
يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم ظلّا(٧). إسناد لا بأس به، ولم يخرجوه.
(١) أي: أسمر.
(٢) أي: عضو.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند ٤٧٦/٥، ٤٧٧ ح ٣٥٤٦).
(٤) السنن الكبرى، التفسير، سورة الإسراء (ح١١٢٨٣) وصحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٥) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٣٨٦/٢) وسنده صحيح.
(٦) صحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله صل﴿ إلى السموات (ح٢٦٧/١٦٥).
(٧) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٣٨٩/٢)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة به (المسند ٣٠/٥،
٣١ ح ٢٨٢١) وحسن سنده محققوه. ولكن ذكر شاهد يوسف فيه غرابة لأنه لم يذكر أنه كان في المهد.
وقال الحافظ ابن كثير: إسناد لا بأس به.

٢٨
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١)
(طريق أخرى): قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر وروح، المعنى قالا : حدثنا
عوف عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَالر: ((لما كان ليلة أسري بي،
فأصبحت بمكة فظعت وعرفت أن الناس مكذبي)) فقعد معتزلاً حزيناً، فمرَّ به عدو الله أبو جهل،
فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال له رسول الله وَالر: ((نعم)) قال:
وما هو؟ قال: ((إني أُسري بي الليلة))، قال: إلى أين؟ قال: ((إلى بيت المقدس)) قال: ثم أصبحت
بين ظهرانينا؟ قال: ((نعم))، قال: فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه،
فقال: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ فقال رسول الله رَير: ((نعم)) فقال: يا معشر
بني كعب بن لؤي، قال: فانفضت إليه المجالس وجاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدث قومك
بما حدثتني، فقال رسول الله وَّير: ((إني أسري بي الليلة)) فقالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى بيت
المقدس)). قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: ((نعم)). قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع
يده على رأسه متعجباً للكذب، قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفيهم من قد سافر إلى ذلك
البلد ورأى المسجد، فقال رسول الله وَير: ((فما زلت أنعت حتى التبس عليّ بعض النعت قال
فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال فنعته وأنا أنظر إليه قال: وكان
مع هذا نعت لم أحفظه - يقول عوف - قال: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب فيه))(١).
وأخرجه النسائي من حديث عوف بن أبي جميلة وهو الأعرابي به، ورواه البيهقي من حديث
النضر بن شميل وهوذة عن عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي أحد الأئمة الثقات(٢).
رواية عبد الله بن مسعود رعايته:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن
يعقوب، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن نمير، عن مالك بن
مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة بن مصرف، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود
قال: لما أسري برسول الله صل فانتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي
ما يصعد به حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها حتى يقبض ﴿إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا
يَغْشَى (13)﴾ [النجم] قال: غشيها فراش من ذهب، وأعطي رسول الله وَطفل الصلوات الخمس
وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً المقحمات يعني: الكبائر(٣).
ورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، كلاهما عن
عبد الله بن نمير به .
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه، وصحیح سنده محققوه (المسند ٢٨/٥، ٢٩ ح٢٨١٩).
ونسبه الهيثمي إلى أحمد وغيره ثم قال: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦٥/١).
(٢) السنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب سورة الإسراء (ح١١٢٨٥ ودلائل النبوة للبيهقي ٣٦٣/٢).
وحسنه الحافظ ابن حجر ونسبه إلى البزار (فتح الباري ١٩٩/٧)، وصححه السيوطي (الخصائص الكبرى
١٦٠/١).
(٣) أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٣٧٢/٢).
(٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى (ح ١٧٣).

٢٩
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١)
ثم قال البيهقي: وهذا الذي ذكره عبد الله بن مسعود طرف من حديث المعراج، وقد رواه
أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي وَلّ، ثم عن أبي ذرِّ عن النبي ◌ََّ، ثم رواه مرة
مرسلاً من دون ذكرهما(١)، ثم إن البيهقي ساق الأحاديث الثلاثة كما تقدم(٢)، قلت: وقد روي
عن ابن مسعود بأبسط من هذا، وفيه غرابة، وذلك فيما رواه الحسن ابن عرفة في جزئه
المشهور: حدثنا مروان بن معاوية، عن قنان بن عبد الله النهمي، حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال:
كنا جلوساً عند أبي عبيدة بن عبد الله يعني ابن مسعود، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وهما
جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدثنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد وَالر، فقال أبو
عبيدة: لا بل حدثنا أنت عن أبيك، فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت، قال: فأنشأ
أبو عبيدة يحدث يعني عن أبيه كما سئل، قال: قال رسول الله وَلير: ((أتاني جبريل عليها بدابة فوق
الحمار ودون البغل، فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك
يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد
شنوءة، فيرفع صوته يقول: أكرمته وفضلته، قال: فدفعنا(٣) إليه فسلمنا عليه فردَّ السلام، فقال:
من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد، قال: مرحباً بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه
ونصح لأمته، قال: ثم اندفعنا فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران. قال:
قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك، قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال: إن الله قد عرف له
حدته. قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرج(٤)، تحتها شيخ وعياله، قال: فقال
لي جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه فسلما عليه فردَّ السلام، فقال إبراهيم: من هذا
معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد، قال: فقال: مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه،
ونصح لأمته، يا بني إنك لاقٍ ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن
تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل.
قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطت الدابة في الحقلة التي في
باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع
وساجد، قال: ثم أُتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل نُّل
منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد، قال: ((ثم أقيمت الصلاة فأممتهم، ثم انصرفنا
فأقبلنا))(٥) إسناد غريب، ولم يخرجوه، فيه من الغرائب سؤال الأنبياء عنه غيّر ابتداء، ثم سؤاله
عنهم بعد انصرافه، والمشهور في الصحاح كما تقدم أن جبريل كان يعلمه بهم أولاً ليسلم عليهم
سلام معرفة، وفيه أنه اجتمع بالأنبياء للّ قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما
اجتمع بهم في السموات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانياً وهم معه. وصلى بهم فيه، ثم أنه ركب
البراق وكرَّ راجعاً إلى مكة، والله أعلم.
(١) دلائل النبوة ٣٧٣/٢.
(٢) تقدم تخريج الأحاديث الثلاثة في الروايات السابقة. (٣) أي: ذهبنا إليه.
(٤) جمع: سراج.
(٥) سنده ضعيف للانقطاع فإن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود رضيالله. وفيه غرائب كما ذكر الحافظ ابن كثير.

٣٠
• سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
(طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا العوام، عن جبلة بن سحيم، عن
[مؤثر بن عَفازة](١) عن ابن مسعود، عن النبي وَ ل﴿ قال: ((لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى
وعيسى لّل، فتذاكروا أمر الساعة، قال: فردُّوا أمرهم إلى إبراهيم علَله، فقال: لا علم لي بها،
فردُّوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردُّوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما وجبتها فلا
يعلم بها أحد إلا الله ، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج، قال: ومعي قضيبان فإذا رآني
ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن
تحتي كافراً فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند
ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون فيطؤون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا
أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ فيشكونهم فأدعو الله عليهم
فيهلكهم ويميتهم حتى تَجوي الأرض من نتن ريحهم، أي تنتن، قال: فينزل الله المطر فيجترف
أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل
المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً(٢).
وأخرجه ابن ماجه عن بُندار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب.
رواية عبد الرحمن بن قرط أخي عبد الله بن قرط الثمالي:
قال سعيد بن منصور: حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثني عروة بن رويم،
عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله # ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى من بين زمزم والمقام، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات
العلى، فلما رجع قال: سمعت تسبيحاً في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات
العلى من ذي المهابة مشفقات من ذي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى(٣).
ونذكر هذا الحديث عند قوله تعالى من هذه السورة: ﴿تُسَيِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ﴾ الآية [الإسراء: ٤٤].
رواية عمر بن الخطاب
قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عبيد بن
آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب رضيُبه كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس قال:
قال أبو سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب:
أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين
يديك، فقال عمر بن الخطاب ظُله: ضاهيت اليهودية، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله وَله،
(١) كذا في المسند وترجمته، وفي الأصل صحف إلى: ((مرثد بن عنارة)، وفي (حم): ((مرثد بن جنادة).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.
(٣) أخرجه أبو نعيم من طريق سعيد بن منصور به (حلية الأولياء ٧/٢، ٨ وعوالي سعيد بن منصور ح٤ ص٣٤)
وفي سنده مسكين بن ميمون قال الذهبي: لا أعرفه وخبره منكر (ميزان الاعتدال ١٠١/٤). وقد ذكره ابن
حبان في الثقات ٧/ ٥٠٥، وابن شاهين من الثقات ص٢٢٩، وقال الفسوي: لا بأس به، (التاريخ ٢/
٤٦٢)، ووثقه ابن معين (التاريخ ٤٧١/٤)، ولكن المتن تفرد به ولم يتابع عليه، من أجل ذلك فإن قول
الإمام الذهبي معتمد معتبر.

٣١
سُورَةُ الإِسْراءِ (١)
فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس، فلم يعظم
الصخرة تعظيماً يصلي وراءها وهي بين يديه كما أشار كعب الأحبار وهو من قوم يعظمونها حتى
جعلوها قبلتهم، ولكن منَّ الله عليه بالإسلام فهدي إلى الحق، ولهذا لما أشار بذلك، قال له
أمير المؤمنين عمر: ضاهيت اليهودية ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من
أجل أنها قبلة اليهود، ولكن أماط عنها الأذى وكنس عنها الكناسة بردائه(١).
وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله وَالآن: (( لا
تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) (٢).
رواية أبي هريرة وهي مطولة جدًا وفيها غرابة:
قال الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسیر (سورة سبحان): حدثنا علي بن سهل، حدثنا حجاج،
حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي، عن أبي هريرة أو غيره،
شك أبو جعفر، في قول الله رَ: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا﴾ الآية، قال: جاء جبريل إلى
النبي وَليل ومعه ميكائيل، فقال جبريل لميكائيل: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر له قلبه
وأشرح له صدره، قال: فشقَّ عن بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث
طِساس(٣) من ماء زمزم، فشرح صدره فنزع ما كان فيه من غلّ، وملأه علماً وحلماً وإيماناً ويقيناً
وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة، ثم أتاه بفرس فحمله عليه كل خطوة منه منتهى بصره أو
أقصى بصره، قال: فسار وسار معه جبريل عَّلها، قال: فأتى على قوم يزرعون في يوم
ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي وَلـ: ((يا جبريل ما هذا؟)) قال:
هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو
يخلفه وهو خير الرازقين.
ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من
ذلك شيء، فقال: ((ما هؤلاء يا جبريل؟)) قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.
ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم،
ويأكلون الضريع(٤) والزقوم ورضف جهنم وحجارتها، قال: ((فما هؤلاء يا جبريل؟)) قال: هؤلاء
الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله تعالى شيئاً، وما الله بظلام للعبيد.
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من
اللحم النيء الخبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: ((ما هؤلاء يا جبريل؟)) فقال: هذا الرجل من
أُمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيبة، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم
من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي رجلاً خبيثاً فتبيت معه حتى تصبح.
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه وضعف سنده محققوه لضعف أبي سنان وهو عيسى بن سنان الحنفي،
(المسند ٣٧٠/١ ح ٢٦١).
(٢) صحيح مسلم، الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة إليه (ح ٩٧٢).
(٤) الضريع: نبت له شوك كبار.
(٣) جمع طست وهو إناء.

٣٢
سُورَةُ الأَشْرَاءِ (١)
قال: ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته، قال: ((ما
هذا يا جبريل؟)) قال: هذا مثل أقوام أُمتك يقعدون على الطريق فيقطعونها، ثم تلا: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ
بِكُلِ صِرَطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦].
قال: ثم أتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها،
فقال: ((ما هذا يا جبريل؟)) قال: هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات للناس لا يقدر على
أدائها وهو يريد أن يحمل عليها .
ثم أتى على قوم تقرض أنسنتهم وشفاههم؛ مقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت
لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: ((ما هذا يا جبريل؟» فقال: هؤلاء خطباء الفتنة.
ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا
يستطيع، فقال: ((ما هذا يا جبريل؟)) فقال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا
يستطيع أن يردّها .
ثم أتى على وادٍ، فوجد ريحاً طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتاً، فقال: يا جبريل («ما هذه
الريح الطيبة الباردة، وما هذا المسك، وما هذا الصوت؟)) قال: هذا صوت الجنة تقول: يا ربِّ
ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي وإستبرقي، وحريري وسندسي، وعبقري(١) ولؤلؤي، ومرجاني
وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي، وعسلي ومائي ولبني وخمري، فائتني بما
وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم
يشرك بي شيئاً، ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن
أقرضني جزيته، ومن توكل عليَّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح
المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت.
قال: ثم أتى على وادٍ فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً خبيثة، فقال: ((ما هذا يا جبريل وما
هذا الصوت؟)) فقال: هذا صوت جهنم تقول: يا ربِّ ائتني بما وعدتني فقد كثرت سلاسلي،
وأغلالي وسعيري، وحميمي، وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري، فائتني
بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا
يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت.
قال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى الصخرة، ثم دخل فصلى مع
الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل من هذا معك؟ قال: محمد بَّ، قالوا: أوَقد
أرسل إليه فقال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم
المجيء جاء. قال: ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم ظَلا: الحمد لله الذي
اتخذني خليلاً، وأعطاني ملكاً عظيماً، وجعلني أُمة قانتاً يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها عليّ
برداً وسلاماً، ثم إن موسى عليه أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليماً، وجعل هلاك
آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أُمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون، ثم إن
(١) العبقري الديباج، وقيل: البُسط المزركشة.

٣٣
سُورَةِ الإِسْرَاءِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
داود ظلّ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكاً عظيماً، وعلمني الزبور، وألان
لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب.
ثم إن سليمان ظلّ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح وسخر لي الشياطين
يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب(١) وقدور راسيات، وعلمني منطق
الطير، وآتاني من كل شيء فضلاً، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير، وفضلني على كثير
من عباده المؤمنين، وآتاني ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي طيباً ليس فيه
حساب.
ثم إن عيسى ظلّ أثنى على ربه رم، فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي كمثل
آدم خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل،
وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه
والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم
يكن للشيطان علينا سبيل.
قال: ثم إن محمداً بَّ أثنى على ربه رَ، فقال: ((كلكم أثنى على ربه، وإني مثنٍ على ربي،
فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيراً ونذيراً، وأنزل عليَّ الفرقان
فيه بيان كل شيء وجعل أُمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أُمتي أُمة وسطاً، وجعل أُمتي هم
الأولون وهم الآخرون، وشرح لي صدري ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحاً
وخاتماً)) فقال إبراهيم علا: بهذا فضلكم محمد رَّر. قال أبو جعفر الرازي: خاتم: بالنبوة فاتح
بالشفاعة يوم القيامة.
ثم أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأُتي بإناء منها فيه ماء، فقيل له: اشرب، فشرب منه يسيراً،
ثم دُفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل له: اشرب، فشرب منه حتى روي، ثم دفع إليه إناء آخر فيه
خمر، فقيل له: اشرب، فقال: لا أريده قد رويت، فقال له جبريل: أما إنها ستحرم على أُمتك
ولو شربت منها لم يتبعك من أُمتك إلا القليل.
قال: ثم صعد به إلى السماء فاستفتح، فقيل: من هذا يا جبريل؟ فقال: محمد، فقالوا: أوَقد
أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم
المجيء جاء، ففتح لهما، فدخل فإذا برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من
خلق الناس، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، فإذا
نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى
وحزن، فقلت: يا جبريل، من هذا الشيخ التام الخلق الذي لم ينقص من خلقه شيء، وما هذان
البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخل
الجنة من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخلها من
ذريته بکی وحزن.
(١) أي: الحياض الكبار.

٣٤
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١)
00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 0 00000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00 0 00 0 0000
ثم صعد به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح، فقيل: من هذا معك؟ فقال: محمد رسول الله،
فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم
الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو بشابين، فقال: يا جبريل من هذان الشابان؟
قال: هذا عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا الخالة ◌ُلِِّهِ.
قال: فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن
معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة،
فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل قد فضل على الناس في
الحسن، كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل الذي قد فضل
على الناس في الحسن؟ قال: هذا أخوك يوسف ظلّلا.
قال: ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن
معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة،
فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل، قال: من هذا يا
جبريل؟ قال: هذا إدريس ظلَّ رفعه الله مكاناً علياً.
قال: فصعد به إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن
معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة،
فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص
عليهم، قال: بمن هذا يا جبريل، ومن هؤلاء حوله؟ قال: هذا هارون المحبب، وهؤلاء بنو
إسرائيل.
قال: ثم صعد به إلى السماء السادسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن
معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة،
فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى
الرجل، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: موسى، قال: فما باله يبكي؟ قال: يزعم بنو إسرائيل
أني أكرم بني آدم على الله رَك، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى، فلو
أنه بنفسه لم أبال ولكن مع كل نبي أُمته.
قال: ثم صعد به إلى السماء السابعة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن
معك؟ قال: محمد، فقالوا: أوَقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة،
فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، قال: فدخل، فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب
الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس، بيض الوجوه أمثال القراطيس(١)، وقوم في ألوانهم شيء،
فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهراً فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم
شيء، ثم دخلوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء. ثم دخلوا نهراً آخر
فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم، جاؤوا فجلسوا إلى
(١) يشبه بالقرطاس في بياضه.

٣٥
• سُؤَدَّةُ الإِسْرَاءِ (١)
أصحابهم، فقال: يا جبريل من هذا الأشمط(١)؟، ثم من هؤلاء البيض الوجوه؟ ومن هؤلاء الذين
في ألوانهم شيء؟ وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاؤوا وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك
إبراهيم، أول من شُمط على وجه الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم
بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فقوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فتابوا فتاب الله
عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة الله، والثاني نعمة الله، والثالث سقاهم ربهم شراباً طهوراً.
قال: ثم انتهى إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على
سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه،
وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين
عاماً لا يقطعها، والورقة منها تغطي الأُمة كلها، قال: فغشيها نور الخلاق رَك، وغشيتها
الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة، من حب الرب تبارك وتعالى، قالوا: فكلمه الله
عند ذلك فقال له: سل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلاً وأعطيته ملكاً عظيماً، وكلمت موسى
تكليماً وأعطيت داود ملكاً عظيماً وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكاً
وسخرت له الجن والإنس والشياطين، وسخرت له الرياح وأعطيت له ملكاً لا ينبغي لأحد من
بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك،
وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل، فقال له الرب رم: وقد
اتخذتك خليلاً - وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن - وأرسلتك إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً،
وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معي،
وجعلت أُمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أُمتك أُمة وسطاً، وجعلت أُمتك هم الأولين
وهم الآخرين وجعلت أُمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من
أُمتك أقواماً قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقاً وآخرهم بعثاً، وأولهم يقضى له،
وأعطيتك سبعاً من المثاني لم يعطها نبي قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت
العرش لم أعطها نبياً قبلك، وأعطيتك الكوثر، وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد
والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلتك فاتحاً خاتماً،
فقال النبي ◌ّر: ((فضلني ربي بست: أعطاني فواتح الكلام وخواتيمه، وجوامع الحديث،
وأرسلني إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وقذف في قلوب أعدائي الرعب من مسيرة شهر، وأُحلت
لي الغنائم ولم تحل لأحد قبل، وجعلت لي الأرض كلها طهوراً ومسجداً))، قال: وفرض عليه
خمسين صلاة.
فلما رجع إلى موسى قال: بمَ أُمرت يا محمد؟ قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك
فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ◌َّ
إلى ربه ريك فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً ثم رجع إلى موسى فقال له: بكم أُمرت؟ قال:
بأربعين قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأمم، ولقد لقيت من بني
(١) الأشمط في الشعر: اختلافه بلونين من سواد وبياض.

٣٦
• سُوَّةُ الإِسْرَاءِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ◌َّلو إلى ربه، فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً، فرجع إلى
موسى، فقال: بكم أُمرت؟ قال: أُمرت بثلاثين، فقال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله
التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، فرجع النبي ◌َّ إلى ربه رَك
فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً فرجع إلى موسى فقال له: بكم أُمرت؟ قال: بعشرين، قال:
ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة،
قال: فرجع النبي وَله إلى ربه وم فسأله التخفيف، فوضع عنه عشراً فرجع إلى موسى
فقال له: بكم أُمرت؟ قال: بعشر، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف
الأُمم، فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ◌ّ إلى ربه رَ فسأله التخفيف،
فوضع عنه خمساً، فرجع إلى موسى عليّا، فقال له: بكم أُمرت؟ قال: بخمس، قال: ارجع إلى
ربك فاسأله التخفيف، فإن أُمتك أضعف الأُمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: قد
رجعت إلى ربي حتى استحييت، فما أنا براجع إليه، قيل: أما إنك كما صبرت نفسك على خمس
صلوات، فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة، فإن كل حسنة بعشر أمثالها، قال: فرضي محمد ◌َلآل
كل الرضا، قال: وكان موسى عليّا من أشدهم عليه حين مرّ به وخيرهم له حين رجع إليه.
ثم رواه ابن جرير عن محمد بن عبيد الله، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر
الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره، شك أبو جعفر عن أبي هريرة، عن
النبي ◌َّ فذكره بمعناه(١).
وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن محمد بن
الحسن السكوني البالسي بالرملة، حدثنا علي بن سهل فذكر مثل ما رواه ابن جرير عنه، وذكر
البيهقي أن الحاكم أبا عبد الله رواه عن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني عن
جده، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن حاتم بن إسماعيل، حدثني عيسى بن ماهان يعني أبا
جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ِّ فذكره(٢).
وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبو زرعة، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير،
حدثنا عيسى بن عبد الله التميمي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس البكري، عن أبي
العالية أو غيره، شك عيسى، عن أبي هريرة، عن النبي وَّر قال في قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ
أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فذكر الحديث بطوله كنحو مما سقناه(٣).
قلت: وأبو جعفر الرازي قال: فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يهم في الحديث كثيراً، وقد
ضعفه غيره أيضاً، ووثقه بعضهم، والظاهر أنه سيء الحفظ، ففيما تفرد به نظر. وهذا الحديث
في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في
(١) أخرجه الطبري بسنديه وطوله، وسنده ضعيف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي كما سيأتي فيما نقله الحافظ ابن
كثير عن جمع من النقاد، وهذه الرواية ليست من الصحيفة المشهورة التي يرويها أبو جعفر الرازي عن
الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب. لأن فيها شك أبي جعفر، وكذلك فيها أبو هريرة رضيته وهو
لم يذكر في الصحيفة بل يذكر أبي بن كعب
(٢) دلائل النبوة ٣٩٦/٢، ٣٩٧، وسنده كسابقه.
(٣) سنده ضعيف كسابقه فيه أبو جعفر الرازي أيضاً.

٣٧
• سُورَةُ الإِشْرَاءِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعاً من أحاديث شتى أو منام أو قصة أخرى
غير الإسراء، والله أعلم.
وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري،
أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((حين أسري بي، لقيت
موسى ظلَّلا فنعته، فإذا رجل حسبته قال: مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة، قال:
ولقيت عيسى، فنعته النبي ◌ّير قال: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني: حمام، قال:
ولقيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، قيل
لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربت، فقيل لي: هديت الفطرة أو أصبت الفطرة، أما إنك
لو أخذت خمراً غوت أمتك))(١) وأخرجاه من وجه آخر عن الزهري به نحوه.
وفي صحيح مسلم عن محمد بن رافع، عن حجين بن المثنى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة،
عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وبه قال: قال رسول الله وَ ◌ّه:
((لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم
أثبتها، فكربت كرباً ما كربت مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر إليه ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم
به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي، وإذا هو رجل جعد كأنه من
رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس شبهاً به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا
إبراهيم قائم يصلي أقرب الناس شبهاً به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم، فلما
فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن جهنم، فالتفت إليه فبدأني بالسلام))(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن
زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت
إلى السماء السابعة، فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت على قوم بطونهم
كالبيوت فيها الحيّات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء آكلوا
الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: من
هؤلاء يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحرفون على أعين بني آدم لا يتفكرون في ملكوت
السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب)). ورواه الإمام أحمد عن حسن وعفان، كلاهما
عن حماد بن سلمة به. ورواه ابن ماجه من حديث حماد(٣) به.
رواية جماعة من الصحابة ممن تقدم وغيرهم:
قال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله يعني الحاكم، حدثنا عبدان بن زيد بن يعقوب الدقاق
الهمداني، حدثنا إبراهيم بن الحسين الهمداني، حدثنا أبو محمد هو إسماعيل بن موسى
(١) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ اَلْكِنَبِ مَرْيَمَ ... ﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٣٧)،
وصحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله وَي (ح١٦٨).
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال (ح ١٧٢).
(٣) تقدم تخريجه وضعفه.

٣٨
• سُوَرَّةُ الإِسْرَاءِ (١)
الفزاري، حدثنا عمر بن سعد النضري من بني نصر بن معين، حدثني عبد العزيز وليث بن أبي
سليم، وسليمان الأعمش وعطاء بن السائب، بعضهم يزيد في الحديث على بعض، عن علي بن
أبي طالب، وعبد الله بن عباس ومحمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه عن ابن عباس، وعن
سليم بن مسلم العقيلي، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مسعود. وجويبر عن الضحاك بن
مزاحم، قالوا: كان رسول الله وَ ﴿ في بيت أم هانئ راقداً وقد صلى العشاء الآخرة(١)، قال أبو
عبد الله الحاكم: قال لنا هذا الشيخ، وذكر الحديث، فكتبت المتن من نسخة مسموعة منه، فذكر
حديثاً طويلاً يذكر فيه عدد الدرج والملائكة وغير ذلك مما لا ينكر شيء منها في قدرة الله إن
صحت الرواية.
قال البيهقي: فيما ذكرنا قبل في حديث أبي هارون العبدي في إثبات الإسراء والمعراج كفاية،
وبالله التوفيق(٢).
قلت: وقد أرسل هذا الحديث غير واحد من التابعين وأئمة المفسرين رحمة الله عليهم
أجمعين .
رواية عائشة أم المؤمنين
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني مكرم بن أحمد القاضي، حدثني إبراهيم بن
الهيثم البلدي، حدثني محمد بن كثير الصنعاني، حدثنا معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة،
عن عائشة قالت: لما أسري برسول الله وَلقر إلى المسجد الأقصى، أصبح يحدث الناس بذلك
فارتدَّ ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في
صاحبك؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، فقال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال:
لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن
يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو
روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق(٣).
رواية أم هانئ بنت أبي طالب:
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح باذان، عن أُم هانئ
بنت أبي طالب في مسرى رسول الله وَلو أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله وَّر إلا وهو في
بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا
برسول الله وَ﴿ فلما صلى الصبح وصلينا معه، قال: ((يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة
(١) دلائل النبوة ٤٠٤/٢ وهذه الطرق يشد بعضها بعضاً، قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الأقوال أنه
نام في بيت أم هاني، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه،
فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعاً وبه أثر النعاس، ثم أخرجه المَلَك إلى
باب المسجد فأركبه البراق (فتح الباري ٧/ ٢٠٤).
(٢) دلائل النبوة ٤٠٤/٢، وتقدم ضعف رواية أبي هارون العبدي.
(٣) دلائل النبوة ٣٦٠/٢، ٣٦١، وأخرجه الحاكم عن مكرم بن أحمد القاضي به وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٦٢/٣، ٦٣).

٣٩
سُورَةُ الإِسْرَاءِ (١)
2000000000000000000200000000000000000000000000000000000000000000000000000020000000
كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن
كما ترين)»(١). الكلبي متروك بمرة ساقط، لكن رواه أبو يعلى في مسنده عن محمد بن إسماعيل
الأنصاري عن ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، عن أبي صالح، عن أُم هانئ
بأبسط من هذا السياق، فليكتب ههنا(٢).
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة، عن أُم
هانئ قالت: بات رسول الله ◌َّي ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع مني النوم مخافة
أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله وسلم: ((إن جبريل عليهلا أتاني فأخذ بيدي
فأخرجني، فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار، فحملني عليها ثم انطلق حتى أتى بي
إلى بيت المقدس، فأراني إبراهيم لعلّلا يشبه خلقه خلقي ويشبه خلقي خلقه، وأراني موسى آدم
طويلاً سبط الشعر، شبهته برجال أزد شنوءة، وأراني عيسى ابن مريم ربعة أبيض يضرب إلى
الحمرة، شبهته بعروة بن مسعود الثقفي، وأراني الدجال ممسوح العين اليمنى، شبهته بقطن بن
عبد العزى - قال -: وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت)) فأخذت بثوبه فقلت: إني
أذكرك الله إنك تأتي قومك يكذبوك وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت: فضرب ثوبه
من يدي ثم خرج إليهم، فأتاهم وهم جلوس فأخبرهم ما أخبرني، فقام جبير بن مطعم فقال:
يا محمد أن لو كنت لك شأن كما كنت ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا. فقال رجل
من القوم: يا محمد هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: ((نعم والله قد وجدتهم قد
أضلوا بعيراً لهم فهم في طلبه)) قال: هل مررت بإبل فلان؟ قال: نعم ((وجدتهم في مكان كذا
وكذا وقد انكسرت لهم ناقة حمراء، وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها)) قالوا: فأخبرنا
عدتها، من الرعاة؟ قال: ((قد كنت عن عدتها مشغولاً)) فنام فأوتي بالإبل فعدها وعلم ما فيها من
الرعاة.
ثم أتى قريشاً فقال لهم: («سألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة
فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة ابن أبي قحافة
وفلان وفلان، وهي تصبحكم بالغداة على الثنية)) قال: فقعدوا على الثنية ينظرون أصدقهم ما
قال، فاستقبلوا الإبل فسألوهم: هل ضلَّ لكم بعير؟ فقالوا: نعم، فسألوا الآخر، هل
انكسرت لكم ناقة حمراء؟ قالوا: نعم، قالوا: فهل كانت عندكم قصعة؟ قال أبو بكر: أنا
والله وضعتها فما شربها أحد ولا أهرقوه في الأرض، فصدقه أبو بكر وآمن به، فسمي يومئذٍ
الصديق (٣)
(١) ذكره ابن هشام (السيرة ٢/ ٤٢٧)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به وسنده ضعيف جداً بسبب
الكلبي.
(٢) أخرجه أبو يعلى مطولاً، (معجم الشيوخ ح١٠) وسنده ضعيف أيضاً لضعف أبي صالح وهو باذام أو باذان
(ينظر تهذيب التهذيب ٤١٦/١).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٤٣٢/٢٤، وسنده ضعيف جداً لأن عبد الأعلى بن أبي مساور متروك
(مجمع الزوائد ١/ ٨٠).

٤٠
• سُورَةُ الإِشْرَاءِ (١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فصل
وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون
ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله 18 من مكة إلى بيت المقدس وأنه مرة واحدة(١)، وإن
اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه، فإن الخطأ جائز على من عدا
الأنبياء *، ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات
متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يتحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم
من المتأخرين بأنه ظلّا أُسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء
فقط، ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك، وأنه قد ظفر بشيء يخلص
به من الإشكالات، وهذا بعيد جداً، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف ولو تعدد هذا التعدد،
لأخبر النبي ◌َّر به أُمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرار(٢).
قال موسى بن عقبة الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة. وقال السدي:
بستة عشر شهراً(٣)، والحق أنه ظلّلا أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً
البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب ودخله، فصلى في قبلته تحية
المسجد ركعتين، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا،
ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في
السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في
السابعة، ثم جاوز منزلتهما صلى الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى
مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، أي أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من
أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة ورأى هناك
جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور،
وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون
ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار وفرض الله
عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم
بشرف الصلاة وعظمتها .
ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها
الصبح من يومئذٍ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه
ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما
مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق،
(١) ونقل الحافظ ابن حجر أنه وقع مرتين: مرة في المنام توطئة وتمهيداً، ومرة ثانية في اليقظة (فتح الباري ٧/
١٩٧).
(٢) وقد استبعد الحافظ ابن حجر وقوع التعدد (فتح الباري ١٩٨/٧).
(٣) ذكر هذه الأقوال البيهقي (دلائل النبوة ٣٥٤/٢، ٣٥٥).