النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ • سُورَةُ النَّوَيَّةِ (١٠١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 استغفرنا له، ومن أصرَّ فالله أولى به، ولا تخرقنَّ على أحد ستراً)). قال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار به (١) . وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس، فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الأنبياء قبلك، قال نبي الله نوح لِلَّ: ﴿وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] وقال نبي الله شعيب،علّ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُم ◌ُؤْمِينٌّ وَمَا أَنَّا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾﴾ [هود] وقال الله تعالى لنبيه وَلا ت: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾(٢). وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله وَل ل خطيباً يوم الجمعة فقال: ((اخرج يا فلان فإنك منافق، واخرج يا فلان إنك منافق)) فأخرج من المسجد ناساً منهم فضحهم، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبأوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر قد فضح الله المنافقين اليوم، قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر(٢)، وكذا قال الثوري عن السدي عن أبي مالك نحو هذا(٤). وقال مجاهد في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾: يعني: القتل والسبي(٥)، وقال في رواية: بالجوع وعذاب القبر(٦)، ثم يردون إلى عذاب عظيم. وقال ابن جريج: عذاب الدنيا وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب النار(٧). وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر(٨). وقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد، وقرأ قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥] فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة في النار ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ قال: النار (٩) . (١) في سنديهما إبهام شيخ ابن جابر، وابن جابر، وسنده ضعيف ومتنه فيه غرابة. (٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى قتادة. (٣) أخرجه الطبري عن الحسين بن عمرو العنقزي عن أبيه عن أسباط عن السدي به، وعزاه الهيثمي إلى الطبراني في المعجم الأوسط وضعفه بسبب ضعف الحسين بن عمرو العنقزي (مجمع الزوائد ٣٣/٧)، وفي متنه غرابة ومنها أن عمر أختبأ منهم حياء لأنه لم يشهد الجمعة، فمثل هذا لا يقبل من رجل متشيع کالسدي . (٤) لم يذكر فيه الصحابي ابن عباس ـ (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حجاج عن ابن جريج ويتقوى بسابقه ولاحقه. (٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن معمر عن الحسن. (٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد. ٣٤٢ سُوْرَةُ التَّوَيَّةِ (١٠٢) وقال محمد بن إسحاق: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ﴾ قال: هو فيما بلغني ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يُردُّون إليه عذاب الآخرة والخلد فيه (١) . وقال سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾: عذاب الدنيا وعذاب القبر ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إَِى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ وذُكر لنا أن نبي الله وَّ أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلاً من المنافقين، فقال: ((ستة منهم تکفیھم الدبیلة: سراج من نار جهنم يأخذ في کتف أحدهم حتی یفضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً»، وذُكر لنا أن عمر بن الخطاب ◌َظُّه كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه وإلا تركه، وذُكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا [ولا أومِن](٢) منها أحداً بعدك(٣). ] ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوْ عَمَلًا صَلِحًا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ١٠٢ لما بيّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيباً وشكّاً، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلاً وميلاً إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: أقرُّوا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أُخر صالحة خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه. وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس مُعيَّنين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطّائين المخلطين المتلوثين. وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه(٤). وقال ابن عباس: ﴿وَءَاخَرُونَ﴾ نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه تخلفوا عن رسول الله وكليه في غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه، فلما رجع رسول الله (18 من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله وَ﴿، فلما أنزل الله هذه الآية ﴿وَءَآخَرُونَ أُعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أطلقهم رسول الله رَّ وعفا (٥) عنهم(٥) .. وقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو (١) أخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بلاغاً وسنده ضعيف ويشهد له ما سبق. (٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: ((آمن)). (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح في الشطر الأول، أما الشطر الثاني من قوله: وذُكر لنا ... فإنه مرسل. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ويتقوى بما يلي. (٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، ويشهد له ما أخرجه ابن منده بسند قوي عن جابر بأن الآية نزلت في أبي لبابة وخمسة معه وقد سمّاهم (ينظر: الإصابة ٩٥/١). ٣٤٣ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ (١٠٣، ١٠٤) رجاء، حدثنا سمرة بن جندب قال: قال رسول الله و 18ه لنا: ((أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطر كأقبح ما أنت راءٍ، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن وهذا منزلك، قالا: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم)) (١)، هكذا رواه البخاري مختصراً في تفسير هذه الآية. - ﴿خُذْ مِنْ أَمَوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَِّبِهِم بِهَا وَصَلِّ عَيَّهِمْ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلیهُ (6) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (9)﴾. أمر تعالى رسوله وهو بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون (٢)، وإنما كان هذا خاصاً برسول الله وَّل﴿، ولهذا احتجوا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةُ﴾ الآية، وقد ردَّ عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد، أبو بكر الصديق وسائر الصحابة وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله وَّر، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عِقالاً(٣) - وفي رواية: عَناقاً _(٤) كانوا يؤدونه إلى رسول الله وَلتر لأقاتلنهم على منعه(٥) . وقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ◌َّه إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم فأتاه أبي بصدقته فقال: ((اللَّهم صلِّ على آل أبي أوفى))(٦). وفي الحديث الآخر أن امرأة قالت: يا رسول الله صلِّ عليَّ وعلى زوجي، فقال: ((صلى الله عليك وعلى زوجك))(٧). وقوله: ﴿إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌّ لَهُمْ﴾ قرأ بعضهم ﴿صَلَاتَكَ﴾ على الجمع، وآخرون قرأوا ﴿إِنَّ (١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿ وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ ... ﴾ [التوبة: ١٠٢] ح ٤٦٧٤). (٢) هنا ورد بياض بقدر كلمة. (٣) العِقال: ما يشد به ظلف البعير بذراعه حال بروكه. (٤) العَناق: الأنثى من ولد المعز. (٥) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله وَ لوح ٧٢٨٤، ٧٢٨٥، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ح٢٠). (٦) أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (ح ١٤٩٧)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقة ح١٠٧٨). (٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله (المسند ٣٠٣/٣)، وأبو داود (السنن، الصلاة، باب الصلاة على غير النبي ( 18 ح١٥٣٣) وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٣٩٨/٧)، وأخرجه إسماعيل القاضي وصححه الألباني ((فضل الصلاة على النبي (وَ )) (ح٧٧). ٣٤٤ سُورَةُ التَّوَيَّةِ (١٠٣، ١٠٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 صَلَوَكَ﴾ على الإفراد (١) ﴿سَكَنٌ لَّمْ﴾ قال ابن عباس: رحمة لهم(٢). وقال قتادة: وقار(٣). وقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعُ﴾ أي: لدعائك ﴿عَلِيمُ﴾ أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له، قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن حذيفة، عن أبيه أن النبي ◌َ ◌ّ كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده(٤)، ثم رواه عن أبي نعيم، عن مسعر، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عن ابن لحذيفة، قال مسعر: وقد ذكره مرةً عن حذيفة: إن صلاة النبي وَله لتدرك الرجل وولده وولد ولده(٥) . وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَوَّبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللَّتين كل منهما يحظّ الذنوب ويمحصها ويمحقها، وأخبر تعالى أن كلَّ من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال، فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها حتى تصير التمرة مثل أُحد(٦)، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله ومدير كما قال الثوري ووكيع كلاهما عن عباد بن منصور، عن القاسم بن محمد، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَليته: ((إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى أن اللقمة لتكون مثل أُحد)) وتصديق ذلك في كتاب الله وَ ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّ هُوَ يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ (٧). وقال الثوري والأعمش كلاهما، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود له: إن الصدقة تقع في يد الله يت قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ﴾ (٨). وقد روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وغيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي قال: غزا الناس في زمان معاوية ◌ُه وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغلّ (٩) رجل من المسلمين مائة دينار رومية. فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه. (١) وكلتا القراءتين متواترتان. (٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٣١١/٣٨ (ح٢٣٢٧٧) وضعفه محققوه لجهالة أبي بكر بن عمرو بن عُتبة. وفيه علة أخرى أن ابن حذيفة لم يذكر اسمه (وينظر: مجمع الزوائد ٢٦٨/٨). (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٠٣/٣٨ ح ٢٣٣٩٤) وسنده كسابقه. (٦) أي جبل أُحد المشهور. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، في سورة التوبة وفي سورة البقرة آية ٢٧٦، وصححه أحمد شاكر هناك (التفسير ١٦/٦ - ٢٠ ح٦٢٥٣ و٦٢٥٧)، إلا أن قوله: وتصديق ذلك ... إلخ، إدراج وليس من حديث رسول الله ﴾. وأصله في الصحيحين بدون هذا الإدراج. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به، وسنده حسن. (٩) أي سرق من الغنائم. ٣٤٥ ، سُورَةُ التَّوَّةِ (١٠٥) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال: قد تفرق الناس ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرجل يستقري الصحابة فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى عليه، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمرَّ بعبد الله بن الشاعر السكسكي فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له: أو مطيعي أنت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب إلى معاوية فقل له: اقبل مني خمسك. فادفع إليه عشرين ديناراً، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية ظه: لأن أكون أفتيته بها أحبّ إلي من كل شيء أملكه؛ أحسن الرجل. ﴿وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونِّ وَسَتُّرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ وَالشََّةِ فَيُنَبِّئُكُ بِمَا كُنْتُمُ تَعْمَلُونَ قال مجاهد: هذا وعيد(١). يعني: من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى وعلى الرسول و8 وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال: ﴿يَوْمَيِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَّةُ (٨)﴾ [الحاقة] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآَيُِّ ﴾﴾ [الطارق] (٣)﴾ [العاديات] وقد يُظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما قال وقال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله وسلم أنه قال: ((لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان))(٢). وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَل: ((إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللَّهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك))(٣). وقال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق، عن سفيان، عمَّن سمع أنساً يقول: قال النبي وَل ◌ّ: ((إن أعمالكم تعرضٍ على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللَّهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا)»(٤). وقال البخاري: قالت عائشة ﴿هَا: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل: ﴿أَعْمَلُواْ فَسَيَرَ اللَّهُ عَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونٌ﴾(٥). وقد ورد في الحديث شبيه بهذا، قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن رجل مبهم عن مجاهد. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٨/٣) وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم. (٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص٢٤٨ ح ١٧٩٤)، وسنده ضعيف لأن الصلت بن دينار متروك، والحسن لم يسمع من جابر، وقد روي بسند ضعيف عن أنس وعن أبي أيوب الأنصاري، أما حديث أنس فسيأتي في الذي يليه، وأما حديث أبي أيوب أخرجه الطبراني (المعجم الأوسط ١٣٠/١ ح ١٤٨)، وفي سنده مسلمة بن علي: وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٣٢٧/٢). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١٤/٢٠ ح ١٢٦٨٣) وسنده ضعيف الإبهام شيخ سفيان. (٥) أخرجه البخاري معلقاً (الصحيح، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ... ﴾ = ٣٤٦ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ (١٠٦، ١٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 حدثنا حميد، عن أنس أن رسول الله وَّ قال: ((لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له؟ فإن العامل يعمل زماناً من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه دخل الجنة ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً، وإن العبد ليعمل البُرهة من دهره بعمل سيء لو مات عليه دخل النار ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً، وإذا أراد الله بعبده خيراً استعمله قبل موته)) قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: ((يوفقه لعمل صالح يقبضه عليه))(١). تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه. ﴿وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمِ اَللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمُّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خُلِّفوا أي عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية(٢)، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلاً وميلاً إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال لا شكاً ونفاقاً، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء وأرجي هؤلاء عن التوبة، حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧] الآية، ﴿وَعَلَى النََّثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حََّ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨] الآية، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك. وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَوُبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: هم تحت عفو الله إن شاء فعل بهم هذا وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم في أفعاله وأقواله لا إله إلا هو ولا رب سواه. ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَقْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلَّ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَّ وَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿٨َ لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَ التَّقْوَى مِنْ أَوَلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنْظَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله وَله إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصّر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله وير مهاجراً إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه وصارت للإسلام كلمة عالية وأظهرهم الله يوم بدر، شَرِق اللّعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فارّاً إلى كفار مكة من مشركي قريش، يمالئهم على حرب [المائدة: ٦٧] قبل حديث رقم ٧٥٣٠)، ووصله ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عروة عن عائشة. = وذكره الحافظ ابن حجر في (تغليق التعليق ٣٦٦/٥). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤٦/١٩ ح١٢٢١٤) وصحح سنده محققوه. وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢١١/٧). (٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه شيخ الطبري وهو سفيان بن وكيع وهو ضعيف، ويتقوى بما سبق، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر، ويتقوى بما سبق. ٣٤٧ • سُوْرَةُ التَّوَتَّةِ (١٠٧، ١٠٨) رسول الله الليلة، فاجتعموا بمن وافقهم من أحياء العرب وقدموا عام أُحد، فكان من أمر المسلمين ما كان وامتحنهم الله وَك، وكانت العاقبة للمتقين. وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهنَّ رسول الله وَلّ وأصيب ذلك اليوم، فجُرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى وشُجَّ رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبُّوه فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شرُّ، وكان رسول الله وَ ر قد دعاه إلى الله قبل فراره وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرَّد، فدعا عليه رسول الله وَ ليل أن يموت بعيداً طريداً فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أُحد، ورأى أمر الرسول وص له في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هِرقل ملك الروم يستنصره على النبي ◌َّ، فوعده ومنَّاه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنّيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ولقد ويغلبه ويردُّه عمَّا هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله وَير إلى تبوك، وجاؤوا فسألوا رسول الله وَلخير أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلّة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه؛ فقال: ((إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله)) فلما قفل علَّه راجعاً إلى المدينة من تبوك ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضِّرار وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله وله إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة. كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في ﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ الآية، هم أناس من الأنصار بنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجداً واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم وأخرج محمداً وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ◌َّ فقالوا له: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله ◌َ: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًّا لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ... وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلَّلِينَ﴾(١) وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير(٢) وقتادة وغير واحد من العلماء. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله وَل ـ يعني من تبوك - حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضِّرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة (١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به. (٢) من هنا يبدأ سقط من الأصل إلى آخر آية رقم ٨٢ من سورة يونس، واستكمل من (حم) و(مح). ٣٤٨ سُورَةُ التَّوَتَّةِ (١٠٧، ١٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: ((إني على جناح سفر وحال شغل)) - أو كما قال رسول الله : ((ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه)) - فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد فدعا رسول الله سير مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان فقال: ((انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه)) فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم. فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْتِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا ... ) إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلاً: خذام بن خالد: من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب: من بني عبيد وموالي بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير: من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر: من بني ضبيعة بن زيد، وعباد بن حنيف: أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وحارثة بن عامر وابناه: مجمع بن حارثة وزيد بن حارثة ونبتل الحارث وهم من بني ضبيعة، وبخرج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، وهو إلى بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر (١). وقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ أي: الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدّناً إِلَّ الْحُسْنَى﴾ أي: ما أردنا ببنيانه إلا خيراً ورفقاً بالناس، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ أي: فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه، ضراراً لمسجد قباء، وكفراً بالله وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو: أبو عامر الفاسق الذي يقال له: (الراهب) لعنه الله، وقوله: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي له وَّ والأمة تبع له في ذلك عن أن يقوم فيه، أي يصلي فيه أبداً. ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنيانه على التقوى: وهي طاعة الله وطاعة رسوله وجمعاً لكلمة المؤمنين ومعقلاً وموئلاً للإسلام وأهله، ولهذا قال تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيةٍ﴾ والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله وَ﴾ قال: ((صلاة في مسجد قباء كعمرة))(٢). وفي الصحيح: أن رسول الله وَ# كان يزور مسجد قباء راكباً وماشياً(٣). وفي الحديث: أن رسول الله وَ يّ لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف كان جبريل هو الذي عيَّن له جهة القبلة، فالله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن (١) ذكره ابن هشام في السيرة ١٧٣/٤ - ١٧٤، وأخرجه الطبري من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وابن إسحاق لم يصرح بالسماع ولعل هذه المراسيل يقوي بعضها بعضاً. (٢) أخرجه الترمذي، السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء (ح ٣٢٤) من حديث أسيد بن ظهير وقال: حسن غريب، وفي تحفة الأشراف (٢٧٥/١): حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه (السنن، الصلاة، باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء ح١٤١١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح١١٥٩). (٣) صحيح مسلم، الحج، باب فضل مسجد قباء وفصل الصلاة فيه (ح١٣٩٩). ٣٤٩ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ (١٠٧، ١٠٨) إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رظُه، عن النبي وَّ قال: ((نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُواْ﴾ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية))(١). ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث يونس بن الحارث وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه(٢). وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي المعمري، حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَطَهَّرُواْ﴾ بعث رسول الله وَّهَ إلى عُوَيم بن ساعدة فقال: ((ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟)) فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا وغسل فرجه، أو قال: مقعدته، فقال النبي وَلّ: ((هو هذا))(٣). وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري: أنه حدثه أن النبي ◌َّر أتاهم في مسجد قباء فقال: ((إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟)) فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا (٤). ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٥). وقال هشيم، عن عبد الحميد المدني، عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: إن رسول الله وَيه قال لعويم بن ساعدة: ((ما هذا الذي أثنى الله عليكم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَنَظَهَرُواْ؟))) الآية، قالوا: يا رسول الله إنا نغسل الأدبار بالماء (٦). وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد عن إبراهيم بن محمد، عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ﴾ قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط(٧). (حديث آخر): قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك - يعني: ابن مغول -، سمعت سياراً أبا الحكم، عن شهر بن حوشب، عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: (١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الاستنجاء بالماء ٤٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح٣٤). (٢) سنن الترمذي، تفسير سورة التوبة (ح ٣١٠٠)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الاستنجاء بالماء (ح ٣٥٧). (٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٦٧ ح ١٠٦٥) وسنده ضعيف لضعف محمد بن حميد الرازي، وعنعنة ابن إسحاق وقد توبع الرازي فقد أخرجه الحاكم من طريق أحمد بن خالد الوهبي عن ابن إسحاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١٨٧/١) وله شواهد تقويه كما يلي. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٥/٢٤ ح ١٥٤٨٥)، وقال محققوه: حسن لغيره. أي: بالشواهد. (٥) صحيح ابن خزيمة (ح ٨٣). (٦) أخرجه الطبري من طريق هشيم به نحوه. (٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وفي سنده شرحبيل بن سعد وهو صدوق اختلط كما في التقريب، ويشهد له ما سبق . ٣٥٠ • سُوَرَّةُ التَّوَقَّةِ (١٠٧، ١٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 لما قدم رسول الله ◌َطير - يعني: قباء -، فقال: ((إن الله رَّ قد أثنى عليكم في الطهور خيراً أفلا تخبروني؟)) يعني قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَن يَنَظَهَّرُواْ﴾ فقالوا: يا رسول الله إنا نجده مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء(١). وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمر الزهري عن عروة بن الزبير، وقال عطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي والحسن البصري(٢)، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير وقتادة. وقد ورد الحديث الصحيح أن مسجد رسول الله صل# الذي في جوف المدينة هو المسجد الذي أُسس على التقوى(٣)، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا، لأنه إذا كان مسجد قباء قد أُسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله وَّلقول بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب أن النبي ◌َّ قال: ((المسجد الذي أُسس على التقوى مسجدي هذا)) (٤). تفرد به أحمد. (حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان بن التيمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله وعليه في المسجد الذي أسس على التقوى فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله وَلّ، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي ◌َسير فسألاه، فقال: ((هو مسجدي هذا))(٥). تفرد به أحمد أيضاً. (حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري ظُه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله وَله فقال رسول الله وَلقر: ((هو مسجدي هذا))(٦). تفرد به أحمد. (طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران بن (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥٤/٣٩ ح٢٣٨٣٣)، وضعفه محققوه لضعف شهر بن حوشب. ولكن الشق الأول له شواهد تقدمت. (٢) أغلب هذه الآثار أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضاً. (٣) أخرج مسلم من حديث أبي سعيد الخدري به قال: دخلت على رسول الله وَ ﴿ في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: ((مسجدكم هذا)). (الصحيح، الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ◌َّر بالمدينة ح١٣٩٨). (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٣/٣٥ ح ٢١١٠٧) قال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف فيه عبد الله بن عامر الأسلمي متفق على ضعفه. (٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٦٤/٣٧ ح ٢٢٨٠٥) قال محققوه: حديث صحيح، وهذا إسناد جيد. بل هو حسن على الأقل. وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٣٤). (٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥٨/١٨ ح١١٨٤٦) وصححه محققوه. ٣٥١ سُورَةُ التَّوَتَّةِ (١٠٧، ١٠٨) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أُسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله رَله فقال رسول الله وَلجر: ((هو مسجدي))(١). وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث وصححه الترمذي(٢)، ورواه مسلم كما سيأتي(٣). (طريق أخرى): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف، في المسجد الذي أُسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله وَّله، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله وسلم فسألاه عن ذلك فقال: ((هو هذا المسجد)) لمسجد رسول الله ◌َّ، وقال في ذلك خير كثير، يعني: مسجد قباء(٤). (طريق أخرى): قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: إني أتيت رسول الله وَّرَ فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه فقلت: يا رسول الله أين المسجد الذي أُسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: ((هو مسجدكم هذا)) ثم قال: سمعت أباك يذكره(٥)، رواه مسلم منفرداً به عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد به، ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط به (٦)، وقد قال بأنه مسجد النبي ◌َّ جماعة من السلف والخلف، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب(٧)، واختاره ابن جرير. وقوله: ﴿لَّمَسْجِدُّ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء والتنزه عن ملابسة القاذورات. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيباً أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب رسول الله وَ ج9: أن رسول الله وَّه صلى بهم الصبح، فقرأ الروم فيها، فأوهم فلما انصرف قال: ((إنه يَلِيسُ علينا القرآن أنَّ أقواماً منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء)» (٨). ثم رواه من طريقين آخرين عن (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩٩/١٧ ح ١١٠٤٦) وصححه محققوه. (٢) سنن الترمذي، التفسير، سورة التوبة (ح٣٠٩٩)، والسنن الكبرى للنسائي، التفسير، باب ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة: ١٠٨] ... (ح ١١٢٢٨). (٣) تقدم تخريجه قبل خمس حواشي. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧٢/١٧ ح١١١٧٨) وصحح سنده محققوه. (٦) تقدم تخريجه قبل ثمان حواشي. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (٧) أخرجه الطبري عنهم كلهم بأسانيد يقوي بعضها بعضاً. (٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٩/٢٥ ح١٥٨٧٣) وحسن سنده محققوه. ٣٥٢ سُورَةُ التَّوَيَّةِ (١٠٩، ١١٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبي روح من ذي الكَلاع، أنه صلى مع النبي بَّر ... فذكره(١)، فدلّ هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها . وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾: إن الطهور بالماء لحسن ولكنهم المطهرون من الذنوب(٢). وقال الأعمش: التوبة من الذنوب والتطهر من الشرك(٣). وقد ورد في الحديث المروي من طرق في السنن وغيرها أن رسول الله وسلم قال لأهل قباء: ((قد أثنى الله عليكم في الطهور فماذا تصنعون؟)) فقالوا: نستنجي بالماء(٤). وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: وجدته في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمَُّهِرِينَ﴾ فسألهم رسول الله وََّ، فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء. رواه البزار، ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزيز عن الزهري ولم يرو عنه سوى ابنه(٥). قلت: وإنما ذكرته بهذا اللفظ؛ لأنه مشهور بين الفقهاء ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين أو كلهم، والله أعلم. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرُ أَم مَّنْ أَسْسَ بُنْيَنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَتْهَارَ بِهِ، فِي نَارٍ جَهَنَّمُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿ لَا يَزَالُ بُنْيَنُهُمُ الَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمَّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ ﴾﴾. يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ومن بنى مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار، أي طرف حفيرة منثالة ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِينَ﴾ أي: لا يصلح عمل المفسدين. قال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضراراً يخرج منه الدخان على عهد رسول الله وَل﴾(٦). (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٠/٢٥ - ٢١١ ح١٥٨٧٤) وقال محققوه: حديث حسن، وهذا إسناد ضعيف لإرساله. (٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي المنهال، وهو سيار بن سلامة، عن أبي العالية. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي يحيى التيمي عن الأعمش، وأبو يحيى هو: إسماعيل بن إبراهيم الأحول وهو ضعيف كما في التقريب. (٤) تقدم تخريجه قبل صفحتين. (٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح٢٤٧). قال الهيثمي: فيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي (مجمع الزوائد ١/ ٢١٢). (٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والحاكم (المستدرك ٥٩٦/٤)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه محمود شاكر في تعليقه على تفسير الطبري. · سُورَةُ التَّوَيَّةِ (١١١) ٣٥٣ 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن جريج: ذُكر لنا أن رجالاً حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه (١)، وكذا قال قتادة(٢). وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة، رواه ابن جرير تَخْدَتُهُ(٣). وقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُلْيَتُهُمُ الَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: شكاً ونفاقاً، بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع أورثهم نفاقاً في قلوبهم كما أشرب عابدو العجل حبه، وقوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: بموتهم، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم والسدي وحبيب بن أبي ثابت والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم(٤) وغير واحد من علماء السلف، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بأعمال خلقه ﴿حَكِيمُ﴾ في مجازاتهم عنها من خير وشر(٥). ﴿ إِنَّ اللّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَدِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْثُلُونَ وَيُقْنَلُونٌ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الثَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِّ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ اُلْعَظِيمُ يخبر تعالى أنه عاوض عباد المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم إذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم - والله - فأغلى ثمنهم (١). وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله رَك في عنقه بيعة، وفَّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية. ولهذا يقال من حمل في سبيل الله بايع الله أي قبل هذا العقد ووفى به. وقال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة به لرسول الله ولو - يعني ليلة العقبة -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: ((أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم))، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: ((الجنة))، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١) أخرجه الطبري وسنده مرسل. وفي سنده الحسين وهو سُنيد بن داود: وهو ضعيف، ويشهد له سابقه. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى برواية جابر. (٣) أخرجه الطبري من طريق خلف بن ياسين عن أبيه وكلاهما مقدوح فيه، فخلف متهم بالوضع وأبوه متروك (لسان الميزان ٤٠٥/٢، ٢٣٨/٦). (٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي وهب عنه. (٥) قول الحسن البصري أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سُهيل، وهو ابن أبي حزم، عن كثير، وهو ابن زياد، عن الحسن، وسهيل ضعيف كما في التقريب ولكنه توبع فقد أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق الفزاري عن أبي رجاء عن الحسن، وقول قتادة أخرجه الطبري بنحوه بسند حسن من طريق محمد بن يسار عن قتادة. (٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق حفص بن حميد عن شمر، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، ومعناه صحيح. ٣٥٤ • سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ (١١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية (١). وقوله: ﴿يُقَطِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَلُونٌ﴾ أي: سواء قَتَلوا أو قُتِلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة. ولهذا جاء في الصحيحين: ((وتكفل الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي بأن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة))(٢) . وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الثَّوْرَةِ وَالْإِنِلِ وَالْقُرْءَانِ﴾ تأكيد لهذا الوعد وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ﴾ فإنه لا يخلف الميعاد. هذا كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اَللَِّ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] ولهذا قال: ﴿فَأُسْتَبْشِرُواْ بِبَيْمِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ اُلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد ووفَّى بهذا العهد بالفوز العظيم، والنعيم المقيم. - ﴿التَِّبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّنَبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَجِدُونَ الَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِينَ هذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة ﴿التَُّونَ﴾ من الذنوب كلها التاركون للفواحش ﴿اَلْعَبِدُونَ﴾ أي: القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها وهي الأقوال والأفعال، فمن أخصِّ الأقوال الحمد، فلهذا قال: ﴿اٌلْحَمِدُونَ﴾، ومن أفضل الأعمال الصيام وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة ههنا، ولهذا قال: ﴿اُلسَّكَبِحُونَ﴾ كما وصف أزواج النبي ◌َ ◌ّله بذلك في قوله تعالى: ﴿سَِّحَتِ﴾ [التحريم: ٥] أي: صائمات، وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة، ولهذا قال: ﴿الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ﴾ وهم مع ذلك ينفعون خلق الله، ويرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه علماً وعملاً، فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق، ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِينَ﴾ لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به. (١) أخرجه الطبري من طريق عبد العزيز عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وسنده ضعيف لأن عبد العزيز وهو ابن أبان متروك كما في التقريب، وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف كما في التقريب، ومحمد بن كعب أرسله. وهذا القول قيل: عندما بايعت الأنصار رسول الله صل * ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً (ينظر: أسباب النزول للواحدي ص٢٦٣). (٢) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب قول النبي ويتر: ((أحلت لكم الغنائم)) (ح٣١٢٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله (ح ١٨٧٦). ٣٥٥ • سُورَّةُ التَّوَيَّةِ (١١٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 بيان أن المراد بالسياحة الصيام قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زِرّ عن عبد الله بن مسعود قال: ﴿اُلسَِّحُونَ﴾ الصائمون(١). وكذا روي عن سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس(٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون(٣)، وكذا قال الضحاك رَظّفُهُ(٤). وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بن عبد الله، عن عائشة تها قالت: سياحة هذه الأمة الصيام(٥)، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك بن مزاحم وسفيان بن عيينة وغيرهم، أن المراد بالسائحين الصائمون (٦). وقال الحسن البصري: ﴿السَِّحُونَ﴾ الصائمون شهر رمضان(٧). وقال أبو عمرو العبدي: ﴿السَِّحُونَ﴾ الذين يديمون الصيام من المؤمنين(٨). وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا، وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا حكيم بن حزام، حدثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ولايته: ((السائحون هم الصائمون))(٩)، ثم رواه عن بُندار، عن ابن مهدي، عن إسرائيل، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: ﴿اُلسََّبِحُونَ﴾ الصائمون(١٠). وهذا الموقوف أصح. وقال أيضاً: حدثني يونس، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، قال: سئل النبي ◌َّر عن السائحين، فقال: ((هم الصائمون))(١١). وهذا مرسل جيد وهذا أصح الأقوال وأشهرها . (١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به. (٢) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، ورواية العوفي أخرجها الطبري والسند ضعیف ویتقوی بسابقيه. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بما سبق. (٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جداً لأن إبراهيم بن يزيد وهو الجوزي متروك. (٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول سعيد بن جبير تقدم، وقول عطاء أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضاً، وقول أبي عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق عنه، وقول الضحاك تقدم. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود: ضعيف. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي الهذيل عن أبي عمرو العبدي. (٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده حكيم بن حزام: متروك (لسان الميزان ٣٤٢/٢)، والصحيح وقفه على أبي هريرة (١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح. (١١) أخرجه الطبري سنده ومتنه، وسنده مرسل لأن عبيد بن عمير تابعي، ويشهد له سابقة. ٣٥٦ ◌ُودَةُ التَّوَتَّةِ (١١٣، ١١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال النبي ◌َّ: ((سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله))(١) . وقال ابن المبارك، عن ابن لهيعة: أخبرني عمارة بن غزية؛ أن السياحة ذكرت عند رسول الله وَليه، فقال رسول الله وَله: ((أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله والتكبير على كل شرف))(٢). وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم(٣). وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون (٤)، رواهما ابن أبي حاتم. وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهة الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله وَيقر قال: ((يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر يفرُّ بدينه من الفتن))(٥). وقال العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ﴾ قال: القائمون بطاعة الله (٦)، وكذا قال الحسن البصري، وعنه رواية: ﴿وَاَلْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ﴾ قال: الفرائض الله(٧)، وفي رواية: القائمون على أمر الله(٨). ﴿مَا كَانَ لِنَّبِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَ لَمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (١٢) وَمَا كَانَ أُسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآَ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّةُ حَلِيمٌ (19)﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي وَي وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية، فقال: ((أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجُ لك بها عند الله رَى))، فقال أبو جهل وعبد الله بن (١) أخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب النهي عن السياحة ح٢٤٨٦)، وحسنه الألباني (في صحيح سنن أبي داود ح ٢١٧٢)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٧٣)، وصححه أبو محمد عبد الحق الإشبيلي (تفسير القرطبي ٢٧٠/٨). (٢) أخرجه ابن المبارك بسنده ومتنه (الجهاد ص٣٦)، وسنده حسن لكنه معضل ويشهد له سابقه. (٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسندضعيف من طريق الوليد بن بكير عن عمر بن نافع عن عكرمة. والوليد وعمر كلاهما ضعيف. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن. (٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب من الدين الفرار من الفتن (ح١٩). (٦) طريق ابن أبي طلحة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت، وطريق العوفي أخرجه الطبري، وسنده ضعيف ويتقوى بطريق ابن أبي طلحة. (٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، ويشهد له سابقه. (٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه إبهام الراوي عن الحسن البصري، ويشهد له ما تقدم عن ابن عباس. ٣٥٧ سُورَةُ التَّوَتَّةِ (١١٣، ١١٤) أبي أُمية: يا أبا طالب أترغب عن مِلَّة عبد المطلب؟ فقال: أنا على مِلَّة عبد المطلب، فقال النبيِ وَّه: ((لأستغفرن لك ما لم أنه عنك))، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبََّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ (٣)﴾، قال: ونزلت فيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَّهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ (١) [القصص: ٥٦]. أخرجاه(٢). وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي رَبُّه قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي وَّ، فنزلت ﴿مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، قال: لما مات. فلا أدري، قاله سفيان أو قاله إسرائيل أو هو في الحديث: لما مات(٣). (قلت): هذا ثابت عن مجاهد أنه قال: لما مات. وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي، عن مُحارب بن دِثار، عن ابن بُرِيدة، عن أبيه قال: كنا مع النبي وَّ ونحن في سفر، فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب، فصلَّى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأُم وقال: يا رسول الله ما لكَ؟ قال: ((إني سألت ربي ◌َ في الاستغفار لأُمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها لتذكركم زيارتها خيراً؛ ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم؛ ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكراً))(٤). وروى ابن جرير من حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أن النبي وَّ لما قدم مكة، أتى رسمَ قبرٍ، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبراً، فقلنا: يا رسول الله إنَّا رأينا ما صنعت. قال: ((إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي)) فما رؤي باكياً أكثر من يومئذٍ(٥). وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أيوب بن هانيء، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج رسول الله * يوماً إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً ثم بكى (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥٣٣/٥) وسنده صحيح. (٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] (ح ٤٦٧٥)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ... (ح٢٤). (٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦٢/٢ ح٧٧١) وحسن سنده محققوه. (٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١١/٣٨ ح ٢٣٠٠٣) وصحح سنده محققوه. (٥) أخرجه الطبري من طريق علقمة به، وفي طبعة الأستاذ أحمد شاكر لم يذكر شيخ الطبري وفي طبعة معالي د. عبد الله التركي صرح باسمه أحمد وعلى كل حال يشهد له ما سبق، كما يشهد له ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ◌ُه مرفوعاً: استأذنت ربي لأُمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي (الصحيح، الجنائز، باب استئذان النبي وَلجر ربه رحَّ في زيارة أمه ح٩٧٦). ٣٥٨ • سُورَةُ التَوَتَّةِ (١١٣، ١١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه ثم دعانا، فقال: ((ما أبكاكم؟))، فقلنا : بكينا لبكائك، قال: ((إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي)) ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريباً منه، وفيه: ((وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل عليَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ الآية، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنها تذكر الآخرة))(١). (حديث آخر): في معناه، قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله وَّ﴿ لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه فناجى ربه طويلاً، ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه وبكى هؤلاء لبكائه، وقالوا: ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث الله في أمته شيئاً لا تطيقه، فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم فقال: ((ما يبكيكم؟» قالوا: يا نبي الله بكينا لبكائك، فقلنا : لعله أحدث في أمتك شيء لا تطيقه، قال: ((لا، وقد كان بعضه، ولكن نزلتُ على قبر أُمي، فسألت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى الله أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت، ثم جاءني جبريل فقال: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِنْزَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَمَّا نَبَّنَ لَهُ؟ أَثَهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ﴾ فتبرأ أنت من أُمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمتها وهي أمي ودعوت ربي أن يرفع عن أُمتي أربعاً فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين، ودعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج))(٢). وإنما عدل إلى قبر أُمه لأنها كانت مدفونة تحت كداء وكانت عسفان لهم، وهذا حديث غريب وسياق عجيب، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب السابق واللاحق بسند مجهول عن عائشة في حديث فيه قصة، أن الله أحيا أُمه فآمنت ثم عادت(٣)، وكذلك ما رواه السهيلي في الروض بسند فيه جماعة مجهولون: إن الله أحيا له أباه وأُمه فآمنا (٤) به. وقد قال الحافظ ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارُ﴾ [النساء: ١٨]. وقال أبو عبد الله القرطبي: إن مقتضى هذا الحديث .. وردًّ على ابن دحية في هذا الاستدلال، بما حاصله أن هذه حياة جديدة كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها، فصلى علي (١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه تقريباً، وفي سنده أيوب بن هانئ صدوق فيه لين كما في التقريب، وله شواهد تقدمت. (٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣١٤/١١ ح ١٢٠٤٩)، قال الهيثمي: من عدا عكرمة لم أعرفهم (مجمع الزوائد ٤٥٩/٧)، وضعفه الحافظ ابن كثير سنداً ومتناً. (٣) سنده ضعيف لجهالة الراوي عن عائشة، ومتنه فيه نكارة، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ٢٨٣/١ وضعفه السيوطي (اللآلي المصنوعة ٢٦٦/١) مخالفة لرواية الصحيح من حديث أبي هريرة المتقدم قبل صفحتین . (٤) (الروض الأنف ١١٣/١)، وسنده ضعيف أيضاً وحكمه كسابقه سنداً ومتناً. ٣٥٩ • سُورَةُ التَّوَنَّةِ) (١١٣، ١١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 العصر، قال الطحاوي: وهو حديث ثابت يعني: حديث الشمس، قال القرطبي: فليس إحياؤهما يمتنع عقلاً ولا شرعاً، قال: وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب فآمن به(١). (قلت): وهذا كله متوقف على صحة الحديث فإذا صحَّ فلا مانع منه، والله أعلم. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، أن النبي ◌َّي أراد أن يستغفر لأمه فنهاه الله رب عن ذلك، فقال: ((إن إبراهيم خليل الله قد استغفر لأبيه)) فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ الآية (٢). وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية، كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فأمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِنْزَهِيمَ لِأَبِيِهِ﴾ الآية(٣). وقال قتادة، في الآية: ذُكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي وَ ل9: قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفكُّ العاني، ويوفِي بالذمم أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي وَلجر: ((بلى والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه))، فأنزل الله ﴿مَا كانَ لِلنَّبِّ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى بلغ قوله: ﴿اَلَْحِيمِ﴾. ثم عذر الله تعالى إبراهيم علّل، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ﴾ الآية، قال: وذُكر لنا أن نبي ◌َّ قال: ((قد أوحى الله إليَّ كلمات فدخلنَ في أذني ووقرنَّ في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركاً، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على گفاف(٤)))(٥). وقال الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مات رجل يهودي وله ابنٌّ مسلمٌ فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس فقال: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح ما دام حياً، فإذا مات وكَّله إلى شأنه، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَن قَوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ، أَنَّهُ, عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرََّ مِنْهُ﴾ لم يدع(٦). ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره عن علي له، لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: ((اذهب فواره ولا تُحدثنَّ شيئاً حتى تأتيني ... )) فذكر تمام الحديث(٧) . (١) ذكره في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص١٧، وما ذكره يخالف ما صح من حديث أبي هريرة المتقدم قبل صفحتين. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي به، ويتقوى بما يلي. (٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به. (٤) الكفَاف: هو من الرزق على قدر حاجة المرء، لا يفضل منه شيء. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل. (٦) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن المبارك عن الثوري به، وسنده صحيح. (٧) أخرجه أبو داود (السنن، الجنائز، باب الرجل يموت له قرابة مشرك ح٣٢١٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٥٣). ٣٦٠ • سُؤَدَّةُ التَّوَيَّةِ (١١٣، ١١٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وروي أنه ◌َّ لم مرت به جنازة عمه أبي طالب قال: ((وصلتك رحمة يا عمِ))(١). وقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا، لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله ومات: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية(٢). وروى ابن جرير، عن ابن وكيع، عن أبيه، عن عصمة بن زامل، عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلاً استغفر لأبي هريرة ولأمه، قلت: ولأبيه؟ قال: لا. قال: إن أبي مات مشركاً (٣). وقوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّنَ لَهُ: أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبيَّن له أنه عدو الله تبرأ منه، وفي رواية: لما مات تبيَّن له أنه عدو الله (٤). وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم رحمهم الله (٥). وقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه يوم القيامة حتى يلقى أباه، وعلى وجه أبيه القَترة والغَبرة، فيقول: يا إبراهيم إني كنت أعصيك وإني اليوم لا أعصيك، فيقول: أي ربِّ ألم تعدني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقال: انظر إلى ما وراءك فإذا هو بذيخ متلطخ، أي قد مسخ ضَبعاً، ثم يسحب بقوائمه ويلقى في النار(٦). وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ قال سفيان الثوري وغير واحد: عن عاصم بن بهدلة، عن زرِّ بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: الأواه: الدعَّاء(٧)، وكذا روي من غير وجه عن ابن مسعود. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثني عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: بينما النبي وَّ جالس قال: رجل يا رسول الله ما الأوَّاه؟ قال: ((المتضرع)) قال: ﴿إِنَّ إِبْزَهِيمَ لَأَوَّةُ حَلِيمٌ﴾(٨). ورواه ابن أبي حاتم: من حديث ابن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام به، ولفظه قال: الأوَّاه: المتضرع الدغَاءِ(٩). (١) أخرجه ابن عدي بسند ضعيف فيه إبراهيم بن عبد الرحمن وهو ضعيف (الكامل في الضعفاء ١/ ٢٦٠). (٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق حبيب بن أبي مرزق عن عطاء. (٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان. (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. (٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخ الطبري، ويتقوى بما سبق. (٦) قول عُبيد بن عمير أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق الأعمش عن مجاهد عن عُبيد نحوه. لكنه مرسل، وقول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند مرسل عند سعيد بن جبير بنحوه. (٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به. (٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق شهر به، وفي سنده شهر بن حوشب وهو صدوق كثير الإرسال والأوهام. (٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك به وحكمه كسابقه، وهو سند واحد.