النص المفهرس
صفحات 701-720
٧٠١
سُورَةُ الفحم (٨٠، ٨٣)
اُلْجِبَالِ أَكْثَنَّا﴾ أي: حصوناً ومعاقل، كما ﴿جَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَقِيَكُمُ الْحَرَّ﴾ وهي الثياب
من القطن والكتان والصوف ﴿وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كالدروع من الحديد المصفح والزرد
وغير ذلك، ﴿كَذَلِكَ يُّبِهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما
تحتاجون إليه ليكون عوناً لكم على طاعته وعبادته ﴿لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ﴾ هكذا فسره الجمهور،
وقرءوه بكسر اللام من ﴿نُْلِمُونَ﴾(١) أي: من الإسلام.
وقال قتادة في قوله: ﴿كَذَلِكَ يُنِّمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾: هذه السورة تسمى سورة النعم(٢).
وقال عبد الله بن المبارك وعبّاد بن العوام، عن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب(٣)،
عن ابن عباس أنه كان يقرؤها (تَسْلَمُونَ) بفتح اللام، يعني من الجراح (٤) رواه أبو عبيد القاسم بن
سلام عن عبّاد، أخرجه ابن جرير من الوجهين، وردّ هذه القراءة.
وقال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْثَنَا﴾ وما جعل من السهل أعظم
وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَثَا
وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر؟ ألا
ترى إلى قوله: ﴿وَيَُّزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن حِبَالٍ فِيَهَا مِنْ بَرٍَ﴾ [النور: ٤٣] لعجبهم من ذلك وما أنزل من
الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿سَرَِّلَ تَقِيكُمُ اٌلْحَزَّ﴾
وما تقي من البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر(٥).
وقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ﴾ أي: بعد هذا البيان وهذا الامتنان، فلا عليك منهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ
الْمُبِينٌ﴾ وقد أديته إليهم ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَهَا﴾ أي: يعرفون أن الله تعالى هو
المُسدي إليهم ذلك وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك ويعبدون معه غيره
ويسندون النصر والرزق إلى غيره ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَفِرُونَ﴾ كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو
زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مجاهد أن
أعرابياً أتى النبي ◌َ﴿ فسأله، فقرأ عليه رسول الله وَله ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكً﴾
فقال الأعرابي: نعم، قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُلُودِ الْأَنْعَمِ بُونًا﴾ الآية، قال الأعرابي: نعم،
ثم قرأ عليه كل ذلك، يقول الأعرابي: نعم، حتى بلغ ﴿ كَذَلِكَ يُنِّمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ شُلِمُونَ﴾ فولَّى الأعرابي، فأنزل الله ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ
اُلْكَفِرُونَ
(١) وهي قراءة متواترة.
(٢) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن أبي حاتم (الإتقان ٧٢/١).
(٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن المبارك به وفي سنده شهر بن حوشب فيه مقال، والقراءة شاذة
تفسیریة .
(٤) وكلا الوجهين من طريق شهر بن حوشب.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان ضعيف.
(٦) نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لإرساله.
٧٠٢
• سُورَةُ الْحَلِلَ (٨٤، ٨٨)
0000000000000000000000000000 0 0 000000000000000000000000000000000 0 0 0 000000000 0 0 0 0 0 00
وَإِذَا رَءَا
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ
وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَّكُوْ شُرَكَآءَهُمْ قَالُواْ رَبَّنَا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلَا يُحَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَ هُمْ يُظَرُونَ (٥)
وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ
هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ
يَوْمَيِذٍ السَّلَّمْ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ
اَلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ
يخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمة شهيداً
وهو نبيها، يشهد عليها بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
أي: في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كما قال: ﴿هَذَا يَؤُ لَا يَنطِقُونَ (9) وَلَا يُؤْذَنُ لَمْ
، وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: الذين
فَعْنَذِرُونَ (٣)﴾ [المرسلات] فلهذا قال: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ
أشركوا ﴿اَلْعَذَابَ فَلَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة. ﴿وَلَا هُمْ يُظَرُونَ﴾ أي: لا
يؤخر عنهم بل يأخذهم سريعاً من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف
زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك(١)، فيشرف عنق منها على الخلائق، وتزفر زفرة لا يبقى
أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلهاً آخر وبكذا
وبكذا، وتذكر أصنافاً من الناس، كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتلتقطهم من
الموقف كما يلتقط الطائر الحب، قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن ◌َّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا
١٢
وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانَا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴿ لَّا نَدْعُواْ أَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا
كَثِيرًا ﴾﴾ [الفرقان]، وقال تعالى: ﴿وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا
مَصْرِفًا (﴿6﴾ [الكهف] وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ
وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَ هُمْ يُصَرُّونَ ﴿ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةُ فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَ هُمْ
يُنظَرُونَ ﴾﴾ [الأنبياء].
ثم أخبر تعالى عن تبرئ، آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها فقال: ﴿وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُواْ
شُرَكَآءَهُمْ﴾ أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن
دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: قالت لهم الآلهة: كذبتم ما نحن أمرناكم
بعبادتنا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ
وَإِذَا خُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِرِينَ ﴾﴾ [الأحقاف] وقال
عَنْ دُعَابِهِمْ غَفِلُونَ
تعالى: ﴿وَأَخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَالِهَةُ لِيَكُونُواْ لَهُمْ عِزََّ ﴿٨َ كَلَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًا
﴾ [مريم] وقال الخليل عليه الصلاة والسلام ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ
بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ
يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم ◌َّوْبِقًا (﴾﴾ [الكهف] (٢)
والآيات في هذا كثيرة.
(١) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود ظ به (الصحيح، الجنة، باب في شدة حر نار جهنم ح ٢٨٤٢).
(٢) وفي النسخ الخطية ورد بلفظ: ((وقيل ادعوا شركاءكم)).
٧٠٣
سُورَةُ النَّحَلِ} (٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَؤْمَئِذٍ السَّلَمْ﴾ قال قتادة وعكرمة: ذَلُّوا واستسلموا يومئذٍ (١)؛ أي:
استسلموا لله جميعهم فلا أحد إلا سامع مطيع، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبَصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾
[مريم: ٣٨] أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذٍ، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ
عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾﴾ [السجدة]، وقال: ﴿وَعَنَتِ
الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّورِ﴾ [طه: ١١١] أي: خضعت وذلّت واستكانت وأنابت واستسلمت.
وقوله: ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللَّهِ يَؤْمَيِذٍ السَّلَّمْ وَضَلَّ عَنْهُم ◌َّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (@)﴾ أي: ذهب واضمحل ما
كانوا يعبدونه افتراء على الله فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَذُواْ عَن سَبِيلِ الَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابً﴾ الآية، أي عذاباً على كفرهم
وعذاباً على صدِّهم الناس عن اتباع الحق كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْقَوْنَ عَنَّةٌ﴾ [الأنعام:
٢٦] أي: ينهون الناس عن اتباعه ويبتعدون هم منه أيضاً ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
[الأنعام: ٢٦] وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في
الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].
وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن
عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله في قول الله: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: زيدوا
عقارب أنيابها كالنخل الطوال(٢).
حدثنا سُريج بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا الأعمش، عن الحسن، عن ابن
عباس في الآية أنه قال: ﴿زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: هي خمسة أنهار تحت العرش يعذبون
ببعضها في الليل ويبعضها في النهار(٣).
- ﴿وَبَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمِّ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا
٨٩
عَلَيْكَ الْكِتَبَ يِبْيَنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ
يقول تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً وَ له: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمٌّ
وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءٍ﴾ يعني أمتك؛ أي: اذكر ذلك اليوم وهوله، وما منحك الله فيه من
الشرف العظيم والمقام الرفيع، وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين
قرأ على رسول الله وَّ﴿ صدر سورة النساء، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم
﴾ [النساء] فقال له رسول الله وَ﴾: ((حسبك)) فقال ابن
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا
مسعود ربه: فالتفت فإذا عيناه تذرفان (٤).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦٥/٥ ح٢٦٥٩) وسنده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٥/٢، ٣٥٦) وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح
(مجمع الزوائد ٣٩٠/١٠).
(٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦٦/٥ ح ٢٦٦٠) وفي سنده الحسن وهو البصري لم يسمع من ابن عباس
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة النساء آية ٤١.
٧٠٤
• سُوَّةُ الْحَمِ﴾ (٩٠)
0000000000000000000000000000 000000 000 0 0 0 0 00 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000000000
وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ قال ابن مسعود: قد بيَّن لنا هذا القرآن كل
علم وكل شيءٍ(١).
وقال مجاهد: كل حلال وكل حرام(٢)، وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل
على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس إليه
محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم ﴿وَهُدِّى﴾ أي: للقلوب ﴿وَرَحْمَةٌ وَيُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وقال الأوزاعي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ نِبْيَئِنًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: بالسنة(٣).
ووجه اقتران قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ مع قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءٍ﴾ أن
المراد - والله أعلم - إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك عن ذلك يوم
(٣)﴾ [الأعراف] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
القيامة ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أَرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (49)﴾ [الحجر] ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّاً إِنَّكَ
(٣)﴾ [المائدة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُكَ إِلَى مَعَارٍ﴾
أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ
[القصص: ٨٥] أي: إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه ومعيدك يوم القيامة وسائلك عن
أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو مُتَّجه حسن.
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآِ وَالْمُكَرِ
وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾﴾.
يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل، وهو القسط والموازنه، ويندب إلى الإحسان، كما قال
تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِّ وَلَيِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلِصَّبِينَ (٣٢)﴾ [النحل)،
وقوله: ﴿وَحَزَّقُاْ سِنْئَةٍ سَفِئَةٌ مِثْلُهَاْ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ
قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على
شرعية العدل والندب إلى الفضل.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ﴾ قال: شهادة أن لا إله
إلا الله (٤)
وقال سفيان بن عيينة: العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل الله
عملاً، والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن
من سرير ته(٥)
وقوله: ﴿وَإِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَ﴾ أي: يأمر بصلة الأرحام، كما قال: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن ابن مسعود.
(٢) أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٥) أخرجه الطبري معلقاً عن سفيان بن عيينة.
٧٠٥
سُورَةُ المَحَلِ (٩٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (﴿4﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ اُلْفَحْشَآءِ وَالْمُكَرِ﴾
فالفواحش المحرمات، والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها، ولهذا قال في الموضع الآخر: ﴿قُلّ
إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اُلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وأما البغي فهو العدوان على الناس، وقد
جاء في الحديث: ((ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في
الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)) (١).
وقوله: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أي: يأمركم بما يأمركم به من الخير وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال الشعبي، عن شتير بن شكل: سمعت ابن مسعود يقول: إن أجمع آية
في القرآن في سورة النحل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية، رواه ابن جرير(٢).
وقال سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية ليس من خلق حسن، كان
أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم،
إلا نهى الله عنه وقدم فيه. وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامِّها(٣).
(قلت): ولهذا جاء في الحديث: ((إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها)(٤).
وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب ((معرفة الصحابة)): حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي، حدثنا
يحيى بن محمد مولى بني هاشم، حدثنا الحسن بن داود المنكدري، حدثنا عمر بن علي المقدمي،
عن علي بن عبد الله بن عمير، عن أبيه، قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي مر فأراد أن يأتيه،
فأبى قومه أن يدعوه وقالوا: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه، قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه،
فانتدب رجلان فأتيا النبي و ﴿ فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت، وما أنت؟
فقال النبي ◌َّر: ((أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا؟ فأنا عبد الله ورسوله)) قال: ثم تلا
عليهم هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية، قالوا: اردد علينا هذا القول، فردَّده عليهم
حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب وسطاً في
مضر - أي: شريفاً - وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهنَّ أكثم قال: إني أراه يأمر
بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساً ولا تكونوا أذناباً(٥).
وقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد،
حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله و18َ بفناء بيته جالس إذ مر به
(١) أخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب النهي عن البغي ح ٢٩٠٢)، والترمذي وقال: حسن صحيح (السنن،
صفة القيامة ح٢٥١١) والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٦/٢)، كلهم من حديث أبي
بكرة ته وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٩١٨).
(٢) أخرجه الطبري من طريق الشعبي به وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق الشعبي أيضاً (المعجم الكبير
ح٨٦٥٩) وأخرجه الحاكم من طريق الشعبي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٦/٢).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الخرائطي (مكارم الأخلاق ح٢٣)، والحاكم كلاهما من حديث سهل بن سعد مظ لته وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٤٨/١) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١٣٧٨).
(٥) معرفة الصحابة لأبي نعيم ٢/ ٤٢٠ وذكره ابن عبد البر وأنكر كون أكثم بن صيفي من الصحابة (الاستيعاب
١٤٦/١)، ولهذا حكم عليه الحافظ ابن حجر بأنه مرسل (الإصابة ١١٩/١).
٧٠٦
• سُورَةُ الْحَمِ﴾ (٩١، ٩٢)
900000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0000
عثمان بن مظعون، فكشَّر(١) إلى رسول الله، فقال له رسول الله وَاليه: ((ألا تجلس؟)) فقال: بلى،
قال: ((فجلس رسول الله ◌َل# مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله وَل* ببصره إلى
السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف
رسول الله ولو عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال
له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته واستفقه (٢) ما يقال له، شخص(٣) بصر رسول الله وعليه
إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى إلى السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته
الأولى، فقال: يا محمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة، فقال: ((وما رأيتني
فعلت؟)) قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت
إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئاً يقال لك، قال: ((وفطنت لذلك؟)) فقال
عثمان: نعم، قال رسول الله وَلفيه: ((أتاني رسول الله آنفاً وأنت جالس)) قال: رسول الله؟ قال:
((نعم))، قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ الآية، قال عثمان: فذلك حين
استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً وَلي (٤).
إسناد جيد متصل حسن قد بيِّن فيه السماع المتصل، ورواه ابن أبي حاتم من حديث
عبد الحميد بن بهرام مختصراً (٥).
حديث آخر عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن
عامر، حدثنا هُريم، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند
رسول الله * جالساً إذ شخص بصره فقال: ((أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا
الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾)) الآية(٦)، وهذا إسناد لا بأس به، ولعله
عند شهر بن حوشب من الوجهين، والله أعلم.
﴿وَأَوَفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ
كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴿﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَلَِّى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَنَّا نَتَّخِذُونَ
أَيْمَنَّكُرْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيُبَّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَةِ مَا
كُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
هذا مما يأمر الله تعالى به، وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان المؤكدة،
(٢) أي: استعلم.
(١) أي: تبسم وظهرت أسنانه من التبسم.
(٣) أي: تحول.
(٤) أخرجه الإمام بسنده بنحوه (المسند ٨٩/٥ ح٢٩١٩) وضعف سنده محققوه. ونقل الترمذي عن الإمام أحمد
قوله: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة
الأحزاب ح٣٢١٥)، ولهذا قال الحافظ ابن كثير: إسناد جيد متصل حسن.
(٥) سنده کسابقه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤١/٢٩ ح ١٧٩١٨)، وضعف سنده محققوه لضعف ليث وهو
ابن أبي سُليم، وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٢٩٢٢) وكاد أن يحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٤٨/٧)
ولهذا قال عنه ابن كثير: إسناد لا بأس به.
٧٠٧
• سُوَرَّةُ الْخَلِ﴾ (٩١، ٩٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ولهذا قال: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ولا تعارض بين هذا وبين قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ
عُرْضَةٌ لِأَيْمَنِكُمْ أَنْ تَبَرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وبين قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفََّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا
حَلَفْتُهُ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي: لا تتركوها بلا كفارة، وبين قوله لعلّل فيما ثبت عنه
في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى
غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني))(١) لا تعارض
بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة ههنا، وهي قوله: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ لأن هذه
الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع،
ولهذا قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يعني: الحلف(٢)؛ أي: حلف
الجاهلية .
ويؤيده ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - حدثنا ابن نُمير
وأبو أسامة، عن زكريا هو ابن أبي زائدة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مُطعم
قال: قال رسول الله صلى: ((لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده
الإسلام إلا شدة))(٣). وكذا رواه مسلم عن ابن أبي شيبة به (٤).
ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في
التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه.
وأما ما ورد في الصحيحين عن عاصم الأحول، عن أنس به أنه قال: حالف رسول الله وله
بين المهاجرين والأنصار في دورنا، فمعناه أنه آخى بينهم فكانوا يتوارثون به حتى نسخ الله
ذلك(٥)، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا عبد الله بن موسى، أخبرنا أبو
ليلى، عن مزيدة في قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ﴾ قال: نزلت في بيعة النبي ◌ِّ، كان
من أسلم بايع النبي ◌َِّ على الإسلام، فقال: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدتُّمْ﴾ هذه البيعة التي
بايعتم على الإسلام ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن
تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام(٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا صَخر بن جُويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس
(١) أخرجاه من حديث أبي موسى الأشعري ربه (صحيح البخاري، الإيمان والنذور، باب قول الله تعالى:
﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلََّغْوِ فِيَ أَيْمَئِكُمْ ... ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ح ٦٦٢٣)، وصحيح مسلم، الأيمان، باب ندب من
حلف يميناً ... (ح١٦٤٩).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨٣/٤) وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب مؤاخاة النبي ◌َّ و بين أصحابه ... (ح ٢٥٣٠).
(٥) صحيح البخاري، الكفالة، باب قول الله وَّ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَقَانُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]
(ح ٢٢٩٤)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب مؤاخاة النبي ◌َّر (ح٢٥٢٩).
(٦) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده ضعيف لإرسال مزيدة وهو ابن جابر وقد ضعف، وهو من اتباع
التابعين كما في التقريب.
٧٠٨
• سُوَرَّةُ الْحَلِ﴾ (٩١، ٩٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد، ثم قال: أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل
على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة
فيقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلاً
على بيعة الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، فلا يخلعنَّ أحد منكم يداً ولا يُشرفنَّ أحد منكم في هذا
الأمر، فيكون صيلم(١) بيني وبينه)(٢). المرفوع منه في الصحيحين(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حجاج، عن عبد الرحمن بن عباس، عن أبيه، عن
حذيفة قال: سمعت رسول الله وَ لل يقول: ((من شرط لأخيه شرطاً لا يريد أن يفي له به، فهو
كالمدلي جاره (٤) إلى غير منفعة))(٥).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها. وقوله:
﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَِّى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَا﴾ .
قال عبد الله بن كثير والسدي: هذه امرأة(٦) خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئاً نقضته بعد
إبرامه(٧) .
وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده(٨)، وهذا القول أرجح
وأظهر سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا .
وقوله: ﴿أَنَكًَا﴾ يحتمل أن يكون اسم مصدر، ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدٍ قُوَةٍ أَنْكَنَّا﴾ أي:
أنقاضاً، ويحتمل أن يكون بدلاً عن خبر كان أي: لا تكونوا أنكاثاً جمع نكث من ناكث، ولهذا
قال بعده: ﴿يَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَا بَيْنَكُمْ﴾ أي: خديعة ومكراً ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّةٍ﴾
أي: تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم، فنهى الله
عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى، إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه، فلأن ينهى عنه مع
التمكن والقدرة بطريق الأولى.
(١) أي: قطيعة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وصحح سنده محققوه (المسند ١٠٤/٩، ١٠٥، ح٥٠٨٨).
(٣) صحيح البخاري، الجزية، باب إثم الغادر البر والفاجر (ح٣١٨٨) وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم
الغدر (ح ١٧٣٥).
(٤) أي: كالذي يخذل جاره ويتركه بلا ناصر ولا معين.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعف سنده محققوه بسبب تدليس حجاج وهو ابن أرطأة وقد عنعنه، وقال
الهيثمي: وفيه الحجاج بن أرطأة وهو ثقة مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢٠٥/٤).
(٦) المرأة هي ريطاء بنت عمرو بن كعب بن سعد كما في تفسير مقاتل (ينظر: فتح الباري ٣٨٧/٨).
(٧) قول عبد الله بن كثير أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف، وقول السدي أخرجه
البخاري معلقاً عن سفيان بن عيينة عن صدقة، ووصله ابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة عن صدقة عن
السدي (تغليق التعليق ٢٣٧/٤)، وصدقه هو ابن أبي عمران الكوفي صدوق (التقريب ص٢٧٤)، وسنده حسن.
(٨) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب
عنه .
٧٠٩
، سُورَةُ الْحَلَ﴾ (٩٣، ٩٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد قدمنا - ولله الحمد - في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد،
فسار معاوية إليهم في آخر الأجل حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم، وهم
غارون لا يشعرون، فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر يا معاوية وفاء لا غدر، سمعت
رسول الله ◌َي﴿ يقول: ((من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلنَّ عقده حتى ينقضي أمدها))، فرجع
معاوية ظته بالجيش(١).
قال ابن عباس: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: أكثر(٢) .
وقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثرَ منهم وأعزَّ، فينقضون حلف هؤلاء
ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهُوا عن ذلك(٣). وقال الضحاك وقتادة وابن زيد
نحوه (٤).
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني بالكثرة، رواه ابن أبي حاتم (٥).
وقال ابن جرير: أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ﴿وَلَيُبََّنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا كُمْ فِيهِ تَّخَْلِفُونَ﴾
فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر (٦).
﴿وَلَوَ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءٍ وَلَتُشُعَلُنَّ عَمَّا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ وَلَا نَتَّخِذُواْ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَزِلَ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ السُّوْءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن
سَكِيلِ اللَّهِ وَلَكُمُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿﴿ وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن
﴿﴿ مَا عِندَكُمْ يَنَفَذُّ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَانٍّ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوَاْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
يَعْمَلُونَ (@)﴾.
يقول الله تعالى: ﴿وَلَوَّ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿أُمَّةً وَحِدَةً﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءُ
رَبُّكَ لَمَنَ مَن فِىِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] أي: لوفق بينكم ولما جعل اختلافاً ولا
تباغض ولا شحناء ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ (١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَّ
وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود]، وهكذا قال ههنا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ ثم يسألكم
يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير.
ثم حذَّر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلاً أي: خديعة ومكراً لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، مثل
لمن كان على الاستقامة فحاد عنها، وزلَّ عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على
الصد عن سبيل الله، لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الأنفال آية ٥٨.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٥) ذكره السيوطي في الدر المنثور ونسبه إلى ابن أبي حاتم.
(٦) ذكره الطبري بنحوه.
٧١٠
• سُورَةُ النَّحَلَ (٩٧)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001
بالدين، فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: ﴿وَتَذُوقُواْ السُّوَءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ أي: لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض
الحياة الدنيا وزينتها، فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير
له؛ أي: جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه وحفظ عهده رجاء موعوده ولهذا قال:
﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنَفَذُ﴾ أي: يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه
﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أي: وثوابه لكم في الجنة باقٍ لا انقطاع ولا نفاد له، فإنه دائم لا يحول ولا
يزول ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ قسم من الرب تعالى متلقى باللام،
أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم؛ أي: ويتجاوز عن سيئها .
2- ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم
بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (49)﴾
هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحاً وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه والآه
من ذكر أو أنثى، من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من
عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة، والحياة
الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.
وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب(١).
وعن علي بن أبي طالب به أنه فسرها بالقناعة(٢)، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن
منبه(٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أنها هي السعادة(٤).
وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة(٥).
وقال الضحاك: هي الرزق الحلال(٦) والعبادة في الدنيا.
وقال الضحاك أيضاً: هي العمل بالطاعة والانشراح (٧) بها، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل
هذا كله.
كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي مالك عن ابن عباس.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن علي رض
ـته.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الحسن البصري، وفيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٥) قول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
ضعيف فيه الحسين أيضاً وهو ابن داود، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي
عروبة عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع وهو سفيان فيه مقال.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف.
٧١١
• سُورَةُ الْخَلَِ (٩٨، ١٠٠)
أيوب، حدثني شرحبيل بن أبي شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن
رسول الله وَيقر قال: ((قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه))(١)، ورواه مسلم من
حديث عبد الله بن يزيد المقري به (٢).
وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ عن أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عُبيد أنه
سمع رسول الله 18 يقول: ((قد أفلح من هدي للإسلام، وكان عيشه كفافاً وقنع به)). وقال
الترمذي: هذا حديث صحيح (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام [بن] (٤) يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك
قال: قال رسول الله وَلجر: ((إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في
الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له حسنة
يعطى بها خيراً))(٥)، انفرد بإخراجه مسلم (٦).
◌ِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَنُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ
] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْوَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ (١٨)
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ
هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه و ﴿ إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من
الشيطان الرجيم، وهذا أمر ندب ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره
من الأئمة. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة.
والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته، ويخلط عليه ويمنعه
من التدبر والتفكر، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة، وحكي عن
حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية (٧)، ونقل النووي في
شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضاً ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والصحيح الأول
لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله أعلم.
(٩٩)﴾ قال الثوري: ليس له
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه (٨).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٨/٢) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب الكفاف والقناعة (ح١٠٥٤).
(٣) سنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر (ح٢٣٤٩)، والسنن الكبرى، الرقاق (ح ١١٠٣٣)،
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح١٩١٥).
(٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل صحف إلى: ((عن)).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند ٢٦٦/١٩ ح ١٢٢٣٧).
(٦) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته ... (ح ٢٨٠٨).
(٧) احتجوا بذلك على أن إعراب الفاء في قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَعِذْ﴾ حرف عطف للتعقيب والترتيب، والصحيح
أن الفاء رابطة لجواب الشرط.
(٨) أخرجه الطبري معلقاً من طريق زافر بن سليمان عن الثوري ووصله ابن أبي الدنيا بسند حسن من طريق
زافر به (التوكل ٢٥).
٧١٢
• سُورَةُ النَّحََّ (١٠١، ١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال آخرون: معناه: لا حجة له عليهم.
[الحجر] (١)
٠
وقال آخرون: [كقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَّلَّوْنَهُ﴾ قال مجاهد: يطيعونه(٢).
وقال آخرون:](٣) اتخذوه ولياً من دون الله (٤). ﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ﴾ أي: أشركوا في
عبادة الله. أي أشركوه في عبادة الله، ويحتمل أن تكون الباء سببية؛ أي: صاروا بسبب طاعتهم
للشيطان مشركين بالله تعالى.
وقال آخرون: معناه: أنه شركهم في الأموال والأولاد.
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ وَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتٍَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن زَيِّكَ بِالْحَقِّ لِيُغَبْتَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدَّى وَبُشْرَى
لِلْمُسْلِمِينَ (1)﴾.
يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد
كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيّير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول الله وَليه :
﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي: كذَّاب، وإنما هو الرَّب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
وقال مجاهد: ﴿بَدَّلْنَآ ءَايَةٌ مَكَانَ ءَايَةٍ﴾ أي: رفعناها وأثبتنا غيرها (٥) .
وقال قتادة: هو كقوله تعالى: ﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦](٦)، فقال تعالى مجيباً
لهم: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ أي: جبريل ﴿مِن رَّيِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق والعدل ﴿لِيُنَّبْتَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فيصدقوا بما أنزل أولاً وثانياً، وتخبت له قلوبهم ﴿وَهُدَّى وَيُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾
أي: وجعله هادياً وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله(٧).
. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا
لِسَانُ عَرَبِنٌ مُّبِيِكُ
يقول تعالى مخبراً عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمداً
إنما يعلِّمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم
غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعاً يبيع عند الصفا، وربما كان رسول الله وَلقر يجلس إليه
ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية أو أنه كان يعرف الشيء
(١) أخرجه الطبري بسند جيد عن الربيع بن أنس بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد وابن جريج لم يسمع من مجاهد.
(٣) الزيادة من (مح) و(ح)، وسقط من الأصل: و(حم).
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.
(٥) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) كذا في الأصل: و(مح) ورسوله، وفي (حم) و(ح): (ورسله)).
٧١٣
سُورَةُ الْحَ (١٠٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بدّ منه، فلهذا قال الله تعالى: رادًّا عليهم في
افترائهم ذلك ﴿لِسَابُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِتٌ مُبِينٌ﴾ أي: القرآن،
أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل
من معاني كل كتاب نزل على نبي أرسل، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له
أدنى مُسكة من العقل!
قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: كان رسول الله صل﴿ - فيما بلغني - كثيراً ما يجلس
عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر، عبد لبعض بني الحضرمي، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ
نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرُ لِّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِتٌ مُّبِيِئُ
(4)﴾(١). وكذا قال عبد الله بن كثير، وعن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش(٢).
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان،
عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﴿ يعلم قيناً(٣)
بمكة، وكان اسمه بلعام(٤)، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله وَل* يدخل
عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ
«(٥)
إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرُ لِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَنٌ مُبِينُ (@)
وقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان الفارسي(٦)، وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية مكية،
وسلمان إنما أسلم بالمدينة.
وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان روميان يقرآن كتاباً لهما بلسانهما فكان النبي وَّ يمرُّ
بهما فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية(٧).
وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي
لرسول الله و * فارتدَّ بعد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة(٨)، قبحه الله.
(١) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٣٩٣/١)، وسنده ضعيف لأن ابن إسحاق رواه بلاغاً، ويتقوى بالروايات
التالية.
(٢) قول عكرمة أخرجه الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عنه، وسنده صحيح لكنه مرسل يتقوى بالمرسل الصحيح
عن قتادة الذي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، أما قول عبد الله بن
كثير أن اسم الغلام: جبر، فقد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف.
(٣) القين هو الحداد والصائغ.
(٤) هو بلعام القين ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة ١٦٩/١.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده مسلم الملائي ضعيف كما في التقريب.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، والضحاك من أتباع التابعين فالسند معضل أيضاً.
(٧) أخرجه الطبري والواحدي (أسباب النزول ص ٢٨٧)، كلاهما من طريق حُصين عن عبيد الله بن مسلم
وصحح سنده الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر تخريج البغوي من هذا الطريق (الإصابة ٤٣٩/٢) وقد صحف
في تفسير الطبري فورد بإسم عبد الله بن مسلم، والصواب عبيد الله بن مسلم وهو صحابي كما ذكر ابن أبي
حاتم (الجرح والتعديل ٣٣٢/٥) وتهذيب التهذيب ٢٤٨/٧.
(٨) أخرجه الطبري من طريق الزهري به وسنده صحيح لكنه مرسل.
٧١٤
سُورَةُ الْحَمِ﴾ (١٠٤، ١٠٩)
] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ (9َ إِنَّمَا يَفْتَرِى
اُلْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اللَّهِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَذِبُونَ
يخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره وتغافل عما أنزله على رسوله وَّر ولم يكن له
قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بآياته
وما أرسل به رسله في الدنيا، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة، ثم أخبر تعالى أن رسوله وَ له
ليس بمفترٍ ولا كذّاب، لأنه إنما يفتري الكذب على الله وعلى رسوله وَ ﴿ شرار الخلق، ﴿الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ﴾ من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس، والرسول محمد وَليه
كان أصدق الناس وأبرَّهم وأكملهم علماً وعملاً وإيماناً وإيقاناً، معروفاً بالصدق في قومه، لا
يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يُدعى بينهم إلا بالأمين محمد وَّ، ولهذا لما سأل هرقل ملك
الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله مليار كان فيما قال له: هل كنتم
تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا، فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس
ويذهب فيكذب على الله فيك(١).
- ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنُّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ
بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اُسْتَحَبُّواْ الْحَيَوَةَ
أُوْلَمْكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ
١٠٧
الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمٌّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ ﴿١٨ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ
أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به، أنه قد غضب
عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذاباً عظيماً في الدار الآخرة، لأنهم استحبوا
الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الرِّدة لأجل الدنيا، ولم يهد الله
قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم، فهم لا يعقلون بها شيئاً ينفعهم، وختم على
سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئاً فهم غافلون عما يراد بهم.
﴿لَ جَرَمَ﴾ أي: لا بدّ ولا عجب أن من هذه صفته ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ أي:
الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة - وأما قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾
فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرهاً لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى
مايقول، وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله.
وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون
حتى يكفر بمحمد بيلي، فوافقهم على ذلك مكرهاً، وجاء معتذراً إلى النبي وَلّ، فأنزل الله هذه
الآية(٢). وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك(٣).
(١) أخرجه الشيخان مطولاً (صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي ح٦؛ وصحيح مسلم، الجهاد، باب كتاب
النبي ◌َّ إلى هرقل ح ١٧٧٣).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يليه.
(٣) قول الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن مغيرة عنه (المصنف ٤٩/١٣)، وسنده حسن، وأخرجه =
٧١٥
• سُورَةُ الْحَلَِّ (١٠٦، ١٠٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم
الجزري، عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه
حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي وسلم، فقال النبي وَلّ: ((كيف تجد قلبك؟))
قال: مطمئناً بالإيمان. قال النبيِ وَس 9: ((إن عادوا فعد))(١). ورواه البيهقي بأبسط من ذلك، وفيه
أنه سبَّ النبي ◌َّ، وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك للنبي وَّ فقال: يا رسول الله ما تركت حتى
سببتُك وذكرت آلهتهم بخير، قال: ((كيف تجد قلبك؟)) قال: مطمئناً بالإيمان، فقال: ((إن عادوا
فعد))، وفي ذلك أنزل الله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌّ بِالْإِيمَنِ﴾(٢).
ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن
يأبى كما كان بلال رُّه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعوا الصخرة
العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد، أحد.
ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها، رَبُبه وأرضاه.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمداً رسول الله؟
فيقول: نعم. فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فلم يزل يقطعه إرباً إرباً وهو
ثابت على ذلك(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عكرمة أن علياً ظَه حرق ناساً ارتدُّوا
عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله وسلم قال: ((لا
تعذبوا بعذاب الله)) وكنت أقاتلهم بقول رسول الله وَلجر: ((من بدل دينه فاقتلوه)) فبلغ ذلك علياً
فقال: ويح أم ابن عباس (٤)، رواه البخاري(٥).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال
العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن، فإذا رجل عنده، قال: ما
هذا؟ قال: رجل كان يهودياً فأسلم، ثم تهوَّد ونحن نريده على الإسلام منذ قال أحسبه شهرين،
فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه، فضربت عنقه، فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن
دينه فاقتلوه أو قال: ((من بدَّل دينه فاقتلوه))(٦). وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر(٧) .
والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله، كما ذكر الحافظ ابن عساكر
في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى ملكهم فقال
الطبري من طريق جرير به، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه،
=
وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حُصين عنه وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل (ينظر: فتح الباري ٣١٢/١٢)، ويشهد له ما سبق.
(٢) أخرجه البيهقي من طريق عبد الكريم الجزري به (السنن الكبرى ٢٠٨/٨) وسنده كسابقه.
(٣) ينظر: أُسد الغابة ٤٤٣/١.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٧/١) وسنده صحيح.
(٥) صحيح البخاري، استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة (ح ٦٩٢٢).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣١/٥) وسنده صحيح.
(٧) صحيح البخاري، الموضع السابق (ح٦٩٢٣) وصحيح مسلم، كتاب الإمارة (ح ١٧٣٣).
٧١٦
• سُورَةُ الْحَلِ (١١٠، ١١٣)
له: تنصر وأنا أشركك في مُلكي وأزوجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما
تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد وَ الر طرفة عين ما فعلت، فقال: إذاً أقتلك، فقال:
أنت وذاك، قال: فأمر به فصُلب، وأمر الرماة فرموه قريباً من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين
النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر، وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت، وجاء
بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى
فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال: إنما بكيت لأن نفسي إنما هي
نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي
نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياماً،
ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه
قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمِّتك بي، فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك، فقال: وتطلق
معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين
عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ◌ُبه: حق على كلِّ مسلم أن يُقبِّل رأس عبد الله بن
حذافة، وأنا أبدأ، فقام فقبّل رأسه
﴿ ثَُّّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ
مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُجَدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَّى كُلُّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة، ثم إنهم
أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه، وانتظموا
في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين، وصبروا، فأخبر تعالى أنه من بعدها؛ أي: تلك
الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم.
﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسِ تُّجَدِلُ﴾ أي: تحاج ﴿عَنْ نَّفْسِهَا﴾ ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن
ولا أخ ولا زوجة ﴿وَتُوَّ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ أي: من خير وشر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا
ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر، ولا يظلمون نقيراً.
- ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ
بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (٣) وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ
فَكَذَبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَلِمُونَ
هذا مثل أُريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن
دخلها كان آمناً لا يخاف، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ إِن نََِّّعِ الْمُدَى مَعَكَ نُنَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَاْ أَوَلَمْ نُمَكِّن
لَهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُحْىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ رِزْقًا مِّن لَُّنَا﴾ [القصص: ٥٧]، وهكذا قال ههنا: ﴿يَأْتِيهَا
(١) ينظر: أسد الغابة ٢١٢/٣، وهذه القصة مشهورة تنصُّ على منقبة عظيمة لعبد الله بن حذافة ظـ
٧١٧
سُورَةُ النَّحْمَِ﴾ (١١٢، ١١٣)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000
رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ أي: هنيئاً سهلاً ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ أي: جحدت آلاء الله عليها،
وأعظمها بعثة محمد رَّه إليهم، كما قال تعالى: ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَاً وَأَحَلُواْ
قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ [إبراهيم] ولهذا بدلهم الله بحاليهم
الأولين خلافهما، فقال: ﴿فَأَذَقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن
كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأيتها رزقها رغداً من كل مكان، وذلك لمّا استعصوا على
رسول الله وَ﴿ وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء
لهم، فأكلوا العلهز(١). وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه.
وقوله: ﴿وَالْخَوْفِ﴾ وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفاً من رسول الله وَ له وأصحابه حين هاجروا
إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال حتى فتحها الله على
رسوله *، وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول و ﴿ الذي بعثه الله فيهم منهم، وامتن
به عليهم في قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقوله تعالى: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ يَأْلِىِ الْأَلْبَبِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَدْ أَنْزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا ( رَسُولًا﴾ الآية
[الطلاق]، وقوله: ﴿كَمَّا أَرْسَلْنَا فِكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِنَبَ
وَلْحِكْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١، ١٥٢].
وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، فبدَّل الله
المؤمنين من بعد خوفهم أمناً، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحُكّامهم وسادتهم
وقادتهم وأئمتهم، وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله العوفي عن ابن
عباس(٢)، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري
رحمهم الله(٣).
وقال ابن جرير: حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن یزید،
حدثنا عبد الرحمن بن شريح، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه أنه سمع [مِشرح](٤) بن
هاعان يقول: سمعت سُليم بن عِتر يقول: صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي ◌َّ وعثمان رفـ
محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل؟ حتى رأت راكبين فأرسلت إليهما تسألهما فقالا :
قتل، فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها القرية - تعني: المدينة - التي قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ قال ابن
شريح: وأخبرني عبيد الله بن المغيرة عمن حدثه أنه كان يقول: إنها المدينة(٥).
(١) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة يوسف آية ٤٦.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بما يلي.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق ابن أبي عروبة، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب
عنه.
(٤) كذا في (ح) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل صحف إلى: ((شرخ))، وفي (حم): ((سرح)).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده مِشرح بن عاهان مقبول كما في (التقريب ص٥٣٢)، والشق الأخير
فيه إبهام شيخ عبد الله بن المغيرة.
٧١٨
سُورَةُ النّحَ (١١٤، ١١٩)
00000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
(١٤)
﴿فَكُلُواْ مِمَا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِيرِ وَمَا أُهِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِّ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيِّرَ بَاِغٍ وَلَا عَادٍ
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥) وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌّ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ
اَلْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿٨ مَتَعُ قَلِيلٌ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (®)﴾.
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب وبشكره على ذلك فإنه المنعم
المتفضل به ابتداء الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم مما فيه
مضرة لهم في دينهم ودنياهم من الميتة والدم ولحم الخنزير ﴿وَمَّآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهٌِ﴾ أي ذبح على
غير اسم الله، ومع هذا ﴿فَمَنِ اضْطَرَّ﴾ إليه أي: احتاج من غير بغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾. وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة (١) بما فيه كفاية عن إعادته، ولله
الحمد.
ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا
عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك، مما كان شرعاً لهم
ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَئُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌّ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُواْ
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَّ﴾ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلَّل شيئاً مما
حرَّم الله، أو حرم شيئاً مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه، وما في قوله: ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ مصدرية؛
أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم.
ثم توعد على ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا ولا
في الآخرة، أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: ﴿نُمِثْعُهُمْ
قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظِ ﴾ [لقمان] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا
مَعُّ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
يُفْلِحُونَ ◌ََ
[یونس].
١٩٨
﴿وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلٌّ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوْءَ بَجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ
لما ذكر تعالى أنه إنما حرَّم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وإنما أرخص
فيه عند الضرورة - وفي ذلك توسعة لهذه الأمة التي يريد الله بها اليسرى ولا يريد بها العسرى -
ذكر ◌َّلَ ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق
والأغلال والحرج، فقال: ﴿وَعَلَى الَّيْنَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا فَصَصْنَا عَيْكَ مِن قَبْلٌ﴾ أي: في سورة الأنعام في
قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى خُفٍُّ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيَّهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا
حَمَلَتْ ◌ُهُورُهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿لَصَدِّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٦] ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَا ظَلَمْنَهُمْ﴾ أي: فيما
(١) في الآية رقم ١٣٧.
٧١٩
• سُورَّةُ الْحَلَ (١٢٠، ١٢٣)
000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0
ضيقنا عليهم ﴿ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: فاستحقوا ذلك، كما قال: ﴿فَيُظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ
حَرَّمْنَا عَلَهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًّا (٣)﴾ [النساء].
ثم أخبر تعالى تكرماً وامتناناً في حق العصاة المؤمنين أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال:
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوَءَ بَجَهَلَةٍ﴾ قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل.
﴿ُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي وأقبلوا على فعل
الطاعات ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: تلك الفعلة والزلة ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلِّ حَنِيفًا وَلَمَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٧ شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةِ اجْتَبَهُ
وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم
وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَإِنَّهُ فِ الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ
ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
٢٣
أَنِ أَتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء، ويبرئه من المشركين ومن
اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فأما الأُمة: فهو الإمام الذي
يقتدى به، والقانت: هو الخاشع المطيع، والحنيف: المنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد،
ولهذا قال: ﴿وَلَمَّ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
قال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين: أنه سأل
عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت، فقال: الأمة معلم الخير، والقانت: المطيع الله ورسوله(١).
وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلِّم الناس دينهم (٢).
وقال الأعمش، عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل
إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رقَّ له، فقال: أخبرني عن الأُمة، فقال: الذي يعلِّم الناس
الخير(٣).
وقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذاً كان أمةً قانتاً لله
حنيفاً، فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، وقال إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ فقال:
أتدري ما الأُمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، فقال: الأُمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع الله
ورسوله(٤)، وكذلك كان معاذ. وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، أخرجه ابن جرير (٥).
وقال مجاهد: أُمة؛ أي: أُمة وحده، والقانت المطيع(٦).
(١) أخرجه الطبري من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري به وسنده صحيح.
(٢) سنده منقطع لأن مالكاً لم يسمع من ابن عمر، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٣) أخرجه الطبري من طريق الأعمش عن الحكم عن يحيى بن الجزار به وسنده حسن.
(٤) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن فراس به وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٣٥٨/٢)، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ٧٠/١٠ ح ٩٩٤٣) من طريق الثوري به
وقال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٤٩/٧).
(٥) أخرجه الطبري من عدة طرق عن ابن مسعود.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
٧٢٠
• سُوَرَّةُ الْحَلَّ (١٢٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد أيضاً: كان إبراهيم أُمة أي: مؤمناً وحده والناس كلهم إذ ذاك كفار.
وقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت المطيع الله(١).
وقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِّةٍ﴾ أي: قائماً بشكر نعم الله عليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ الَّذِى وَفَّ
H﴾ [النجم] أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به.
وقوله: ﴿اَجْتَبَهُ﴾ أي: اختاره واصطفاه كقوله: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِبْرَهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ،
عَلِمِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]، ثم قال: ﴿وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو عبادة الله وحده لا شريك له على
شرع مرضي. وقوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: أي جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج
المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة ﴿وَإِنَّهُ فِ اُلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَءَاتَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾: أي لسان صدق(٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ أَوَحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده
وطريقه، أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء ﴿أَنِ اتَّعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾ كما قال في الأنعام: ﴿قُلْ إِنَِّ هَدَنِ رَبْ إِلَى صِرَطٍ تُسْتَقِيٍ دِينًا فِيَمَا مِلَّةَ إِتَزَهِيَمَ حَنِيفًاْ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣)﴾ ثم قال تعالى منكراً على اليهود:
42 ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَئِنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا
كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
لا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوماً من الأسبوع يجتمع الناس فيه للعبادة فشرع تعالى
لهذه الأمة يوم الجمعة لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة واجتمعت فيه، وتمت
النعمة على عباده، ويقال: إن الله تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى فعدلوا عنه،
واختاروا السبت لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئاً من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم
الجمعة فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة، ووصَّاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه مع أمره
إياهم بمتابعة محمد ﴿ إذا بعثه وأَخْذِه مواثيقهم وعهودهم على ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيَةٍ﴾ .
قال مجاهد: اتبعوه وتركوا الجمعة(٣). ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به حتى بعث الله عيسى ابن
مريم، فيقال: إنه حولهم إلى يوم الأحد، ويقال إنه لم يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض
أحكامها، وإنه لم يزل محافظاً على السبت حتى رفع، وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم
الذين تحولوا إلى يوم الأحد مخالفة لليهود، وتحولوا إلى الصلاة شرقاً عن الصخرة، والله أعلم.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة
أنه سمع رسول الله وير قال: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.