النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
• سُورَةُ لُونَ) (٤١، ٤٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب ولكن
جاءهم من الله ما لا قِبَل لأحد به ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام
وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به وأفهمهم له وأتبعهم له وأشدهم
له انقياداً كما عرف السحرة بعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى عليّ لا يصدر إلا عن
مؤيد مسدد مرسل من الله، وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله، وكذلك عيسىظلّ بعث في
زمان علماء الطب ومعالجة المرضى فكان يبريء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ومثل
هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه، فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله ولهذا جاء في
الصحيح عن رسول الله وسلم أنه قال: ((ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن
على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً))(١).
وقوله: ﴿بَّ كَذَُّواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِهِ، وَلَمَّا يَأْنِهِمْ تَأْوِيلُُّ﴾ يقول: بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم
يفهموه ولا عرفوه ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ﴾ أي: ولم يحصلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين
تكذيبهم به جهلاً وسفهاً ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ اٌلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم السالفة ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الَّلِينَ﴾ أي: فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلماً وعلواً وكفراً وعناداً
وجهلاً؟ فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم.
وقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية، أي: ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن
بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت به ﴿وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ بل يموت على ذلك ويبعث
عليه ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه ومن يستحق الضلالة،
فيضله وهو العادل الذي لا يجور بل يعطي كلّاً ما يستحقه، تبارك وتعالى وتقدس وتنزه
لا إله إلا هو.
٤١
- ﴿وَإِن كَذَّبُوَكَ فَقُل لِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِقُونَ مِقََّ أَعْمَلُ وَأَنْ بَرِىٌّ مِّمَا تَعْمَلُونَ
وَمَنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَنْتَ تُتْمِعُ اُلْضُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَنْتَ تَهْدِى
◌ِ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
اَلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ
٤٤
يقول تعالى لنبيه وَله: وإن كذبك هؤلاء المشركون فتبرأ منهم ومن عملهم ﴿فَقُل لِ عَمَلِ وَلَكُمْ
عَمَلُكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَيُّهَ اَلْكَفِرُونَ ﴿ لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿ وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ
وَلَّ أَنْ عَائِدٌ مَا عَبَدُ ﴿﴿ وَلَآَ أَنْتُمْ عَيِّدُونَ مَآ أَعْبُدُ جَ لَكُمْ دِيِنَّكُمْ وَلِىَ دِينِ (﴾﴾ [الكافرون]،
وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين: ﴿إِنَّا بُرَءَؤُاْ مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ
وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْتَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِالَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].
وقوله: ﴿وَمَنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكٌ﴾ أي: يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم والأحاديث
الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان، وفي هذا كفاية عظيمة ولكن ليس ذلك
(١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظ الله (صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي ...
ح ٤٩٨١)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد وَل ـ (ح١٥٢).

٤٠٢
• سُورَلُبُونس) (٤٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
إليك ولا إليهم فإنك لا تقدر على إسماع الأصم وهو الأطرش، فكذلك لا تقدر على هداية
هؤلاء إلا أن يشاء الله ﴿وَمِنْهُم مَّن يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ أي: ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة
والسمت الحسن والخلق العظيم والدلالة الظاهرة على نبوتك الأولي البصائر والنهى، وهؤلاء
ينظرون كما ينظر غيرهم ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم بل المؤمنون
ينظرون إليك بعين الوقار وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار ﴿وَإِذَا رَأَوََّكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا
هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا ﴿﴿ إِن كَادَ لَيُضِلُنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ اَلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (39)﴾ [الفرقان]. ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحداً شيئاً
وإن كان قد هدى به من هدى وبصر به من العمى وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً،
وأضلّ به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل
وهم يسألون لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ
٤٤
أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
وفي الحديث عن أبي ذرّ عن النبي ◌َّ فيما يرويه عن ربه رقيق: (يا عبادي إني حرمت الظلم
على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)) إلى أن قال في آخره: ((يا عبادي إنما هي أعمالكم
أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا
نفسه)). رواه مسلم بطوله (١).
﴿وَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمَّ قَدْ خَِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَدِ اللَّهِ وَمَا
كَانُواْ مُهْتَدِينَ
يقول تعالى مذكِّراً للناس قيام الساعة وحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة، كأنهم يوم
يوافونها لم يلبثوا في الدنيا ﴿إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّهَارِ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوَمَ بِرَوْنَهَا لَ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً
أَوْ فُحَهَا (٨٦)﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِّ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا (٨َ يَتَخَفَتُونَ
بَيْنَهُمْ إِن لَّئْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ﴿٨ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّئْتُمْ إِلَّ يَوْمًا (٣٦)﴾ [طه]
وَقَالَ
وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالْإِيَنَ لَقَدْ لَبِئْتُمْ فِ كِنَبِ اللَّهِ إِلَ يَوْمِ الْبَعْثِّ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُمْ لَا
تَعْلَمُونَ (@)﴾ [الروم].
وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدارة الآخرة كما قال: ﴿قَلَ كَمْ لَبِئْتُمْ فِ الْأَرْضِ
عَدَدَ سِنِينَ
قَالُواْ لِْنَا يَوْمَّا أَوْ بَّضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعَّذِينَ ﴿٨ قَكَلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِلًاٌ لَّوْ أَنَّكُمْ كُمْ
تَعْلَمُونَ ﴾ [المؤمنون].
وقوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرف الأبناء الآباء والقرابات بعضهم لبعض كما كانوا في الدنيا
ولكن كل مشغول بنفسه ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [المؤمنون: ١٠١] وقال تعالى:
﴿وَلَا يَشْثَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴿ يُصَرُونَهُمْ بَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِلِ بِبَنِهِ ﴿ وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُوِ ﴿ وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُجِهِ ﴿ كَّ﴾ [المعارج].
(١) صحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الظلم (ح ٢٥٧٧).

٤٠٣
سُورَلُ كُونَ (٤٦، ٥٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
(١٥)
وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَِّ الَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
[المرسلات] لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ولا خسارة
أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة.
2- ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ اَلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَوَقَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ
وَلِكُلِّ أُمٍَّ رَّسُولٌ فَإِذَا جَلَّمَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (﴾﴾.
٤٦٦
يقول تعالى مخاطباً لرسوله وَله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾ أي: ننتقم منهم في حياتك لتقر
عينك منهم ﴿أَوْ تَوَقََّّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: مصيرهم ومنقلبهم، والله شهيد على أفعالهم بعدك.
وقد قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا أبو بكر الحنفي،
حدثنا داود بن الجارود، عن أبي السليل، عن حذيفة بن أسيد، عن النبي وَّر قال: عُرضت عليّ
أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها، فقال رجل: يا رسول الله عُرض عليك من خلق
فكيف من لم يخلق؟ فقال: صوروا لي في الطين حتى أني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم
بصاحبه(١). ورواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن عقبة بن مكرم، عن يونس بن بكير،
عن زياد بن المنذر، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد به نحوه(٢).
وقوله: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَلّمَ رَسُولُهُمْ﴾ قال مجاهد: يعني يوم القيامة(٣) ﴿قُضِىَ بَيْنَهُم
بِالْقِسْطِ ﴾ الآية، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَتِهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجَِّْ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ
وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٣)﴾ [الزمر]، فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها وكتاب
أعمالها من خير وشر موضوع شاهد عليهم وحفظتهم من الملائكة شهود أيضاً أمة بعد أمة وهذه
الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق إلا أنها أول الأمم يوم القيامة يفصل بينهم ويقضى
لهم، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله وسلم أنه قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة
المقضى لهم قبل الخلائق)) (٤). فأُمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها صلوات الله وسلامه
عليه دائماً إلى يوم الدين.
﴿ قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرَّا وَلَ نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ
﴿وَيَقُولُونَ مَنَى هَذَا اٌلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُ بَيَنَّا أَوْ
٤٩٦
اللَّهُ لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ
نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنُ بِّهِ ءَالَْنَ وَقَدْ كُم بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ ﴿٨ ثُمَّ قِيْلَ
لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُدّدِ هَلْ تُجْزَوّنَ إِلَّا بِمَا كُمْ تَكْسِبُونَ
يقول تعالى مخبراً عن كفر هؤلاء المشركين في استعجالهم العذاب وسؤالهم عن وقته قبل
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٨١/٣ ح ٣٠٥٥)، وسنده ضعيف جداً، لأن زياد بن المنذر
كذاب (مجمع الزوائد ٦٩/١٠).
(٢) أخرجه الطبري بسنده نحوه (المصدر السابق ح ٣٠٥٤)، وسنده كسابقه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ◌ُته (الصحيح، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح٨٥٦).

٤٠٤
• سُودَةُ يُونسر (٥٣، ٥٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
التعيين مما لا فائدة لهم فيه كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا
وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] أي: كائنة لا محالة وواقعة وإن لم يعلموا وقتها عيناً، ولهذا
أرشد تعالى رسوله وَله إلى جوابهم فقال: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا﴾ الآية، أي: لا أقول
إلا ما علمني، ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يطلعني الله عليه، فأنا عبده ورسوله
إليكم، وقد أخبرتكم بمجيء الساعة، وأنها كائنة ولم يطلعني على وقتها ولكن ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُ﴾
أي: لكل قرن مدة من العمر مقدرة، فإذا انقضى أجلهم ﴿فَلَا يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِعُونَ﴾ كما
قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَا﴾ الآية [المنافقون: ١١] ثم أخبر أن عذاب الله
سيأتيهم بغتةً فقال: ﴿قُلْ أَرَدَيْتُمْ إِنْ أَتَنَكُمْ عَذَابُهُ بَيَتَّا أَوْ نَهَارًا﴾ أي: ليلاً أو نهاراً ﴿مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ
اٌلْمُجْرِمُونَ ® أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِّهَ ءَالَْنَ وَقَدْ كُم بِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾﴾ يعني: أنهم إذا جاءهم
العذاب قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وقال تعالى:
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا
﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ
رَأَوْ بَأْسَنَّ سُنَّتَ اَللَّهِ الَّتِ قَدْ خَلَتْ فِ عِبَادِهِهُ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَفِرُونَ (٥﴾﴾ [غافر].
﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ أي: يوم القيامة يقال لهم هذا تبكيتا وتقريعاً كقوله: ﴿يَوْمَ
أَفَسِحْرُّ هَذَا أَمْ أَنْتُرْ لَا نُبْصِرُونَ
ـ) هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (وَلَـ
يُدَعُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًا
أَصْلَوْهَا فَأَصْبِرُواْ أَوْ لَا تَصْبِرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوَّنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (49)﴾ [الطور].
وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ
﴿وَيَسْتَُّونَكَ أَحَقُّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَّ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ
مَا فِى الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابِّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
.
٥٤
يقول تعالى ويستخبرونك: ﴿أَحَقُّ هُوَّ﴾ أي: المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام
تراباً ﴿قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقِّ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: ليس صيرورتكم تراباً بمعجز الله عن إعادتكم
كما بدأكم من العدم ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًّا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (َ﴾﴾﴾ [يس].
وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من
أنكر المعاد في سورة سبأ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأْتِيَنَا السَّاعَةٌ قُلْ بَى وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ﴾ [٣]، وفي
التغابن: ﴿َزَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنْ لَّنْ يُبْعَنُوْ قُلْ بَى وَرَبٍ ◌َُعَثُنَّ نُمَّ لَنُوَنَّ بِمَا عَمِلْ وَلِكَ عَلَى الَهِ يَسِيرٌ
ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهباً
﴿وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوَأْ الْعَذَابِّ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالحق ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ .
هُوَ
] ﴿أََّ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ أَلَّ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
يُحِى، وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْحَعُونَ
٥٦
يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأن وعده حق كائن لا محالة، وأنه يحيي ويميت
وإليه مرجعهم، وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض
والبحار والقفار، [سبحانه وتعالى تقدست أسماؤه وجلّ ثناؤه](١).
(١) زيادة من (حم).

٤٠٥
• سُورَةُ يُونَ) (٥٧، ٦٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000 000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 00
] ﴿َأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ
(٥٨)
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
OV
يقول تعالى ممتناً على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ
جَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّيَّكُمْ﴾ أي: زاجر عن الفواحش ﴿وَشِفَاءٌ لِّمَا فِىِ الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه
والشكوك، وهو: إزالة ما فيها من رجس ودنس.
﴿وَهُدَى وَرَحْمَةً﴾ أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى وإنما ذلك للمؤمنين به
والمصدقين الموقنين بما فيه كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينُّ وَلَا يَزِيدُ
الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا
﴾ [الإسراء]، وقوله: ﴿قُلٌ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدِّى وَشِفَاءٌ﴾ الآية [فصلت:
٤٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فِذَلِكَ فَلَيَفْرَحُوا﴾ أي: بهذا الذي جاءهم من الله من
الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ أي: من حطام
الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة، كما قال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية
وذكر بسنده عن بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو: سمعت أيفع بن عبد الكلاعي يقول: لما
قدم خراج العراق إلى عمر رظُبه خرج عمر ومولى له، فجعل عمر يعدُّ الإبل، فإذا هي أكثر من
ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله تعالى. ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال
عمر: كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الآية، وهذا مما
يجمعون(١). وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني فرواه عن أبي زرعة الدمشقي، عن حيوة بن
شريح، عن بقية ... فذكره(٢).
] ﴿قُلْ أَرَيْتُم ◌َّ أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلًا قُلْءَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْـ
عَلَى اَللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
٦٠
النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: نزلت إنكاراً
على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايل(٣)، كقوله تعالى:
﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا ... ﴾ الآيات [الأنعام: ١٣٦].
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت أبا
الأحوص - وهو: عوف بن مالك بن نضلة - يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله وَ ل وأنا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه بقية لم يصرح بالسماع، وكذلك رواه ابن أبي حاتم معلقاً، وفيه
أيفع: وهو ضعيف (التقريب ص١١٧)، فسنده ضعيف.
(٢) في سنده أيضاً أيفع، فسنده ضعيف.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند
صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه،
وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام اسم شيخ الطبري، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه
الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.

٤٠٦
• سُؤُرَُّ لُونِسَ (٥٩، ٦٠)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
رتُ(١) الهيئة فقال: ((هل لك مال؟)) قلت: نعم. قال: ((من أي المال؟)) قال: قلت: من كل
المال من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: ((إذا آتاك الله مالاً فَلْيُرَ عليك)). قال: ((هل تنتج
إبلك صحاحاً آذانها، فتعمدَ إلى موسى فتقطع آذانها، فتقول: هذه بُحُر(٢)، وتشق جلودها
وتقول: هذه صُرُم(٣)، وتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال: نعم. قال: فإن ما آتاك الله لك حل
ساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحدٌّ من موساك ... )) وذكر تمام الحديث(٤). ثم رواه عن
سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص(٥)، وعن بهز بن أسد،
عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص به (٦). وهذا حديث جيد قوي
الإسناد.
وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحلَّ الله أو أحلَّ ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لا
مستند لها ولا دليل عليها ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
اُلْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: ما ظنهم إن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ قال ابن جرير: في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا(٧) .
قلت: ويحتمل أن يكون المراد لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في
الدنيا ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضارٌّ لهم في دنياهم أو دينهم ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ بل
يحرمون ما أنعم الله به عليهم ويضيقون على أنفسهم فيجعلون بعضاً حلالاً وبعضاً حراماً، وهذا
قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم.
وقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا
رباح، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا موسى بن الصباح في قوله وَك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ
عَلَى النَّاسِ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله رَك، فيقومون بين يدي الله رحمك ثلاثة
أصناف، فيؤتى برجل من الصنف الأول، فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: يا ربِّ خلقت
الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها، فأسهرت
ليلي وأظمأت نهاري شوقاً إليها. قال: فيقول الله تعالى: عبدي إنما عملت للجنة هذه الجنة
فادخلها، ومن فضلي عليك قد أعتقتك من النار، ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي، فيدخل
هو ومن معه الجنة.
قال: ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: يا ربِّ خلقت ناراً
وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها،
(١) كذا في الأصول، وفي المسند: قشف، ومعناهما واحد.
(٢) بُحُر: جمع بحيرة، وتقدم تعريفها في سورة المائدة.
(٣) صُرُم: صريمة، وهي التي صُرمت آذانها .
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٢٢/٢٥ - ٤٢٤)، وصحح سنده محققوه.
(٥) المسند ٤ /١٣٧.
(٦) المسند ٤٧٣/٣، وقال الحافظ ابن كثير: جيد قوي الإسناد.
(٧) ذكره الطبري مطولاً .

٤٠٧
• سُؤَلُ يُونَ) (٦١، ٦٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفاً منها. فيقول: عبدي إنما عملت ذلك خوفاً من ناري، فإني
قد أعتقتك من النار، ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي، فيدخل هو ومن معه الجنة.
ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: ربِّ حباً لك وشوقاً
إليك، وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقاً إليك وحُبًّا لك. فيقول تبارك وتعالى:
عبدي إنما عملت حُبًّا لي وشوقاً إليَّ، فيتجلى له الربُّ جلَّ جلاله ويقول: ها أنا ذا فانظر إليَّ ثم
يقول: من فضلي عليك أن أعتقك من النار وأبيحك جنتي وأزيرك ملائكتي وأسلم عليك بنفسي
فيدخل هو ومن معه الجنة(١).
﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ
تُفِيضُونَ فِيَةٍ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ زَّيِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرَ
إِلَّا فِ كِتَبٍ مُبِينٍ
يخبر تعالى نبيه # أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان
ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في
الأرض، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله: ﴿﴿﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا
هُوَّ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ◌ُظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِ
إِلَّا فِي كِتَبٍ مُِّينٍ ﴾﴾ [الأنعام] فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك
الدواب السارحة في قوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ الآية
[الأنعام] وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَةٍ فِ الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية [هود: ٦].
وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء، فكيف علمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة؟
كما قال تعالى: ﴿وَتَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿ الَّذِى يَرَكَ حِينَ تَقُ ﴿ وَتَقَلُبَكَ فِي السَِّدِينَ
٢١٩)
[الشعراء]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا
عَلَيَّكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيةٍ﴾ أي: إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون،
ولهذا قال * لما سأله جبريل عن الإحسان: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه
يراك)) (٢).
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
] ﴿أَّ إِنَ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيَّهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ◌ََ
لَهُمُ الْبُشْرَىْ فِ اُلْحَيَوَةِ اُلُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ
٦٤
يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم به، فكل من كان تقياً كان لله
ولياً أنه ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما
وراءهم في الدنيا .
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده معضل لأن موسى بن الصباح تابع تابعي، ومثل هذه الرواية لا
تؤخذ إلا من أقوال الصحابة وأحاديث النبي ◌َؤها.
(٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة الأعراف آية ١٨٧.

٤٠٨
• سُوَّلُ لُونَ) (٦١، ٦٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف: أولياء الله: الذين إذا رُؤوا
ذُكر الله(١).
وقد ورد هذا في حديث مرفوع كما قال البزار: حدثنا علي بن حرب الرازي، حدثنا محمد بن
سعيد بن سابق، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري - وهو: القمي -، عن جعفر بن أبي المغيرة،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله مَن أولياء الله؟ قال: ((الذين إذا
رُؤوا ذكر الله))(٢). ثم قال البزار: وقد روي عن سعيد مرسلاً.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو فضيل، حدثنا أبي، عن عمارة بن
القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة ﴿به قال: قال
رسول الله ◌َله: ((إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء)) قيل: من هم يا رسول الله لعلنا
نحبهم؟ قال: ((هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور
لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس)) ثم قرأ: ﴿أَلََّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (9)﴾(٣).
ثم رواه أيضاً أبو داود من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن
جرير، عن عمر بن الخطاب ﴿به، عن النبي وَل بمثله(٤). وهذا أيضاً إسناد جيد إلا أنه منقطع
بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب، والله أعلم.
وفي حديث الإمام أحمد عن أبي النضر، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب،
عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ويليقول: ((يأتي من أفناء
الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا في الله، يضع الله
لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا
خوف عليهم ولا هم يحزنون ... ))(٥)، والحديث مطول.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان بن أبي
(١) قول ابن مسعود أخرجه ابن أبي الدنيا (الأولياء ص٦٢)، والطبري، والطبراني (المعجم الكبير ١٠
ح١٠٤٧٦)، كلهم من طريق زيد بن الحُباب عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل
عنه، وزيد بن الحُباب صدوق يخطئ في حديث الثوري (التقريب ص٢٢٢)، ولکن له شواهد فسنده حسن،
إذ أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني (المعجم الكبير ١٣/١٢ ح ١٢٣٢٥) بسند حسن من طريق سعيد بن جبير
عن ابن عباس.
(٢) ذكره الهيثمي وعزاه إلى البزار والطبراني وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ٨١/١٠) وفي
سنده يعقوب بن عبد الله الأشعري وهو صدوق يهم كما في التقريب، ولعله هو الذي رفعه فإن الوقف أصح.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه محمود شاكر، وأخرجه ابن حبان من طريق عمارة بن القعقاع به
(الإحسان ٣٣٢/٢)، وصحح سنده محققه، وكذا أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/
١٧٠)، ونسبه العراقي إلى النسائي في الكبرى ثم صححه (إتحاف السادة ١٧٤/٦) وهو في السنن الكبرى،
كتاب التفسير (ح١١٢٣٦)، وقد روي من طرق أخرى كما يلي.
(٤) السنن، البيوع، باب في الرهن (ح ٣٥٢٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠١٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده نحوه (المسند ٣٧/ ٥٤٠، ٥٤١ ح ٢٢٩٠٦)، وضعفه محققوه لضعف شهر بن
حوشب .

٤٠٩
• سُورَةُيُونَ) (٦١، ٦٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
◌َُّ عن النبيِ وَّ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
صالح، عن رجل، عن أبي الدرداء
وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ قال: ((الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له))(١).
وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن
عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَفِي الْأَخِرَةِ﴾ قال: سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية فقال: لقد سألت عن شيء ما سمعت
أحداً سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله ﴿ فقال: ((هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم
أو ترى له بشراه في الحياة الدنيا وبشراه في الآخرة الجنة))(٢).
ثم رواه ابن جرير عن سفيان، عن ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر
أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية ... فذكر نحو ما تقدم(٣).
ثم قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن المنهال، حدثنا حماد بن زيد، عن
عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح قال: سمعت أبا الدرداء سئل عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ ... فذكر نحوه سواء (٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن عبادة بن
الصامت أنه سأل رسول الله ﴿*، فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى
الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾؟ فقال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي - أو قال:
أحد قبلك -، تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو تُرى له)»(٥). وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن
عمران القطان، عن يحيى بن أبي كثير به. ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير ... فذكره.
ورواه علي بن المبارك عن يحيى، عن أبي سلمة قال: نُبئنا عن عبادة بن الصامت سأل
رسول الله ◌َ عن هذه الآية ... فذكره(٦).
وقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عمر بن عمرو بن
عبد الأحموسي، عن حميد بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت فقال: آية في
كتاب الله أسألك عنها قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾. فقال عبادة: ما سألني عنها
أحد قبلك، سألت عنها نبي الله فقال مثل ذلك: ((ما سألني عنها أحد قبلك الرؤيا الصالحة يراها
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤٥/٦)، وسنده ضعيف لإبهام الراوي عن أبي الدرداء
وله شواهد تقوية تأتي في الروايات التالية.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده كسابقه.
(٣) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وسنده كسابقه.
(٤) أخرجه الطبري بسنده بنحوه، وأخرجه الترمذي من طريق حماد بن زيد به (السنن، التفسير، سورة يونس
ح٣١٠٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٨٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦٣/٣٧ ح ٢٢٦٨٨)، وقال محققوه: صحيح لغيره. أي بالشواهد
لأن أبا سلمة لم يسمع من عُبادة ربه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح١٧٨٦).
(٦) أخرجه الطيالسي من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: نبئت أن عبادة بن الصامت ... (المسند ص٧٩
ح ٥٨٣)، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبادة وصححه ووافقه الذهبي
(المستدرك ٣٤٠/٢).

٤١٠
سُؤْرَةُ تُونَ) (٦١، ٦٤)
العبد المؤمن في المنام أو تُرى له))(١).
ثم رواه من حديث موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان، عن عبادة بن الصامت
أنه قال لرسول الله وَله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ فقد عرفنا بشرى الآخرة
الجنة فما بشرى الدنيا؟ قال: ((الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له وهي جزء من أربعة وأربعين
جزءاً أو سبعين جزءاً من النبوة))(٢).
وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا بهز، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران، عن عبد الله بن
الصامت، عن أبي ذرِّ أنه قال: يا رسول الله الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه
به. فقال رسول الله وَ له: ((تلك عاجل بشرى المؤمن))(٣) رواه مسلم(٤).
وقال أحمد أيضاً: حدثنا حسن - يعني: الأشيب -، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا درَّاج، عن
عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله وَ له أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ قال: ((الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من تسعة وأربعين جزءاً من النبوة، فمن رأى
ذلك فليخبر بها، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثاً
وليكبر ولا يخبر بها أحداً))(٥) لم يخرجوه.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، أن درَّاجاً أبا
السمح حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله وَّر أنه قال: ((لهم
البشرى في الحياة الدنيا الرؤيا الصالحة، يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة»(٦).
وقال - أيضاً -: حدثني محمد بن أبي حاتم المؤدب، حدثنا عمار بن محمد، حدثنا
الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآَخِرَةِ﴾ قال: ((في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له، وهي في الآخرة الجنة)).
ثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي
هريرة أنه قال: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، وهي من المبشرات(٧). هكذا رواه من هذه الطريق
موقوفاً .
وقال - أيضاً -: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن أبي
هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو تُرى له))(٨).
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده الأستاذ محمود شاكر.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٥٦/٥) وسنده صحيح.
(٤) الصحيح، البر والصلة، باب إذا أثنى على الصالح فهي بشرى (ح ٢٦٤٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٢١/١١ ح٧٠٤٤)، قال محققوه: صحيح لغيره، ابن لهيعة، وإن كان
في حفظه شيء متابع، وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح غير درَّاج، وهو ابن سمعان أبو السمح، وهو صدوق.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٧) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه، ويشهد لهما ما سبق.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له ما سبق، وأخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني عن محمد بن
سيرين به (الصحيح، كتاب الرؤيا ح ٢٢٦٣).

٤١١
• سُورَةُ يُونَ) (٦٥، ٦٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن حماد الدولابي، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد،
عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أُم كريز الكعبية سمعت رسول الله وَلو يقول: ((ذهبت النبوة
وبقيت المبشرات))(١).
وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير ويحيى بن أبي
كثير وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح (٢) وغيرهم أنهم فسروا ذلك بالرؤيا الصالحة.
وقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة (٣). كقوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ أَسْتَقَدِمُواْ تَتَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَبِكَةُ أَلَّ تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ
الَّتِى كُمْ تُوعَدُونَ ﴿ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةٌ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِىّ أَنفُسُكُمْ
﴾ [فصلت].
٣٢
نُزْلاً مِّنْ غَفُورٍ تَحِيم
مْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ
وفي حديث البراء ظبه: أن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب
فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل
القطرة من فم السقاء(٤)، وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
وَلَقَّئُهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ (٣)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى
اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُؤْرُهُم بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْفَتِهِمِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَثَّتٌ تَجْرِى مِن تَحِهَا الْأَنَهُ خَلِينَ فِيَأْ ذَلِكَ
﴾ [الحديد] وقوله: ﴿لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَ﴾ أي: هذا الوعد لا يبدل ولا
هُوَ الْفَوَزُ الْعَظِيمُ
يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ﴿ذَلِكَ هُوَ اُلْفَوَزُ اٌلْعَظِيمُ﴾.
] ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿ أَلَّ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى
السَّمَوَتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَاةً إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ
هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًاْ إِنَّ فِى ذَلِكَ
(٦٦)
وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُسُونَ
لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
يقول تعالى لرسوله وَل: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ﴾ قول هؤلاء المشركين، واستعن بالله عليهم، وتوكل
عليه، فـ ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، أي: جميعها له ولرسوله وللمؤمنين ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي:
السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم.
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه محمود شاكر، وأخرجه البخاري بسنده عن أبي هريرة بنحوه
(الصحيح، التعبير، باب المبشرات ح ٦٩٩٠).
(٢) قول ابن مسعود أخرجه الطبري من طريق إبراهيم التيمي عنه وصححه محمود شاكر، وقول أبي هريرة تقدم
قبل الرواية السابقة في صحيح مسلم، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق سعيد بن
جبير عنه (المصنف ٢٣٢/٧) والطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول عروة أخرجه ابن أبي
شيبة بسند صحيح من طريق عبدة عنه (المصنف ٥٤/١١)، وقول يحيى بن أبي كثير أخرجه عبد الرزاق
بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عنه، وقول إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح أخرجه الطبري
بأسانيد ضعيفة ويشهد لها ما سبق.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق معمر عن الزهري وقتادة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث البراء بن عازب حظوته مطولاً (المسند ٢٨٧/٤)، وأخرجه الحاكم وصححه
ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٧/١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (ح ١٦٧٢).

٤١٢
• سُوَةُ يُونِسَ (٦٨، ٧٣)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
ثم أخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض، وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك
شيئاً لا ضراً ولا نفعاً، ولا دليل لهم على عبادتها بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم
وكذبهم وإفكهم، ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه، أي: يستريحون فيه من نصبهم
وكلامهم وحركاتهم ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مضيئاً لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم ﴿إِنَّ
فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِقَوْمِ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يسمعون هذه الحجج والأدلة، فيعتبرون بها ويستدلون على
عظمة خالقها ومقدّرها ومسيّرها .
- ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ هُوَ الْغَنِّ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِّ إِنْ
عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ
اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
يَكْفُرُونَ
٧٠
يقول تعالى منكراً على من ادَّعى أن له ولداً: ﴿سُبْحَنَةٌ هُوَ اُلْفَنِىُّ﴾ أي: تقدّس عن ذلك هو
الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضَِ﴾ أي: فكيف
يكون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك له عبد له؟ ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: ليس
عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنكار ووعيد
(٨٩) تَكَادُ
أكيد وتهديد شديد كقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨) لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذَا
السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَّخِزُ لْجِبَالُ هَذَّا ( أَنْ دَعَوْ لِلرَّْمَنِ وَلَدًّا () وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ
يَتَّخِذَ وَلَدًّا ﴿﴿ إِن كُلُّ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَِىِ الرَّهَْنِ عَبْدًا (٨) لَّقَدْ أَحْصَنْهُمْ وَعَذَّهُمْ عَدَّا (١)
وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًّا (٥)﴾ [مريم].
ثم توعّد تعالى الكاذبين عليه المفترين ممن زعم أن له ولداً بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في
الآخرة، فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلاً ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَ عَذَابٍ
غَلِظٍ﴾ [لقمان: ٢٤] كما قال تعالى لههنا: ﴿مَتَعُ فِ الذُّنْيَا﴾ أي: مدة قريبة ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾
أي: يوم القيامة ﴿ثُمَّ تُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ أي: الموجع المؤلم ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ أي:
بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله فيما ادعوه من الإفك والزور.
- ﴿﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَّأَ نُوجِ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبْرَ عَلَيْكُم مَّقَابِى وَتَذْكِيرِى بِثَايَتِ اَللَّهِ فَعَلَى
فَإِن
اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَحْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنّ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُوْاْ إِلَّ وَلَا نُنْظِرُونِ
تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَنْ
مَّعَهُ فِى الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَبِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَّاً فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ
يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أخبرهم واقصص عليهم، أي:
على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك ﴿نَبَأَ نُج﴾ أي: خبره مع قومه الذين كذبوه كيف
أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما
أصاب أولئك ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: عَظُم عليكم ﴿مَّقَامِى﴾ أي: فيكم بين
أظهركم ﴿وَتَذْكِيرِى﴾ إياكم ﴿بِشَايَتِ اٌللَّهِ﴾ أي: بحججه وبراهينه ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فإني لا

٤١٣
• سُوَلُُونَ) (٧٤)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
أبالي ولا أكفّ عنكم سواء عظم عليكم أولاً ﴿فَأَجِعُواْ أَقْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: فاجتمعوا أنتم
وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةُ﴾ أي: ولا
تجعلوا أمركم عليكم ملتبساً بل أفصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون ف﴿ أَقْضُواْ إِلَىَّ
وَلَا نُظِرُونٍ﴾، أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي مهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أباليكم، ولا
أخاف منكم لأنكم لستم على شيء كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوْاْ أَنِى بَرِىّءٌ مِّمَا تُشْرِكُونَ
مِن دُونٍِ فَكِيدُونِ جَمِيعًا ثُمَّ لَا نُظِرُونِ ﴿ إِ تَوَكَّتُ عَلَى اللَّهِ رَبِ وَرَبِّكُمْ﴾ الآية [هود].
وقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ﴿فَمَا سَأَلَّئُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾ أي: لم أطلب
منكم نصحي إياكم شيئاً ﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وأنا ممتثل ما
أمرت به من الإسلام لله ربّ، والإسلام هو دين الأنبياء جميعاً من أولهم إلى آخرهم، وإن
تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [المائدة: ٤٨]
قال ابن عباس: سبيلاً وسنة(١).
فهذا نوح يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١] وقال تعالى عن إبراهيم الخليل:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُُّ: أَسْلِمَّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِعُ بَنِهِ وَيَعْقُوبٌ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى
◌ُ رَبِّ قَدْ ءَاتِيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ
﴾ [البقرة] وقال يوسف:
لَكُمُ الدِّينَ فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَإِ، فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَفَّنِى مُسْلِمَا وَأَلْحِقْنِى
بِالصَّلِحِينَ ﴾﴾ [يوسف] وقال موسى: ﴿يَقَوْ إِن كُمْ ءَامَنتُم بِلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَُّواْ إِن كُمْ مُسْلِمِينَ﴾
[يونس: ٨٤] وقالت السحرة: ﴿رَبَّنَاَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَقَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] وقالت بلقيس:
﴿رَبِّ إِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْزَلْنَا
التَّوْرَنَّةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ
إِلَى الْحَوَارِيْعِنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِ وَبِرَسُولِى قَالُواْ ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَتَنَا مُسْلِمُونَ (®﴾ [المائدة] وقال خاتم الرسل
) لَا شَرِيكَ لَهِّ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ
وسيد البشر وَله: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَنَحْيَاىَ وَمَمَاتٍِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
[الأنعام] أي: من هذه الأمة، ولهذا قال في الحديث الثابت عنه: ((نحن معاشر
أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
الأنبياء أولاد علَّات وديننا واحد))(٢). أي: وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت
شرائعنا، وذلك معنى قوله: أولاد علَّات، وهم: الإخوة من أمهات شتّى والأب واحد. وقوله
تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَن ◌َعَهُ﴾ أي: على دينه ﴿فِى الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة ﴿وَجَعَلْنَهُمْ خَلَيْفَ﴾
أي: في الأرض ﴿ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَِنَّاً فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ﴾ أي: يا محمد كيف
أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين؟
﴿ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ، رُسُلَّا إِلَى قَوْمِهِمْ لَاءُوهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ
(VE
كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ
يقول تعالى: ثم بعثنا من بعد نوح ﴿رُسُلَّا إِلَى قَوْمِهِمْ لَاءُوهُمْ بِلْبَيِنَتِ﴾ أي: بالحجج والأدلة
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس ما في سورة المائدة آية ٤٨.
(٢) تقدم تخريجه في سورة المائدة آية ٤٨.

٤١٤
• سوڕۆلُونس) (٧٨،٧٥)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
والبراهين على صدق ما جاءوهم به ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ، مِن قَبْلُ﴾ أي: فما كانت الأمم
لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ
أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقوله: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبٍ
الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: كما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، هكذا يطبع الله
على قلوب من أشبههم ممن بعدهم، ويختم على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
والمراد أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل وأنجى من آمن بهم وذلك من بعد نوح ظلَّلا،
فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم علّ* على الإسلام إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام
فبعث الله إليهم نوحاً علا، ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة: أنت أول رسول بعثه الله إلى
أهل الأرض(١).
وقال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام(٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوُجُ وَكَفَى بِيِّكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَيْا بَصِيرًا
[الإسراء]، وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيد الرسل وخاتم الأنبياء
والمرسلين، فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العذاب
والنكال، فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك؟
﴿ثُمَّ بَعَتْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ، بِثَايَئِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ
قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَ كُمْ
فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ
٧٥
أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفَِّنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابََّنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَُّ فِ اَلْأَرْضِ
وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ
يقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ من بعد تلك الرسل ﴿مُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ ﴾ أي: قومه
﴿َِايَِّنَا﴾ أي: حججنا وبراهيننا ﴿فَأُسْتَكْبَرُواْ وَكَانُوْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ﴾ أي: استكبروا عن اتباع الحق
والانقياد له وكانوا قوماً مجرمين ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (®)﴾ كأنهم
- قبحهم الله - أقسموا على ذلك وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان كما قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ
بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوّ ﴾ الآية [النمل: ١٤] ﴿قَالَ﴾ لهم ﴿مُوسَى﴾ منكراً عليهم ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ
قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ أي: تثنينا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا﴾﴾.
W
لَمَّا جَّمَكُمْ أَسِحْرُ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ (
أي: الدين الذي كانوا عليه ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا﴾ أي: لك ولهارون ﴿اَلْكِبْرِيَُّ﴾ أي: العظمة والرياسة
﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ .
وكثيراً ما يذكر الله تعالى قصة موسى لعل مع فرعون في كتابه العزيز لأنها من أعجب
القصص، فإن فرعون حذّر من موسى كل الحذر، فسخره القدر أن ربى هذا الذي يحذر منه
(١) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ◌ُه (صحيح البخاري، التفسير سورة الإسراء) باب ﴿ذُرِّيَّةً مَنْ
حَمَلْنَا مَعَ نُوجِّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُوْرًا﴾ [الإسراء: ٣] (ح ٤٧١٢)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل
الجنة منزلة فيها (ح ١٩٤).
(٢) تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة البقرة آية ٢١٣.

٤١٥
سُورَةُ يُونس (٧٩، ٨٢)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سبباً أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه
النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده، ويرجع إليه هذا مع ما كان
عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله تعالى وليس له وزير سوى أخيه
هارون علّ*، فتمرد فرعون واستكبر، وأخذته الحمية والنفس الخبيثة الأبية وقوى رأسه وتولى
بركنه، وادَّعى ما ليس له وتجهرم على الله وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل،
والله تعالى حفيظ رسوله موسى ظلَّل وأخاه هارون ويحوطهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا
تنام.
ولم تزل المحاجَّة والمجادلة والآيات تقوم على يدي موسى شيئاً بعد شيء ومرة بعد مرة(١)،
مما يبهر العقول ويدهش الألباب مما لا يقوم له شيء، ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله ﴿وَمَا
نُرِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨] وصمم فرعون وملؤه - قبحهم الله - على
التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة حتى أحلَّ الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في
[الأنعام].
٤٥)
صبيحة واحدة أجمعين ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
فَلَمَّا جَآءَ السَّجَرَةُ قَالَ لَهُم ◌ُوسَىَ أَلْقُواْ مَا أَنْتُم
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَثْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ
﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ
مُلْقُونَ
وَيُحِقُّ اَللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَيِّهِ، وَلَوْ كَرِهِ الْمُجْرِمُونَ
٨١
ذكر الله سبحانه قصة السحرة مع موسى عليه في سورة الأعراف، وقد تقدم الكلام عليها هناك،
وفي هذه السورة وفي سورة طه وفي الشعراء، وذلك أن فرعون لعنه الله أراد أن يتهرَّج على الناس
ويعارض ما جاء به موسىظلّ من الحق المبين بزخارف السحرة والمشعبذين، فانعكس عليه
النظام، ولم يحصل له من ذلك المرام، وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام ﴿وَأُلْقِىَ
السَّحَرَةُ سَجِدِينَ (٢) قَالُواْ ءَمَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ (1)﴾ [الشعراء] فظن فرعون أنه
يستنصر بالسحار على رسول عالم الأسرار، فخاب وخسر الجنة واستوجب النار، ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ
(19)﴾ وإنما قال لهم
فَلَمَّا جَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمِ مُوسَىَ أَلْقُواْ مَآ أَنْتُم مُلْقُونَ
اثْتُونی پِگُلِّ سَحٍِ عَلِيمٍ
ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل ﴿قَالُواْ يَمُوسَىَ إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمََّ
أَنْ تَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ﴿ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ﴾ [طه] فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما
صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم، ولهذا لما ﴿أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو
بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى ﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (١٨) وَأَلِّقِ
مَا فِ يَمِينِكَ نَلَقَفْ مَا صَنَعُواْ إِنََّا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحْرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَى (٣)﴾ [طه] فعند ذلك قال
موسى لما ألقوا: ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُّبْطِلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ ﴿ وَيُحِقُ اللَّهُ
(A)
اَلْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهِ الْمُجْرِمُونَ
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا عبد الرحمن - يعني: الدشتكي -،
(١) في (حم): ((كرة بعد كرة)).
(٢) من هنا يُستأنف الأصل.

٤١٦
• سُودَلُ يُونشر (٨٣)
أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن ليث - [وهو: بن أبي سليم](١) - قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء
من السحر بإذن الله تعالى تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي من ﴿فَلَمَّآ
وَيُحِقُّ اَللَّهُ أَلْحَقَّ
أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِ السِّحْرُّ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ
بِكَلِمَيْهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ والآية الأخرى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (﴿)﴾ [الأعراف]
إلى آخر أربع آيات وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحٍِ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنَ﴾ [طه: ٦٩](٢) .
- ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىَ إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَن يَفْئِنَهُمَّ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ
لَعَالٍ فِى الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى ظلّل مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات
والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية وهم: الشباب على وجلَ وخوف منه
ومن ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر، لأن فرعون - لعنه الله - كان جباراً عنيداً مسرفاً
في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفاً شديداً.
قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىَّ إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ
أَنْ يَفْئِنَهُمْ﴾ قال: فإن الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل، من قوم فرعون يسير،
منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه (٣).
وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىّ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ،﴾
يقول: بني إسرائيل(٤).
وعن ابن عباس والضحاك وقتادة الذرية: القليل(٥).
وقال مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ،﴾ قال: هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من
طول الزمان ومات آباؤهم(٦). واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل لا
من قوم فرعون لعود الضمير على أقرب المذكورين.
وفي هذا نظر لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وأنهم من بني إسرائيل، فالمعروف أن بني
إسرائيل كلهم آمنوا بموسى ظلَّ واستبشروا به، وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من
كتبهم المتقدمة، وأن الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه، ولهذا لما بلغ هذا
فرعون حذَّر كل الحذر، فلم يجد عنه شيئاً ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشدَّ الأذى و﴿قَالُواْ
(١) كذا في النسخ الخطية، ولم يذكر في تفسير ابن أبي حاتم، والزيادة موضحة وصحيحة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف منقطع لأن ليث بن أبي سليم رواه بلاغاً، وهو من أتباع
التابعين.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٥) قول ابن عباس وقتادة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق قتادة عن ابن عباس، وقتادة لم يسمع من
ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخه.
(٦) أخرجه الطبري بعدة أسانيد عن مجاهد يقوي بعضها بعضاً.

٤١٧
سُورَةُ مُونَ} (٨٤، ٨٦)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0
أُوَذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَأْ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ آلْأَرْضِ
٢٩) ﴾ [الأعراف].
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل ﴿عَلَى خَوْفٍ مِّن
فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ﴾ أي: وأشراف قومهم أن يفتنهم، ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن
عن الإيمان سوى قارون، فإنه كان من قوم موسى، فبغى عليهم لكنه كان طاوياً إلى فرعون
متصلاً به متعلقاً بحباله.
ومن قال: إن الضمير في قوله: ﴿وَمَلَائِهِمْ﴾ عائد إلى فرعون وعظم الملك من أجل اتباعه أو
بحذف آل فرعون وإقامة المضاف إليه مقامه، فقد أبعد وإن كان ابن جرير قد حكاهما عن بعض
النحاة، ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى:
﴿وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كُمْ ءَامَنِثُم بِلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَُّواْ إِن كُم ◌ُسْلِمِينَ
وَجِنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ (
رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَا
٨٤
يقول تعالى مخبراً عن موسى أنه قال لبني إسرائيل: ﴿يَقَوْم إِن كُمْ ءَامَنُم ◌ِلَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكُلُواْ إِن
كُثُم ◌ُسْلِمِينَ﴾ أي: فإن الله كافٍ من توكل عليه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، ﴿وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى:
﴿فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهٍ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ ءَامَنَّا بِهِ، وَعَلَيْهِ نَوَكَّنَا ﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَّبُّ الْشْرِقِ
وَالْغْرِبِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾﴾ [المزمل] وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل
صلواتهم مرات متعددة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾﴾ [الفاتحة].
وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك ﴿فَقَالُواْ عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (﴾﴾ أي: لا
تظفرهم بنا وتسلّطهم علينا، فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل، فيفتنوا
بذلك. هكذا رُوي عن أبي مجلز وأبي الضحى(١).
وقال ابن أبي نجيح وغيره، عن مجاهد: لا تعذبنا بأيدي آل فرعون ولا بعذاب من عندك
فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم، فيفُتنوا بنا(٢).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾ لا تسلطهم علينا فيفتنونا(٣).
وقوله: ﴿وَِّّنَا بِرَهْتِكَ﴾ أي: خلّصنا برحمة منك وإحسان ﴿مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾ أي: الذين
كفروا الحق وستروه ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك.
(١) قول أبي مجلز أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمران بن حدير عنه، وقول أبي الضحى
أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان الثوري عن أبيه عنه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح به.
(٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.

٤١٨
• سُؤَلُيُونَ) (٨٧)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوََّا لِقَوْمِكُمَا بِعِصْرَ بُونًا وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ
٨٧
وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ
يذكر تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منهم، وذلك أن الله
تعالى أمر موسى وأخاه هارون السَّله أن يتَّوءا، أي: يتخذا لقومهما بمصر بيوتاً.
واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ قِبْلَةً﴾ .
فقال الثوري وغيره: عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال:
أمروا أن يتخذوها مساجد(١).
وقال الثوري - أيضاً -، عن ابن منصور، عن إبراهيم ﴿وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: كانوا
خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتهم(٢). وكذا قال مجاهد وأبو مالك والربيع بن أنس والضحاك
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبوه زيد بن أسلم(٣) .
وكأن هذا - والله أعلم - لما اشتَّد بهم البلاء من قِبل فرعون وقومه، وضيَّقوا عليهم أُمروا
بكثرة الصلاة كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وفي الحديث: كان رسول الله و 8﴿ إذا حزبه أمر صلى. أخرجه أبو داود(٤).
ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَجْعَلُواْ بُتَكُمْ قِبْلَةُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةٌ وَبَشْرِ الْمُؤْمِينَ﴾ أي:
بالثواب والنصر القريب.
وقال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، قال: قالت بنو إسرائيل لموسى ظلّا: لا
نستطيع أن نظهر صلاتنا مع الفراعنة، فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم وأُمروا أن يجعلوا
بيوتهم قبل القبلة (٥).
وقال مجاهد: ﴿وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ قِبْلَةً﴾ لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في
الكنائس الجامعة، أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سراً (٦). وكذا قال
قتادة والضحاك(٧).
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وفي سنده خُصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزري وهو
صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، وقد توبع بواسطة حميد الطويل في رواية أخرى أخرجها الطبري،
فسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري من طريق الثوي وفي سنده ابن وكيع شيخ الطبري، ولكنه توبع فالإسناد حسن.
(٣) قول مجاهد أخرجه سعيد بن منصور (التفسير ح ١٠٧٢)، وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي
نجيح عنه، وقول أبي مالك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه
الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من
طريق أبي سنان، وهو سعيد بن سنان عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بسند ضعيف
من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن به ويتقوى بما سبق.
(٤) تقدم تخريجه وثبوته في تفسير سورة البقرة آية ١٥٣.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٦) أخرجه الطبري بأسانيد عن مجاهد يقوي بعضها بعضاً.
(٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند =

٤١٩
• سُورَةُ يُونَ (٨٨، ٨٩)
0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَجْعَلُواْ بُونَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: يقابل بعضها بعضاً(١).
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَّهُ زِينَةٌ وَأَمْوَلَا فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَّ رَبَّنَا لِعِلُواْ عَنْ
قَالَ قَدْ أُجِيبَت
سَبِيلِكْ رَبَّنَا أْمِسْ عَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
دَّعْوَتُكُمَا فَأُسْتَقِيمَا وَلَا نَّعَآَنِ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى ظلّله على فرعون وملئه لما أبوا قبول الحق،
واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين ظلماً وعلوا وتكبراً وعتواً قال موسى: ﴿رَبَّنَاً
إِنَّكَ ءَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةٌ﴾ أي: من أثاث الدنيا ومتاعها ﴿وَأَنْوَلًا﴾ أي: جزيلة كثيرة ﴿فِى﴾
هذه ﴿اَلْحَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِضِلُواْ عَن سَبِيلِكٌ﴾ بفتح الياء، أي أعطيتهم ذلك، وأنت تعلم أنهم لا
يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجاً منك لهم كما قال تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ﴾ [طه: ١٣١] وقرأ
آخرون ﴿لِضِلُّواْ﴾ بضم الياء(٢)، أي: ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك ليظن من أغويته
أنك إنما أعطيتهم هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم. ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ﴾ قال ابن عباس
ومجاهد: أي: أهلكها؛ وقال الضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس: جعلها الله حجارة منقوشة
کھیئة ما كانت.
وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم تحولت حجارة.
وقال محمد بن كعب القرظي: جعل سكّرَهم حجارة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن أبي
معشر، حدثني محمد بن قيس، أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز حتى
بلغ ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَهُ زِينَةٌ وَأَقْوَلًا فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَاَ
أْمِسْ عَلَىَّ أَمْوَلِهِمْ﴾ الآية، فقال عمر: يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها
حجارة. فقال عمر بن عبد العزيز لغلام له: ائتني بكيس. فجاءه بكيس، فإذا فيه حمص وبيض
قد حول حجارة (٣) .
وقوله: ﴿وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: أي اطبع عليها (٤). ﴿فَلَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأْ الْعَذَابَ
الْأَلِيمَ﴾ وهذه الدعوة كانت من موسى،فظلّلا غضباً لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا
خير فيهم ولا يجيء منهم شيء كما دعا نوحَلَّلُ فقال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا
إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُواْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٣)﴾ [نوح] ولهذا استجاب الله تعالى
لموسى ظلّ فيهم هذه الدعوة التي أمن عليها أخوه هارون فقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيَبَتِ دَعْوَتُكُمَا﴾ .
= ضعيف، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان، فيه مقال.
(١) أخرجه الطبري كسابقه ويتقوى بما يليه إذ أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن
سعيد بن جبير وعن ابن عباس.
(٢) القراءتان بالفتح والضم متواترتان.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح السندي.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس.

٤٢٠
• سُورَلُكُونس) (٩٠، ٩٢)
0000000800000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000
قال أبو العالية وأبو صالح وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس: دعا موسى
وأمَّن هارون(١). أي قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير آل فرعون، وقد يحتج بهذه الآية من
يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة ينزل منزلة قراءتها لأن موسى دعا وهارون أمَّن وقال
تعالى: ﴿قَدْ أُجِبَتِ ذَعْوَتُكُمَا فَأَسْتَقِيمًا﴾ الآية، أي: كما أجيبت دعوتكما فاستقيما على أمري.
قال ابن جريج، عن ابن عباس: فاستقيما فامضيا لأمري وهي الاستقامة(٢). قال ابن جريج:
يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة(٣).
وقال محمد بن علي بن الحسن: أربعين يوماً (٤).
﴿ وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَِّيلَ اٌلْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًّاً حَتَّىَ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ
ءَالْكَانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ، بَنُواْ إِسْرَِّيلَ وَأَنّأْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجَِّكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ مَايَئِنَا
لَغَفِلُونَ
يذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنوده، فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة
موسى علم وهم فيما قيل: ست مئة ألف مقاتل سوى الذرية، وقد كانوا استعاروا من القِبط حُليًّا
كثيراً، فخرجوا به معهم فاشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له
جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أُبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم ولم
يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس ﴿فَلَمَّا تَرَّءَ
الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾﴾ [الشعراء]، وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر
وفرعون وراءهم ولم يبق إلا أن يتقاتل الجمعان.
وألحَّ أصحاب موسى لعلّل عليه في السؤال: كيف المَخلَص مما نحن فيه؟ فيقول: إني أمرت
أن أسلك لهُهنا ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ [الشعراء: ٦٢] فعندما ضاق الأمر اتسع، فأمره الله تعالى
أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، أي: كالجبل
العظيم، وصار اثني عشر طريقاً لكل سبط واحد، وأمر الله الريح فنشفت أرضه ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا
فِى الْبَحْرِ يَسًا لَّا تَخَفُ دَرَّكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧] وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ليرى كل
قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه انتهى
فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى وهو في مئة ألف أدهم(٥) سوى بقية الألوان، فلما
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بحذف السند إلا أثر أبي العالية والربيع فقد أخرجه بسند جيد من طريق أبي جعفر
الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، والبقية أخرج آثارهم الطبري بأسانيد ضعيفة عنهم.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه انقطاع بين ابن جريج وابن عباس، وفيه الحسين وهو ابن داود ضعيف.
(٣) أخرجه الطبري بالإسناد المتقدم دون ذكر ابن عباس، وفيه أيضاً الحسين، ورواية ابن جريج من
الإسرائيليات.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف جداً من طريق سعد بن طريف وهو متروك - واتهم بالوضع كما في
التقريب - عن محمد بن علي بن الحسين.
(٥) أدهم: أي فرس.