النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سُورَةُ هُودٍ (٧٧، ٧٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
يضيفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ﴾ .
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد: شديد بلاؤه(١).
وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ويشق عليه ذلك.
وذكر قتادة أنهم أتوه وهو في أرض له فتضيفوه فاستحيا منهم، فانطلق أمامهم وقال لهم في
أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل
بلد أخبث من هؤلاء. ثم مشى قليلاً ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات(٢) .
قال قتادة: وقد كانوا أُمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك(٣) .
وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط فبلغوا نهر سدوم نصف
النهار، ولقوا بنت لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان: الكبرى رثيا، والصغرى
زغرتا فقالوا: يا جارية هل من منزل؟ فقالت: مكانكم حتى آتيكم. وفرقت عليهم من قومها
فأتت أباها فقالت: يا أبتاه أدرك فتياناً على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا
يأخذهم قومك.
وكان قومه نهوه أن يضيف رجلاً فقالوا: خلِّ عنا فلنضيف الرجال، فجاء بهم فلم يعلم بهم
أحد إلا أهل بيته، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاءوا يهرعون إليه (٤)
وقوله: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك روي هذا عن ابن عباس
ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة وشمر بن عطية وسفيان بن عيينة(٥).
وقوله: ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: لم يزل هذا من سجيتهم حتى أخذوا وهم على
ذلك الحال.
وقوله: ﴿قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءٍ بَنَاتِ هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ ﴾ يرشدهم إلى نسائهم فإن النبي للأُمة بمنزلة
الوالد فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ ﴾ [الشعراء] وقوله
الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ
[الحجر] أي: ألم ننهك عن ضيافة
في الآية الأخرى: ﴿قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (٣)﴾ [الحجر] وقال في
الرجال؟ ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاِىَ إِن كُمْ فَعِلِينَ
هذه الآية الكريمة: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِ هُنَّ أَظْهَرُ لَكُّ﴾.
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند عن قتادة عن حذيفة، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من حذيفة.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد هذا ضعيف.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٥) قول ابن عباس ومجاهد وقتادة أخرجه الطبري عنهم بأسانيد ثابتة تقدم ذكرها قبل ثلاث روايات، وقول
السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه
جويبر، ويتقوى بما سبق، وقول شمر بن عطية أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حفص بن حميد
عن شمر.

٤٦٢
• سُوَُّ هُوَّدٍ (٨٠، ٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال مجاهد: لم يكنّ بناته ولكن كنّ من أُمته وكل نبي أبو أُمته، وكذا روي عن قتادة وغير
واحد(١).
وقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء(٢). ولم يعرض عليهم سفاحاً.
وقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هن بناته وهو أب لهم، ويقال في بعض القراءات: (النبي
أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) [الأحزاب: ٦] (٣).
وكذا روي عن الربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم(٤).
وقوله: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ﴾ أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم
﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ أي: فيه خير يقبل ما آمره به ويترك ما أنهاه عنه ﴿قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِىِ
بَنَائِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن ﴿وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدٌ﴾ أي:
ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت تعلم ذلك فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟
قال السدي: ﴿وَإِّكَ لَنَعْلَمُ مَا نُرِيدٌ﴾ إنما نريد الرجال(٥).
قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوّأْ
] ﴿قَالَ لَوَ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ
إِلَيْكٌ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّلِ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَفْرَكَّ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمَّ إِنَّ
مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
يقول تعالى مخبراً عن نبيه لوط لعلّ *: إن لوطاً توعدهم بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى
ؤُكْنِ شَدِيدٍ﴾ أي: لكنت نكلت بكم وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي، ولهذا ورد في
الحديث من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله ولو
قال: رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله رَ - فما بعث الله بعده من
نبي إلا في ثروة(٦) من قومه)(٧) .
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري من طريق ليث، وهو ابن أبي سليم، عن مجاهد، وليث فيه مقال ولكن تابعه
ابن أبي نجيح في رواية آدم بن أبي إياس فقد أخرجه من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه في تفسير
سورة الأحزاب آية ٦ (التفسير المنسوب إلى مجاهد)، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
معمر عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن مجاهد، ويشهد له سابقه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير.
(٤) قول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول
محمد بن إسحاق أخرجه الطبري بسند ضعيف ويتقوى بما سبق.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أي الكثرة والمنعة.
(٧) أخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن عمرو به (المسند ١٢٢/١٤ ح ٨٣٩٢)، وحسّن سنده محققوه،
وكذا أخرجه الترمذي وحسنه (السنن، التفسير، ومن سورة يوسف ح ٣١١٥)، وحسّنه الألباني في صحيح
سنن الترمذي (ح ٢٤٩١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٦١) وصححه أحمد =

٤٦٣
• سُورَُّ هُودٍ (٨٠، ٨١)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسول الله إِليهم وأنهم لا وصول لهم إليه ﴿قَالُواْ يَنْلُوطُ إِنَّا رُسُلُ
رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل، وأن يتبع أدبارهم، أي يكون ساقة
لأهله ﴿وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ﴾ أي: إِذا سمعت ما نزل بهم ولا تهولنكم تلك الأصوات
المزعجة ولكن استمروا ذاهبين ﴿إِلَّ أَقْرَأَنَكَ﴾ قال الأكثرون: هو استثناء من المثبت وهو قوله:
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ تقديره ﴿إِلَّا أَقْرَأَنَكَ﴾ وكذلك قرأها ابن مسعود، ونصب هؤلاء ﴿أَمْرَأَنَكَ﴾ لأنه
من مثبت فوجب نصبه عندهم، وقال آخرون من القراء والنحاة: هو استثناء من قوله: ﴿وَلَا يَلْنَفِتْ
مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَفْرَأَنَكٌ﴾ فجوزوا الرفع والنصب.
وذكر هؤلاء وغيرهم من الإسرائيليات أنها خرجت معهم وأنها لما سمعت الوجبة (١) التفتت
وقالت: واقوماه فجاءها حجر من السماء فقتلها ثم قربوا له هلاك قومه تبشيراً له، لأنه قال لهم:
أهلكوهم الساعة فقالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ هذا وقوم لوط وقوف على الباب
عكوف قد جاءوا يهرعون إِليه من كل جانب، ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم
عما هم فيه وهم لا يقبلون منه بل يتوعدونه ويتهددونه، فعند ذلك خرج عليهم جبريل ظلَّلا
فضرب وجوههم بجناحه فطمس أعينهم فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَاهِ وَنُذُرٍ (٦) الآية [القمر].
وقال معمر، عن قتادة، عن حذيفة بن اليمان قال: كان إِبراهيم عليّ يأتي قوم لوط فيقول:
أنهاكم الله أن تعرضوا لعقوبته فلم يطيعوه حتى إذا بلغ الكتاب أجله انتهت الملائكة إِلى لوط وهو
يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة فقالوا: إِنا ضيوفك الليلة. وكان الله قد عهد إِلى جبريل
ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات، فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ذكر ما يعمل
قومه من الشر، فمشى معهم ساعة ثم التفت إليهم فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما
أعلم على وجه الأرض شراً منهم أين أذهب بكم؟ إِلى قومي وهم أشر خلق الله.
فالتفت جبريل إِلى الملائكة فقال: احفظوها هذه واحدة ثم مشى معهم ساعة فلما توسط القرية
وأشفق عليهم واستحيا منهم قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه
الأرض أشر منهم إن قومي أشر خلق الله، فالتفت جبريل إِلى الملائكة فقال: احفظوها هاتان
اثنتان، فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم فقال: إِن قومي أشر خلق الله؟
أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شراً منهم.
فقال جبريل للملائكة: احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب. فلما دخلوا ذهبت عجوزُه عجوزٌ
السوء فصعدت فلوَّحت بثوبها فأتاها الفساق يهرعون سراعاً قالوا: ما عندك؟ قالت: ضيف لوط
قوماً ما رأيت قط أحسن وجوهاً منهم ولا أطيب ريحاً منهم، فهرعوا يسارعون إِلى الباب،
فعالجهم لوط على الباب فدافعوه طويلاً وهو داخل وهم خارج يناشدهم الله ويقول: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِ
هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] فقام الملَك فلزَّ بالباب - يقول: فسَده - واستأذن جبريل في عقوبتهم
= شاكر في تعليقه على تفسير الطبري إذ أخرجه الطبري من الطريق نفسه.
(١) أي الصوت المزلزل من ضربة الملك الذي جاء بالعذاب إلى قوم لوط.

٤٦٤
سُورَةُ هُوَّدٍ (٨٢، ٨٣)
•
فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون في السماء، فنشر جناحه - ولجبريل جناحان - وعليه
وشاح من درِّ منظوم وهو براق الثنايا أجلى الجبين ورأسه حُبُك حُبُك(١) مثل المرجان، وهو
اللؤلؤ كأنه الثلج ورجلاه إلى الخضرة فقال: يا لوط ﴿إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ﴾ امض يا لوط
عن الباب ودعني وإياهم، فتنحى لوط عن الباب فخرج إليهم فنشر جناحه فضرب به وجوههم
شدخ أعينهم(٢)، فصاروا عمياً لا يعرفون الطريق، ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال:
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اَلَّلِ﴾(٣).
وروي عن محمد بن كعب وقتادة والسدي نحو هذا (٤).
2] ﴿فَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُودٍ
مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَّ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
٨٢
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمُنَا﴾ وكان ذلك عند طلوع الشمس ﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا﴾ وهي سدوم
﴿وَسَافِلَهَا﴾ كقوله: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَىٌ ﴿﴿ فَغَشَّنْهَا مَا غَشَّى (@)﴾ [النجم] أي: أمطرنا عليها حجارة من
سجيل، وهي بالفارسية: حجارة من طين. قاله ابن عباس وغيره(٥). وقال بعضهم: أي من سنك:
وهو الحجر وكل؛ وهو: الطين. وقد قال في الآية الأخرى: ﴿حِجَارَةً مِّنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]
أي: مستحجرة قوية شديدة، وقال بعضهم: مشوية.
وقال البخاري: سجيل: الشديد الكبير، سجيل وسجين اللام والنون أختان، وقال تميم بن
مقبل :
ورجلة يضربون البيض(٦) ضاحيةً ضرباً تواصت به الأبطال سجيناً(٧)
وقوله: ﴿مَنْضُورٍ﴾ قال بعضهم: في السماء، أي معدة لذلك وقال آخرون: ﴿مَنْضُورٍ﴾ أي:
يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم، وقوله: ﴿مُسَوَّمَةٌ﴾ أي: معلمة (٨) مختومة (٩) عليها أسماء
(١) أي جعد متكسر الشعر.
(٢) يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧].
(٣) أخرجه الطبري من طريق قتادة عن حذيفة، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع حذيفة.
(٤) قول محمد بن كعب أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن إسحاق عن محمد بن كعب معنعناً
وباختصار، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عنه بنحوه وسعيد ضعيف،
وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه بنحوه. وكل هذه الروايات من الإسرائيليات
ولبعضها شاهد من القرآن كما تقدم.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق السدي عن ابن عباس، والسدي لم يسمع من ابن عباس ويتقوى
برواية الطبري إذ أخرجه من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس.
(٦) البيض جمع بيضة وهي الخوذة وعنى بها الرأس.
(٧) ذكره البخاري في صحيحه (التفسير، سورة هود، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧] بعد حديث
رقم ٤٦٨٤).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٤٦٥
• سُورَلأُ هُودٍ (٨٢، ٨٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أصحابها؛ كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه، وقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مطوقة
بها نَضْحٌ من حمرة(١).
وذكروا أنها نزلت على أهل البلد وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينا أحدهم يكون
عند الناس يتحدث إِذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس فدمره، فتتبعهم الحجارة
من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد.
وقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ورفعهم
حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم أكفأهم، وكان حملهم على حوافي جناحه الأيمن، قال:
ولما قلبها كان أول ما سقط منها شرفاتها(٢).
وقال قتادة: بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى، ثم ألوى بها إِلى جو السماء حتى
سمع أهل السماء ضواغي كلابهم، ثم دمر بعضهم على بعض ثم أتبع شذاذ القوم صخراً، قال:
وذُكر لنا أنهم كانوا أربع قرى في كل قرية مائة ألف. وفي رواية: ثلاث قرى الكبرى منها
سدوم، قال: وبلغنا أن إِبراهيم عليّا كان يشرف على سدوم ويقول: سدوم يوم هالك(٣).
وفي رواية عن قتادة وغيره قال: وبلغنا أن جبريل ظلَّلا لما أصبح نشر جناحه فانتسف بها
أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها، فضمها في جناحه
فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا حتى سمع سكان السماء
أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ثم قلبها، فأرسلها إلى الأرض منكوسة ودمدم
بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها ثم أتبعها حجارة من سجيل(٤).
وقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات، سدوم وهي العظمى، وصعبة،
وصعود، وغمة، ودوما، احتملها جبريل بجناحه ثم صعد بها حتى إِن أهل السماء الدنيا ليسمعون
نابحة كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى:
﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَزْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات (٥).
وقال السدي: لما أصبح قوم لوط نزل جبريل، فاقتلع الأرض من سبع أرضين فحملها حتى
بلغ بها السماء حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم
[النجم] ومن لم يمت حتى سقط للأرض أمطر الله عليه وهو
فذلك قوله: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَّةَ أَهْوَى
تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذاً في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدث
فيأتيه الحجر، فيقتله فذلك قوله رَك: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيَّهِم﴾ [الأعراف: ٨٤] أي: في القرى حجارة
من سجيل، هكذا قال السدي(٦).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، والرواية من الإسرائيليات.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة، ورواه بلاغاً من الإسرائيليات.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود وهو ضعيف.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف قال محمد بن كعب: حُدثت أن نبي الله وَ الر ... فذكره بنحوه، وهو مرسل.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.

٤٦٦
• سُورَةُهُوَّدٍ (٨٤، ٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقوله: ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الَِّينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي: وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه،
وقد ورد في الحديث المروي في السنن من حديث [عمرو بن أبي عمرو] (١) عن ابن عباس
مرفوعاً: ((من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به))(٢)
.
وذهب الإمام الشافعي في قول عنه وجماعة من العلماء إلى أن اللائط يقتل سواء كان محصناً
أو غير محصن عملاً بهذا الحديث.
وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق، ويُتبع بالحجارة كما فعل الله بقوم لوط(٣)،
والله سبحانه وتعالى أعلم [بالصواب] (٤).
﴿﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأْ قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا نَنَقُصُواْ
الْمِكْيَلَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَّ أَرَئِكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ
يقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام
قريباً من معان(٥). بلاداً تعرف بهم يُقال لها: مدين، فأرسل الله إليهم شعيباً وكان من أشرفهم
نسباً، ولهذا قال: ﴿أَخَاهُرْ شُعَيْبًا﴾ يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وينهاهم عن
التطفيف في المكيال والميزان ﴿إِنِّّ أَرَنِكُم بِخَيْرٍ﴾ أي: في معيشتكم ورزقكم، وإني أخاف أن
تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله ﴿وَإِنِّ أَغَفُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ [أي] (٦) في
الدار الآخرة.
﴿وَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى
اُلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِينَّ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ (﴾﴾.
ينهاهم أولاً عن نقص المكيال والميزان إِذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن
بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العبث في الأرض بالفساد، وقد كانوا يقطعون الطريق.
وقوله: ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قال ابن عباس: رزق الله خير لكم(٧).
وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس(٨).
وقال الربيع بن أنس: وصية الله خير لكم(٩).
(١) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: ((عمرو بن عمر)) وهو تصحيف.
(٢) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة الأعراف آية ٨٤.
(٣) ذكره الحافظ ابن كثير أوسع من هذه الأقوال في تفسير سورة الأعراف آية ٨٤.
(٤) زيادة من (حم) و(مح).
(٦) زيادة من (حم) و(مح).
(٥) معان تقع في جنوب عمان في الأردن.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سفيان عمن ذكره عن ابن عباس، وفيه إبهام شيخ سفيان وشيخ
شيخه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حُميد الطويل عن الحسن.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.

٤٦٧
• سورة هودٍ (٨٧، ٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال مجاهد: طاعة الله(١).
(٢)
وقال قتادة: حظکم من الله خیر لکم
.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الهلاك في العذاب والبقية في الرحمة(٣).
وقال أبو جعفر بن جرير: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل
والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس قال: وقد روي هذا عن ابن عباس(٤).
قلت: ويشبه قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالَّيْبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية
[المائدة: ١٠٠] وقوله: ﴿وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك لله رَّ
لا تفعلوه ليراكم الناس بل لله رب .
﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤُّأَ
إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
يقولون له على سبيل التهكم - قبحهم الله -: ﴿أَصَلَوْتُكَ﴾ قال الأعمش: أي قراءتك(٥).
﴿َتَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآَ﴾ أي: الأوثان والأصنام ﴿أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتؤًا﴾ فتترك
التطفيف على قولك، وهي أموالنا نفعل فيها ما نريد.
قال الحسن في قوله: ﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ أَنْ تَقْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾: أي والله إِن صلاته لتأمرهم
أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم(٦).
وقال الثوري في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَكؤًا﴾: يعنون الزكاة(٧).
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وابن أسلم وابن
جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء، قبحهم الله ولعنهم عن رحمته، وقد فعل.
2- ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَبٍ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى
مَآ أَنْهَنكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
M
يقول لهم: هل رأيتم يا قوم إِن كنت ﴿عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَبِ﴾ أي: على بصيرة فيما أدعو إِليه
﴿وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل: أراد النبوة. وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين(٨). ﴿وَمَآ
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد.
(٤) ذكره الطبري بنحوه وقال: وهذا قول روي عن ابن عباس غير مرتضى عند أهل النقل. اهـ. ولم يذكر
السند.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سفيان الثوري عن الأعمش.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن الحسن، وهو البصري.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عيسى بن جعفر عن سفيان الثوري.
(٨) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس: يقولون: إنك لست =

٤٦٨
• سُورَةُ جُودٍ (٨٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَكُمْ عَنْهُ﴾ أي: لا أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية
عنكم(١). كما قال قتادة في قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَئُكُمْ عَنَّةٌ﴾: يقول: لم أكن
أنهاكم عن أمر وأرگبه(٢)
.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُ﴾ أي: فيما آمركم وأنهاكم إنما أريد إِصلاحكم جهدي
وطاقتي ﴿وَمَا تَّوْفِيقِيّ﴾ أي: في إصابة الحق فيما أريده ﴿إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ﴾ في جميع أموري
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ أي: أرجع. قاله مجاهد وغيره(٣).
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قَزَعةَ سويد بن حُجَير
الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه أن أخاه مالكاً: قال: يا معاوية إِن محمداً أخذ جيراني
فانطلق إِليه، فإِنه قد كلمك وعرفك فانطلقت معه، فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا،
فأعرض عنه فقام مغضباً فقال: أما والله لئن فعلت إِن الناس يزعمون أنك لتأمرنا بالأمر وتخالف
إِلى غيره، وجعلت أجره وهو يتكلم فقال رسول الله وَله: ((ما تقول؟)) فقال: إنك والله لئن فعلتَ
ذلك إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: ((أو قد قالوها؟ - أي
قائلهم - ولئن فعلت ما ذاك إلا عليَّ وما عليهم من ذلك من شيء أرسلوا له جيرانه))(٤).
وقال أحمد أيضاً: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده
قال: أخذ النبي ◌َّ ناساً من قومي في تهمة، فحبسهم فجاء رجل مِن قومي إلى رسول الله وَله
وهو يخطب فقال: يا محمد علامَ تحبس جيراني؟ فصمتَ رسول الله وَلّ فقال: إن ناساً
ليقولون: إِنك تنهى عن الشيء وتستخلي به، فقال النبي ◌َّيقول: ((ما تقول؟)) قال: فجعلت أعرض
بينهما كلاماً مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبداً، فلم يزل
رسول الله بَّ﴿ حتى فهمها فقال: ((قد قالوها؟ - أو قائلها منهم - واللهِ لو فعلتُ لكانَ عليَّ وما
كان عليهم خُلُّوا عن جيرانه))(٥).
ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سليمان بن بلال،
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا
حميد وأبا أُسيد يقولون عنه وَّقيل: إنه قال: ((إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له
أشعاركم وأبشاركم، وترون أن منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره
= بحليم ولا برشيد، وقول ميمون بن مهران أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي المليح، وهو
الرقي، عنه بلفظ ((هزواً))، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين، وهو ابن داود وهو
ضعيف، بلفظ: ((يستهزئون))، وقول ابن أسلم، وهو عبد الرحمن، أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق
عبد الله وهب عن عبد الرحمن.
(١) بعد هذا النص ورد في النسخة الأزهرية حسب طبعة الشعب: وقال الثوري: ولم أجده في الأصول التي
اعتمدت عليها، بل لم أجد من أخرجه وأراه مقحماً فلم اذكره.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده بنحوه (المسند ٢١٨/٣٣ ح٢٠٠١٤) وحسّن سنده محققوه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٣/٣٣ ح ٢٠٠١٩) وحسّن سنده محققوه.

٤٦٩
• سُورَلُ هُوَّدٍ (٨٩، ٩٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم وترون أنه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه))(١) إِسناده صحيح.
وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث: ((إِذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب
رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك))(٢).
ومعناه - والله أعلم - مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به. ومهما يكن من مكروه فأنا
أبعدكم منه(٣).
﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنكُمْ عَنْهُ﴾ وقال قتادة عن عزرة، عن الحسن العرني، عن
يحيى بن الجزار، عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: تنهى عن الواصلة (٤)؟
قال: نعم، قالت: فعله بعض نسائك، فقال: ما حفظت وصية العبد الصالح إِذاً ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ
أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنَةً﴾(٥) .
وقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن أبي سليمان العتبي قال: كانت تجيئنا كتب
عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي، فيكتب في آخرها وما كنت من ذلك إِلا كما قال العبد
الصالح: ﴿وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾(٦) .
- ﴿وَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوَّمَ هُوٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا
قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِّ رَحِيمٌ وَدُوٌ (@)﴾.
يقول لهم: ﴿وَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِ﴾ أي: لا تحملنكم عداوتي وبغضي على الإصرار على
ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم
لوط من النقمة والعذاب.
وقال قتادة: ﴿وَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِ﴾ يقول: لا يحملنكم فراقي(٧) .
وقال السدي: عداوتي، على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما
أصابهم(٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن
الحجاج، حدثنا ابن أبي غنية، حدثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي قال:
كنت مع مولاي أمسك دابته وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان إِذ أشرف علينا من داره فقال:
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥٦/٢٥ ح١٦٠٥٨) وصحح سنده محققوه، وكذلك الحافظ ابن
کثیر .
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد (ح ٧١٣).
(٣) هذا شرح للحديث قبل السابق.
(٤) الواصله: هي المرأة التي تصل شعرها بشعر آخر، تريد طول الشعر، وتوهم أن ذلك من أصل شعرها.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. وأخرجه الإمام أحمد مطولاً وصححه الأستاذ أحمد
شاکر (المسند ح٣٩٤٥).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً عن عثمان بن أبي شيبة به.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.

٤٧٠
• سُورَةَ هُودٍ (٩١، ٩٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ﴾ يا قوم لا
تقتلوني إِنكم إِن قتلتموني كنتم هكذا وشبك بين أصابعه(١).
وقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ قيل: المراد في الزمان.
قال قتادة: يعني إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس (٢)، وقيل: في المكان، ويحتمل الأمران
﴿وَأَسْتَغْفِرُوْ رَبَّكُمْ﴾ من سالف الذنوب ﴿ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ لمن تاب.
- ﴿قَالُواْ يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَئِكَ فِينَا ضَعِيفًاً وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ
قَالَ بَقَوْمِ أَرَفْطِىّ أَعَزُّ عَلَيَكُم مِّنَ اللَّهِ وَتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِثَ رَبِّ بِمَا
٩١٦
عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ
تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
يقولون: ﴿يَشْعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ ما نفهم ﴿كَثِيرًا﴾ من قولك ﴿وَإِنَّا لَنَرَئِكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ قال سعيد بن
جبير والثوري: وكان ضرير البصر(٣).
وقال الثوري: كان يقال له: خطيب الأنبياء (٤).
[قال السدي: ﴿وَإِنَّا لَتَرَئِكَ فِنَا ضَعِيفًا﴾ قال: أنت واحد(٥).
وقال أبو روق: يعنون ذليلاً لأن عشيرتك ليسوا على دينك](٢) (٧) ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ﴾ أي:
قومك لولا معزتهم علينا لرجمناك قيل: بالحجارة وقيل: لسببناك ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي:
ليس عندنا لك معزة ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ﴾ يقول: أتتركوني لأجل قومي ولا
تتركوني إِعظاماً لجناب الربِّ تبارك وتعالى أن تنالوا نبيه بمساءة وقد اتخذتم كتاب الله ﴿وَرَآءَكُمْ
ظِهْرِيًّا﴾ أي: نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه ﴿إِنَ رَبِّ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي هو يعلم
جميع أعمالكم وسيجزيكم بها .
- ﴿وَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّ عَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ
وَآَرْتَقِبُوْاْ إِنِِّ مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَتْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
٠.
(٩٥)
الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ ﴿ كَن لَّمْ يَغْنَواْ فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ
لما يئس نبي الله شعيب من استجابتهم له قال: يا قوم ﴿أَعْمَلُواْ عَ مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: طريقتكم
وهذا تهديد شديد ﴿إِنّ عَامِلٌ﴾ على طريقتي ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، وسعيد هذا ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شريك عن سالم بن عجلان الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن
عباس، وأخرجه الحاكم من طريق شريك به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٥٦٨/٢)، وأخرجه ابن
أبي حاتم والطبري من طريق شريك به إلى سعيد بن جبير ويتقوى بسابقه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الفضل بن دُكين عن الثوري.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن السدي.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق، وبشر بن عمارة ضعيف.
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).

٤٧١
سُوْدَةُ هُودٍ (٩٦، ٩٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
كَذِبٌ﴾ أي: مني ومنكم ﴿وَأَرْتَقِبُوا﴾ أي: انتظروا ﴿إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا
جَآءَ أَقْرُنَا نَّنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَِهِمْ
جَثِمِينَ ﴾﴾ وقوله: ﴿دِيَرِهِمْ جَشِينَ﴾ أي هامدين لا حراك بهم.
وذكر ههنا أنهم أتتهم صيحة، وفي الأعراف رجفة وفي الشعراء عذاب يوم الظلة وهم أمة
واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإِنما ذكر في كل سياق ما يناسبه ففي
الأعراف لما قالوا: ﴿لَتُخْرِجَّكَ يَشْعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآَ﴾ [الأعراف: ٨٨] ناسب أن يذكر
الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إِخراج نبيهم منها، وههنا لما أساءوا
الأدب في مقالتهم على نبيهم ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا:
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿٨َ﴾ [الشعراء] قال: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ
اُلُُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] وهذا من الأسرار الدقيقة، ولله الحمد والمنة
كثيراً دائماً .
وقوله: ﴿كَن لَّ يَغْنَواْ فِيَأْ﴾ أي: يعيشوا في دارهم قبل ذلك ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كُمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.
وكانوا جيرانهم قريباً منهم في الدار وشبيهاً بهم في الكفر وقطع الطريق وكانوا عرباً شبههم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (٨٧ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِبِ قَبَّعُوْ أَغَ فِرْعَوْنٌ وَمَاً
أَقْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ﴿ وَأَتّبِعُواْ فِىِ
هَذِهِ، لَغَنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ
.
يقول تعالى مخبراً عن إِرسال موسى بآياته ودلالاته الباهرة إِلى فرعون وهو مالك ديار مصر على
أمة القبط وملئه ﴿فَبَّعُواْ أَغَ فِرْعَوْنٌ﴾ أي: منهجه ومسلكه وطريقته في الغي ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
أي: ليس فيه رشد ولا هدى. وإِنما هو جهل وضلال وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه في الدنيا وكان
مقدمهم ورئيسهم كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم، فأوردهم إياها وشربوا من حياض
رداها، وله في ذلك الحظ الأوفر، من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ
أَخْذًا وَبِيلًا (٣)﴾ [المزمل] وقال تعالى: ﴿فَّكَذَّبَ وَعَصَىِ ﴿٣) ثُمَّ أَذَبَرَ يَتْعَى
! فَقَالَ أَنَاْ رَبِّكُمُ
فَحَشَرَ فَنَادَى
س﴾ [النازعات].
اُلْأَعْلَىِ ﴿َ فَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَ
وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوَّمَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارِّ وَبِئْسَ اُلْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (﴾﴾﴾ وكذلك شأن
المتبوعين يكونون موفورين في العذاب يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: ٣٨] وقال تعالى إِخباراً عن الكفرة أنهم يقولون في النار: ﴿رَبَّنَا إِنََّ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبِرَاءَنَا
رَبََّآ ءَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا (٣)﴾ [الأحزاب].
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا.
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أبو الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وقال: ((امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار))(١).
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/١٢ ح ٧١٢٧) قال محققوه: إسناده ضعيف جداً. اهـ. وذلك
لضعف أبي الجهم.

٤٧٢
◌ُورَةُ جُودٍ (١٠٠، ١٠٢)
وقوله: ﴿وَأَتَّبِعُواْ فِ هَذِهِ، لَغَنَةُ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ الآية، أي: أتبعناهم زيادة على عذاب النار
لعنة في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة فتلك
لعنتان(١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿بِئْسَ الْرِفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال: لعنة الدنيا والآخرة(٢)
وكذا قال الضحاك وقتادة(٣)، وهو كقوله: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةُ بَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ لَا
يُصَرُونَ ﴿﴿ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ هَذِهِ الدُّنْيَا لَغْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴾﴾ [القصص] وقال
تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدِْلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اُلْعَذَابِ
[غافر].
] ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُمُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآَبِمٌ وَحَصِيدٌ ﴿ وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُواْ
أَنْفُسَهُمَّ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَيِكٌ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ
تَنْپیپٍ
لما ذكر تعالى خبر الأنبياء وما جرى لهم من أممهم، وكيف أهلك الكافرين ونجى المؤمنين؟
قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ أي أخبارهم ﴿نَقُضُهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآبِءٌ﴾ أي: عامر ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أي:
هالك ﴿وَمَا ظَلَمَنَهُمْ﴾ أي: إِذ أهلكناهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوَأْ أَنْفُسَهُمّ﴾ بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم ﴿فَمَآَ
أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَلِهَتُهُمُ﴾ أوثانهم التي يعبدونها ويدعونها ﴿مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ﴾ ما نفعوهم ولا
أنقذوهم لما جاء أمر الله بإِهلاكهم ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ﴾ .
قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير تخسير (٤).
وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان باتباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها، فبهذا أصابهم
ما أصابهم، خسروا بهم في الدنيا والآخرة.
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدُ
يقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا كذلك نفعل بأشباههم ﴿إِنَّ
أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، وفي الصحيحين عن أبي موسى ◌َُّه قال: قال رسول الله وَّ: ((إِن الله ليملي
للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ رسول الله وَله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ
ظَالَِةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ (َ﴾(٥).
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وجويبر هو ابن سعيد الأزدي متروك،
وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٥) تقدم تخريجه في سورة هود آية رقم ٢٠.

٤٧٣
سُورَةُ هُودٍ (١٠٣، ١٠٥)
00000000000000000000000000000000000000000000000 000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةُ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَوَّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ
٢٠٥)
وَمَا تُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودِ ﴿٣ يَوْمَ بَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ
لَآيَةُ﴾ أي: عظة
يقول تعالى: إن في إِهلاكنا الكافرين ونصرة الانبياء وإِنجائنا المؤمنين
واعتباراً على صدق موعودنا في الآخرة ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
وَلَسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ
الْأَشْهَدُ ﴾﴾ [غافر] وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَتُلِكَنَّ الَِّمِينَ
بَعْدِهِمَّ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَفَ وَعِيدِ ﴾﴾ [إبراهيم] وقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ﴾ أي:
أولهم وآخرهم كما قال: ﴿وَحَشَرْنَهُمْ فَمَّ تُغَادِرٌ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُورُ﴾ أي: عظيم تحضره الملائكة ويجتمع فيه الرسل وتحشر الخلائق بأسرهم
من الإنس والجن والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيه العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة وإن
تك حسنة يضاعفها .
وقوله: ﴿وَمَا تُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُونِ (٣)﴾ أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت
كلمة الله في وجود أناس معدودين من ذرية آدم وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود
١٠٤
أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة ولهذا قال: ﴿وَمَا نُؤَخِرُهُ، إِلَّا لِأَجَلِ تَعْدُودٍ
أي: لمدة
٠
مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينتقص منها ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي: يوم يأتي هذا اليوم
وهو يوم القيامة لا يتكلم أحد يومئذٍ إلا بإذن الله كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَتِكَةُ صَفَّا لَا
يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (®﴾ [النبأ] وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا
هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨].
وفي الصحيحين من حديث الشفاعة: ((ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذٍ: اللهم
سلّم سلّم))(١).
وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أي: فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد كما قال: ﴿فَرِيقٌ فِى
الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا موسى بن حيّان، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا
سليمان بن سفيان، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر قال: لما نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ
وَسَعِيدٌ﴾ سألت النبي وَّ فقلت: يا رسول الله، علامَ نعمل؟ على شيء قد فرغ منه أم على شيء لم
يفرغ منه؟ فقال: ((على شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له))(٢).
ثم بيّن تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال:
(١) صحيح البخاري، الأذان، باب فضل السجود (ح٨٠٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية
(ح ١٨٣).
(٢) أخرجه الترمذي من طريق سليمان بن سفيان به وحسنه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة هود
ح٣١١١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح٢٤٨٦) وفي سنده سليمان بن سفيان ضعيف كما
في التقريب ولكنه روي من طرق أخرى ذكرها الألباني في تخريج السنة لابن أبي عاصم (ح١٦١ - ١٦٥)،
ولهذا صححه وأخرجه الإمام أحمد من طريق عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر عن عمر بنحوه
(المسند ٣٢٦/١ ح١٩٦)، قال محققوه: حسن لغيره.

٤٧٤
سورة هودٍ (١٠٦، ١٠٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
] ﴿فَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِىِ النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقُ
خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ
١٠٦)
إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ الَّـ
يقول تعالى: ﴿لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِينٌ﴾ قال ابن عباس: الزفير في الحلق، والشهيق في
الصدر(١). أي تنفسهم زفير وأخذهم النفس شهيق، لما هم فيه من العذاب، عياذاً بالله من ذلك.
أَخَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ .
قال الإمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبداً
قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، وكذلك يقولون: هو باقٍ ما اختلف الليل والنهار،
((وما سمر أبناء سَمير))(٢)، ((وما لألأت العُفرُ بأذنابها))(٣) يعنون بذلك كلمة ((أبداً)) فخاطبهم جلَّ
ثناؤه بما يتعارفونه بينهم فقال: ﴿خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾(٤).
(قلت): ويحتمل أن المراد بما دامت السموات والأرض الجنس، لأنه لا بدّ في عالم الآخرة
من سموات وأرض كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ولهذا
قال الحسن البصري في قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: يقول: سماء غير هذه السماء،
وأرض غير هذه فما دامت تلك السماء وتلك الأرض(٥).
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس
قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: لكل جنة سماء وأرض(٦).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما دامت الأرضُ أرضاً والسماءُ سماءً(٧).
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّا مَا
شَآءَ أَللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].
وقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة حكاها الشيخ أبو الفرج بن
الجوزي في كتابه زاد المسير(٨)، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيراً منها الإمام أبو جعفر بن
جرير تَخْلَثُ في كتابه واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وابن سنان(٩).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يلق ابن عباس، ويشهد
له ما رواه الطبري بسند جيد عن أبي العالية بلفظه.
(٢) هذا مثل من أمثال العرب المشهورة، ومعناه: هم الناس يسحرون طوال الليل (ينظر: المستقصى في أمثال
العرب ٢٤٩/٢).
(٣) هذا أيضاً مثل من الأمثال المشهورة، ومعناه: استمرار تحريك الظباء أذنابها (ينظر: مجمع الأمثال للميداني
١٧٤/٣).
(٤) ذكره الطبري بلفظه وزيادة: والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبداً.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً عن مبارك بن فضالة عن الحسن.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم معلقاً عن سفيان بن حسين به.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.
(٨) زاد المسير ١٦٠/٤.
(٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق معاوية بن صالح، عن عامر بن جشيب عن خالد بن
معدان، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول أبي سنان أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو
محمد بن حميد الرازي، ضعيف، ويشهد له ما سبق.

٤٧٥
• سُورَةُ هُودٍ (١٠٨)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضاً: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل
التوحيد ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حتى
يشفعون في أصحاب الكبائر ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين فتخرج من النار من لم يعمل خيراً
قط، وقال يوماً من الدهر: لا إله إلا الله كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن
رسول الله ◌َّ* بمضمون ذلك من حديث أنس (١)، وجابر(٢)، وأبي سعيد(٣)، وأبي هريرة(٤)،
وغيرهم من الصحابة ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له
عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديماً وحديثاً في تفسير هذه الآية الكريمة.
وقد روي في تفسيرها عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة
وعبد الله بن عمرو وجابر وأبي سعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من
التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة في أقوال
غريبة وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي (٥)،
ولكن سنده ضعيف، والله أعلم.
وقال قتادة: الله أعلم بشياه (٦).
خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا
﴾ [النساء: ٥٧](٧).
پ
وقال السدي: هي منسوخة بقوله:
. وَأَمَّا أَلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبِّكٌ عَطَّةٍ
غَیْرَ مَجْذُونٍ
يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ وهم أتباع الرسل ﴿فَفِى الْجَنَّةِ﴾ أي فمأواهم الجنة ﴿خَلِينَ
فِيَهَا﴾ أي ماكثين مقيمين فيها أبداً ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ معنى الاستثناء ههنا
أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمراً واجباً بذاته بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله
المنة عليهم دائماً، ولهذا يُلهمون التسبيح والتحميد كما يُلهمون النفس.
وقال الضحاك والحسن البصري: هي في حق عصاة الموحدين الذين كانوا في النار ثم
أخرجوا منها(٨).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم
بسند فيه رجال مسكوت عنهم، ويشهد لهما ما تقدم في روايات الطبري.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلُّهَا﴾ [البقرة: ٣١] (ح ٤٤٧٦).
(٣) تقدم قبل صفحتين وهو في الصحيحين.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، الفضائل، باب تفضيل نبينا محمد رَية (ح٢٢٧٨).
(٥) المعجم الكبير (ح٧٩٦٩)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح٦٠٦).
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة، ومعناه: الله أعلم بمن يستثنى من العذاب المخلد.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أسباط عن السدي.
(٨) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه بنحوه، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم
بسند جيد من طريق سفيان بن الحسين عن الحسن البصري بنحوه.

٤٧٦
١١١،١)
(٠٩
سُورَةُ هُوْدٍ
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وعقب ذلك بقوله: ﴿عَطَآءُ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ أي: غير مقطوع، قاله مجاهد وابن عباس وأبو العالية
وغير واحد (١). لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثم انقطاعاً أو لبساً أو شيئاً، بل حتم له
بالدوام وعدم الانقطاع، كما بيّن هناك أن عذاب أهل النار في النار دائماً مردود إلى مشيئته وأنه
بعدله وحكمته عذبهم، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] كما قال: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا
يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (®﴾ [الأنبياء].
وهنا طيّب القلوب وثبت المقصود بقوله: ﴿عَطَآءُ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ .
وقد جاء في الصحيحين: ((يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم
يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت))(٢).
وفي الصحيح أيضاً: ((فيقال: يا أهل الجنة إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن
تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا
أبداً))(٣) .
2] ﴿فَلَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَا يَعْبُدُ هَؤُلَاءٍ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُّ وَإِنَّا لَمُوَقُوهُمْ
نَصِيَهُمْ غَيّرَ مَنْقُوصٍ ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَأَخْتُلِفَ فِيَةٍ وَلَوْلَا كَلِمَةُ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمّ
وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴿ وَإِنَّ كُلَّا لَّمَّا لَيُوَفِيَنَهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
يقول تعالى: ﴿فَلَ تَكُ فِ مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءٍ﴾ المشركون إنه باطل وجهل وضلال، فإنهم
إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في
الجهالات وسيجزيهم الله على ذلك أتمّ الجزاء، فيعذب كافرهم عذاباً لا يعذبه أحداً وإن كان
لهم حسنات، فقد وفّاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة.
قال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ
غَيَرَ مَنقُوصٍ﴾ قال: ما وعدوا من خير أو شر(٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم غير منقوص(٥).
ثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه فمن مؤمن به ومن كافر به، فلك بمن
سلف من الأنبياء قبلك يا محمد أسوة، فلا يغيظنَّك تكذيبهم لك ولا يهمنَّك ذلك.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب إلى
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي العالية أخرجه الطبري بسند جيد من طريق
الربيع بن أنس.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْخَسْرَةِ ... ﴾ [مريم: ٣٩] (ح ٤٧٣٠)، وصحيح مسلم، الجنة،
باب النار يدخلها الجبارون ... (ح٢٨٤٩).
(٣) أخرجه مسلم، الصحيح، الجنة، باب في دوام نعيم أهل الجنة (ح ٢٨٣٧).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي، ومعناه صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.

٤٧٧
• سُوُدَُّجُودٍ (١١٢، ١١٥)
9000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
أجل معلوم لقضى الله بينهم(١).
ويحتمل أن يكون المراد بالكلمة أنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول
إليه كما قال: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فإنه قد قال في الآية الأخرى:
فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه] ثم أخبر أن
﴿وَلَوْلَا كِمَّةٌ سَبَقَتْ مِن زَيِّكَ لَكَانَ لِزَامَا وَأَجُلٌ مُسَمَّى ◌َ
الكافرين في شك مما جاءهم به الرسول قوي فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِى شٍَّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾، ثم أخبر تعالى
أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر فقال:
﴿وَإِنَّ كُلَّا لَّمَا لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (®﴾ أي: عليم بأعمالهم جميعها جليلها
وحقيرها صغيرها وكبيرها .
وفي هذه الآية قراءات كثيرة يرجع معناه إلى هذا الذي ذكرناه كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ
لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ (®
(ت﴾ [يس].
- ﴿فَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَظْفَوْاْ إِنَُّ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرُ (9) وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى
الَّذِيِنَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَ تُصَرُونَ
يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على
النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان وهو البغي فإنه مصرعة حتى ولو كان
على مشرك، واعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء.
وقوله: ﴿وَلَا تَرَّكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تداهنوا(٢).
وقال العوفي، عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك (٣).
وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم(٤).
وقال ابن جريج، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا(٥).
وهذا القول حسن، أي لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بأعمالهم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اَللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا نُصَرُونَ﴾ أي: ليس لكم من دونه من ولي ينقذكم ولا
ناصر يخلّصكم من عذابه.
﴿وَأَقِ اٌلْضَلَوَةَ طَرَفَ النََّرِ وَزُلَفَا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِّ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَِّينَ
﴾.
وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
١١٤
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّهَارِ﴾ قال: يعني الصبح
(١) ذكره الطبري بنحوه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج به، وابن جريج لم يلق ابن عباس ﴿ها، ومعناه صحيح
واستحسنه الحافظ ابن كثير.

٤٧٨
سُورَةُ هُودٍ (١١٤، ١١٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والمغرب(١). وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (٢).
وقال الحسن - في رواية - وقتادة والضحاك وغيرهم: هي الصبح والعصر(٣).
وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره. وكذا قال محمد بن
كعب القرظي والضحاك في رواية عنه(٤) ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَيْلِّ﴾.
قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: يعني صلاة العشاء(٥).
قال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ يعني المغرب
والعشاء [قال رسول الله وَاليه: ((هما زلفتا الليل المغرب والعشاء))](٦)(٧). وكذا قال مجاهد
ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك: إنها صلاة المغرب والعشاء(٨).
وقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما كان
يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه
وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمة وثبت وجوبه عليه ثم نسخ عنه أيضاً في قول، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ﴾ يقول: إن فعل الخيرات يكفّر الذنوب السالفة كما جاء
في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال: كنت
إذا سمعت من رسول الله حديثاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدثني عنه أحد استحلفته
فإذا حلف لي صدّقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله وَلهو يقول: ((ما من
مسلم يذنب ذنباً فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غُفر له))(٩).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٢) قول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه، وقول عبد الرحمن أخرجه الطبري
بسند صحيح من طريق عبد الله وهب عنه.
(٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري
بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أفلح بن سعيد عن محمد بن كعب
القرظي بلفظ: ((فطرفا النهار، الفجر والظهر والعصر))، وأخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن
الضحاك.
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عوف الأعرابي عنه.
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).
(٧) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وسنده ضعيف لأنه مرسل.
(٨) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول محمد بن كعب أخرجه
الطبري بسند حسن من طريق أفلح بن سعيد عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن
أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، ويتقوى بما سبق.
(٩) أخرجه الإمام أحمد من طريق أسماء بن الحكم الفزاري عن علي ته (المسند ١/٢ ح١٧٩)، وصحح
مسنده محققوه وكذا أحمد شاكر، وجود إسناده الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمة أسماء بن
الحكم، وأخرجه أبو داود في سننه، الصلاة، باب في الاستغفار (ح١٥٢١)، والترمذي وحسنه في السنن،
الصلاة باب ما جاء في الصلاة عند التوبة (ح٤٠٦) وابن ماجه، السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في أن
الصلاة كفارة (ح١٣٩٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢٣٤/١.

٤٧٩
• سوداُ هُودٍ (١١٤، ١١٥)
وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان: أنه توضأ لهم كوضوء رسول الله 383 ثم
قال: هكذا رأيت رسول الله وسلم يتوضأ وقال: ((من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث
فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه))(١) .
وروى الإمام أحمد وأبو جعفر ابن جرير من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع الحارث
مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوماً وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إِناء أظنه
سيكون فيه قدر مُد فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله * يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: ((من
توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر
غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى
العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى
الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يُذهبن السيئات))(٢).
وفي الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله # أنه قال: ((أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً غمراً
يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئاً؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: ((كذلك
الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا))(٣).
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو الطاهر وهارون بن سعید قالا : حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر،
أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله # كان يقول: ((الصلوات
الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)»(٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة،
عن شريح بن عبيد، أن أبا رُهم السمعي كان يحدث، أن أبا أيوب الأنصاري حدثه، أن
رسول الله ﴿﴿ كان يقول: ((إِن كل صلاة تحظُّ ما بين يديها مِن خطيئة))(٥).
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبي، عن
ضَمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله وَله:
((جعلت الصلوات كفارات لما بينهن)) فإن الله قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََِّّاتِ﴾(٦).
(١) صحيح البخاري، الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً (ح١٥٩)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب صفة الوضوء
وكماله (ح٢٢٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٣٧/١ ح٥١٣) وحسن سنده محققوه، وصححه أحمد شاكر،
وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير الحارث وهو ثقة (مجمع الزوائد ٢٩٧/١).
(٣) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة (ح ٥٢٨)، وصحيح مسلم، المساجد
ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا (ح ٦٦٧).
(٤) صحيح مسلم، الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما
بینھن ... (ح٢٢٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٨٩/٣٨ - ٤٩٠ ح٢٣٥٠٣)، وحسّن سنده محققوه، وحسّنه
الهيثمي (مجمع الزوائد ٢٩٨/١).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه محمود شاكر والهيثمي بسبب الانقطاع بين محمد بن إسماعيل وأبيه =

٤٨٠
• سُورَةُ هُوَّدٍ (١١٤، ١١٥)
وقال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي
عثمان النهدي، عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قُبلة فأتى النبي وَ لّ فأخبره فأنزل الله:
﴿وَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النَّارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََّاتِ﴾ فقال الرجل: يا رسول الله
ألي هذا؟ قال: ((لجميع أمتي كلهم)) هكذا رواه في كتاب الصلاة(١)، وأخرجه في التفسير عن
مسدد عن يزيد بن زريع بنحوه(٢)، ورواه مسلم وأحمد وأهل السنن إِلا أبا داود من طرق عن أبي
عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن بن مل به(٣).
ورواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه من طرق عن سماك بن
حرب أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدث عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء رجل إلى
رسول الله ﴿ فقال: يا رسول الله إِني وجدت امرأة في بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم
أجامعها قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت. فلم يقل رسول الله وَليل شيئاً،
فذهب الرجل. فقال عمر: لقد ستر الله عليه، لو ستر على نفسه، فأتبعه رسول الله وَل بصره ثم
قال: ((ردّوه علي))، فردّوه عليه فقرأ عليه ﴿وَأَفِ الصَّلَوةَ طَرَفَ النََّارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ
يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ ﴾﴾ فقال معاذ، وفي رواية عمر: يا رسول الله أله وحده أم
للناس كافة؟ قال: ((بل للناس كافة))(٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد،
عن مُرّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله وَّر: (إِن الله قسم بينكم أخلاقكم
كما قسم بينكم أرزاقكم، وإِن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إِلا من
أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه،
ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه)) قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: ((غشه وظلمه، ولا
يكسب عبد مالاً حراماً فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إِلا
كان زاده إِلى النار، إِن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن يمحو السيء بالحسن، إِن الخبيث لا
يمحو الخبيث)»(٥) .
وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إِبراهيم قال: كان
فلان ابن معتب رجلاً من الأنصار فقال: يا رسول الله دخلت عليَّ امرأة، فنلتُ منها ما ينال
الرجل من أهله إلا أني لم أواقعها. فلم يدرِ رسول الله وَلّ ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية ﴿وَأَقِ
(١٤)﴾، فدعاه
اُلْضَلَوَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّاكِينَ
= فإنه لم يسمع شيئاً من أبيه (مجمع الزوائد ٢٩٩/١)، ويشهد لشطره الأول ما تقدم.
(١) صحيح البخاري، مواقيت الصلاة، باب الصلاة كفارة (ح ٥٢٦).
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفِي النََّارِ ... ﴾ [هود: ١١٤] (ح ٤٦٨٧).
(٣) صحيح مسلم، التوبة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (ح ٣٩/٢٧٦٣).
(٤) أخرجه مسلم من طريق سماك به بلفظ: ((وأني أصبت منها ما دون أن أمسها ... )) (المصدر السابق ٢٧٦٣/
٤٢) وكذا لفظ الطبري، أما اللفظ المذكور فهو رواية الإمام أحمد من طريق سماك به (المسند ح ٤٢٥٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٨٩/٦ ح ٣٦٧٢)، وضعفه محققوه لضعف الصباح بن محمد،
وكذا الأستاذ أحمد شاكر.