النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
• سُورَةُ إبرَاهِيمٌ (١٧،١٣)
00000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَيُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآَ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِىِ مِلَّتِنَاً فَأَوْعَّ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ
وَتُسْكِتَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمَّ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَفَ وَعِيدِ ﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ
لَتُتْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
وَخَابَ كُلُّ جَبَارٍ عَنِيدٍ ﴿ مِّنِ وَرَآَبِهِ، جَهَنَُّ وَيُسْقَى مِن ◌َّهِ صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ
يُسِيغُهُ, وَبَأْتِهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيْتٍ وَمِن وَرَآبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ
يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم والنفي من بين
أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: ﴿لَنُخْرِجَتَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] وقال قوم لوط: ﴿أَخْرِعُواْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾
[النمل: ٥٦]، وقال تعالى إخباراً عن مشركي قريش: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ
[الإسراء]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا
لِيُثْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ (٣)﴾ [الأنفال].
وكان من صنعه تعالى أنه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصاراً
وأعواناً وجنداً يقاتلون في سبيل الله تعالى، ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتى
فتح له مكة التي أخرجته، ومكَّن له فيها، وأرغم أنوف أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض
حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان في مشارق
الأرض ومغاربها في أيسر زمان، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَوْحَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
إِنَّهُمْ لَمُمُ
وَنْكِنَتَّكُمُ الْأَرَضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِتْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (٦)
﴾﴾ [الصافات]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَّ
﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَمُ الْعَلِبُونَ
اَلْمَنصُورُونَ
وَرُسُلِنَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ ﴾﴾ [المجادلة]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزُّورِ مِنْ بَعْدِ
الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّلِحُونَ (9)﴾ [الأنبياء]. و﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ
وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٣٨)﴾ [الأعراف]، وقال
تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اُلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِى بَرَّكْنَا فِيَهَا وَثَمَّتْ
كَلِمَتُ رَيِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيِلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا
﴾ [الأعراف].
كَانُواْ يَعْرِشُونَ
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافََ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي: وعيدي، هذا لمن خاف مقامه بین یدي يوم
القيامة وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (49) وَءَثَرَ الْحَيَّةَ
الدُّنْيَا ﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى (٣)﴾ [النازعات] وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِِّ جََّنِ (@)﴾ [الرحمن].
وقوله: ﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ﴾ أي: استنصرت الرسل ربها على قومها. قاله ابن عباس ومجاهد
وقتادة(١).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأُمم على أنفسها كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويتقوى بقول مجاهد الذي أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وبقول قتادة الذي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
ابن أبي عروبة عنه.

٦٠٢
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمَ (١٣، ١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢](١).
ويحتمل أن يكون هذا مراداً وهذا مراداً، كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر واستفتح
رسول الله ◌َّ﴿ واستنصر، وقال الله تعالى للمشركين: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن
تَنْتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ١٩]، والله أعلم.
﴿وَنَابَ كُلُّ جَبَارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: متجبر في نفسه عنيد معاند للحق، كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِى
جَهََّ كُلَّ كَفَّارٍ عَنْدٍ ﴿ مَنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ قُرِيبٍ ﴿ الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَلْقِيَاهُ فِ اُلْعَذَابِ الشَّدِيدِ
﴾ [ق].
وفي الحديث: ((إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادي الخلائق، فتقول: إني وكلَّت بكل جبار
عنيد ... ))(٢) الحديث. أي: خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز
المقتدر.
وقوله: ﴿مِنْ وَرَآَبِهِ، جَهَّمُ﴾ وراء هنا بمعنى: أمام، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ
سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أمامهم ملك)(٣)؛ أي: من وراء
الجبار العنيد جهنم؛ أي: هي له بالمرصاد يسكنها مخلداً يوم المعاد، ويعرض عليها غدواً وعشياً
إلى يوم التناد ﴿وَيُسْقَى مِن ◌َّآءِ صَدِيدٍ﴾ أي: في النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق، فهذا
حار في غاية الحرارة، وهذا بارد في غاية البرد والنتن، كما قال: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَّاقٌ
وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ: أَزْوَعُ ﴾﴾ [ص].
وقال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم(٤).
وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده(٥) .
وفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم(٦).
وفي حديث شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قلت: يا رسول الله ما
طينة الخبال؟ قال: ((صديد أهل النار)) (٧). وفي رواية: ((عصارة أهل النار))(٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب، وهو عبد الله، عن عبد الرحمن.
(٢) أخرجه الترمذي بنحوه من حديث أبي هريرة بالله ثم قال: حسن غريب صحيح، (السنن، أبواب صفة
جهنم، باب صفة النار ح٢٥٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٨٣).
(٣) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند
صحيح عن معمر عنه بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري بسند فيه مبهم عن الضحاك وليس عن قتادة.
(٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق شهر به وأطول، وقال محققوه: حديث صحيح لغيره (المسند ٥٧٨/٤٤
ح ٢٧٦٠٣).
(٨) أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ظله مرفوعاً مطولاً (السنن، الأشربة، باب من شرب الخمر
لم تُقبل له صلاة ح٣٣٧٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٧٢٢).

٦٠٣
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (١٣، ١٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
عبيد الله بن بُسر، عن أبي أمامة ◌َّه عن النبي ◌َّهُ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَنَجَزَّعُهُ﴾
قال: ((يقرب إليه فيكرهه، فإذا أُدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه
حتى يخرج من دبره)). يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُواْ مَآءُ حَمِيعًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، ويقول:
﴿وَإِنِ يَسْتَغِيثُوْ يُغَانُواْ بِمَآءٍ كَلْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهُ﴾ الآية [الكهف: ٢٩](١)، وهكذا رواه ابن جرير من
حديث عبد الله بن المبارك به، ورواه هو وابن أبي حاتم من حديث بقيّة بن الوليد، عن
صفوان بن عمرو به(٢).
وقوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتغصصه ويتكرهه؛ أي: يشربه قهراً وقسراً لا يضعه في فمه حتى
(١)﴾ [الحج].
يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمُ مَّقَمِعُ مِنْ حَدِيدٍ (
﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يزدَرِده لسوء طعمه ولونه وريحه وحرارته أو برده الذي لا يستطاع
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه.
قال عمرو بن ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق(٣).
وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره.
وقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة(٤) أي: من جسده حتى من أطراف شعره.
وقال ابن جرير: ﴿وَيَأْتِهِ الْمَوْثُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من أمامه وخلفه(٥)، وفي رواية: وعن
يمينه وشماله، ومن فوقه ومن تحت أرجله، ومن سائر أعضاء جسده.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْثُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال: أنواع العذاب الذي
يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، ولكن
لا يموت، لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيَّهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهًا﴾ [فاطر:
٣٦](٦)، ومعنى كلام ابن عباس ربه: أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد
عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال،
ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيِهِ الْمَوْثُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِحَيْتٍ﴾.
وقوله: ﴿وَمِن وَرَآبِهِ، عَذَابٌ غَلِظٌ﴾ أي: وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ؛ أي: مؤلم
صعب شديد أغلظ من الذي قبله، وأدهى وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا
فَإِنَّهُمْ لَ كِلُونَ مِنْهَا فَمَالُِونَ مِنْهَا الْبُطُونَ
٦٥
طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ
٦٤
شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِّ أَصْلِ الْجَحِيمِ
﴾ [الصافات] فأخبر أنهم تارة
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْيًا مِنْ خَيِمٍ (4) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الَْحِيمِ
٦٦١
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وتوقف محققوه في الحكم عليه إذا قالوا: رجاله ثقات معروفون غير
عبيد الله بن بسر فقد اختلف فيه (المسند ٦١٥/٣٦ ح٢٢٢٨٥)، وأخرجه الحاكم من طريق عبيد الله بن بسر
به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥١/٢).
(٢) أخرجه الطبري من عدة طرق عن ابن المبارك ومن طريق بقية.
(٣) ذكره السيوطي ونسبه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي (المصنف ١٣٢/١٣)
وكذا أخرجه الطبري وأبو نعيم (الحلية ٤/ ٢١٢).
(٥) ذكره الطبري بلفظ: ((أمامه وقدَّامه)).
(٦) ذكره السيوطي بنحوه ونسبه إلى ابن أبي حاتم، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس شـ

٦٠٤
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (١٨، ٢٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم، عياذاً بالله من ذلك،
(٤)﴾ [الرحمن]،
يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ
وهكذا قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرُونَ
كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِ اَلْبُطُونِ ﴿ كَغَلِ
٤٤
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ ﴾ طَعَامُ الْأَثِيْمِ
ذُقْ
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٨ ثُمَّ صُبُواْ فَوْقَ رَأْسِهِ، مِنْ عَذَابِ اٌلْحَمِيمِ
اُلْحَمِیمِ
٥﴾ [الدخان]، وقال: ﴿وَأَصْحَبُ الشِّمَالِ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُم بِهِ، تَمْتَرُونَ
مَآ أَصْحَبُ الشِّمَالِ ﴿﴿ فِ سَمُومٍ وَحَمِيٍ ﴿ وَظِلّ مِّن يَحْهُورِ ﴿ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (3)﴾ [الواقعة]، وقال
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فِئْسَ أَ
تعالى: ﴿هَذَّا وَإِنَّ لِلَّغِينَ لَشَرَّ مَثَابٍ
وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ- أَزْوَجُ ﴾﴾ [ص] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم،
وتكراره وأنواعه، وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله رج جزاءً وفاقاً ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[فصلت: ٤٦].
] ﴿ََّّلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أَشْتَدَّتْ بِ الْرِيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّ يَقْدِرُونَ مِمَا
كَبُواْ عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ
هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم
على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ﴾ أي: مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا
يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدوا شيئاً، ولا ألفوا حاصلاً إلا كما يتحصل من الرماد إذا
اشتدت به الريح العاصفة ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ أي: ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على
شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم،
كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآَ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْشُورًا (٣)﴾ [الفرقان]، وقوله تعالى:
﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِى هَذِهِ اُلْحَيَوِ الذُّنْيَا كَمَثَلِ رِيج فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوَّْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتَةٌ﴾
[آل عمران: ١١٧]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنّ وَاَلْأَذَى كَلَّذِى يُنفِقُ
مَالَهُ رِقََّ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ ثُرَبٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًّا
لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اٌلْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
[١ ﴾ [البقرة].
وقال في هذه الآية: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾ أي: سعيهم وعملهم على غير أساس ولا
استقامة، حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَبَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ
يقول تعالى مخبراً عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السموات والأرض التي
هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها
وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلفات، والآيات
الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وبراري وصحارى، وقفار وبحار،

٦٠٥
سُورَةُ إبرَاهِيمٌ (٢١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وأشجار ونبات، وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحِِّّىَ الْمَوْنَى بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
[الأحقاف] وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ وَضَرَبَ لَنَا
مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَةٌ قَالَ مَن يُحِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيٌ ﴿ قُلْ يُحِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَنَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمُ ﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَجَرِ الْأَخْضَرِ نَارَا فَإِذَا أَنْتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَّ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ﴿﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ
يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿﴿ فَسُبْحَنَ الَّذِى بِيَدِهِ، مَلَكُوْتُ كُلِّ شَىْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس].
وقوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴿﴿ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾﴾ أي: بعظيم ولا
ممتنع بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم كما قال:
﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزِ ﴾﴾ [فاطر]، وقال: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُواْ
١٦
أَمْثَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقال: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ بَأْتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
[المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِشَاخِرِينْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا
[النساء].
- ﴿وَبَرَزُواْ لِتَِّ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَؤْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ
عَذَابٍ اُللَّهِ مِن شَىْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَنْنَا اللَّهُ لَهَدَيْنَكُمْ سَوَاءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَّرْنَا مَا لَنَا مِن ◌َحِيصٍ
.
يقول تعالى: ﴿وَبَرَزُواْ﴾ أي: برزت الخلائق كلها برهاً وفاجرها لله الواحد القهار؛ أي:
اجتمعوا له في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحداً ﴿فَقَالَ الضُّعَفَوُا﴾
وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ﴾ عن عبادة الله وحده لا شريك له وعن
موافقة الرسل قالوا لهم: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا .
﴿فَهَلْ أَنْتُم ◌ُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَىٍَّ﴾ أي: فهل تدفعون عنا شيئاً من عذاب الله كما
كنتم تعدوننا وتمنوننا، فقالت القادة لهم: ﴿لَوْ هَدَننَا اللَّهُ لَدَيْنَكُمْ﴾ ولكن حقَّ علينا قول ربنا،
وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقّت كلمة العذاب على الكافرين، ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا
لَنَا مِن ◌َحِيصٍ﴾ أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا عنه.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل
الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ◌َ، تعالوا نبكِ ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا فلما
رأوا أنه لا ينفعهم قالوا: إنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حى نصبر فصبروا صبراً لم
ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبِّرْنَا مَا لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ﴾(١).
قلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَلْجُونَ
فِىِ النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَوْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُم مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بنحوه.

٦٠٦
سُورَةُ ابْرَاهِيمَ (٢٣،٢٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُلُّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴾﴾ [غافر] وقال تعالى:
٤٧
﴿قَالَ آدْخُلُواْ فِىّ أُمَرٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُنَّةٌ لَّمَنَتْ أُخْتَبِّ حََّ إِذَا
أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبََّ هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ
وَقَالَتْ أُولَنْهُمْ لِأُخْرَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُمْ
وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ
[الأعراف]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاْ (4) رَبَّنَآَ
تَكْسِبُونَ (بَ))
ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا (٣)﴾ [الأحزاب]، وأما تخاصمهم في المحشر، فقال
تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوُونَ عِندَ رَتِهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ
أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدْنَكُمْ عَنِ
اَلُْدَى بَعْدَ إِذْ جَءَكُ بَلْ كُنْتُم ◌ُجْرِمِينَ (٣) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذّ
تَأْمُرُونَا أَنْ تَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ: أَنْدَادًا وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اْلْعَذَابَ وَحَعَلْنَا اُلْأَعَْلَ فِىَّ أَعْنَاقِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
(٢٣) ﴾ [سبأ].
] ﴿وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ
عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلَ تَلُومُونِ وَلُومُوْ أَنْفُسَكُمْ مَّ أَنَأْ بِمُصْرِكُمْ وَمَا أَنْتُم
بِمُصْرِفِىٌَّ إِ كَفَرْتُ بِمَآ أَثْرَكْتُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الَِّينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمَّ غَمِّئُهُمْ فِيَهَا سَلَمّ
يخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين
الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس - لعنه الله يومئذٍ خطيباً ليزيدهم حزناً
إلى حزنهم، وغبناً إلى غبنهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾
أي: على ألسنة رسله، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعداً حقاً وخبراً صدقاً،
وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، كما قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيِهِمِّ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّ
غُرُورًا (٣٥)﴾ [النساء].
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي: ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما
وعدتكم به ﴿إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج
والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ﴿فَلَ تَلُومُونِىِ﴾
اليوم ﴿وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم
إلى الباطل ﴿مَّ أَنَا بِعُصْرِحِكُمْ﴾ أي: بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، ﴿وَمَا أَنْتُم
بِمُصْرِخِىٌ﴾ أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال.
﴿إِنِ كَفَرْتُ بِمَا لَثْرَكْتُونِ مِن قَبْلُ﴾ قال قتادة: أي: بسبب ما أشركتمون من قبل.
وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكاً لله ربمن(١)، وهذا الذي قاله هو الراجح،
كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَبِهِمْ
(١) ذكره الطبري بلفظه.

٦٠٧
سُورَةُ إِبْرَاهِيمٌ (٢٢، ٢٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
غَفِلُونَ ﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءَ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَفِينَ ﴾﴾ [الأحقاف]، وقال: ﴿كَلّ
سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨)﴾ [مريم].
وقوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل، لهم عذاب أليم،
والظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، ولكن قد
ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم، وهذا لفظه، وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد:
حدثني دُخين الحَجْري، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله وَّر أنه قال: ((إذا جمع الله الأولين
والآخرين فقضى بينهم ففرغ من القضاء»، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا، فمن يشفع لنا؟
فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم، وذكر نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول عيسى: أدلكم على
النبي الأمي؛ فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد
قط، حتى آتي ربي فيُشفِّعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون:
هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون
إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا فيقوم
فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظم نحيبهم ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ
اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَّكُمْ فَخْلَفْتُكُمَّ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِيْ فَلَا
تَلُومُونِى وَلُومُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾(١). وهذا سياق ابن أبي حاتم، ورواه ابن المبارك عن رشدين بن سعد،
عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن دُخين، عن عقبة به مرفوعاً.
وقال محمد بن كعب القرظي تَخُّهُ: لما قال أهل النار: ﴿سَوَآءُ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبِرْنَا مَا
لَنَا مِن ◌َّحِيصٍ﴾ قال لهم إبليس: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ الآية، فلما سمعوا مقالته،
مقتوا أنفسهم فنُودوا: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن ◌َّقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾
[غافر: ١٠](٢).
وقال عامر الشعبي: يقوم خطيبان يوم القيامة على رؤوس الناس، يقول الله تعالى لعيسى ابن
مريم: ﴿وَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ التَّخِذُونِ وَأَتِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ
صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٩]، قال: ويقوم إبليس - لعنه الله - فيقول: ﴿وَمَا كَانَ لَِ عَلَيْكُمْ مِّن
سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُمْ فَلَسْتَجَبْتُمْ لِ﴾ الآية(٣).
ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، وأن خطيبهم إبليس عطف
بمآلَ السعداء، فقال: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنْهَرُ﴾ سارحة
فيها حيث ساروا وأين ساروا ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ ماكئين أبداً لا يحولون ولا يزولون ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
تَمِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمُ﴾، كما قال تعالى: ﴿حَتَّ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَفَتُهَا سَلَمُ
(١) أخرجه الطبري من طريق رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد به، وسنده ضعيف لضعف رشدين
وعبد الرحمن، وأخرجه الطبراني من طريق رشدين به (المعجم الكبير ٣٢٠/١٧)، وضعفه الهيثمي لضعف
عبد الرحمن (مجمع الزوائد ٣٧٩/١٠).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن محمد بن كعب.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي.

٦٠٨
• سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ (٢٤، ٢٦)
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000001
® سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد]،
عَلَيْكُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَتِهِم مِّن كُلِّ بَاٍ،
وقال تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةُ وَسَلَمًا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿دَعْوَنَهُمْ فِيَهَا سُبْحَكَ اللَّهُمَّ
وَِّيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَدُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [يونس].
] ﴿أَلَمّ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَّعُهَا فِىِ السَّمَآءِ
تُؤْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَأُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ اَلْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ
خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارِ (﴾﴾.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ شهادة أن لا إله إلا الله
﴿ كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ﴾ وهو المؤمن، ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، ﴿وَفَرْعُهَا
فِى السَّمَآءِ﴾ يقول: يُرفع بها عمل المؤمن إلى السماء(١)، وهكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير
وعكرمة ومجاهد وغير واحد: إن ذلك عبارة عن عمل المؤمن، وقوله الطيب، وعمله الصالح،
وإن المؤمن كشجرة من النخل لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت وصباح ومساء (٢).
وهكذا رواه السدي، عن مُرَّة، عن ابن مسعود قال: هي النخلة(٣). وشعبة، عن معاوية بن
قُرَّة، عن أنس: هي النخلة(٤). وحماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس أن
رسول الله وَ﴿ أتي بقناع بسر فقرأ: (ومثل كلمة طيبةً كشجرة طيبة) قال: هي النخلة، وروي من
هذا الوجه ومن غيره عن أنس موقوفاً (٥)، وكذا نصّ عليه مسروق ومجاهد وعكرمة وسعيد بن
جبير والضحاك وقتادة وغيرهم.
وقال البخاري: حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن
عمر قال: كنا عند رسول الله وَل﴿ فقال: ((أخبروني عن شجرة تشبه - أو - كالرجل المسلم لا
يتحات ورقها صيفاً ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها)) قال ابن عمر: فوقع في نفسي
أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئاً، قال
رسول الله صلى: ((هي النخلة))، فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها
النخلة. قال: ما منعك أن تتكلم؟ قلت: لم أركم تتكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئاً،
قال عمر: لأن تكون قلتها أحبُ إليّ من كذا وكذا (٦).
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه مختصراً، وقول عكرمة أخرجه الطبري
بسند حسن من طريق حصين عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٣) أخرجه الطبري والخطيب البغدادي (موضح أوهام الجمع والتفريق ٢/ ٤٦٠) بسند حسن من طريق السدي به.
(٤) أخرجه الطبري والبغوي (الجعديات ح١١١) كلاهما بسند صحيح من طريق شعبة به.
(٥) أخرجه الطبري والترمذي كلاهما من طريق حماد به (السنن، التفسير، باب ومن سورة إبراهيم
ح٣١١٩)، ثم قال الترمذي: وروى غير واحد مثل هذا موقوفاً ولا نعلم أحداً رفعه غير حماد بن سلمة،
ورواه معمر وحماد بن زيد وغير واحد ولم يرفعوه. اهـ. والصواب وقفه، ويشهد له ما يلي، وأخرجه
الحاكم من طريق حماد بن سلمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٥٢).
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة إبراهيم ح٤٦٩٨).

٦٠٩
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ (٢٤، ٢٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم
أسمعه يحدث عن رسول الله و ﴿ إلا حديثاً واحداً قال: كنا عند رسول الله وَّ﴿ فأتي بجُمَّار،
فقال: ((من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم)) فأردت أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا أنا
أصغر القوم، فقال رسول الله وَليل: ((هي النخلة))(١). أخرجاه(٢).
وقال مالك وعبد العزيز، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَل﴿ يوماً
لأصحابه: ((إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها مثل المؤمن)). قال: فوقع في شجر الوادي،
ووقع في قلبي أنها النخلة، فاستحييت حتى قال رسول الله وَليه: ((هي النخلة))، أخرجاه أيضاً(٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان - يعني: ابن زيد
العطار -، حدثنا قتادة أن رجلاً قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، فقال: ((أرأيت
لو عمد إلى متاع الدنيا فركب بعضه على بعض أكان يبلغ السماء، أفلا أخبرك بعمل أصله في
الأرض وفرعه في السماء؟)) قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: ((تقول: لا إله إلا الله، والله أكبر،
وسبحان الله، والحمد لله، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في
السماء)) (٤).
وعن ابن عباس: ﴿كَشَجَرَقِ طَيِّبَةٍ﴾ قال: هي شجرة في الجنة(٥).
وقوله: ﴿تُؤْقِّ أُكُلَهَا كُلَّ ◌ِينٍ﴾ قيل: غدوة وعشياً (٦)، وقيل: كل شهر. وقيل: كل شهرين.
وقيل: كل ستة أشهر. وقيل: كل سبعة أشهر. وقيل: كل سنة، والظاهر من السياق أن المؤمن
مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار، كذلك
المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَأْ﴾
أي: كاملاً حسناً كثيراً طيباً مباركاً ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيئَةٍ﴾ هذا مثل كفر الكافر لا أصل له ولا ثبات،
مشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: الشريان، رواه شعبة عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك:
أنها شجرة الحنظل(٧) .
وقال أبو بكر البزار الحافظ: حدثنا يحيى بن محمد السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع،
حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس أحسبه رفعه، قال: (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة)
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢/٢) وسنده صحيح.
(٢) أخرجاه من طريق سفيان به (صحيح البخاري، العلم، باب الفهم في العلم ح٧٢، وصحيح مسلم، صفات
المنافقين، باب مثل المؤمن مثل النخلة (ح٢٨١١) الحديث الرابع).
(٣) صحيح البخاري، العلم، باب الحياء في العلم (ح١٣١)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين، باب مثل
المؤمن مثل النخلة (ح ٢٨١١).
(٤) سنده مرسل ولبعضه شواهد في الصحيحين (صحيح البخاري ح٨٤٣، وصحيح مسلم ح ٥٩٥).
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.

٦١٠
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال: هي النخلة، ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِثَةٍ﴾ قال: هي الشريان(١)، ثم رواه عن
محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن معاوية، عن أنس موقوفاً(٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد - هو: ابن سلمة -
عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك أن النبي وَ ﴿ قال: ((﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ﴾ هي الحنظلة)) فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع. ورواه ابن جرير من
حديث حماد بن سلمة به(٣).
ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا غسان عن حماد، عن شعيب، عن أنس
أن رسول الله﴿ أتي بِقناع عليه بُسْر(٤)، فقال: ومثل ﴿كَلِمَةٌ طَيِّبَةُ كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِ السَّمَآءِ تُؤْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَاْ﴾ فقال: ((هي النخلة)). ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيِثَةٍ
كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾﴾ قال: ((هي الحنظل))، قال شعيب:
فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع(٥).
وقوله: ﴿أَجْتُثَتْ﴾ أي: استؤصلت ﴿مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أي: لا أصل لها ولا
ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْخَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِّ وَيُضِلُ اللَّهُ
الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ
قال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن
عبيدة، عن البراء بن عازب ظُبه أن رسول الله وَل* قال: ((المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا
إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِ﴾))، ورواه مسلم أيضاً وبقية الجماعة كلهم من حديث شعبة به (٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان،
عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله وَّر في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى
القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله وَّله، وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود
ينكت (٧) به الأرض، فرفع رأسه فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر)) مرتين أو ثلاثاً، ثم قال:
(٢) تقدم في الذي قبله.
(١) تقدم الكلام على ترجيح وقفه.
(٣) تقدم الكلام على ترجيح وقفه، وأن حماد بن سلمة تفرد برفعه.
(٤) القناع - بكسر القاف ـ: الطبق الذي يؤكل عليه الطعام أو الفاكهة، والبُسْر - بضم فسكون - التمر قبل أن
يرطب ولم ينضج.
(٥) مسند أبي يعلى ٧/ ١٨٢ - ١٨٣ (ح٤١٦٥)، وفي سنده حماد بن سلمة تفرد برفعه، ويشهد له ما في
الصحیحین قبل ثلاث روايات.
(٦) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿يَُبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (ح ٤٦٩٩)،
وصحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار (ح٢٨٧١).
(٧) أي: يضرب الأرض به.

٦١١
• سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
((إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء
بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط(١) من حنوط الجنة حتى
يجلسوا منه مدّ البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة
اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان - قال : - فتخرج تسيل، كما تسيل القطرة من في السقاء،
فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي
ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا
يمرون بها - يعني على ملأ من الملائكة -، إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان بن
فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون
له، فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى بها إلى السماء
السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها
أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه
فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان
له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول:
قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة،
وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة - قال : - فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره
مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا
يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك
الصالح، فيقول: ربِّ أقم الساعة ربِّ أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي)).
قال: ((وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من
السماء سود الوجوه معهم المسوح(٢)، فجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند
رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب - قال : - فتفرق في جسده
فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين
حتى يجعلوها في تلك المسوح، فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض،
فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون:
فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا،
فيستفتح له فلا يفتح له - ثم قرأ رسول الله وَّهِ ﴿لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَوَبُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ
الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى،
فتطرح روحه طرحاً - ثم قرأ ﴿وَمَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيحُ
فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟
فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا
الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي
(١) الحنوط: ما يطيب به الميت.
(٢) المسوح: جمع مِسْح، وهو كساء من شعر.

٦١٢
• سُوَدَّةُ أَبْرَاهِيمَ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فأفرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى
تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي
يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: ومن أنت، فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول:
أنا عملك الخبيث، فيقول: ربِّ لا تقم الساعة)). ورواه أبو داود من حديث الأعمش والنسائي
وابن ماجه من حديث المنهال بن عمرو(١) به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن
عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب نظالله قال: خرجنا مع رسول الله وَل إلى جنازة ... فذكر
نحوه، وفيه ((فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء،
وفتحت أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله من أن يعرج بروحه من قبلهم)»،
وفي آخره ((ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبة لو ضرب بها جبل لكان تراباً، فيضربه
ضربة فيصير تراباً، ثم يعيده الله رَك كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل
شيء إلا الثقلين)) قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار(٢).
وقال سفيان الثوري، عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِاَلْقَوّلِ الثَّابِتِ فِ الْخَيَوِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ قال: عذاب القبر(٣).
وقال المسعودي، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات
أُجلس في قبره فيقال له: ما ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله فيقول: ربي الله، وديني
الإسلام، ونبيي محمد وَ ﴿، وقرأ عبد الله ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاَلْقَوْلِ الثَّابِتِ فىِ الْخَيَوْةِ الدُّنْيَا
وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ (٤).
وقال الإمام عبد بن حميد لكَّتُ في مسنده: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن
عبد الرحمن، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَير: (إن العبد إذا وضع في
قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت
تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال: فيقال له: انظر
إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة))، قال النبي ◌َّ: ((فيراهما جميعاً)).
قال قتادة: وذُكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، ويملأ عليه خضراً إلى يوم القيامة(٥).
(١) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة يونس في آخر تفسير آية رقم ٦٤ مختصراً، وفي سورة الأعراف آية ٤٠
کاملاً .
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولاً، وضعفه محققوه لضعف يونس بن خباب (المسند ٥٧٦/٣٠ - ٥٧٨
ح ١٨٦١٤).
(٣) أخرجه مسلم من طريق الثوري به (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار
ح ٢٨٧١ /٧٤).
(٤) أخرجه الطبري وعبد الله بن الإمام أحمد (السنة ح١٤٢٩)، والبيهقي (عذاب القبر ح٩) كلهم من طريق
المسعودي به، وسنده حسن، ويشهد له ما تقدم.
(٥) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من مسند عبد بن حميد ح ١١٨٠)، وسنده صحيح إلا مرسل
قتادة، وقد جاء هذا المرسل في صحيح مسلم كما سيأتي في الرواية التالية.

٦١٣
سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رواه مسلم، عن عبد بن حميد، وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب به (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سأل
جابر بن عبد الله عن فتّاني القبر، فقال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إن هذه الأمة تبتلى في
قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه، جاءه ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما
كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: إنه رسول الله وَ له وعبده، فيقول له الملك: انظر
إلى مقعدك الذي كان لك في النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك
الذي ترى من الجنة، فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي، فيقال له: اسكن،
وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري،
أقول كما يقول الناس، فيقال له: لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة قد أبدلت مكانه
مقعدك من النار)) قال جابر: فسمعت النبي ﴿ يقول: ((يبعث كل عبد في القبر على ما مات،
المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه))(٢). إسناده صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عباد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي
نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: شهدنا مع رسول الله وَ ﴿ جنازة، فقال رسول الله وَله: (يا
أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في
يده مطراق من حديد فأقعده، فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا
إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول له: صدقت ثم يفتح له باباً إلى النار،
فيقول: كان هذا منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك، فيفتح له باباً إلى الجنة،
فيريد أن ينهض إليه فيقول له: اسكن ويفسح له في قبره، وإن كان كافراً أو منافقاً فيقول له: ما
تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً، فيقول: لا دريت ولا
تليت(٣) ولا اهتديت، ثم يفتح له باباً إلى الجنة، فيقول له: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذا
كفرت به فإن الله وَك أبدلك به هذا، فيفتح له باباً إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق، فيصيح
صيحة يسمعها خلق الله 35 كلهم غير الثقلين، فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم
عليه ملك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك))، فقال رسول الله وَّيه: ((يثبت الله الذين آمنوا بالقول
الثابت))(٤).
وهذا أيضاً إسناد لا بأس به، فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقروناً، ولكن
ضعفه بعضهم .
(١) صحيح مسلم، الجنة وصفه نعيمها، باب عرض مقعد الميت (ح ٢٨٧٠)، وسنن النسائي، الجنائز، باب
المسألة في القبر ٤/ ٩٧.
(٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير وليس عن ابن جريج (المسند ٦٥/٢٣، ٦٦
ح ١٤٧٢٢) وصححه محققوه بمتابعة ابن جريج لابن لهيعة، فقد أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به
(المصنف رقم ٦٧٤٤ و٦٧٤٦).
(٣) أي: ما استطعت.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/٣) وقال عنه الحافظ ابن كثير: إسناد لا بأس به. اهـ. ويشهد
له سابقه ولا حقه.

٦١٤
• سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن
عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي وَّه قال: ((إن الميت تحضره الملائكة،
فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي
حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك، حتى تخرج
ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقولون: مرحباً بالروح
الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان.
قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله وَك. وإذا كان الرجل
السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري
بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى
السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت
في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء، فيرسل من السماء ثم يصير
إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل
السوء فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول))(١). ورواه النسائي وابن ماجه من طريق ابن
أبي ذئب بنحوه(٢).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضيه قال: ((إِذا خرجت روح العبد المؤمن تلقاها ملكان
يصعدان بها - قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك - قال : - ويقول أهل السماء: روح
طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه رك،
فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. وإن الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد : - وذكر من نتنها،
وذكر مقتاً، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلى آخر
الأجل)) قال أبو هريرة: فردَّ رسول الله وَ ل ريطة(٣) كانت عليه على أنفه هكذا(٤).
وقال ابن حبان في صحيحه: حدثنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا زيد بن أخزَم، حدثنا
معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن قَسامة بن زهير، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَاهـ
قال: ((إن المؤمن إذا قبض، أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي إلى روح الله،
فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً يشمونه حتى يأتوا به باب السماء،
فيقولون: ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض، ولا يأتون سماء إلا قالوا: مثل ذلك
حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحاً به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل
فلان؟ فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم، فيقول: قد مات أما أتاكم؟ فيقولون: ذهب
به إلى أُمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي إلى غضب الله،
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين (المسند ٣٧٨/١٤
ح ٨٧٦٩).
(٢) السنن الكبرى، التفسير، (ح١١٤٤٢)، وسنن ابن ماجه، الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له
(ح ٤٢٦٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٣٧).
(٣) الريطة: ثوب رقيق.
(٤) أخرجه مسلم بنحوه (الصحيح، الجنة، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار ح ٢٨٧٢).

٦١٥
• سُورَةُ إبرَاهِيمٌ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فتخرج كأنتن ريح جيفة، فيذهب به إلى باب الأرض))(١).
وقد روى أيضاً من طريق همام بن يحيى، عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي وَيّ
بنحوه، قال: «فيسأل: ما فعل فلان، ما فعل فلان، ما فعلت فلانة؟ قال: وأما الكافر فإذا
قبضت نفسه، وذهب بها إلى باب الأرض، تقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحاً أنتن من هذه،
فيبلغ بها الأرض السفلى)).
قال قتادة: وحدثني رجل، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو قال: أرواح المؤمنين
تجتمع بالجابية، وأرواح الكفار تجتمع ببرهوت سبخة بحضرموت، ثم يضيق عليه قبره(٢).
وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي تَّتُهُ: حدثنا يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل، عن
عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ◌َ: ((إِذا قبر الميت - أو قال: أحدكم ـ أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال: لأحدهما
منكر والآخر نكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله
ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك
تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، وينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول:
أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى
يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون: فقلت مثلهم لا أدري،
فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، فيقال للأرض: التنمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف
أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)) ثم قال الترمذي: هذا حديث
حسن غريب(٣).
وقال حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَّهُ: ((﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ - قال : -
ذلك إِذا قيل له في القبر: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله، وديني الإسلام،
ونبيي محمد جاءنا بالبينات من عند الله، فآمنت به وصدقت، فيقال له: صدقت، على هذا
عشت، وعليه مت، وعليه تبعث)) (٤).
وقال ابن جرير: حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد، قالا: حدثنا يزيد، أنبأنا
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ظُه، عن النبي وَّر قال: ((والذي نفسي بيده،
(١) أخرجه ابن حبان بسنده ومتنه (الإحسان ٢٨٤/٧، ٢٨٥ ح ٣٠١٤)، وصححه محققه، وأخرجه الحاكم من
طريق معمر عن قتادة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٥٢/١).
(٢) أخرجه ابن حبان بسنده ومتنه ثم قال: الجابيتان باليمن، وبرهوت من ناحية اليمن (الإحسان ٢٨٤/٧
ح٣٠١٣)، وصححه محققه بدون قول قتادة، وأما قول قتادة فيرويه عن رجل مبهم فسنده ضعيف.
(٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه (السنن، الجنائز، باب عذاب القبر ح١٠٧١)، وحسنه الألباني في
صحيح سنن الترمذي (ح٨٥٦).
(٤) أخرجه الطبري من طريق آدم بن أبي إياس عن حماد بن سلمة به وسنده حسن، وأخرجه الإمام من طريق
حماد بن سلمة به مختصراً، وحسّن سنده محققوه (المسند ٢٣٣/١٤ ح ٨٥٦٣)، وأخرجه الحاكم من طريق
حماد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٨٠/١).

٦١٦
• سُورَةُ إبرَاهِيمٌ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إن الميت ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه مدبرين، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه،
والزكاة عن يمينه، والصوم عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة، والصلة والمعروف
والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى
عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، فيؤتى
عند رجليه فيقول فعل الخيرات: ما قبلي مدخل، فيقال له: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس
قد دنت للغروب، فيقال له: أخبرنا عما نسألك، فيقول: دعني حتى أصلي، فيقال له: إنك
ستفعل فأخبرنا عما نسألك، فيقول: وعمَّ تسألوني؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم
ماذا تقول به، وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله،
وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت، وعليه
تبعث إن شاء الله، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً وينور له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة،
فيقال له: انظر إلى ما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسروراً، ثم تجعل نسمته في النسم
الطيب، وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدئ من التراب))، وذلك
قول الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآَخِرَةِ﴾(١). رواه ابن
حبان من طريق المعتمر بن سليمان، عن محمد بن عمر، وذكر جواب الكافر وعذابه (٢).
وقال البزار: حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي، حدثنا الوليد بن القاسم، حدثنا يزيد بن
كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أحسبه رفعه، قال: ((إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما
يعاين، فيود له خرجت - يعني نفسه -، والله يحب لقاءه وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء،
فتأتيه أرواح المؤمنين فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض، فإِذا قال: تركت فلاناً في
الأرض، أعجبهم ذلك، وإِذا قال: إِن فلاناً قد مات، قالوا: ما جيء به إلينا، وإن المؤمن
يجلس في قبره فيسأل، من ربك؟ فيقول: ربي الله، ويسأل: من نبيك؟ فيقول: محمد نبيي،
فيقال: ماذا دينك؟ قال: ديني الإسلام، فيفتح له باب في قبره فيقول - أو يقال -: انظر إلى
مجلسك، ثم يرى القبر فكأنما كانت رقدة، وإذا كان عدو الله نزل به الموت وعاين ما عاين،
فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبداً، والله يبغض لقاءه، فإذا جلس في قبره أو أجلس، فيقال له:
من ربك؟ فيقول: لا أدري، يقال: لا دريت، فيفتح له باب إلى جهنم ثم يضرب ضربة تسمعها
كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش)). قلت لأبي هريرة: ما المنهوش؟ قال:
الذي تنهشه الدواب والحيات، ثم يضيق عليه قبره. ثم قال: لا نعلم من رواه إلا الوليد [بن
٢(٣)(٤)
القاسم](٣)(2).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه بنحوه، وسنده حسن، ويشهد له سابقه ولاحقه، وأخرجه ابن أبي شيبة عن
يزيد بن هارون به (المصنف ٣٨٣/٣)، وأخرجه عبد الرزاق من طريق محمد بن عمرو به (المصنف رقم
٦٧٠٣)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٥٥/٣).
(٢) الإحسان ٣٨٠/٧ - ٣٨٢ (ح٣١١٣) وحسنه محققه شعيب الأرناؤوط.
(٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل صُحِّف إلى: ((من مسلم)).
(٤) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٨٧٤)، ومختصر زوائد مسند البزار ٣٦٤/١ (ح٥٩٦)، وقال =

٦١٧
سُورَةُ أَبْرَاهِيمَ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال الإمام أحمد نَّتُهُ: حدثنا حُجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون،
عن محمد بن المنكدر قال: كانت أسماء - يعني بنت الصديق ينا -، تحدث عن النبي وَلِّلـ
قالت: قال: ((إذا دخل الإنسان قبره، فإن كان مؤمناً أحف به عمله الصلاة والصيام، قال: فيأتيه
الملك من نحو الصلاة فترده ومن نحو الصيام فيرده، قال: فيناديه اجلس فيجلس، فيقول له:
ماذا تقول في هذا الرجل - يعني: النبي ( 98 _؟ قال: من؟ قال: محمد، قال: أشهد أنه
رسول الله، قال: وما يدريك، أدركته؟ قال: أشهد أنه رسول الله، قال: ((يقول: على ذلك
عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، وإن كان فاجراً أو كافراً جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده
فأجلسه، فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد؟ قال: يقول: والله
ما أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، قال له الملك: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه
تبعث، قال: ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط، ثمرته جمرة مثل غرب البعير، تضربه ما
شاء الله، صماء لا تسمع صوته فترحمه))(١).
وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿ها في هذه الآية، قال: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته
الملائكة، فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا مع جنازته ثم صلوا عليه مع الناس، فإِذا
دفن أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقال له: من رسولك؟ فيقول:
محمد ◌َ﴾، فيقال له: ما شهادتك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله،
فيوسع له في قبره مد بصره، وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة فيبسطون أيديهم - والبسط هو
الضرب - ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] عند الموت، فإذا أدخل قبره أقعد، فقيل
له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئاً، وأنساه الله ذكر ذلك، وإذا قيل: من الرسول الذي بعث
إليك؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئاً ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَفِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤](٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم [الأودي](٣)، حدثنا شريح بن مسلمة،
حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، عن أبي قتادة
الأنصاري في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾
الآية، قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقال له: من
نبيك؟ فيقول: محمد بن عبد الله، فيقال له ذلك مرات، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له:
انظر إلى منزلك من النار لو زغت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك من
الجنة إذا ثبت، وإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ من نبيك؟ فيقول: لا أدري
الهيثمي: في الصحيح طرف منه رواه البزار، ورجاله ثقات خلا سعيد بن بحر القراطيسي فإني لم أعرفه
=
(مجمع الزوائد ٥٢/٣)، وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: هو موثق ولم يتفرد به (مختصر زوائد مسند البزار
ح ٥٩٦).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: رجاله ثقات رجال الصحيح غير أن محمد بن المنكدر لم
يذكروا له سماعاً من أسماء بنت أبي بكر، وهو قد أدركها ... وسلف نحوه بإسناد صحيح برقم ٢٦٩٢٥
(المسند ٤٤ /٥٣٦ ح ٢٦٩٧٦).
(٢) أخرجه الطبري، مقطعاً، والبيهقي (عذاب القبر ح٢٥٦) كلاهما بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل صُحِّف إلى: ((الأزدي)).

٦١٨
• سُورَةُ أَبْرَاهِيمٌ (٢٧)
كنت أسمع الناس يقولون، فيقال له: لا دريت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى
منزلك إذا ثبت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك إِذ زغت، فذلك قوله
تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الشَّيِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ﴾(١).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
فِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ قال: لا إله إلا الله، ﴿وَفِى الْآَخِرَةِ﴾ المسألة في القبر(٢).
وقال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح، ﴿وَفِى الْآَخِرَةِ﴾ في القبر(٣).
وكذا روي عن غير واحد من السلف.
وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن
نافع، عن ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن
عبد الرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله وَّو ذات يوم ونحن في مسجد المدينة، فقال:
((إني رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره
بوالديه، فردّ عنه، ورأيت رجلاً من أُمتي قد بسط عليه عذاب القبر، فجاءه وضوؤه فاستنقذه من
ذلك، ورأيت رجلاً من أُمتي قد احتوشته الشياطين(٤)، فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم، ورأيت
رجلاً من أُمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ورأيت رجلاً
مِن أُمتي يلهث عطشاً كلما ورد حوضاً منع منه، فجاءه صيامه فسقاه وأرواه، ورأيت رجلاً من
أُمتي والنبيون قعود حلقاً حلقاً، كلما دنا لحلقة طردوه، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذه بيده
فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلاً من أُمتي بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة،
وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، وهو متحير فيها، فجاءته حجته وعمرته
فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور، ورأيت رجلاً من أُمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه، فجاءته
صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين، كلموه فكلموه، ورأيت رجلاً من أمتي يتقي وهج النار
وشررها بيده عن وجهه، فجاءته صدقته فصارت له ستراً على وجهه وظلاً على رأسه، ورأيت
رجلاً من أُمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه
من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلاً من أُمتي جائياً على ركبتيه بينه وبين الله
حجاب، فجاءه حسن خلقه، فأخذ بيده فأدخله على الله رَّت، ورأيت رجلاً من أُمتي قد هوت
صحيفته من قبل شماله، فجاءه خوفه من الله، فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه، ورأيت رجلاً من
أُمتي قد خف ميزانه، فجاءته أفراطه(٥) فثقلوا ميزانه، ورأيت رجلاً من أُمتِي قائماً على شفير
جهنم، فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلاً من أمتي هوى في النار
فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا، فاستخرجته من النار، ورأيت رجلاً من أُمتي
قائماً على الصراط يزحف أحياناً ويحبو أحياناً، فجاءته صلاته عليّ، فأخذت بيده، فأقامته
(١) في سنده عامر بن سعد البجلي وهو مقبول (التقريب ص٢٨٧)، ويتقوى بالشواهد السابقة.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أي: اجتمعت حوله الشياطين.
(٥) أي: أولاده.

٦١٩
سُورَةُ ابْرَاهِيمٌ (٢٧)
•
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ومضى على الصراط، ورأيت رجلاً من أُمتي انتهى إلى باب الجنة، فغلقت الأبواب دونه،
فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة))(١).
قال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه: هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالاً خاصة
تنجي من أهوال خاصة، أورده هكذا في كتابه التذكرة(٢).
وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثاً غريباً مطولاً فقال: حدثنا أبو عبد الله
أحمد بن إبراهيم النكري، حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان، حدثنا أبو عاصم الحبطي،
وكان من أخيار أهل البصرة، وكان من أصحاب حزم، وسلام بن أبي مطيع، حدثنا بكر بن
خنيس، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن تميم الداري، عن
النبي وَل قال: يقول الله رحمك لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به، فإني قد ضربته بالسراء
والضراء، فوجدته حيث أُحب، ائتني به فلأريحنه، فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من
الملائكة معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر الريحان(٣) أصل الريحانة واحد، وفي
رأسها عشرون لوناً لكل منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك
الأذفر(٤)، فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحف به الملائكة، ويضع كل ملك منهم يده على
عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى
الجنة، فإن نفسه لتعلل(٥) عند ذلك بطرف الجنة تارة بأزواجها، وتارة بكسوتها، ومرة بثمارها
كما يعلل الصبي أهله إذا بكى، قال: إِن أزواجه ليبتهشن(٦) عند ذلك ابتهاشاً، قال: وتبرز
الروح)).
قال البرساني: يريد أن تخرج من العجل إلى ما تحب، قال: ((ويقول ملك الموت: اخرجي يا
أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، قال: ولملك
الموت أشد به لطفاً من الوالدة بولدها، يعرف أن تلك الروح حبيب لربه، فهو يتلمس بلطفه
تحبباً لديه، رضاء للرب عنه، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين - قال : - وقال الله زيت :
﴿الَّذِيْنَ نَّفَُّهُمُ الْمَئِكَةُ طَيِِّينٌ﴾ [النحل: ٣٢]، وقال: ﴿فَمَّ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨ فَرَوْعُ وَرَتْحَانٌ وَجَنَّتُ
نَعِيمٍ ﴾﴾ [الواقعة] - قال : - روح من جهة الموت، وريحان يتلقى به، وجنة نعيم تقابله، - قال : -
فإذا قبض ملك الموت روحه، قالت الروح للجسد: جزاك الله عني خيراً، فقد كنت سريعاً بي
إلى طاعة الله، بطيئاً بي عن معصية الله، فقد نجيت وأنجيت - قال : - ويقول الجسد للروح مثل
ذلك، قال: وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل باب من السماء يصعد منه
عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة، - قال : - فإذا قبض ملك الموت روحه، أقامت الخمسمائة من
الملائكة عند جسده، فلا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم، وغسلته وكفنته بأكفان قبل
أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط بني آدم، ويقوم من باب بيته إلى قبره صفان من الملائكة
(١) في سنده عبد الله بن نافع وهو مولى ابن عمر وهو ضعيف (التقريب ص٣٢٦).
(٢) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٢٤٠، ٢٤١.
(٣) أي: باقة الريحان.
(٥) أي: تتشاغل.
(٤) أي: عطر المسك الخالص الجيد.
(٦) أي: يسرعن إليه.

٦٢٠
• سُورَةُ إبرَاهِيمَ (٢٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يستقبلونه بالاستغفار، فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده - قال : - ويقول
لجنوده: الويل لكم كيف خلص هذا العبد منكم؟ فيقولون: إن هذا كان عبداً معصوماً - قال : -
فإذا صعد ملك الموت بروحه يستقبله جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة، كل يأتيه ببشارة من ربه
سوى بشارة صاحبه - قال : - فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش، خر الروح ساجداً
- قال : - يقول الله ربك لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود
وظل ممدود، وماء مسكوب - قال : - فإذا وضع في قبره جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه
الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن فكان عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند
رجليه، وجاءه الصبر فكان ناحية القبر - قال : - فيبعث الله ربك عنقاً(١) من العذاب، قالوا: فيأتيه
عن يمينه - قال : - فتقول الصلاة: وراءك، والله ما زال دائباً عمره كله وإنما استراح الآن حين
وضع في - قبره قال : - فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك - قال : - ثم يأتيه من عند رأسه
فيقول القرآن والذكر مثل ذلك - قال : - ثم يأتيه من عند رجليه فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك،
فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد إليه مساغاً إلا وجد ولي الله قد أخذ جنته - قال : -
فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج - قال : - ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن
أباشر أنا بنفسي، إلا أني نظرت ما عندكم فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذا أجزأتم عنه فأنا
له ذخر عند الصراط والميزان - قال : - ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما
كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما بين منكب كل
واحد مسيرة كذا وكذا، وقد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل
واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها (٢) - قال : - فيقولان له: اجلس - قال : -
فيجلس فيستوي جالساً - قال : - وتقع أكفانه في حقويه (٣)).
قال: ((فيقولان له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟)) قال: قالوا: يا رسول الله ومن
يطيق الكلام عند ذلك وأنت تصف من الملكين ما تصف؟ قال: فقال رسول الله وله:
((﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِىِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللَّهُ الظَّالِمِينَّ وَيَفْعَلُ
اللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾﴾ - قال: فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به
الملائكة، ونبيي محمد خاتم النبيين، قال: فيقولان له: صدقت، قال: فيدفعان القبر فيوسعان
من بين يديه أربعين ذراعاً، وعن يمينه أربعين ذراعاً، وعن شماله أربعين ذراعاً، ومن عند رأسه
أربعين ذراعاً، ومن عند رجليه أربعين ذراعاً، قال: فيوسعان له مائتي ذراع)).
قال البرساني: فأحسبه وأربعين ذراعاً تحاط به، قال: ((ثم يقولان له: انظر فوقك، فإذا باب
مفتوح إلى الجنة، - قال : - فيقولان له: وليّ الله هذا منزلك إذ أطعت الله)، فقال رسول الله وعليه :
((والذي نفس محمد بيده، إنه يصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبداً)) ثم يقال له: ((انظر
تحتك - قال : - فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار - قال : - فيقولان: ولي الله نجوت آخر ما
(١) أي: قطعة.
(٣) أي: خصریه.
(٢) أي: لم يرفعوها.