النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عليك)). قال: فقال رسول الله وَلو: ((إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً)) قال: قالت
عائشة: يفتح له سبعة وسبعون باباً إلى الجنة، يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله ربمن(١).
وبالإسناد المتقدم إلى النبي وَ ﴿ قال: ((ويقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلى عدوي فأتني
به، فإني قد بسطت له رزقي، ويسرت له نعمتي، فأبى إلا معصيتي فأتني به، لأنتقم منه، قال:
فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له ثنتا عشر عيناً، ومعه سفود
من النار، كثير الشوك ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعهم
سياط من نار لينهالين السياط، وهي نار تأجج - قال : - فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة
يغيب كل أصل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر - قال : - ثم يلويه لياً
شديداً - قال : - فينزع روحه من أظفار قدميه - قال : - فيلقيها في عقبيه - قال : - فيسكر عدو الله
عند ذلك سكرة فيرفّه ملك الموت عنه - قال : - وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط
- قال : - فيشده ملك الموت شدة فينزع روحه من عقبيه فيلقيها في ركبتيه، ثم يسكر عدو الله عند
ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه - قال : - فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط - قال : -
فينتره(٢) ملك الموت نترة فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه، فيسكر عدو الله عند ذلك
سكرة فيرفه ملك الموت عنه - قال : - فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط - قال كذلك
إلى صدره ثم - كذلك إلى حلقه - قال : - ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه
- قال : - ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة إلى سموم وحميم وظل من يحموم لا
بارد ولا كريم - قال : - فإذا قبض ملك الموت روحه، قال الروح للجسد: جزاك الله عني شراً
فقد كنت سريعاً بي إلى معصية الله، بطيئاً بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت - قال : -
ويقول: الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها، وتنطلق جنود
إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبداً من ولد آدم النار - قال : - فإذا وضع في قبره ضيق عليه
قبره حتى تختلف أضلاعه حتى تدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى - قال : - ويبعث الله
إليه أفاعي دهماً كأعناق الإبل، يأخذن بأرنبته(٣) وإبهامي قدميه فيقرضنه حتى يلتقين في وسطه
- قال : - ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف وأنيابهما
كالصياصي وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا،
قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع
عليها ربيعة ومضر لم يقلوها - قال : - فيقولان له: اجلس، فيستوي جالساً وتقع أكفانه في حقويه
- قال : - فيقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان له: لا دريت
ولا تليت، فيضربانه ضربة يتطاير شررها في قبره ثم يعودان، قال: فيقولان: انظر فوقك فينظر،
(١) سنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي، وبكر بن خنيس صدوق له أوهام وتكلم فيه ابن حبان (ينظر: التقريب
ص١٢٦)، وضعفه الحافظ ابن كثير سنداً ومتناً كما سيأتي، وعزاه الحافظ ابن حجر لأبي يعلى ثم قال:
هذا حديث عجيب السياق، وهو شاهد لكثير مما ثبت في حديث البراء الطويل المشهور، ولكن إسناده
غريب وفيه ضعف (المطالب العالية ٣٨٢/٤).
(٢) فينتره: أي يجذبه بعنف.
(٣) الأرنبة: طرف الأنف.

٦٢٢
سُورَةُ إبرَاهِيمٌ (٣٠،٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فإذا باب مفتوح من الجنة، فيقولان: عدو الله هذا منزلك لو أطعت الله)). قال رسول الله وله :
((والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبداً)). قال: ((ويقولان له: انظر
تحتك، فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار فيقولان له: عدو الله هذا منزلك إذا عصيت الله))،
قال رسول الله وَّر: ((والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبداً)) قال:
وقالت عائشة: ويفتح له سبعة وسبعون باباً إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها(١).
هذا حديث غريب جداً، وسياق عجيب، ويزيد الرقاشي راويه عن أنس له غرائب ومنكرات،
وهو ضعيف الرواية عند الأئمة، والله أعلم، ولهذا قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى
الرازي، حدثنا هشام - هو ابن يوسف -، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ مولى عثمان، عن
عثمان ◌ُه قال: كان النبي ◌َ﴿ إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: ((استغفروا لأخيكم
واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل))(٢). تفرد به أبو داود.
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ المَوْتِ
وَاُلْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَبْدِيهِمْ﴾ الآية [الأنعام: ٩٣]، حديثاً مطولاً جداً من طرق غريبة عن الضحاك، عن
ابن عباس مرفوعاً، وفيه غرائب أيضاً(٣).
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيَرَكُمْ إِلَى النَّارِ
وَبِئْسَ الْقَرَارُ
قال البخاري: قوله: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الَّهِ كُفْرًا﴾ ألم تعلم، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ
كَيَّفَ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] البوار: الهلاك، بار يبور بوراً،
﴿قَوَّمَا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨] هالكين. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء.
سمع ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة(٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: هو جَبَلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب
فلحقوا بالروم(٥) .
(٥)
والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار،
فإن الله تعالى بعث محمداً مَّه رحمة للعالمين ونعمة للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل
الجنة، ومن ردّها وكفرها دخل النار، وقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول.
(١) سنده ضعيف، وهو تتمه لسابقه.
(٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت ح٣٢٢١)، وصححه الألباني
في صحيح سنن أبي داود (ح٢٧٥٨)، وأخرجه الحاكم من طريق هشام بن يوسف به، وصححه ووافقه
الذهبي (المستدرك ٣٧٠/١).
(٣) وسنده ضعيف أيضاً لأن الضحاك لم يلق ابن عباس.
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أَلَّمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الَّهِ كُفْرَاً ... ﴾ [إبراهيم: ٢٨] (ح ٤٧٠٠).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، ويتقوى بالشواهد التالية عن عمر بن الخطاب وعلي بن
أبي طالب

٦٢٣
• سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ (٣٠،٢٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن القاسم بن أبي
بزة، عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل علياً عن ﴿الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الهِ كُفْرَاً وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
الْبَوَارِ﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر(١).
حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا بسام - هو الصيرفي -، عن أبي الطفيل
قال: جاء رجل إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين من الذين بدلوا نعمة الله كفراً، وأحلوا قومهم
دار البوار؟ قال: منافقو قريش(٢) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل قال: قرأت على معقل، عن ابن أبي حسين
قال: قام علي بن أبي طالب ظُبه فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن، فوالله لو أعلم اليوم أحداً
أعلم به مني وإن كان من وراء البحار لأتيته، فقام عبد الله بن الكواء فقال: من الذين بدلوا
نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار؟ قال: مشركو قريش أتتهم نعمة الله الإيمان فبدلوا نعمة الله
كفراً وأحلوا قومهم دار البوار(٣).
وقال السدي في قوله: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْرًا﴾ الآية، ذكر مسلم المستوفى،
عن علي أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية وبنو المغيرة؛ فأما بنو المغيرة، فأحلوا
قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أحد، وكان أبو جهل يوم
بدر، وأبو سفيان يوم أحد، وأما دار البوار فهي جهنم(٤).
وقال ابن أبي حاتم تَخْلَتُهُ: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحارث أبو منصور، عن إسرائيل،
عن أبي إسحاق، عن عمرو بن مرة قالا: سمعت علياً قرأ هذه الآية ﴿وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾
قال: هم الأفجران من قريش: بنو أمية، وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة فأهلكوا يوم بدر، وأما
بنو أمية فمتعوا إلى حين، ورواه أبو إسحاق عن عمرو بن مرة، عن علي(٥)، نحوه، وروي من
غیر وجه عنه.
وقال سفيان الثوري، عن علي بن زيد، عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب في قوله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية،
فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين(٦). وكذا رواه حمزة الزيات
عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين هذه الآية ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الَهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾﴾؟ قال: هم الأفجران من قريش:
أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر، وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى
(١) سنده حسن.
(٢) أخرجه الحاكم من طريق بسام الصيرفي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٢/٢).
(٣) في سنده ابن أبي حسين وهو عبد الله بن عبد الرحمن لم يسمع من علي، وقد توبع بما تقدم فيتقوى بهما.
(٤) في سنده السدي لم يصرح بالسماع عن مسلم وفيه تشيّع، وقد توبع في أغلب المتن إلا ذكر أبي سفيان فإنه
لم يتابع عليه كما سيأتي في الروايات التالية.
(٥) أخرجه الحاكم من طريق سفيان عن أبي إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٢/٢).
(٦) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان: وهو ضعيف.

٦٢٤
• سُورَةُ إبرَاهِيمٌَ (٣١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
حين(١). وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن زيد: هم كفار قريش الذين قتلوا
يوم بدر(٢). وكذا رواه مالك في تفسيره، عن نافع، عن ابن عمر(٣).
وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: جعلوا له شركاء عبدوهم معه، ودعوا
الناس إلى ذلك، ثم قال تعالى مهدداً لهم ومتوعداً لهم على لسان نبيه وَله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ
مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شيء ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ
إِلَى النَّارِ﴾ أي: مرجعكم وموئلكم إلينا كما قال تعالى: ﴿نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ
غَلِيظٍ (9﴾ [لقمان]، وقال تعالى: ﴿مَتَعٌ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ
(٢٥)﴾ [يونس].
بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ
] ﴿قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَئِيَّةٌ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ
لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَلُ
يقول تعالى آمراً عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة، وهي عبادة الله
وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى
الأجانب، والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها، وأمر
تعالى بالإنفاق مما رزق في السر، أي في الخفية، والعلانية وهي الجهر، وليبادروا إلى ذلك لخلاص
أنفسهم ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ﴾ وهو يوم القيامة ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا ◌ِلَلُّ﴾ أي: ولا يقبل من أحد فدية بأن تباع
نفسه، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [الحديد: ١٥]، وقوله: ﴿وَلَا خِلَلُ﴾.
قال ابن جرير: يقول: ليس هناك مخالة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب
لمخالته، بل هناك العدل والقسط، والخلال مصدر من قول القائل: خاللت فلاناً، فأنا أخالله
مخالة وخلالاً، ومنه قول امرئ القيس:
هرفت الهوى عنهنَّ من خشية الردئ
ولست بمقلي الخلال ولا قال (٤) (٥)
وقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعاً وخلالاً يتخالُّون بها في الدنيا، فينظر رجل من
يخالل وعلامَ يصاحب؟ فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فسيقطع عنه(٦).
قلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحداً بيع ولا فدية، ولو افتدى بملء
الأرض ذهباً لو وجده، ولا تنفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافراً، قال الله تعالى:
(١) أخرجه الطبري من طريق حمزة الزيات به، وسنده حسن.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق أبي بشر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه،
وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري مبهم، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٣) سنده صحيح.
(٥) ذكره الطبري بلفظه مستشهداً بقول امرئ القيس.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد عن قتادة.
(٤) ديوان امرئ القيس ص ٣٥.

٦٢٥
سُورَةُ إِبْرَاهِيمٌ (٣٢، ٣٤)
﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسُّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنَفَعُهَا شَفَعَةٌ وَلَ هُمْ يُصَرُونَ
[البقرة] وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ
وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ (@)﴾ [البقرة].
﴿اَللَّهُ الَّذِى خَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ
وَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِ اٌلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَ ® وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
وَءَاتَنْكُمْ مِّنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُهُوهُ وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ الَهِ لَا تُخْصُوهَاً
دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَِّلَ وَالنَّهَارَ ®
إِنَ الْإِنسَانَ لَظَلُومُ كَفَّارٌ ()﴾.
يُعدِّد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السموات سقفاً محفوظاً والأرض فرشاً، وأنزل من
السماء ماء فأخرج به أزواجاً من نبات شتى ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال
والطعوم والروائح والمنافع. وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه
بأمر الله تعالى، وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا
إلى هناك، وما هناك إلى هنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر رزقاً للعباد من شرب
وسقي، وغير ذلك من أنواع المنافع ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ﴾ أي: يسيران لا يفتران
ليلاً ولا نهاراً ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[يس]، ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النََّارَ يَطْلُ حَدِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَمْرِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ
اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، فتارة يأخذ
هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر ﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فيِ اَلَيْلِ
وَسَخَّرَ الشَمْسَ وَالْقَمَرَ كُلُّ يَجْرِىّ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَيْرٌ﴾(١) [لقمان: ٢٩].
وقوله: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ﴾ يقول هيأ لكم ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم
مما تسألونه بحالكم. وقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه، وقرأ بعضهم
(وآتاكم من كلِّ ما سألتموه) (٢).
وقوله: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخُصُوهَاً﴾ يخبر تعالى عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلاً
عن القيام بشكرها، كما قال طَلْق بن حبيب دَّثُ: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن
نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين(٣) .
وفي صحيح البخاري أن رسول الله وَ ل﴿ كان يقول: ((اللَّهم لك الحمد غير مكفيٍ ولا مودعٍ ولا
مستغنى عنه ربنا))(٤).
(١) ورد في الأصل: ((ألا وهو العزيز الغفار))، والتصويب من القرآن الكريم.
(٢) هذه القراءة شاذة تفسيرية ذكرها الطبري ونسبها أبو حيان إلى ابن عباس والضحاك وقتادة وغيرهم (البحر
المحيط ٤٢٨/٥).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعد بن إبراهيم عن طلق، وكذا البيهقي (شعب الإيمان رقم
٤٥٢٢).
(٤) أخرجه البخاري من حديث أبي أمامة ﴿ه (الصحيح، الأطعمة، باب ما يقول إذا فرغ من طعامه
ح٥٤٥٨).

٦٢٦
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٣٥، ٣٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن
المحبَّر، حدثنا صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي، عن أنس، عن النبي وَل أنه قال:
((يخرج لابن آدم يوم القيامة [ثلاثة](١) دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، ودیوان فیه ذنوبه،
وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى لأصغر نعمه - أحسبه قال: في ديوان
النعم -: خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح كله، ثم تنحى وتقول: وعزتك ما
استوفيت وتبقى الذنوب والنعم، فإذا أراد الله أن يرحمه قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك
وتجاوزت لك عن سيئاتك - أحسبه قال: ووهبت لك نعمي -))(٢) غريب وسنده ضعيف.
وقد روي في الأثر أن داود لعلّه قال: يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليّ؟
فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي: حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم(٣).
وقال الإمام الشافعي تَخَّتُهُ: [الحمد](٤) لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة
توجب على مؤدي ماضي نعمة بأدائها، نعمة حادثة توجب عليه شكره بها(٥).
وقال القائل في ذلك:
تثني عليك بما أوليت من حسن
لو كل جارحة مني لها لغة
إليك أبلغ في الإحسان والمنن
لكان ما زاد شكري إذا شكرت به
- ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِ وَبَفِىَّ أَن تَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ
رَبِّ
٣٥
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِ فَإِنَُّ مِنِىِّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يذكر تعالى في هذا المقام محتجاً على مشركي العرب بأن البلد الحرام بمكة إنما وضعت أول
ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن
عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا اُلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ وقد استجاب الله له
فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَّمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمَّ أَفَلْبَطِلِ﴾ [العنكبوت: ٦٧]،
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَّذِى بِبَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَلَمِينَ (٨٧) فِيهِ ءَايَتْ بَيْنَكُ مَّقَامُ
إِرَهِيمٌ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]، وقال في هذه القصة: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا اُلْبَلَدَ
ءَامِنًا﴾ فعرفه لأنه دعا به بعد بنائها، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِ عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَّ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب
بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة، فإنه دعا أيضاً فقال: ﴿رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا﴾
كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطوّلاً .
وقال: ﴿وَأَجْنُبْنِ وَيَتِىَّ أَن نَّعْبُدَ اَلْأَصْنَامَ﴾ ينبغي لكل داعٍ أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته، ثم
(١) كذا في (حم)، وفي الأصل (ومع): ((ثلاث)).
(٢) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٣٤٤٤) وسنده ضعيف جداً لأن داود بن المحبّر: متروك، وصالح
المري ضعيف، وضعفه الحافظ ابن كثير سنداً ومتناً .
(٣) أخرجه البيهقي (الجامع لشعب الإيمان ح٤٤١٤).
(٤) سقط في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) والرسالة للشافعي.
(٥) ذكره الشافعي في الرسالة ص٧.

٦٢٧
• سُوْرَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٣٧، ٤١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه تبرأ ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم
وإن شاء غفر لهم، كقول عيسى لعلّها: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِبِزُ لُلْكِيمُ
(٧)) [المائدة]، وليس فيه أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى لا تجويز وقوع ذلك.
وقال عبد الله بن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه، عن [عبد الرحمن بن
يَّةُ: ﴿رَبِّ إِنَهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ
جُبير](١)، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَ و تلا قول إبراهيم
النَّاسِ﴾ الآية، وقول عيسى،لعلَّهِ: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادٌُ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَرَبِزُ لَلْحَكِيمُ
M
[المائدة]، ثم رفع يديه ثم قال: ((اللهم، أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي)) وبكى فقال الله: اذهب يا
جبريل إلى محمد، وربك أعلم، وسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريلنِالَّ فسأله، فأخبره رسول الله وَله ما
قال، فقال الله: اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك(٢).
] ﴿رَبَنَّا إِنَّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٌ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمَ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةَ مِنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُونَ
وهذا يدل على أن هذا دعاء ثانٍ بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها،
وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه تأكيداً ورغبة إلى الله مت، ولهذا قال: ﴿عِندَ بَيْنِكَ
اُلْمُحَرَّم﴾. وقوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾ قال ابن جرير: هو متعلق بقوله: ﴿الْمُحَرَّم﴾ أي: إنما
جعلته محرماً ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده ﴿فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن
عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره: لو قال: (أفئدة الناس) لازدحم عليه فارس والروم
واليهود والنصارى والناس كلهم(٣)، ولكن قال: ﴿مِّنَ النَّاسِ﴾ فاختصَ به المسلمون.
وقوله: ﴿ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ أي: ليكون ذلك عوناً لهم على طاعتك، وكما أنه وادٍ غير ذي زرع
فاجعل له ثماراً يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك كما قال: ﴿أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْىَ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ
كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَا﴾ [القصص: ٥٧] وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته أنه ليس في البلد الحرام
مكة شجرة مثمرة وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
- ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اَللَّهِ مِن شَىْءٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ
اُلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿ رَبِّ أَجْعَلِى مُقِيمَ الصَّلَوَةِ
٠
وَمِنْ ذُرِيَِّيَّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ® رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلِوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
.
قال ابن جرير: يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم خليله أنه قال: ﴿رَبََّآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا
نُعْلِنٌ﴾ أي: أنت تعلم قصدي في دعائي، وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد
إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، لا يخفى عليك منها شيء
(١) في النسخ الخطية: ((ابن جرير))، والتصويب من صحيح مسلم.
(٢) أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن وهب به (الصحيح، الإيمان، باب دعاء النبي ◌َّ ر لأمته وبكائه ... ح٢٠٢).
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق منصور عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.

٦٢٨
سُورَةُ إِبْرَاهِيمٌ (٤٢، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
في الأرض ولا في السماء(١)، ثم حمد ربه رم على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقُّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الذُّعَاِ ﴾﴾ أي: إنه يستجيب
لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد، ثم قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوَةِ﴾ أي:
محافظاً عليها مقيماً لحدودها ﴿وَمِن ذُرِّيَّنِ﴾ أي: واجعلهم كذلك مقيمين لها ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ
دُعَاءٍ﴾ أي: فيما سألتك فيه كله ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَنَّ﴾ وقرأ بعضهم: (ولوالِدي) بالإفراد(٢)،
وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله وَ ﴿ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كلهم ﴿يَوْمَ يَقُومُ
اٌلْحِسَابُ﴾ أي: يوم تحاسب عبادك فتجازيهم بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
] ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلاَ عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَّ إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ
٤٣
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَتَدُ إِلَهِمْ طَرْفُهُمْ وَفْئِدَنْهُمْ هَوَآءٌ
.
يقول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد غافلاً عما يعمل الظالمون؛ أي: لا تحسبنه إذا
أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك ويعدُّه
عليهم عدَّا ﴿إِنَّمَا يُؤَخِرُهُمْ لِيَوٍْ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ أي: من شدة الأهوال يوم القيامة، ثم ذكر تعالى
كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر، فقال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين، كما قال
تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى النَّاعِ [يَقُولُ الْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُّ عَبِيرٌ﴾ [القمر: ٨] وقال تعالى: ﴿يَوْمَيِذٍ يَشَّعُونَ](٣)
الَّعِىَ لَا عِوَجَ لَهِّ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلَّ هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] إلى قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ
لِلْحَيّ الْقَيُّورِ﴾ [طه: ١١١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُونَ مِنَ الْأَحْدَاثِ سِرَاءً﴾ الآية [المعارج: ٤٣].
وقوله: ﴿مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رؤوسهم(٤). ﴿لَا يَرْتَدُّ
إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر، لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من
الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم، عياذاً بالله العظيم من ذلك، ولهذا قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾
أي: وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف. ولهذا قال قتادة وجماعة: إن
أمكنة أفئدتهم خالية(٥)، لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف. وقال
بعضهم: ﴿هَوَآءٌ﴾ خراب لا تعي شيئاً لشدة ما أخبر به تعالى عنهم، ثم قال تعالى لرسوله وقطار:
] ﴿وَأَنَذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَاً أَخِرْنَاً إِلَ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ
وَنَتَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم ◌ِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّنْ زَوَالِ ﴿ وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ
وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (®﴾.
يقول تعالى مخبراً عن الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب: ﴿رَبَّنَآ أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ
(٢) وهي قراءة شاذة.
(١) ذكره الطبري بمعناه.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، يتقوى بقول مجاهد الذي أخرجه
الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.

٦٢٩
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٤٤، ٤٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
لَعَلَّ أَعْمَلُ
◌ُجِبْ دَعَتَكَ وَتَتَّيعِ الرُّسُلُّ﴾ كما قال: ﴿حََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ أَرْجِعُونِ
صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِم بَزَغُ إِلَى يَوَّرِ يُبْعَثُونَ (٣)﴾ [المؤمنون]، وقال
تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَوَّلُكُمْ وَلَاَ أَوَلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَكَ
هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾ وَأَنْفِقُواْ مِن مَا رَزَقَْكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِى أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَرَنِىٌّ إلَى أَجَلٍ
قَرِيبٍ فَأَصََّّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴾﴾ [المنافقون]، وقال تعالى مخبراً عنهم في حال محشرهم:
﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَاً أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
(١)﴾ [السجدة]، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَيْنَنَا نُرَّهُ وَلَا تُكَذِّبَ بِثَايَتٍ رَيْنَا وَتَكُونَ مِنَ
بَّ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (َ)﴾ [الأنعام]،
الْمُؤْمِينَ أَـ
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِثُونَ فِهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ أَلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُّ أَوَلَمْ نُعَمِّرَّكُم مَّا
﴾ [فاطر]، قال تعالى رداً
(٣٧)
يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيِّ فَذُوقُواْ فَمَا لِلََّكِينَ مِن نَصِيرٍ
عليهم في قولهم هذا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَفْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ أي: أو لم تكونوا
تحلفون من قبل هذه الحالة أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه وأنه لا معاد ولا جزاء فذوقوا هذا
بذاك.
قال مجاهد وغيره: ﴿مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ أي: ما لكم من انتقالٍ من الدنيا إلى الآخرة، كما
أخبر عنهم تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمٌّ لَا يَبْعَثُ اَللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل:
٣٨](١)، ﴿وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَِّينَ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ
اْأَمْثَالَ ﴾﴾ أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم
فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر ﴿حِكْمَةٌ بَلِغَّةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ
ج)﴾ [القمر].
رضي الله قال فى هذه الآية ﴿وَإِن كَانَ
وقد روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن أن علياً
مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قال: أخذ ذاك الذي حاجَّ إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى
استغلظا واستفحلا وشبًّا، قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت وجوَّعهما، وقعد هو
ورجل آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصاً على رأسه اللحم فطارا، وجعل يقول لصاحبه:
انظر ما ترى؟ قال: أرى كذا وكذا حتى قال: أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: فصوب العصا،
فصوبها فهبطا جميعاً، قال: فهو قوله رَك: (وإن كاد(٢) مكرهم لتزول(٣) منه الجبال) (٤).
قال أبو إسحاق: وكذلك هي قراءة عبد الله (وإن كاد مكرهم)(٥).
قلت: وكذا روي عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب ﴿ّ أنهما قرآ (وإن كاد)(٦) كما قرأ
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد، وابن جريج لم يسمع من مجاهد، وفيه أيضاً
الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف.
(٢) هذه القراءة شاذة تفسيرية.
(٣) وهي قراءة متواترة.
(٤) أخرجه الطبري من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به بنحوه، وفي سنده عبد الرحمن وهو ابن أذُنان ذكره
البخاري (التاريخ الكبير ٢٥٥/٥)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢١٠/٥) وسكتا عنه، وذكره ابن حبان
في الثقات (٨٧/٥).
(٥) و(٦) هذه القراءة نسبها أبو حيان إلى أبي بن كعب وعمر بن الخطاب وأبي إسحاق السبيعي وابن مسعود
(البحر المحيط ٤٣٧/٥) وهي قراءة شاذة تفسيرية.

٦٣٠
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٤٧، ٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
علي، وكذا رواه سفيان الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن [أذنان](١)، عن
علي ... فذكر نحوه(٢)، وكذا روي عن عكرمة أن سياق هذه القصة للنمروذ ملك كنعان أنه رام
أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر، كما رام فرعون ملك القبط في بناء الصرح فعجزا وضعفا،
وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر.
وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر، وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها، نودي أيها
الطاغية أين تريد؟ ففرق ثم سمع الصوت فوقه، فصوب الرماح فصوبت النسور، ففزعت الجبال
من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حسِّ ذلك، فذلك قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ
اِبَالُ﴾(٣).
ونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها (لَتزولُ منه الجبال) بفتح اللام الأولى وضم الثانية (٤)،
وروى العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: ما كان
مكرهم لتزول منه الجبال(٥). وكذا قال الحسن البصري(٦)، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه
بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به، ما ضر شيئاً من الجبال ولا غيرها، وإِنما عاد وبال ذلك
علیهم.
قلت: ويشبه هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرَضِ مَرَحًاْ إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ اَلْجِبَالَ
طُولًا (٣)﴾ [الإسراء]، والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِن
كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: شركهم، كقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَوَتُ يَنَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ الآية
[مريم: ٩٠](٧)، وهكذا قال الضحاك وقتادة(٨).
﴿فَلَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامِ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ
اَلْأَرْضِ وَالسَّمَوَثُّ وَبَرَزُواْ لَِّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ
يقول تعالى مقرراً لوعده ومؤكداً: ﴿فَلَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ﴾ أي: من نصرتهم في
الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ثم أخبر تعالى أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب،
وذو انتقام ممن كفر به وجحده ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾﴾ [الطور]، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُبَذَّلُ الْأَرْضُ
غَيِّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَثُ﴾ أي: وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض، وهي هذه على غير
الصفة المألوفة المعروفة، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم، عن سهل بن
(١) كذا في تفسير الطبري وكذا تُرجم له كما تقدم، وفي الأصل صحّف إلى: ((أرباب)).
(٢) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وفيه عبد الرحمن بن أذنان تقدم.
(٣) أخرجه الطبري من طريق أبي نجيح عن مجاهد بنحوه، وسنده صحيح إلى مجاهد لكنه مرسل.
(٤) قد أخرجه الطبري بسنده ضعيف عن ابن جريج به والقراءة متواترة كما تقدم.
(٥) سنده ضعيف لضعف العوفي والرواة عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٨) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول قتادة أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.

٦٣١
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٤٧، ٤٨)
سعد قال: قال رسول الله ويلقى: ((يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقيّ
ليس فيها مَعلَم لأحد))(١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن
عائشة أنها قالت: أنا أول الناس سأل رسول الله وَّر عن هذه الآية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
وَالسَّمَوَثٌ﴾ قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: ((على الصراط))(٢)، رواه مسلم
منفرداً به دون البخاري(٣)، والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هند به، وقال الترمذي:
حسن صحيح (٤)، ورواه أحمد أيضاً عن عفان، عن وهيب، عن داود، عن الشعبي عنها، ولم
يذكر مسروقاً(٥) .
وقال قتادة، عن حسان بن بلال المُزني، عن عائشة ◌َّا أنها سألت رسول الله وَله عن
قول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ قالت: قلت: يا رسول الله، فأين الناس يومئذٍ؟
قال: ((لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك أن الناس على جسر جهنم)) (٦).
وروى الإمام أحمد من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس: حدثتني
عائشة أنها سألت رسول الله وَّ﴿ عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ
مَطْوِيَتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧] فأين الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: ((هم على متن جهنم))(٧).
وقال ابن جرير: حدثنا الحسن، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا القاسم، سمعت الحسن قال:
قالت عائشة: يا رسول الله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ فأين الناس يومئذٍ؟ قال: ((إن هذا شيء
ما سألني عنه أحد - قال: ـ على الصراط يا عائشة))(٨).
ورواه أحمد عن عفان، عن القاسم بن الفضل، عن الحسن به(٩).
وقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني الحسن بن علي الحلواني، حدثني أبو توبة
الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد - يعني أخاه - أنه سمع أبا سلام، حدثني أبو
أسماء الرحبي، أن ثوبان مولى رسول الله وَ ل حدثه قال: كنت نائماً عند رسول الله وَالر، فجاءه
(١) صحيح البخاري، الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة (ح٦٥٢١)، وصحيح مسلم، صفات
المنافقين، باب في البعث والنشور (ح ٢٧٩٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/٦) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه مسلم من طريق علي بن مسهر عن داود به (الصحيح، صفات المنافقين، باب في البعث والنشور
ح ٢٧٩١).
(٤) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة إبراهيم (ح ٣١٢٠)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر البعث
(ح ٤٢٧٩).
(٥) المسند ١٣٤/٦.
(٦) أخرجه الطبري من طريق سعيد عن قتادة به في آخر تفسير الآية المذكورة، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق عنبسة بن سعيد عن حبيب بن أبي عمره به، وصحح سنده محققوه (المسند
٣٤٩/٤٢، ٣٥٠ ح٢٤٨٥٦).
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم سماع الحسن من عائشة ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٩) أخرجه الإمام أحمد عن عفان به (المسند ١٠١/٦)، وحكمه كسابقه.

٦٣٢
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٤٧، ٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
حَبرٌ من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد، فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم
تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله،
فقال رسول الله وهو: (إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي)) فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال
رسول الله وسلم: ((أينفعك شيئاً إن حدثتك؟)) قال: أسمع بأذني، فنكت(١) رسول الله وَلخير بعود معه
فقال: ((سل)) فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال
رسول الله ◌َّر: ((هم في الظلمة دون الجسر)) قال: فمن أول الناس إجازة(٢)؟ فقال: ((فقراء
المهاجرين))، فقال اليهودي: فما تُحفتهُم حين يدخلون الجنة؟ قال: ((زيادة كبد الحوت)) قال:
فما غذائهم في أثرها؟ قال: ((ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها)) قال: فما شرابهم
عليه؟ قال: ((من عين فيها تسمى سلسبيلاً)). قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا
يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. قال: ((أينفعك إن حدثتك؟)) قال: أسمع
بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد، قال: ((ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا
فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة، أذكرا(٣) بإِذن الله تعالى، وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرجل، أنثا
بإذن الله)) قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف، فقال رسول الله وَلفي: ((لقد سألني
هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به)) (٤).
قال أبو جعفر بن جرير الطبري: حدثنا ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم،
حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري أن حبراً من اليهود سأل النبي اله
فقال: أرأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ فأين الخلق
عند ذلك؟ فقال: ((أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه))(٥). ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي
بكر بن عبد الله بن أبي مريم به(٦).
وقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون، وربما قال: قال عبد الله، وربما لم
يقل، فقلت له عن عبد الله فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾
قال: أرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر
ويسمعهم الداعي حفاة عراة كما خلقوا، قال: أراه قال: قياماً حتى يُلجِمهم العرق(٧). وروي
من وجه آخر عن شعبة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود
بنحوه، وكذا رواه عاصم عن زرّ، عن ابن مسعود به. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق،
عن عمرو بن ميمون: لم يخبر به (٨)، أورد ذلك كله ابن جرير (٩).
(١) أي: ضرب بالعود الأرض.
(٢) أي: الجواز والعبور.
(٣) أي: كان الولد ذكراً بإذن الله تعالى.
(٤) صحيح مسلم، الحيض، باب صفة مني الرجل والمرأة ... (ح٣١٥).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن أبي مريم، وهو أبو بكر بن عبد الله.
(٦) سنده ضعيف كسابقه.
(٧) أخرجه الطبري من طريق يحيى بن عباد عن شعبة به، وفيه ترد أبي إسحاق، ولكنه جزم في روايات أخرى
أنه رواه عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه الثوري عن أبي إسحاق به.
(٩) أخرجها كلها الطبري مما تؤكد صحة الرواية.

٦٣٣
• سُورَةُ إبرَاهِيمٌ (٤٧، ٤٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل، حدثنا سهل بن
حماد أبو عتاب، حدثنا جرير بن أيوب، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله،
عن النبيِ وَّ في قول الله ◌َّ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: ((أرض بيضاء لم يسفك عليها
دم، ولم يعمل عليها خطيئة)) ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب، وليس بالقوي(١).
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سنان، عن جابر الجعفي،
عن أبي جبيرة، عن زيد قال: أرسل رسول الله وَ ﴿ إلى اليهود فقال: ((هل تدرون لم أرسلت
إليهم؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإني أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ
اُلْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة)) فلما جاءوا سألهم، فقالوا: تكون بيضاء
مثل النقي(٢)(٣)، وهكذا روي عن علي وابن عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر أنها تبدل
يوم القيامة بأرض بيضاء من فضة (٤).
وعن علي ظُه أنه قال: تصير الأرض فضة والسموات ذهباً (٥).
وقال الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: تصير السموات جناناً(٦).
وقال أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي أو عن محمد بن قيس في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ
اُلْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم(٧)، وكذا روى وكيع، عن
عمر بن بشير الهمداني، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تبدل
الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه (٨).
وقال الأعمش: عن خيثمة قال: قال عبد الله بن مسعود: الأرض يوم القيامة كلها نار، والجنة
من ورائها ترى كواعبها، وأكوابها، ويلجم الناس العرق أو يبلغ منهم العرق، ولم يبلغوا
الحساب(٩). وقال الأعمش أيضاً، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن قال: قال
عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس
عبد الله بيده، إن الرجل ليفيض عرقاً حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما
مسَّه الحساب، قالوا: ممَّ ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس ويلقون(١٠).
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه وتعليقه (المسند ٢٤٦/٥ ح١٨٥٩)، وسنده ضعيف، قال الهيثمي: وفيه جرير بن
أيوب البجلي وهو متروك (مجمع الزوائد ٤٨/٧) ويشهد له ما تقدم.
(٢) أي: الخبز الأبيض.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي، ويشهد له ما سبق.
(٤) أخرج هذه الروايات بأسانيد تؤكد على ثبوته وتشهد لسابقه.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مجهول عن علي.
(٦) سنده جيد.
(٧) أخرجه الطبري من طريق وكيع عن أبي معشر به، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عمر بن بشير الهمداني عن سعيد بن جبير.
(٩) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وفيه خيثمة وهو ابن عبد الرحمن لم يسمع من ابن مسعود شيئاً، هكذا
قال الإمام أحمد (جامع التحصيل ص٢٠٩)، ولكنه توبع بواسطة قيس بن السكن كما في الرواية التالية.
(١٠) أخرجه الطبري من طريق الأعمش به، وسنده حسن.

٦٣٤
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٤٩، ٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن [أبي العالية، عن أبي بن](١) كعب في قوله:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ قال: تصير السموات جناناً، ويصير مكان البحر ناراً،
وتبدل الأرض غيرها(٢) .
وفي الحديث الذي رواه أبو داود: ((لا يركب البحر إلا غاز)) أو حاج أو معتمر، فإن تحت
البحر ناراً - أو تحت النار بحراً -))(٣).
وفي حديث الصور المشهور المروي عن أبي هريرة، عن النبي وَّر أنه قال: ((يبدل الله الأرض
غير الأرض والسموات فيبسطها ويمدها مد الأديم(٤) العكاظي، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، ثم
يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة))(٥) .
وقوله: ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ﴾ أي: خرجت الخلائق جميعها من قبورهم الله ﴿اُلْوَحِدُ الْقَهَارُ﴾ أي: الذي
قهر كل شيء وغلبه ودانت له الرقاب، وخضعت له الألباب.
سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ
﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِ الْأَصْفَادِ
٥٠
٥١
لِيَجْزِىَ اَللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابٍ
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيِّرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَثُّ﴾ وتبرز الخلائق لديانها، ترى يا محمد
يومئذٍ المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي: بعضهم إلى بعض قد جمع
بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ﴾
[الصافات: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذَا الْنُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾﴾ [التكوير] وقال: ﴿وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ
دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا (٣)﴾ [الفرقان] وقال: ﴿وَالشَّيَطِيْنَ كُلَّ بَنٍَّ وَغَوَّاصٍ
وَءَخَرِينَ مُقَرَِّنَ فِىِ الْأَصْفَادِ
(٨)﴾ [ص] والأصفاد: هي القيود، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش وعبد الرحمن بن
زيد (٦)، وهو مشهور في اللغة، قال عمرو بن كلثوم:
فآبوا [بالنهاب](٧) وبالسبايا
وأبنا بالملوك مصفَّدينا(٨)
(١) في الأصول الخطية والنسخ المطبوعة وتفسير الطبري: ((عن الربيع بن أنس عن كعب))، وما أُثبت هو
الصواب إذا تكرر السند وجزء من المتن قبل عشرة سطور، وكذلك ورد في الدر المنثور إذ قال: وأخرج ابن
جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب ...
(٢) وسنده جید.
(٣) أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو ظه (السنن، الجهاد، باب في ركوب البحر في الغزو
ح٢٤٨٩)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح٤٧٨).
(٤) أي: الجلد.
(٥) تقدم تخريجه وضعفه مطولاً في تفسير سورة الأنعام آية ٧٣.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: في وثاق، وقول
الأعمش أخرجه الطبري بسند فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف ويتقوي بما سبق، وقول ابن زيد أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٧) كذا في (مح) وتفسير الطبري وشرح القصائد التسع لابن النحاس ٢/ ٨٢٠، وشرح القصائد السبع ص٤١٢،
وفي الأصل و(حم) والطبعات جميعها بلفظ: ((بالثياب))، وهو تصحيف.
(٨) استشهد به الطبري.

٦٣٥
سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ (٤٩، ٥١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿سَرَاِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ أي: ثيابهم التي يلبسونها من قطران، وهو الذي تهنأ به الإبل،
أي: تطلى قاله قتادة (١)، وهو ألصق شيء بالنار.
ويقال فيه: قَطِران، بفتح القاف وكسر الطاء(٢) وتسكينها، وبكسر القاف وتسكين الطاء، ومنه
قول أبي النجم:
كأن قطراناً إذا تلاها ترمي به الريح إلى مجراها(٣)
وكان ابن عباس يقول: القطران هنا النحاس المذاب، وربما قرأها (سرابيلهم من قطرٍ آن)
أي: من نحاس حار قد انتهى حره(٤)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن
وقتادة(٥).
وقوله: ﴿وَتَغْثَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِهَا كَلِحُونَ
[المؤمنون] .
وقال الإمام أحمد تَُّهُ: حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي
كثير، عن زيد، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلحه: ((أربع من أمر
الجاهلية لا يتركن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على
الميت، والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من
جرب))(٦). انفرد بإخراجه مسلم (٧) .
وفي حديث القاسم عن أبي أمامة ظبه قال: قال رسول الله وَله: ((النائحة إذا لم تتب توقف
في طريق بين الجنة والنار سرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار))(٨).
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ أي: يوم القيامة كما قال: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا
عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يحتمل أن يكون كقوله تعالى: ﴿اقْرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةِ
مُعْرِضُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]، ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز لأنه يعلم كل شيء،
ولا يخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم، كقوله تعالى: ﴿مَا
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بنحوه.
(٢) هذه هي القراءة المتواترة وما سواها المذكور بعدها شاذ.
(٣) ديوان أبي النجم ص٨٣، واستشهد به الطبري بعد أن ذكر القراءات السابقة.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق
عكرمة عن ابن عباس. والقراءة شاذة تفسيرية.
(٥) قول عكرمة أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بأسانيد يقول
بعضها بعضاً، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق قتادة عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح عن معمر عنه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤٢/٥) وسنده صحيح.
(٧) أخرجه مسلم من طريق أبان به (الصحيح، الجنائز، باب التشديد في النياحة ح ٩٣٤).
(٨) أخرجه الطبراني من طريق عبيد الله بن زُحر عن علي بن يزيد عن القاسم به (المعجم الكبير ٢٣٨/٨
ح٧٨١٨)، وقال الهيثمي: وفيه عبيد الله بن زُحر وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٧/٣).

٦٣٦
سُورَةُ إبرَاهِيمٌَ (٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] وهذا معنى قول مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
إحصاء، ويحتمل أن يكون المعنيان مرادين، والله أعلم.
٢٥٢
2] ﴿َهَذَا بَلَغْ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُّوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الْأَلْبِ
يقول تعالى: هذا القرآن بلاغ للناس، كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغْ﴾ [الأنعام: ١٩] أي: هو
بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن كما قال في أول السورة: ﴿الرَّ كِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١]، ﴿وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ﴾ أي: ليتعظوا به ﴿وَلِيَعْلَمُواْ
أَنََّا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ أي: يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو ﴿وَلِيَذَّكَرَ
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ أي: ذوي العقول.
آخر تفسير سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة
إلا بالله العلي العظيم.

سُورَةُ الجِجْر (٣،١)
٦٣٧
PoD
0003
OFC
00000
سُورَةُ الِّعْرُ
وهي مكية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿الَرَّ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ ﴿ رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهُِِ اَلْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (®]﴾
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور. وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾ الآية، إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في
الدنيا مسلمین.
ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة، أن
كفار قريش لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين(١).
وقيل: إن المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمناً.
وقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة. كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَا نُرَةُ وَلَا
تُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَيْنَا وَلَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الأنعام]. وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن
أبي الزعراء، عن عبد الله في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾﴾ قال: هذا في
الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار(٢).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم، حدثنا [ابن أبي جروة
العبدي](٣) أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ ﴾﴾ يتأولانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار، قال:
فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا، قال: فيغضب الله لهم بفضل
رحمته فيخرجهم، فذلك حين يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
(١) إسناده ضعيف لأن السدي خلط فيه بين الصحيح والسقيم من الطرق.
(٢) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده صحيح.
(٣) كذا في تفسير الطبري وكذا ترجم له البخاري (التاريخ الكبير ٣٧٦/٥)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل
٣١٤/٥)، وفي الأصول الخطية وجميع النسخ المطبوعة صُحِّف إلى: ((ابن أبي فروة)).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن أبي جروة سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم كما في المصدرين
السابقين وذكره ابن حبان في الثقات ٦٧/٥، ويشهد له الروايات اللاحقة، وأخرجه البيهقي من طريق
القاسم به (البعث والنشور رقم ٨٢).
07 00000

٦٣٨
سُورَة الحجر (١، ٣)
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، وعن خُصيف، عن مجاهد قالا :
يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى عنكم إيمانكم؟ فإذا قالوا ذلك، قال الله: أخرجوا من كان
في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قال: فعند ذلك قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوْ مُسْلِمِينَ
﴾﴾(١)، وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم(٢).
وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن
العباس هو الأخرم، حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذ - دلني
عليه [يحيى](٣) بن معين - حدثنا معروف بن واصل، عن يعقوب بن أبي نباتة، عن عبد الرحمن
الأغر، عن أنس بن مالك ظبه قال: قال رسول الله وَله: ((إن ناساً من أهل لا إله إلا الله
يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: لا إلا الله وأنتم
معنا في النار؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرءون من حرقهم كما يبرأ
القمر من خسوفه، ويدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميين))، فقال رجل: يا أنس أنت سمعت
هذا من رسول الله وَليه؟ فقال أنس: سمعت رسول الله وَلل يقول: ((من كذب علي معتمداً فليتبوأ
مقعده من النار)) نعم أنا سمعت رسول الله وسلم يقول هذا، ثم قال الطبراني: (تفرد به
الجهبذ) (٤).
(الحديث الثاني): قال الطبراني أيضاً: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو الشعثاء
علي بن حسن الواسطي، حدثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن
أبي موسى عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من
أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم
الإسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فسمع الله ما قالوا فأمر بمن
كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا. فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتنا كنا
مسلمين فنخرج كما خرجوا - قال: ثم قرأ رسول الله وَل﴿ - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَرَّ تِلْكَ
ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ ﴿ رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ (٦))))(٥) [الحجر: ١ -٢]،
ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم) عوض
الاستعاذة (٦).
(الحديث الثالث): قال الطبراني أيضاً: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه،
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وهو مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه.
(٢) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٣) زيادة من (حم) و(مح).
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (ح٨٢٩٣) قال الهيثمي: وفيه من أعرفهم (مجمع الزوائد ٣٨٠/١٠)،
ویشهد له سابقه ولا حقه.
(٥) نسبه الهيثمي للطبراني وضعفه لضعف خالد بن نافع (مجمع الزوائد ٤٨/٧)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي
الشعث به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢٤٢/٢)، وله شواهد سابقه.
(٦) سنده كسابقه.

٦٣٩
• سُورَةُ الِجْرِ (٤، ٥)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
قال: قلت لأبي أسامة: أحدثكم أبو روق، واسمه: عطية بن الحارث، حدثني صالح بن أبي
طريق قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول الله وسلم يقول في هذه الآية
﴿ُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُوْ مُسْلِمِينَ ﴾﴾؟ قال: نعم، سمعته يقول: ((يخرج الله ناساً من
المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم)) وقال: ((لما أدخلهم الله النار مع المشركين، قال لهم
المشركون: تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم
أذن في الشفاعة لهم، فتشفع لهم الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله،
فإذا رأى المشركون ذلك قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم - قال - فذلك
قول الله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾﴾ فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل
سواد في وجوههم، فيقولون: يا رب أذهب عنا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون في نهر في الجنة
فيذهب ذلك الاسم عنهم))؟ فأقرّ به أبو أسامة، وقال: نعم(١).
(الحديث الرابع): قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا العباس [بن](٢) الوليد
النرسي، حدثنا مسكين أبو فاطمة، حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد بن جبر، عن محمد بن
علي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَلير: (منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من
تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، ومنهم من
يمكث فيها شهراً ثم يخرج منها، ومنهم من يمكث فيها ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثاً بقدر
الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومَن
في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن
وأنتم اليوم في النار سواء، فيغضب الله لهم غضباً لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى
(٣)
عين في الجنة، وهو قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ
وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ تهديد شديد لهم ووعيد أكيد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ
مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠].
وقوله: ﴿كُلُواْ وَتَعَنَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُ تُجْرِمُونَ (﴾﴾ [المرسلات]، ولهذا قال: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ أي: عن
التوبة والإنابة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة أمرهم.
- ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَمَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ ﴿ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُقَةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَفْخِرُونَ
يخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وأنه لا يؤخر أُمة حان
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (ح٨١٠٦)، وأخرجه ابن حبان من طريق عبد الله بن عمر بن أبان،
عن أبي أسامة به وصححه محققه شعيب الأرناؤوط (٤٥٧/١٦، ٤٥٨ ح٧٤٣٢) وفيه صالح بن أبي طريف
فيه مقال لكنه يتقوى بالشواهد السابقة ونسبه الهيثمي إلى الطبراني في المعجم الأوسط وقال: ورجاله رجال
الصحيح غير بسام الصيرفي وهو ثقة (مجمع البحرين ح ٤٨٢٠)، وصحح سنده السيوطي كما في الدر
المنثور، وصححه الألباني في ظلال الجنة (ح ٨٤٤).
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صحفت إلى: (عن)).
(٣) وسنده ضعيف قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح وفيه جماعة مجاهيل (العلل المتناهية ٤٥٦/٢
ح ١٥٦٨)، وبعضه يتقوى بالشواهد السابقة المتعددة.

٦٤٠
• سُورَةُ الِحْر (٦، ١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما
هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك.
﴿وَ قَالُواْ يَّأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴾َ لَّوْ مَا تَأْتِنَا بِلْمَلَئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ
مَا نُفَِلُ الْمَلَتِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُّوْاْ إِذَا مُنَظَرِينَ ﴿﴿ إِنَّا نَحْنُ نَّْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
◌َفِظُونَ
يخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم في قولهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: الذي تدعي
ذلك ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا ﴿لَوْ مَا﴾ أي:
هلا ﴿تَأْتِيِّنَا بِالْمَلَئِكَةِ﴾ أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به إن كنت من الصادقين، كما قال
(69)﴾ [الزخرف]، ﴿﴿ وَقَالَ
فرعون: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَ مَعَهُ الْمَلَتِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَتِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُنُوًّا كَبِيرًا
﴿ يَوْمَ يَرَوّنَ الْمَلَبِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَيِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَّحْجُورًا﴾ [الفرقان]، وكذا قال في هذه
الآية: ﴿مَا نُُِّ الْمَلَتَبِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُّواْ إِذَا مُنظَرِينَ﴾ .
وقال مجاهد في قوله: ﴿مَا نُقِّلُ الْمَلَتَئِكَةَ إِلَّا بِالْحِّ﴾: بالرسالة والعذاب(١).
ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل.
ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ على النبيِ نَِّ، كقوله: ﴿وَ اللَّهُ
يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، والمعنى الأول: أولى وهو ظاهر السابق.
١٠
وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
- ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الْأَوَِّينَ
.(@
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴿﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِّ، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَِّينَ
يقول تعالى مسلياً لرسوله وَلقر في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في
الأمم الماضية، وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به، ثم أخبر أنه سلك التكذيب
في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى.
قال أنس والحسن البصري: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُمُ فِ قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ يعني: الشرك(٢).
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك
والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَوَّ فَنَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَظَلُواْ فِيهِ يَعْرُجُونٌّ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَرُنَا بَلْ نَحْنُ
مَسْحُورُونَ
قوم
يخبر تعالى عن قوّة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم باباً من السماء
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) قول أنس نسبه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم، وقول الحسن البصري أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق حميد الطويل عنه.