النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
• سُورَةُ لُوسُفَ (١٠٥، ١٠٧)
وفي لفظ لهما: (([الطيرة شرك](١) وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل)) (٢)، ورواه الإمام أحمد
بأبسط من هذا فقال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى الجزار،
عن ابن أخي زينب، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة
فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم
فتنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى
جانبي، فرأى في عنقي خيطاً فقال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط رقي لي فيه، فأخذه
فقطعه ثم قال: إِن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله وَله يقول: ((إِن الرقى
والتمائم(٣) والتولة (٤) شرك)) قالت: قلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف
إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت، فقال: إنما ذاك من الشيطان كان ينخسها
بيده، فإذا رقاها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي وَير: ((أذهب الباس، ربّ
الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً))(٥).
وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد: عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن
قال: دخلت على عبد الله بن عُكيم وهو مريض نعوده، فقيل له: لو تعلقت شيئاً، فقال: أتعلق
شيئاً وقد قال رسول الله وَّه: ((من تعلق شيئاً وكِّل إِليه))(٦)؟، ورواه النسائي عن أبي هريرة(٧).
وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَله: ((من علق تميمة
فقد أشرك))(٨)، وفي رواية: ((من تعلق تميمة فلا أتمَّ الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له))(٩).
وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌َظ ◌ُبه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((قال الله: أنا
أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)) رواه مسلم (١٠).
(١) زيادة من (حم) و(مح).
(٢) المسند ٣٨٩/١، وسنن أبي دود، الطب، باب في الطيرة (ح ٣٩١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن
أبي داود (ح٣٣٠٩).
(٣) التمائم: جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين فأبطلها الإسلام
(النهاية ١٩٧/١).
(٤) التولة: ما يُحبِّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره (النهاية ٢٠٠/١).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٠/٦ ح٣٦١٥)، قال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه الحاكم
وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢١٧/٤، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح ٣٣١).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وقال محققوه: حسن لغيره (المسند ٧٧/٣١ ح ١٨٧٨١).
(٧) السنن، تحريم الدم، باب الحكم في السحرة ٧/ ١١٢.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٦/٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/
٢١٩)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠٦/٥)، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة ح ٤٩٢).
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٤/٤)، قال المنذري: سنده جيد (الترغيب والترهيب ٤/
٣٠٦)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢١٦/٤)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع
الزوائد ١٠٦/٥).
(١٠) أخرجه الإمام مسلم من طريق روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن به (الصحيح، الزهد، باب من
أشرك في عمله غير الله ح٢٩٨٥).

٥٤٢
• سُورَةُ يُوسُفَ (١٠٥، ١٠٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله وَ ل9 يقول: ((إذا جمع الله الأولين
والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد: من كان أشرك في عمل عمله الله، فليطلب ثوابه من عند
غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)) رواه الإمام أحمد (١).
وقال أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن يزيد - يعني ابن الهادي -، عن عمرو، عن
محمود بن لبيد أن رسول الله وَ ل قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)» قالوا: وما
الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جزى الناس
بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟»(٢). وقد
رواه إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عاصم بن عمر بن قتادة،
عن محمود بن لبيد به(٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، أنبأنا ابن لهيعة، أنبأنا ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن
الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَليقول: ((من ردته الطَّرة(٤) عن حاجته فقد
أشرك)) قالوا: يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: ((أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إِلا خيرك،
ولا طير إِلا طيرك، ولا إله غيرك))(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن
أبي علي - رجل من بني كاهل - قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: يا أيها الناس اتقوا هذا
الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: والله
لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذوناً لنا أو غير مأذون. قال: بل أخرج مما قلت، خطبنا
رسول الله وَّلفي ذات يوم فقال: ((يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل)) فقال
له من شاء الله أن يقول: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: ((قولوا:
اللَّهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه))(٦).
وقد روي من وجه آخر، وفيه أن السائل في ذلك هو الصديق، كما رواه الحافظ أبو يعلى
(١) أخرجه الإمام أحمد من طريق زياد بن ميناء عن أبي سعد بن أبي فضالة به (المسند ١٦١/٢٥ ح ١٥٨٣٨)
وحسّن سنده محققوه، وأخرجه ابن ماجه من طريق زياد به (السنن، الزهد، باب الرياء والسمعة ح ٤٢٠٣)،
وحسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح٣٣٨٨)، وقال علي بن المديني: سنده صالح (ينظر: الإصابة
٨٦/٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/٣٩ ح ٢٣٦٣٠)، وحسنه محققوه، وقال المنذري: إسناده جيد
(الترغيب والترهيب ٦٨/١) وكذا الألباني في السلسلة الصحيحة (ح٩٥١).
(٣) أخرجه البغوي من طريق إسماعيل بن جعفر به (شرح السنة ٣٣٣/١٤).
(٤) الطَّيَرة: هو التشاؤم بالشيء.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٢٣/١١ ح٧٠٤٥)، وحسَّن سنده محققوه، وذكره الألباني في
السلسلة الصحيحة (ح١٠٦٥)، وهذا التحسين والتصحيح لأنه روي عن عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة فقد
أخرجه ابن السني من هذا الطريق (عمل اليوم والليلة ص٢٩٣).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٣٨٣/٣٢، ٣٨٤ ح ١٩٦٠٦)، وضعفه محققوه لجهاله أبي علي
الكاهلي.

٥٤٣
• سُورَةُ يُوسُفَكَ (١٠٥، ١٠٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
الموصلي من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي محمد، عن معقل بن
يسار، قال: شهدت النبي ◌ّ﴾ أو قال: حدثني أبو بكر الصديق عن رسول الله وَ لل أنه قال:
((الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل))، فقال أبو بكر: وهل الشرك إِلا من دعا مع الله إِلهاً آخر؟
فقال رسول الله وَله: ((الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)) ثم قال: ((ألا أدلك على ما يذهب
عنك صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللَّهم إِني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا
أعلم))(١).
وقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي، عن شيبان بن فروخ، عن يحيى بن كثير، عن الثوري،
عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق، قال: قال
رسول الله : ((الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا))(٢)، قال: فقال أبو بكر: يا
رسول الله، فكيف النجاة والمخرج من ذلك؟ فقال: ((ألا أخبرك بشيء إِذا قلته برئت من قليله
وكثيره وصغيره وكبيره؟)) قال: بلى يا رسول الله. قال: ((قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك
وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم))(٣).
قال الدارقطني: يحيى بن كثير هذا، يقال له: أبو النضر، متروك الحديث(٤)، وقد روى الإمام
أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي من حديث يعلى بن عطاء، سمعت عمرو بن
عاصم، سمعت أبا هريرة قال: قال أبو بكر الصديق تظ له: يا رسول الله، علمني شيئاً أقوله إِذا
أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي، قال: ((قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم
الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن
شر الشيطان وشركه))(٥).
وزاد الإمام أحمد في رواية له: من حديث ليث بن أبي سُليم، [عن مجاهد](٦)، عن أبي بكر
الصديق، قال: أمرني رسول الله ﴿ أن أقول ... فذكر هذا الدعاء وزاد في آخره: ((وأن أقترف
على نفسي سوءاً أو أجره إِلى مسلم)»(٧).
وقوله: ﴿أَفَأَمِنُواْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَشِيَّةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية؛ أي: أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن
(١) أخرجه أبو يعلى من طرق عن عبد العزيز بن مسلم به (المسند ١/ ٦٢ ح٦١) وضعفه محققه، وفيه أبو محمد
مجهول.
(٢) الصفا: أي الحجر الأملس.
(٣) أخرجه أبو نعيم (الحلية ١١٢/٧)، وابن حبان (المجروحين ٣/ ١٣٠)، كلاهما من طريق شيبان به، وقال
أبو نعيم: تفرد به عن الثوري: يحيى بن كثير، وسنده ضعيف جداً، لأن يحيى بن كثير: متروك، كما قال
الدارقطني (العلل ١٩٣/١).
(٤) العلل ١/ ١٩٣.
(٥) المسند ٩/١ وسنن أبي داود، الأدب، باب ما يقول إذ أصبح (ح٥٠٦٧)، وسنن الترمذي، التفسير
(ح٣٣٩٢)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٧٦٩١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/
٥١٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٤٢٣٥).
(٦) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وسقط في الأصل.
(٧) المسند (ح٨١)، وسنده ضعيف، لأن مجاهداً لم يسمع من أبي بكر، وليث فيه مقال.

٥٤٤
سُورَةُ يُوسف (١٠٨، ١٠٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون، كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخِْفَ اللَّهُ
بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ (49) أَوْ
يَأْخُذَهُمْ عَى تَّخَوْفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمُ (﴿4﴾ [النحل]. وقوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَّ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا
بَيَتًا وَهُمْ نَآَيِعُونَ ﴿ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿ أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهُ
فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ [الأعراف].
- ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَأْ وَمَنِ اتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اَللَّهِ وَمَآ أَتَأْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يقول تعالى لرسوله ويله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمراً له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي:
طريقته ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله
بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله وَالحفر على
بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي.
وقوله: ﴿وَسُبْحَنَ اَللَّهِ﴾ أي: وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو
عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك
كله علواً كبيراً، ﴿تُسَيِّعُ لَهُ التَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِهِنَّ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبْعُ بِهِ وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٣)﴾ [الإسراء].
] ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَّ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِىِ الْأَرْضِ
فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَنَّقَوْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دلَّ
عليه سياق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إِلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع.
وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل وأُم موسى ومريم بنت عمران أُم عيسى نبيات، واحتجوا
بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنّ
أَرْضِعِيةٌ﴾ الآية [القصص: ٧] وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسىلعل*، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ
يَمَرْيَمُ أَقْنُقِ لِرَبِّكِ
قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ (فَهَ
وَأَسْجُدِى وَأَرَكَعِى مَعَ الَّكِينَ ﴾﴾ [آل عمران]، وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن
يكنَّ نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى
الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه أهل
السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم أنه ليس في
النساء نبية، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مخبراً عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال
تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُقُهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ
اُلْطَّعَامُ﴾ [المائدة: ٧٥] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام
التشريف والإعظام، فهي صدّيقة بنص القرآن.
وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية؛ أي: ليسوا

٥٤٥
• سُورَةُُوسُفَ) (١٠٨، ١٠٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من أهل السماء كما قلتم(١)، وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا
قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى الْأَسْوَاقُ﴾ الآية [الفرقان: ٢٠]، وقوله
تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ ﴿ ثُمَّ صَدَقْتَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَهُمْ
وَمَنْ نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ﴾﴾ [الأنبياء]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنُتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ الآية
[الأحقاف: ٩].
وقوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ اَلْقُرَّ﴾ المراد بالقرى المدن لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى
الناس طباعاً وأخلاقاً، وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعاً وألطف من أهل
سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالاً من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى:
﴿اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَافًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوْ حُدُودَ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧].
وقال قتادة في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَّ﴾: لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود(٢) (٣).
وفي الحديث الآخر: أن رجلاً من الأعراب أهدى لرسول الله وَ ل* ناقة فلم يزل يعطيه ويزيده
حتى رضي، فقال رسول الله وَلجر: «لقد هممت أن لا أنَّهِب (٤) هبة إِلا من قرشي أو أنصاري أو
ثقفي أو دوسي))(٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ
من أصحاب رسول الله خير قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي ◌ّلغير أنه قال: ((المؤمن الذي
يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم))(٦).
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ [يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ﴿فَيَنْظُرُوا
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن ◌َّلِهِمْ﴾ أي: من الأمم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم
وللكافرين أمثالها، كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيْرُواْ فِىِ الْأَرْضِ](٧) فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ مَاذَانٌ يَسْمَعُونَ
◌ِّ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فإذا استمعوا خبر ذلك
رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال
تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ﴾ أي: وكما نجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك به، وسنده ضعيف لضعف بشر،
ولأن الضحاك لم يلق ابن عباس، وقواه الحافظ ابن كثير بالآية التي تليه.
(٢) أهل العمود: أي أهل الخيام الذين لا قرار لهم.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) لا أثَّهِب: أي أن لا أقبل الهبة إلا من هؤلاء.
(٥) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عباس بنحوه بدون ذكر أو دوسي، وصحح سنده محققوه (المسند ٤/
٤٢٤ ح ٢٦٨٧)، وأخرجه أبو داود بنحوه وذكر: أو دوسياً، (السنن، الإجازة، باب في قبول الهدايا
ح٣٥٣٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠٢١).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٦٤/٩ ح ٥٠٢٢)، وصحح سنده محققوه، وأخرجه البخاري في
الأدب المفرد (ح٣٨٨)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح٣٠٠) وفي السلسلة الصحيحة
(ح٩٣٩)، وحسّنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ١٠/ ٥١٢).
(٧) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).

٥٤٦
سُورَةُ بُوسُف (١١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
النجاة في الدار الآخرة أيضاً وهي خير لهم من الدنيا بكثير، كقوله: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
يَوْمَ لَا يَنَفَعُ الَّلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمّ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَهُ
ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
الدَّارِ ﴾﴾ [غافر] وأضاف الدار إلى الآخرة، فقال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ كما يقال: صلاة الأولى
ومسجد الجامع، وعام أول، وبارحة الأولى، ويوم الخميس. وقال الشاعر:
ألا لله أمَّكَ من هجين(١)
أتمدحُ فقعساً وتذم عبساً
عبس عرفت الذل عرفان اليقين(٣)
ولو أقوت (٢) عليك ديار
] ﴿حَّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا فَنُبِىَ مَن نَّشَةٍ وَلَا يُرَدُّ
بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ
يخبر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال
وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إليه، كقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَعَهُ, مَنَى نَصْرُ اللَّهُ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وفي قوله: ﴿كُذِبُواْ﴾ قراءتان إحداهما بالتشديد ﴿قد كُذُّبوا﴾(٤)، وكذلك كانت عائشة رضيّا
تقرؤها .
قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن
شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى:
﴿حَّى إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ قال: قلت: أكُذِبوا أم كُذِّبوا؟ قالت عائشة: كذِّبوا. قلت: فقد استيقنوا
أن قومهم قد كذبوهم فما هو بالظن؟ قالت: أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك، فقلت لها: ﴿وَظَنُوا
أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ قالت: معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت: فما هذه الآية؟ قالت:
هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر ﴿حََّ
إِذَا أُسْنَيَْسَ الرُّسُلُ﴾ ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاء نصر الله
عند ذلك، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعبة، عن الزهري قال: أخبرنا عروة فقلت لها: لعلها قد
كذبوا مخففة؟ قالت: معاذ الله(٥). انتهى ما ذكره.
وقال ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة أن ابن عباس قرأها (وظنوا أنهم قد كذبوا) خفيفة.
قال عبد الله - هو ابن أبي مليكة -: ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشراً، ثم تلا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَنَى نَصْرُ الَّهُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ غَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] قال ابن جريج: وقال لي ابن
أبي مليكة، وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمداً وَل
من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم
(٢) أقوت الدار: أقفرت وخلت من سكانها .
(١) الهجين: ولد العربي لغير العربية.
(٣) ذكره الفراء في معاني القرآن ٥٦/٢ والطبري.
(٤) والقراءة الأخرى بالتخفيف: (كُذِبوا)، وكلتاهما متواترتان.
(٥) أخرجه البخاري بسنديه ومتنيه (الصحيح، التفسير سورة يوسف، باب ﴿حَّ إِذَا أَسْتَيَْسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف:
١١٠] ح ٤٦٩٥ و٤٦٩٦).

٥٤٧
• سُورَةُ بُوسُفَ (١١٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
من المؤمنين قد كذبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة، كانت عائشة تقرؤها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ
قَدْ كُذِّبُوا﴾ مُثقلة (١)، من التكذيب.
وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن
بلال، عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب
القرظي يقول هذه الآية ﴿حََّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ فقال القاسم: أخبره عني
أني سمعت عائشة زوج النبي ◌َّ تقول: ﴿حَّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ تقول:
كذبهم أتباعهم(٢). إسناد صحيح أيضاً.
والقراءة الثانية بالتخفيف(٣)، واختلفوا في تفسيرها، فقال ابن عباس ما تقدم. وعن ابن
مسعود فيما رواه سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله أنه
قرأ ﴿حَتَّى إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ مخففة، قال عبد الله: هو الذي تَكَرِه(٤)،
وهذا عن ابن عباس وابن مسعود ضًا، مخالف لما رواه آخرون عنهما. أما ابن عباس، فروى
الأعمش عن مسلم، عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾
قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم النصر
على ذلك ﴿فَنُجِىَ مَن نَّشَاءُ﴾(٥)، وكذا روي عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي
وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله(٦).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا
شعيب، حدثنا إبراهيم [بن أبي حُرّة] (٧) الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال
له: يا أبا عبد الله كيف هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة ﴿حَتَّى إِذَا
أَسْتَيَْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾؟ قال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن
يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا، فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم
قط رجلاً يدعى إلى علم فيتلكأ، ولو [رحلت](٨) إلى اليمن في هذه كان قليلاً.
ثم روى ابن جرير أيضاً من وجه آخر أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك، فأجابه
بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرَّج الله عنك كما فرجت عني(٩)، وهكذا روي من
(١) أخرجه البخاري من طريق هشام عن ابن جريج به بنحوه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ ... ﴾ [البقرة: ٢١٤] ح ٤٥٢٤ و٤٥٢٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٣) تقدم أنها متواترة.
(٤) أخرجه الثوري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري من طريق أبي معاوية عن الأعمش به، وسنده صحيح ومسلم هو ابن صُبيح.
(٦) هؤلاء الرواة الخمسة كلهم رووه عن ابن عباس، وقد أخرج الطبري رواياتهم كلهم، وهذه الطرق يقوي
بعضها بعضاً .
(٧) كذا في تفسير الطبري، وفي النسخ الخطية: (ابن أبي حمزة)، والصواب هو المثبت (ينظر: الجرح
والتعديل ٩٦/١، ولسان الميزان ٤٦/١).
(٨) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري وفي الأصل: ((دخلت)).
(٩) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه، وهذان الطريقان يقوي أحدهما الآخر.

٥٤٨
• سُورَةُ يُوسُفَ (١١١)
غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك(١)، وكذا فسرها مجاهد بن جبر وغير واحد من
السلف حتى إن مجاهداً قرأها ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ بفتح الذال. رواه ابن جرير(٢) إلا أن
بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله: ﴿وَظَنُّوَا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ إلى أتباع الرسل من
المؤمنين، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم؛ أي: وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا مخففة فيما
وعدوا به من النصر.
وأما ابن مسعود، فقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن فضيل،
عن [جحش](٣) بن زياد الضبي، عن تميم بن حَذْلم قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول في
هذه الآية ﴿حََّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾: من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر
أنهم قد كُذِبوا بالتخفيف (٤) - فهاتان الروايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس، وقد أنكرت
ذلك عائشة على من فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير، ووجه المشهور عن الجمهور وزيَّف
القول الآخر بالكلية، ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه، والله أعلم.
- ﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبُّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى
بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةُ لِقَوٍَّ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى: لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف نجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين
﴿عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبُ﴾ وهي العقول، ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى
من دون الله؛ أي: يكذب ويختلق ﴿وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة من
السماء وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم
عليها بالنسخ أو التقرير.
﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات
والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن
الأمور الجلية، وعن الغيوب المستقبلة المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الربِّ تبارك وتعالى
وبالأسماء والصفات، وتنزهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان ﴿هُدَى وَرَحْمَةُ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد، ويبتغون به الرحمة من رب
العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة،
يوم يفوز بالربح المبيضة وجوههم الناضرة، ويرجع المسودّة وجوههم بالصفقة الخاسرة.
آخر تفسير سورة يوسف لعلّلا، ولله الحمد والمنة وبه المستعان، وعليه التكلان، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي المعلى العطارى سعيد بن جبير.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) كذا في تفسير الطبري، وصحف في الأصل و(حم) إلى: ((محسن)).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف.

٥٤٩
• سُوَرَّةُ الرَّعْلِ (١، ٢)
سُؤَدَّةُ الرَّعَلِ
وهي مكية
براهه الرحمن الرحيم
42 ﴿الَّرَّ تِلْكَ عَلَيَتُ الْكِتَبْ وَالَّذِىّ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن زَيِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقدمنا أن
كل سورة ابتدئت بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن وتبيان أن نزوله من عند الله حق لا شك فيه
ولا مرية ولا ريب، ولهذا قال: ﴿يَلْكَ مَيَتُ الْكِتَبِ﴾ أي: هذه آيات الكتاب، وهو القرآن.
وقيل: التوراة والإنجيل، قاله مجاهد وقتادة(١)، وفيه نظر بل هو بعيد، ثم عطف على ذلك
عطف صفات فقال: ﴿وَلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: يا محمد ﴿مِن رَّيِّكَ الْحَقُّ﴾ خبر تقدم مبتدؤه، وهو
قوله: ﴿وَأَلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ﴾ هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة، واختار ابن
جرير أن تكون الواو زائدة أو عاطفة صفة على صفة كما قدمنا، واستشهد بقول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم(٢)
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[يوسف] أي: مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق.
﴿اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ التَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمِّرْ كُلِّ يَجْرِى
لِأَجَلٍ مُسَنَّىَّ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمدٍ،
بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعداً لا تنال ولا تدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة
بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها
من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام،
وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت،
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سفيان عن مجاهد بلفظه، وسفيان لم يسمع من مجاهد،
وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة بلفظ: ((الكتب التي كانت قبل
القرآن».
(٢) ذكره الفراء في معاني القرآن والطبري في تفسيره.

٥٥٠
• سُورَةُ الرَّعَلِ (١، ٢)
وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وهكذا السماء الثالثة والرابعة
والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَنَغَزَّلُ
اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لَِعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴾﴾ [الطلاق].
وفي الحديث: ((ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض
فلاة، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة)) (١). وفي رواية: ((والعرش لا يقدر قدره
إلا الله (5َّ))(٢)، وجاء عن بعض السلف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف
سنة، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتة حمراء(٣).
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عَدٍ تَرَوْنَها﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا:
لها عمد ولكن لا تُرى (٤).
وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة(٥)، يعني: بلا عمد، وكذا روي عن
قتادة(٦)، وهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَنْ تَفَعَ عَلَى الْأَرْضِ
إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: ٦٥] فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيداً لنفي ذلك؛ أي: هي مرفوعة بغير
عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة، وفي شعر أمية بن أبي الصلت الذي آمن شعره،
وكفر قلبه كما ورد في الحديث(٧)، ويروى لزيد بن عمرو بن نفيل كَُّ ورضي عنه:
بعثتَ إلى موسى رسولاً مناديا
وأنت الذي من فضل مَنٍّ ورحمة
فقلت له: فاذهب وهارون فادعوا
وقولا له: هل أنت سويت هذه
وقولا له: أأنت رفعت(٩) هذه
وقولا له: هل أنت سويت وسطها
وقولا له: من يرسل الشمس غدوة
وقولا له: من يُنبت الحب في الثرى
ويخرج منه حبه في رؤوسه؟
إلى الله فرعون الذي كان طاغياً
بلا وتد حتى استقلت(٨) كما هيا؟
بلا عمد أو فوق ذلك بانيا؟
منيراً إذا ما جنك الليل هاديا؟
فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا؟](١٠)
فيصبح منه العشب يهتز رابيا
ففي ذاك آيات لمن كان واعياً (١١)
(١)(٢) تقدم تخريجهما في سورة البقرة آية ٢٥٥.
(٣) مثل هذا لا يؤخذ إلا عن النبي ◌َّ والصحابة
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح
من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حماد بن سلمة عن إياس بن معاوية.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.
(٧) أخرجه ابن عبد البر بسند ضعيف جداً، من طريق أبي بكر الهذلي عن عكرمة قال: قلت لابن عباس:
أرأيت ما جاء عن النبي ◌َّر في أمية بن أبي الصلت: آمن شعره وكفر قلبه؟ قال: ((هو حق فما أنكرتم من
ذلك .. )) (التمهيد ٧/٤) وفيه أبو بكر الهذلي: متروك، كما في التقريب.
(٨) كذا في النسخ الخطية، وفي سيرة ابن هشام: ((اطمأنت)).
(٩) كذا في (حم) و(مح) والسيرة، وفي الأصل: ((سويت)). (١٠) زيادة من (حم) و(مح) والسيرة.
(١١) هذه الأبيات ذكرها ابن هشام وذكر غيرها معها (سيرة ابن هشام ٢٢٨/١).

٥٥١
• سُوَّرَّةُ الرَّحْمِ (٣، ٤)
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِّ﴾ تقدم تفسيره في سورة الأعراف(١)، وأنه يمر كما جاء من
غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا تمثيل، تعالى الله علواً كبيراً. وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمِّرْ كُلِّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّىَّ﴾ قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كقوله
تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [يس]، وقيل: المراد إلى
مستقرهما وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا
وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش، لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة قبة
مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك، لأن له قوائم وحملة يحملونه، ولا
يتصور هذا في الفلك المستدير، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث
الصحيحة، ولله الحمد والمنة.
وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف وأعظم من
الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه، فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى
والأحرى، كما نبه بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَفَهُنَّ إِن
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] مع أنه صرح بذلك بقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتِ
بِأَمِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ
رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي: يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا
شاء كما ابتدأ خلقه.
﴿وَهُوَ الَّذِى مَذَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرَّاً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيِّنْ يُغْشِى
الَّيْلَ النَّرَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿ وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتُ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْتَدٍ وَزَرْعٌ
وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِ الْأُكُلِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
لما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، فقال:
﴿وَهُوَ الَّذِى مَدَّ اُلْأَرْضَ﴾ أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات
شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون، ليسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة
الألوان والأشكال والطعوم والروائح ﴿مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧] أي: من كل شكل
صنفان ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النََّارَ﴾ أي: جعل كلاً منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، فإذا ذهب هذا غشيه
هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضاً في الزمان كما يتصرف في المكان والسكان،
﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في آلاء الله وحكمه ودلائله.
وقوله: ﴿وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِرَتٌ﴾ أي: أراضٍ يجاور بعضها بعضاً، مع أنه هذه طيبة تنبت
ما ينفع الناس وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئاً، هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن
جبير والضحاك وغير واحد. ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة
(١) في الآية رقم (٥٤).

٥٥٢
• سُوَّرَةُالْرّعْدِ (٣، ٤)
حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه مرملة،
وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها، وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كله
مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه.
وقوله: ﴿وَجَثَّتْ مِنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَخِيِلٌ﴾ يحتمل أن تكون عاطفة على جنات، فيكون ﴿وَزَرّعٌ
وَخِيلٌ﴾ مرفوعين. ويحتمل أن يكون معطوفاً على ﴿أَعْنَبٍ﴾، فيكون مجروراً، ولهذا قرأ بكل
منهما طائفة من الأئمة(١).
وقوله: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان
والتين، وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد، كسائر الأشجار،
ومنه سمي عمُّ الرجل صنو أبيه، كما جاء في الصحيح أن رسول الله و لتر قال لعمر: ((أما شعرت
أن عمَّ الرجل صنو أبيه)»(٢).
وقال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ظُه: الصنوان: هي النخلات في
أصل واحد، وغير الصنوان المتفرقات(٣). وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد (٤).
وقوله: ﴿يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِّ﴾ قال: ((الدقل، والفارسي،
والحلو، والحامض))، رواه الترمذي وقال: حسن غريب(٥).
أي: هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها، وطعومها
وروائحها، وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وذا في غاية
المرارة، وذا عفص، وهذا عذب، وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله
تعالى، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أزرق، وكذلك الزهورات
مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، مع الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا
ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعياً، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي
بقدرته فاوت بين الأشياء، وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ .
(١) القراءة بالرفع والجر قراءتان متواترتان.
(٢) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ظته (الصحيح، الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها ح ٩٨٣).
(٣) أخرجه الطبري وسعيد بن منصور (السنن، التفسير ح ١١٥٣) من طريق الثوري به، وسنده صحيح.
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول ابن مجاهد أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة
عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد
أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٥) أخرجه الترمذي من طريق سيف بن محمد الثوري عن الأعمش به (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة
الرعد ح٣١١٨)، وسنده ضعيف جداً لأن سيف بن محمد الثوري كذبوه، كما في التقريب ص٢٦٢، ومدار
الحديث متوقف عليه.

٥٥٣
• سُوْرَةُ الرَّحْمِ (٦،٥)
إِن تَمْجَبْ فَجَبُ قَوْلُمْ أَِذَا كُنَّا تُرَبًا أَئِنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
بَِهُمْ وَأُوْلَكَ الْأَغَْلُ فِيّ أَعْنَاقِهِمٌّ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
يقول تعالى لرسوله محمد رَله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ﴾ من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد، مع ما
يشاهدونه من آيات الله - سبحانه - ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون
به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكوَّنها بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، ثم هم بعد هذا يكذبون خبره
في أنه سيعيد العالم خلقاً جديداً، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به، فالعجب
من قولهم: ﴿أَِذَا كُنَّا تُرَبًا أَنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السموات
والأرض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِفَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحِىَ الْمَوْقَ بَلَ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ (َّ﴾﴾ [الأحقاف] ثم نعت المكذبين بهذا فقال: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمَّ وَأَوْلَئِكَ الْأَغْلَلُ
فِىّ أَعْنَاقِهِمْ﴾ أي: يسحبون بها في النار ﴿ وَأُوْلَكِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها
أبداً لا يحولون عنها ولا يزولون.
2- ﴿وَسَتَعْبِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ
عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾﴾.
يقول تعالى: ﴿وَتَعِْلُونَكَ﴾ أي: هؤلاء المكذبون ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالعقوبة كما
أخبر عنهم في قوله: ﴿وَقَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿ لَوْ مَا تَأْتِنَا بِالْمَلَئِكَةِ إِن
كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ مَا نَُمِلُ الْمَلَبِكَةَ إِلَّا بِالْحِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُّنْظَرِينَ (٣)﴾ [الحجر]، وقال
يَسْتَعْجِلُونَكَ
تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَنَّى لَآءَ هُمُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ
بِالْعَذَابٍ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ (٣)﴾ [العنكبوت]، وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَآِلٌ بِعَذَاٍ وَاقِعٍ
[المعارج]، وقال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا
الْحَقُ﴾ [الشورى: ١٨]، ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (٣)﴾ [ص] أي: عقابنا وحسابنا،
كما قال مخبراً عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ اُلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ ... ﴾ ﴿أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فكانوا يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله، وذلك من شدة تكذيبهم
وعنادهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ أي: قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية
وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم.
ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا
كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآَبَةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ
لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمْ﴾ أي: إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون
بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى:
﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَدُ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ (٣)﴾ [الأنعام]، وقال:
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِّ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، وقال: ﴿﴿ نَبِئْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا

٥٥٤
سُورَةُ الرَّعَمِ (٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 000 000
اُلْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿ وَأَنَ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾﴾ [الحجر] إلى أمثال ذلك من الآيات التي
تجمع الرجاء والخوف.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن علي بن زيد،
عن سعيد بن المسيب، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلِهِمْ﴾ الآية،
قال رسول الله وَ ل: ((لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتَّكل كل
أحد))(١).
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي: أنه رأى رب العزة
في النوم، ورسول الله وقّ واقف بين يديه يشفع في رجل من أمته، فقال له: ألم يكفيك أني
أنزلت عليك في سورة الرعد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾. قال: ثم انتبهت(٢).
﴾.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن زَيِّهِ: إِنَّمَا أَنَتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْرِ هَادٍ
يقول تعالى إخباراً عن المشركين أنهم يقولون كفراً وعناداً: لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل
الأولون، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن يزيح عنهم الجبال، ويجعل مكانها
مروجاً وأنهاراً، قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بِلْأَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَّ وَءَانِيْنَا ثَمُودَ النَّقَةَ
مُبْصِرَةً فَطَلَمُواْ بِهِأْ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٣)﴾ [الإسراء](٣)، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ﴾
أي: إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها، ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ
يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لكل قوم داع(٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس في الآية: يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل
قوم(٥). وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد(٦).
وعن مجاهد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ أي: نبي(٧)، كقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:
٢٤]، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد(٨). وقال أبو صالح ويحيى بن رافع: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإرسال سعيد بن المسيب، وضعف علي بن زيد وهو ابن
جدعان .
(٢) في سنده نكارة، فإن الله تعالى لا يُرى في الدنيا لا في المنام ولا في اليقظة. وأما في الآخرة فنعم بدليل
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ (٣)﴾ [القيامة].
(٣) سيأتي عند هذه الآية رواية تعنت المشركين.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بالآثار اللاحقة.
(٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق قيس، وهو ابن سعد المكي، عن مجاهد، وقول سعيد بن
جبير أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضاً عن عطاء بن السائب عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري
بسند ضعيف فيه شيخ الطبري مبهم.
(٧) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن مجاهد.
(٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عن طريق معمر عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق عبد الله بن وهب.

٥٥٥
• سُورَةُ الْرّعْلِ (٨، ٩)
0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000000
أي: قائد(١).
وقال أبو العالية: الهادي القائد، والقائد الإمام، والإمام العمل(٢).
وعن عكرمة وأبي الضحى ﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ قالا: هو محمد وَمِينَ(٣).
وقال مالك: ﴿وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ يدعوهم إلى الله رَّ.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا الحسن بن الحسين
الأنصاري، حدثنا معاذ بن مسلم بياع الهرويّ، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس رضيّه، قال: لما نزلت ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْرٍ هَادٍ﴾ قال: وضع رسول الله وَّل يديه
على صدره وقاله: ((أنا المنذر، ولكل قوم هاد)). وأومأ بيده إلى منكب علي (٤)، فقال: ((أنت
الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي))(٥)، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا المطلب بن
زياد، عن السدي، عن عبد خير، عن علي ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: الهادي رجل من بني
هاشم(٦).
قال الجنيد: هو علي بن أبي طالب څته.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وعن أبي جعفر محمد بن علي
نحو ذلك(٧) .
42 ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادْ وَكُلُ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ
يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل
إناث الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ﴾ [لقمان: ٣٤] أي: ما حملت من ذكر أو
أنثى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ
بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِ بُطُونِ أُمَهَتِكُمْ فَلَا تُزَُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم:
٣٢]، وقال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدٍ خَلْقِ فِىِ تُلُمَتِ ثَلَثٍ﴾ [الزمر: ٦] أي:
(١) قول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول يحيى بن رافع
أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه، وقول أبي الضحى - وهو مسلم بن صبيح -
أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عكرمة عن أبي الضحى.
(٤) أي ابن أبي طالب الخليفة الراشد رهـ
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً، فإن الحسن بن الحسين الأنصاري من رؤساء الشيعة، كذا
قال الحافظ ابن حجر، وذكر هذه الرواية ثم قال: ومعاذ نكرة فلعل الآفة منه (لسان الميزان ١٩٩/٢)،
وضعفه الحافظ ابن كثير أيضاً.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن السدي فيه تشيع.
(٧) قول الجنيد لم يُسند لأحد، وقول ابن عباس وأبي جعفر ذكرهما ابن أبي حاتم تعليقاً.

٥٥٦
سُورَةُ الرَّحْمِ (٨، ٩)
خلقكم طوراً من بعد طور، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ (١٧ ثُمَّ جَعَلْنَهُ
نُطْفَّةً فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿﴿ فُرَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا
الْعِظَمَ ◌َحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَا ءَاخَرْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ ﴾ [المؤمنون].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه
أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكاً فيؤمر
بأربع كلمات، بكتب رزقه، وعمره، وعمله، وشقي أو سعيد ... )) (١).
وفي الحديث الآخر: «فيقول الملك: أي رب أذكر أم أنثى؟ أي: رب أشقي أم سعيد؟ فما
الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله، ويكتب الملك))(٢).
وقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن،
حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله وَّه قال: ((مفاتيح الغيب خمس،
لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم
متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة
إلا الله) (٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ يعني: السقط، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يقول: ما
زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة
أشهر، ومن تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقصُ، فذلك الغيضُ
والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى (٤).
وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ قال: ما نقصت من
تسعة وما زاد عليها(٥).
وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نبتت ثنيتي(٦).
وقال ابن جريج، عن جميلة بنت سعد، عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر
ما يتحرك ظل مغزل(٧) .
وقال مجاهد: ﴿وَمَا تَغِيْضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ قال: ما ترى من الدم في حملها، وما تزداد
(١) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (ح٣٢٠٨) وصحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي
(ح ٢٦٤٣).
(٢) صحيح مسلم، القدر، باب كيفية خلق الآدمي (ح٢٦٤٥).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، سورة الرعد، باب ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنَ وَمَا تَفِيضُ
الْأَرْحَامُ﴾ [الرعد: ٨] ح ٤٦٩٧).
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً عن الضحاك.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.
(٧) أخرجه الطبري من طريق داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج به، وفي سنده جميلة بنت سعد ذكرها ابن
أبي حاتم وسكت عنها (الجرح والتعديل ٤٠٧/٩)، ولهذا قال ابن حزم: مجهولة (المحلى ٣١٦/١٠).

٥٥٧
سُوْدَّةُ الرَّعْدِ (١١،١٠)
0000000000000000000000000000000000000 000 000 000 000000 000000000000000 000000 000000000
على تسعة أشهر(١). وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك(٢).
وقال مجاهد أيضاً: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض(٣).
وقاله عكرمة وسعيد بن جبير وابن زيد(٤). وقال مجاهد أيضاً: ﴿وَمَا تَغِيْضُ الْأَزْحَامُ﴾ [إهراقه
الدم](٥) حتى يخس الولد (٦)، ﴿وَمَا تَزْدَادٌ﴾ إن لم تهرق المرأة، تم الولد وعظم. وقال مكحول:
الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها،
فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض، استهل، واستهلاله استنكاره لمكانه، فإذا
قطعت سرته، حوّل الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يحزن ولا يطلب ولا يغتم، ثم يصير طفلاً
يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ فيقول
مكحول: يا ويلك، غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت،
قلت: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق، ثم قرأ مكحول ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا
٨
تَفِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُّ وَكُلُ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ
وقال قتادة: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أي: بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل
لذلك أجلاً معلوماً (٧). وفي الحديث الصحيح: أن إحدى بنات النبي ◌ّ بعثت إليه أن ابناً لها
في الموت، وأنها تحب أن يحضره. فبعث إليها يقول: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل
شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب ... )) (٨) الحديث بتمامه.
وقوله: ﴿عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا
يخفى عليه منه شيء ﴿اَلْكَبِيرُ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ أي: على كل شيء
﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِّمًّا﴾ وقهر كل شيء، فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعاً وكرهاً.
] ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَنْ أَسَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِاَلنََّارِ
لَهُ
مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْغَطُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُّ إِنَ اللَّهَ لَا يُغَيِرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيُِّواْ مَا بِأَنْفُسِهِم
وَإِذَا أَرَدَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ لَِّ)
.
يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه، وأنه سواء منهم من أسر قوله أو جهر به، فإنه
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر عن مجاهد.
(٢) قول العوفي تقدم في بداية تفسير الآية، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند صحيح عن طريق أبي
بشر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق ابن المبارك عنه، وقول قتادة أخرجه
عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك تقدم.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق خصيف عن مجاهد.
(٤) قول عكرمة أخرجه الطبري بعدة أسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٥) كذا في تفسير الطبري في رواية مجاهد، وفي الأصل: ((إراقة المرأة)).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرجه الطبري بنحوه بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٨) أخرجه الشيخان من حديث أسامة بن زيد وابه (صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿قَلِ أُدْعُواْ
اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ﴾ [الإسراء: ١١٠] ح ٧٣٧٧)، وصحيح مسلم، الجنائز، باب البكاء على الميت (ح٩٢٣).

٥٥٨
سُوْرَةُ الرَّعْدِ (١٠، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يسمعه لا يخفى عليه شيء، كقوله: ﴿وَإِن تَّجْهَرْ بِلْقَوَّلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾﴾ [طه]، وقال:
﴿ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥].
قالت عائشة رضيّا: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، والله لقد جاءت المجادلة تشتكي
زوجها إلى رسول الله وَّر، وأنا في جنب البيت، وإنه ليخفى عليَّ بعض كلامها، فأنزل الله ﴿قَدْ
سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾﴾
[المجادلة](١).
وقوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ﴾ أي: مختف في قعر بيته في ظلام الليل، ﴿وَسَارِبُ يِالنََّارِ﴾
أي: ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه، فإن كليهما في علم الله على السواء، كقوله تعالى:
﴿أَا حِيْنَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [هود: ٥].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُنُ فِ شَأْنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنَّهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا
إِذْ تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيْكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ
إِلاّ فی کِنَبٍ مُینٍ ﴾﴾ [يونس].
وقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُّ﴾ أي: للعبد ملائكة يتعاقبون
عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون
لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان
الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران
يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة أملاك
بالليل، بدلاً حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة
بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو
أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون))(٢).
وفي الحديث الآخر: ((إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم
وأكرموهم))(٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَعُونَهُ
مِنْ أَمْرِ الَّهِ﴾: والمعقبات من الله هي الملائكة(٤).
(١) سيأتي تخريجه في مطلع سورة المجادلة.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظه (صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر
ح ٥٥٥) وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح والعصر (ح ٦٣٢).
(٣) أخرجه الترمذي من طريق ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر ظُه مرفوعاً، وقال الترمذي: حديث
غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (السنن، الأدب، باب ما جاء في الاستتار عند الجماع ح ٢٨٠١)،
وأخرجه البيهقي وضعفه (شعب الإيمان ح٧٧٣٩)، وقال البغوي: ويروي عن ابن عمر بإسناد غريب. ثم
ساق الحديث (شرح السنة ٢٥/٩)، وسنده ضعيف لما قيل في ليث بن أبي سليم، لأنه صدوق اختلط جداً
ولم يتميز حديثه فترك، كما في التقريب.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به بنحوه.

٥٥٩
• سُوَرَّةُ الرَّعْدِ (١٠، ١١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن
خلفه، فإذا جاء قدر الله خلو عنه(١).
وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس
والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده، إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه(٢).
وقال الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ
مُعَقِّبَتُ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا، له حرس من دونه حرس(٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني: ولي [السلطان](٤)
يكون عليه الحرس(٥) .
وقال عكرمة في تفسيرها: هؤلاء الأمراء المواكب بين يديه ومن خلفه(٦).
وقال الضحاك (٧) في الآية: هو السلطان المحروس من أمر الله، وهم أهل الشرك، والظاهر
- والله أعلم - أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبد يشبه حرس
هؤلاء لملوكهم وأمرائهم.
وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير ههنا حديثاً غريباً جداً، فقال: حدثني المثنى، حدثنا
إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن
عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله وَ لات، فقال:
يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: ((ملك على يمينك على حسناتك، وهو
أمير على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشراً، وإذا عملت سيئة قال الذي على
الشمال للذي على اليمين: أكتبها؟ قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب فيستأذنه ثلاث مرات، فإذا
قال ثلاثاً، قال: اكتبها أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا،
[ق]، وملكان من بين يديك ومن خلفك،
يقول الله: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَيْدُ ﴾﴾
يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِبَتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَعُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وملك قابض على
ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس
يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد وَّله. وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في
(١) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر من طريق عكرمة به.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ليث، وهو ابن أبي سُليم، عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يحيى بن يمان عن الثوري به وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري
٣٧٢/٨).
(٤) كذا في (مح) وتفسير الطبري طبعة معالي الدكتور عبد الله التركي والطبعة القديمة، وفي الأصل و(حم):
بلفظ: ((الشيطان)) وهو تصحيف وقد وقع هذا التصحيف في جميع الطبعات المحققة من تفسير ابن كثير
سوى طبعة الحلبي التي اعتمدت نسخة دار الكتب المصرية. ومما يؤكد أنه تصحيف الروايات التالية عن
عكرمة والضحاك وعكرمة وتوضيح الحافظ ابن كثير لهذه الرواية.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به ويتقوى بما يلي.
(٦) أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر عن عكرمة.
(٧) أخرجه الطبري بسند فيه شيخ الطبري لم يصرح باسمه.

٥٦٠
سُورَةُ الرَّحْمِ (١٠، ١١)
فيك، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي، ينزلون ملائكة الليل على ملائكة
النهار، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكاً على كل آدمي، وإبليس
بالنهار وولده بالليل))(١) .
وقال الإمام أحمد نَّتُهُ: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا سفيان، حدثني منصور، عن سالم بن
أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكّل به
قرينه من الجن وقرينه من الملائكة)) قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وإياي، ولكن الله أعانني
عليه، فلا يأمرني إلا بخير))(٢)، انفرد بإخراجه مسلم(٣).
وقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قيل: المراد حفظهم له من أمر الله. رواه علي بن أبي طلحة
وغيره عن ابن عباس(٤)، وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم(٥).
وقال قتادة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اَللَّهُ﴾ قال: وفي بعض القراءات (يحفظونه بأمر الله)(٦).
وقال كعب الأحبار: لو تجلَّى لابن لآدم كل سهلٍ وحزنٍ، لرأى كل شيء من ذلك شياطين،
لولا أن الله وكّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذاً لتُخُطِّفتم(٧).
وقال أبو أمامة: ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له (٨).
وقال أبو مِجلزَ: جاء رجل من مراد إلى علي ظلُّه وهو يصلي فقال: احترس: فإن ناساً من
مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدّر، فإذا جاء القدر خليا بينه
وبينه، إن الأجل جُنَّة حصينة(٩).
وقال بعضهم: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهُ﴾ بأمر الله، كما جاء في الحديث أنهم قالوا: يا
رسول الله، أرأيت رقىَ نسترقي بها، هل تردُّ من قدر الله شيئاً؟ فقال: ((هي من قدر الله)(١٠).
(١) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده ضعيف لأن كنانة العدوي لم يسمع من عثمان طه، وضعفه الحافظ
ابن کثیر.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه محققوه (المسند ٣١٩/٦ ح٣٧٧٩).
(٣) صحيح مسلم، صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان ... (ح ٢٨١٤).
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند
ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف تقدم، ويتقوى بما سبق، وكذلك قول إبراهيم
النخعي كسابقه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والقراءة شاذة تفسيرية ذكرها ابن جني
ونسبها إلى بعض السلف الصالح (المحتسب ٣٥٥/١).
(٧) أخرجه الطبري من طريق يزيد بن شريح عن كعب بلفظه، ويزيد بن شريح: مقبول (التقريب ص٦٠٢).
(٨) أخرجه الطبري من طريق أبي غالب عن أبي أمامة بلفظه، وفي رواية أبي غالب عن أبي أمامة مقال تقدم
ذكره.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عُمارة بن أبي حفصة عن أبي مجلز.
(١٠) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي خزامة ظ له وضعف سنده محققوه (المسند ٢١٩/٢٤ ح١٥٤٧٣)،
وأخرجه الترمذي من طريق الزهري عن ابن أبي خزامة عن أبي خزامة ثم قال: هذا حديث لا نعرفه إلا من
حديث الزهري (السنن، الطب، باب ما جاء في الرقي والأدوية ح(٢٠٦٥)، وذكره الألباني في ضعيف سنن =