النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ • سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٥٥،٥٢) الأعداء مما يسره ويسر أصحابه ساءهم ذلك ﴿وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ﴾ أي: قد احترزنا من متابعته من قبل هذا ﴿وَيَتَوَلَّواْ وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ فأرشد الله تعالى رسول الله وَّ إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة فقال: ﴿قُلُ﴾ أي: لهم ﴿لَّنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: نحن تحت مشيئته وقدره ﴿هُوَ مَوْلَئنًا﴾ أي: سيدنا وملجؤنا ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَصُونَ بِنَّا إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيِّنِّ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهٍِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَيِّصُونَ ﴿﴿ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ ﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِلَّهِ وَبِرَسُولِهِ. إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ ٥٤ وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ . يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿هَلْ تَرَّصُونَ بِنَآ﴾ أي: تنتظرون بنا ﴿إِلَّ إِحْدَى اٌلْحُسْنَيَيِّ﴾ شهادة أو ظفر بكم؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم(١) . ﴿وَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيَدِينَا﴾ أي: ننتظر بكم هذا أو هذا إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ، أَوْ بِأَيَدِينَا﴾ بسبي أو بقتل ﴿فَتَرَبَُّواْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِصُونَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنِفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: مهما أنفقتم من نفقة طائعين أو مكرهين ﴿لَّنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾ . ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك وهو أنهم لا يتقبل منهم ﴿إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ أي: والأعمال إنما تصح بالإيمان ﴿وَلَا يَأْتُونَ الضَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ أي: ليس لهم قصد صحيح ولا هِمَّة في العمل ﴿وَلَا يُفِقُونَ﴾ نفقة ﴿إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ﴾، وقد أخبر الصادق المصدوق وَّل: ((أن الله لا يملّ حتى تملّوا))، ((وأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً))(٢). فلهذا لا يقبل الله من هؤلاء نفقة ولا عملاً؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين. ] ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ يقول تعالى لرسوله وَله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ أَوْلَدُهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى (٣٦)﴾ [طه]. وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ مَا مَنَّعْنَا بِهِ- أَزْوَجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْخَوِ الذُّنْيَا لِقَتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَيِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِ، مِن مَالٍ وَبَِنٌّ ®َ شَارِعُ لَهُمْ فِىِ الْخَيْرَتَّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]. وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ قال الحسن البصري: بزكاتها والنفقة منها في سبيل الله. (١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه. (٢) حديث صحيح تقدم تخريجه. ٣٠٢ ، سُوْدَةُ التَّوَّةِ (٥٦، ٥٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة (١). واختار ابن جرير قول الحسن، وهو القول القوي الحسن. وقوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ﴾ أي: ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر، ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم. عياذاً بالله من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه . ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴿٨ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَنَّا أَوْ مَغَرَتٍ أَوْ مُدَخَلَا لَوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ يخبر الله تعالى نبيه وَّ﴿ عن جزعهم وفزعهم وفرقهم وهلعهم أنهم ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ يميناً مؤكدة ﴿وَمَا هُم مِّنْكُمْ﴾ أي: في نفس الأمر ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ أي: فهو الذي حملهم على الحلف ﴿لَوَ يجِدُونَ مَلجنًا﴾ أي: حصناً يتحصنون به وحرزاً یتحرزون به ﴿أَوْ مَغَرَتٍ﴾ وهي التي في الجبال ﴿أَوْ مُدَخَلًا﴾ وهو السرب في الأرض والنفق قال ذلك في الثلاثة ابن عباس ومجاهد وقتادة (٢). ﴿لَوَلَوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون في ذهابهم عنكم لأنهم إنما يخالطونكم كرهاً لا محبة، وودُّوا أنهم لا يخالطونكم ولكن للضرورة أحكام، ولهذا لا يزالون في همٍّ وحزن وغمِّ لأن الإسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة، فلهذا كلما سُرَّ المسلمون ساءهم ذلك، فهم يودون أن لا يخالطوا المؤمنين ولهذا قال: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَنَّا أَوْ مَغَرَتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٨) ] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوَأْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ◌َللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّ إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: ومن المنافقين ﴿مَّنْ يَلْمِزُكَ﴾ أي: يعيب عليك ﴿فِى﴾ قسم ﴿الصَّدَقَتِ﴾ إذا فرقتها، ويتهمك في ذلك وهم المتَّهمون المأبونون، وهم مع هذا لا ينكرون للدين، وإنما ينكرون لحظ أنفسهم ولهذا ﴿فَإِنَّ أُعَعُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ أي: یغضبون لأنفسهم. قال ابن جريج: أخبرني داود بن أبي عاصم قال: أتى النبي وَّ بصدقة قسمها لههنا وههنا حتى ذهبت قال: ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت هذه الآية (٣). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة بنحوه. (٢) أخرجه الطبري عنهم كما في الأسانيد الثلاثة المتقدمة في الآية السابقة. (٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج به، وفيه أيضاً إرسال داود بن أبي عاصم فهو تابعي، ويشهد له . ما صح في قصة ذي الخويصرة كما سيأتي في الرواية بعد التالية. ٣٠٣ سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَتِ﴾: يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذُكر لنا أن رجلاً من أهل البادية حديثَ عهدٍ بأعرابيّةٍ أتى النبي وَّ وهو يقسم ذهباً وفضة فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال نبي الله ويالقر: ((ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟)) ثم قال نبي الله: ((احذروا هذا وأشباهه فإن في أمتي أشباه هذا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم)) وذُكر لنا أن نبي وَ ﴿ كان يقول: ((والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئاً ولا أمنعكموه إنما أنا خازن))(١) . وهذا الذي ذكره قتادة يشبه ما رواه الشيخان من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة واسمه: حرقوص لما اعترض على النبي وَّ ر حين قسم غنائم حُنين فقال له: اعدل فإنك لم تعدل فقال: ((لقد خِبتَ وخسرت إن لم أكن أعدل)) ثم قال رسول الله وَليه وقد رآه مقفياً (٢): ((إنه يخرج من ضئضيء(٣) هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنهم شر قتلى تحت أديم السماء)) (٤) وذكر بقية الحديث. ثم قال تعالى منبهاً لهم على ما هو خير لهم من ذلك فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُواْ مَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَغِبُونَ ﴾﴾ فتضمنت هذه الآية الكريمة أدباً عظيماً وسراً شريفاً حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله والتوكل على الله وحده وهو قوله: ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا اَللَّهُ﴾، وكذلك الرغبة إلى الله وحده في التوفيق لطاعة الرسول ◌َ﴿ه وامتثال أوامره، وترك زواجره، وتصديق أخباره، والاقتفاء بآثاره. ﴿ إِنََّا الضَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الْرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ رَوَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ فَرِيضَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ لما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي ( 98 ولمزهم إياه في قسم الصدقات بيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمها إلى أحد غيره فجزأها لهؤلاء المذكورين كما رواه الإمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعمُ - وفيه ضعف -، عن زياد بن نُعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي به قال: أتيت النبي ◌َّ فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال له: ((إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك)) (٥). (١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل، والشق الأول يشهد له ما يليه في الصحيحين. (٢) أي مولياً قفاه. (٣) أي يخرج من نسله وعَقِبه (النهاية ٦٩/٣). (٤) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح ٣٦١٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (ح ١٠٦٤). (٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الزكاة، باب من يعطي من الصدقة ... ح١٦٣٠)، وسنده ضعيف، لضعف عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، وهو الإفريقي. ٣٠٤ • سُوَرَّةُ التَّوَيَّةِ (٦٠) 00000000000000000000000000000000000000 0000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 000 000 000 وقد اختلف العلماء في هذ الأصناف الثمانية هل يجب استيعاب الدفع لها أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين: (أحدهما): أنه يجب ذلك وهو قول الشافعي وجماعة. (والثاني): أنه لا يجب استيعابها بل يجوز الدفع إلى واحد منها ويعطي جميع الصدقة مع وجود الباقين وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف منهم عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران، قال ابن جرير: وهو قول جماعة عامة من أهل العلم. وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف لههنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإعطاء. ولوجوه الحِجاج والمآخذ مكان غير هذا والله أعلم. وإنما قدَّم الفقراء لههنا على البقية؛ لأنهم أحوج من غيرهم على المشهور ولشدة فاقتهم وحاجتهم، وعند أبي حنيفة أن المسكين أسوأ حالاً من الفقير وهو كما قال. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد قال: قال عمر ته: الفقير ليس بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق الكسب. قال ابن علية: الأخلق المحارف(١) عندنا(٢). والجمهور على خلافه وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وابن زيد(٣). واختار ابن جرير وغير واحد أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئاً والمسكين هو الذي يسأل ويطوف ويتبع الناس. وقال قتادة: الفقير من به زمانة والمسكين الصحيح الجسم(٤). وقال الثوري، عن منصور، عن إبراهيم هم: فقراء المهاجرين(6)، قال سفيان الثوري: يعني ولا يعطى الأعراب منها شيئاً، وكذا روي عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى(٦) . (١) المحارف الذي لا يملك مالاً ينميه. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع لابن محمد وهو ابن سيرين، وأما سنده إلى ابن علية وهو إسماعيل فصحيح. (٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: ((المساكين)) الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظ: ((الفقراء الذين لا يسألون الناس، والمساكين: الذين يسألون))، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أشعث عنه بنحو قول مجاهد، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب بنحو سابقه. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الثوري به. (٦) هذا القول المنسوب إلى الثوري غريب لم أجد مفسراً نقله بهذا اللفظ سوى الطبري وقد أخرجه ابن أبي حاتم وأبو عبيد (الأموال رقم ١٩٣٩)، وابن زنجويه في (الأموال رقم ٢٢٨٤) بدون ذكر قول سفيان، وأما ما نسبه الحافظ ابن كثير إلى سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن فإنهما لم يروياه بهذا اللفظ الغريب وإنما أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير بلفظ: ((يعطى من = ٣٠٥ سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال عكرمة: لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، إنما المساكين أهل الكتاب(١). ولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية. فأما الفقراء فعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((لا تحلُّ الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سَوِيٍّ)(٢) رواه أحمد وأبو داود والترمذي(٣). ولأحمد - أيضاً - والنسائي وابن ماجه، عن أبي هريرة مثله وعن عبيد الله بن عَدي بن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي * ** يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر فرآهما جَلدين فقال: ((إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب))(٤) رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد قوي. وقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل: أبو بكر العبسي قال: قرأ عمر مظلته: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾ قال: هم أهل الكتاب(٥) روى عنه عمر بن نافع سمعت أبي يقول ذلك. (قلت): وهذا قول غريب جداً بتقدير صحة الإسناد، فإن أبا بكر هذا وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته لكنه في حکم المجهول. وأما (المساكين) فعن أبي هريرة وظائبه أن رسول الله وسلم قال: ((ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئاً))(٦) رواه الشيخان. وأما (العاملون عليها) فهم الجُباة والسُعاة يستحقون منه قسطاً على ذلك ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله وٍّ﴿ الذين تحرم عليهم الصدقة لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، أنه انطلق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله وليه ليستعملهما على الصدقة فقال: ((إن الصدقة لا تحلُّ لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس))(٧). وأما (المؤلفة قلوبهم) فأقسام: منهم من يُعطى ليسلم، كما أعطى النبيِ وَّر صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركاً، قال: فلم يزل يعطيني حتى صار أحبَّ الناس إليَّ بعد = الزكاة من له الدار والخادم والفرس)) (المصنف ١٧٩/٣) وبنحو هذا اللفظ أخرجه الطبري بسنده عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى. وليه فيه: لا يعطي الأعراب منها شيئاً. (١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عمر بن نافع عن عكرمة، وعمر بن نافع هو الثقفي الكوفي ضعيف. (٢) أي صاحب قوة صحيح الجسم. (٣) المسند ٨٤/١١ (ح ٦٥٣٠)، وقال محققوه: إسناده قوي. وسنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب من يعطى الصدقة (ح ١٦٣٤)، وسنن الترمذي، أبواب الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى (ح ٦٥٢) وحسنه. (٤) المسند ٤٨٦/٢٩ (ح١٧٩٧٢)، وصحح سنده محققوه، وسنن أبي داود، الزكاة، باب من يعطى الصدقة (ح١٦٣٣)، وسنن النسائي، الزكاة، باب إذا لم يكن له دراهم ٩٩/٥، وقوى سنده الحافظ ابن كثير. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عمر بن نافع الثقفي الكوفي عن أبي بكر العبسي به، وعمر بن نافع ضعيف، وأبو بكر العبسي ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح ٣٤١/٩). (٦) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ١٧٧. (٧) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ترك استعمال آل النبي على الصدقة (ح ١٠٧٢). ٣٠٦ • سُؤَرَّةُ التَّوَيَّةِ (٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أن كان أبغضَّ الناس إلي، كما قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، أنبأنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله وَله يوم حُنين وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ(١). ورواه مسلم والترمذي من حديث يونس عن الزهري به(٢) . ومنهم من يُعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حُنين أيضاً جماعة من صناديد الطلقاء وأشرافهم مائة من الإبل، وقال: ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه خشية أن يكبَّه الله على وجهه في نار جهنّم))(٣). وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن عليًّاً بعث إلى النبي وَّ بذهبية في تربتها في اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعُيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير، وقال: ((أتألفهم)) (٤). ومنهم من يُعطى لما يرجى من إسلام نظرائه. ومنهم من يُعطى ليجبي الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، ومحل تفصيل هذا في كتب الفروع، والله أعلم. وهل تعطى المؤلفة على الإسلام بعد النبي ◌َّ؟ فيه خلاف: فروي عن عمر وعامر الشعبي وجماعة: أنهم لا يُعطون بعده لأن الله قد أعزَّ الإسلام وأهله ومكَّن لهم في البلاد، وأذلَّ لهم رقاب العباد(٥). وقال آخرون: بل يُعطون لأنه عليه الصلاة والسلام قد أعطاهم بعد فتح مكة وکسر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم(٦) . وأما (الرقاب) فروي عن الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد أنهم المكاتبون(٧)، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه، وهو قول الشافعي والليث (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦٥)، وسنده صحيح. (٢) صحيح مسلم، الفضائل، باب ما سئل رسول الله بَ ل* شيئاً ... (ح٢٣١٣)، وسنن الترمذي، الزكاة، باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم (ح٦٦٦). (٣) أخرجه البخاري من حديث سعد بن أبي وقاص ظه (الصحيح، الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] ح ١٤٧٨). (٤) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ... ﴾ [هود: ٥٠] (ح ٣٣٤٤)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم (ح ١٠٦٤). (٥) قول عمر أخرجه البخاري (التاريخ الصغير ٥٦/١) مختصراً والطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضاً وقد صحح والحافظ ابن حجر سند رواية البخاري (الإصابة ١/ ٥٥ و٥٩) وقول عامر الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٢٢٣/٣)، والطبري وابن أبي حاتم بأسانيد يقوي بعضها بعضاً. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق يونس بن عبيد بن دينار عن الحسن البصري. (٧) قول الحسن البصري أخرجه الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ١٧٩/٣)، كلاهما من طريق أشعث بن سوار، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه. ٣٠٧ سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٦٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة(١)، وهو مذهب أحمد ومالك وإسحاق، أي أن الرقاب أعمُّ من أن يُعطي المكاتب أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالاً. وقد ورد في ثواب الإعتاق وفكّ الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضواً من معتقها حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا تُجُزَوْنَ إِلَّ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات] وعن أبي هريرة ظ به، أن النبي وَّ قال: ((ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)) رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود(٢). وفي المسند عن البراء بن عازب قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله دلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار؟ فقال: ((أعتق النسمة وفكَّ الرقبة)) فقال: يا رسول الله أو ليسا واحداً؟ قال: ((لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفُّ الرقبة أن تعين في ثمنها)»(٣). وأما (الغارمون) فهم أقسام: فمنهم من تحمل حمالة أو ضمن ديناً فلزمه فأجحف بماله أو غرم في أداء دينه أو في معصية ثم تاب فهؤلاء يدفع إليهم، والأصل في هذا الباب حديث قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحمَّلت حمالة فأتيت رسول الله وَّر أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها)) قال: ثم قال: ((يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمَّل حمالة فحلَّت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلَّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال سداداً من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجا(٤) من قرابة قومه، فيقولون: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلَّت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال سداداً من عيش - فما سواهنَّ من المسألة سُحت يأكلها صاحبها سحتاً)) رواه مسلم(٥). وعن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ◌َر في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال ◌َله: ((تصدقوا عليه)) فتصدَّق الناس عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي ◌َّ لغرمائه: ((خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)) رواه مسلم (٦) . (١) قول ابن عباس أخرجه أبو عبيد من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس (الأموال ص٧٤٩) وصححه الحافظ ابن حجر (تغليق التعليق ٢٤/٣)، وقول الحسن البصري أخرجه ابن أبي شيبة والطبري بالسند المتقدم في الرواية السابقة (المصنف ١٧٩/٣). (٢) المسند ٣٧٩/١٢ (ح٧٤١٦) وحسن سنده محققوه، وسنن الترمذي، فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والمكاتب (ح١٦٥٥)، وحسنه، وسنن النسائي، النكاح، باب معونه الله الناكح ٦/ ٦١، وسنن ابن ماجه، العتق، باب المكاتب (ح٢٥١٨)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه. (٣) المسند ٦٠٠/٣٠ (ح١٨٦٤٧) وصحح سنده محققوه. (٤) أي: ذوو العقل. (٥) صحيح مسلم، الزكاة، باب من تحل له المسألة (ح ١٠٤٤). (٦) صحيح مسلم، المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين (ح ١٥٥٦). ٣٠٨ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٦١) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، أنبأنا صدقة بن موسى، عن أبي عمران الجوني، عن قيس بن يزيد، عن قاضي المِصْرَين(١)، عن عبد الرحمن بن أبي بكر قال: قال رسول الله وَليقول : ((يدعو الله بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يديه فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين؟ وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة. فيقول الله: صدق عبدي أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته)) (٢). وأما (في سبيل الله) فمنهم الغُزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإمام أحمد والحسن وإسحاق والحج من سبيل الله للحديث. وكذلك (ابن السبيل) وهو المسافر المجتاز في بلد ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفر من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه؛ والدليل على ذلك الآية وما رواه الإمام أبو داود وابن ماجه من حديث معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ◌ُبه، قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى الغني))(٣). وقد رواه السفيانان عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلاً. ولأبي داود، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله رَله: ((لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل أو جار فقير فيهدي لك أو يدعوك))(٤). وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهُ﴾ أي: حكماً مقدراً بتقدير الله وفرضه وقسمه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمُ حَكِيرُ﴾ أي: عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده ﴿حَكِيمُ﴾ فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به، لا إله إلا هو ولا رب سواه. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلّ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾﴾. يقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله وَّ* بالكلام فيه، ويقولون: ﴿هُوَ أُذُنُّ﴾ أي: من قال له شيئاً صدقه فينا ومن حدثه فينا صدقه، فإذا جئناه وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة(٥). (١) أي قاضي البصرة والكوفة، وهو شريح بن الحارث بن قيس الكوفي النخعي. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٣٤/٣ ح١٧٠٨)، وضعف سنده محققوه لضعف صدقه وهو: ابن موسى الدقيقي. (٣) سنن أبي داود، الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني (ح ١٦٣٥) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤٤٠)، وأخرجه ابن ماجه في سننه، الزكاة، باب من تحلّ له الصدقة (ح١٨٤١). (٤) السنن، الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني (ح ١٦٣٧) وسنده ضعيف لضعف عطية العوفي. (٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه مختصراً، وقول مجاهد أخرجه = ٣٠٩ سُورَةُ التَّوَنَّةِ﴾ (٦٢، ٦٦) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 قال الله تعالى: ﴿قُلّ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾ أي: هو أذن خير يعرف الصادق من الكاذب ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ويصدق المؤمنين ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ﴾ أي: وهو حجّة على الكافرين ولهذا قال: ﴿وَأَلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . أَلَمْ ﴿يَخْلِّفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ٠ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ, مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُمْ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِدًا فِيَأْ ذَلِكَ الْخِزْىُ اَلْعَظِيمُ قال قتادة في قوله تعالى: ﴿يَعْلِّفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية، قال: ذُكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقاً، لهم شرٌّ من الحمير. قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله ما يقول محمد لحق ولأنت أشرَّ من الحمار، قال: فسعى بها الرجل إلى النبي -8﴿ فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: ((ما حملك على الذي قلت؟)) فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللَّهم صدِّق الصادق وكذِّب الكاذب، فأنزل الله الآية(١). وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، أي: ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حادَّ الله رَ أي شاقه وحاربه وخالفه، وكان في حدّ، والله ورسوله في حدّ ﴿فَأَنَّ لَهُمْ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيَهَاً﴾ أي: مهاناً معذباً، ﴿ذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ﴾ أي: وهذا هو الذلُّ العظيم والشقاء الكبير. - ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُغَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ثُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمَّ قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ (®]﴾. قال مجاهد: يقولون القول بينهم ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا هذا(٢). وهذا الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَمُوَكَ حَيَّوَ بِمَا لَمْ يُحَّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَُّ بَصْلَوْنَهَّا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨]، وقال في هذه الآية: ﴿قُلِ أُسْتَهْزِمْوَأْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ أي: إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به ويبيّن له أمركم كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ الآية [محمد: ٣٠]، ولهذا قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة (الفاضحة) فاضحة المنافقين(٣). ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَتَلْعَبُّ قُلْ أَبِلَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ فَدْ كَفَرَّتُ بَعْدَ إِبِمَنِكُمْ إِن تَغْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنَكُمْ نُعَذِّبْ طَاِفَةٌ بِأَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ قال أبو معشر المديني، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما = الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه. (١) أخرجه الطبري بالسند السابق لكنه هنا هو مرسل وسنده ضعيف. (٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة. ٣١٠ • سُوَدَّةُ التَّوَّةِ) (٦٥، ٦٦) أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللِّقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله بصير، فجاء إلى رسول الله وَله وقد ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: ﴿أَبِلَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ وإن رجليه لتسفعان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله وَ له وهو متعلق بنِسْعَة(١) رسول الله وَليَ(٢). وقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت ولكنك منافق لأخبرنَّ رسول الله وَالتَ، فبلغ ذلك رسول الله ﴿ ونزل القرآن، فقال عبد الله بن عمر أنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله وعليه تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ورسول الله وَله يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَءَايَتِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ الآية(٣). وقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا(٤). وقال ابن إسحاق، وقد كان من جماعة من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بني أمية بن زيد بن عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: مخشي بن حمير (٥)، يسيرون مع رسول الله وّله وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال، إرجافاً وترهيباً للمؤمنين فقال مخْشي بن حُمَيِّر: والله لوددت أن أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وإننا نغلب أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم هذه، وقال رسول الله و3 8* فيما بلغني لعمار بن ياسر: ((أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فاسألهم عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا)) فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله و ﴿ يعتذرون إليه فقال وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقَبِها(٦): يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب فقال مخشي بن حمير: يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي فكان الذي [عفي](٧) عنه في هذه الآية مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة ولم يوجد له أثر (٨). (١) النِسْعَة: سير مضفور يجعل زماماً للبعير، وقد تُنسج عريضة تجعل على صدر البعير. (٢) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به، وسنده ضعيف أبي معشر، ويتقوى بالرواية التالية والمراسيل التي تليها . (٣) أخرجه الطبري عن يونس عن عبد الله بن وهب به، وصحح سنده الأستاذ أحمد شاكر. (٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن صالح عن الليث به، ويتقوى بسابقه. (٥) مخشي بن حِمَيِّر: ويقال له مُخسِّن، الأشجعي حليف لبني سلمة من الأنصار، كان من المنافقين ومن أصحاب مسجد الضرار، ثم تاب وحسنت توبته وطلب من النبي أن يغير اسمه: فسماه: عبد الله بن عبد الرحمن، فدعا مخشي ربه أن يقتل شهيداً حيث لا يعلم، فقتل يوم اليمامة ولم يعلم له أثر (أسد الغابة ٣٣٨/٤ والإصابة ٣٧٢/٣). (٦) الحَقَب: حبل يُشد به الرحل إلى بطن البعير مما يلي ذيله كي لا يجتذبه التصدير (النهاية ٤١١/١). (٧) في الإصل بياض بقدر الكلمة. واستدرك من (عم) و(حم). (٨) ذكره ابن هشام (السيرة النبوية ٥٢٤/٢ - ٥٢٥) وآخره تقدم في ترجمة مخشي. ٣١١ • سُوَرَّةُ التَّوَّةِ) (٦٧، ٦٩) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال قتادة: ﴿وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَتَلْعَبُ﴾ قال: فبينما النبي ◌َّ في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن - هذا أن - يفتح قصور الروم وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه وَلّر على ما قالوا، فقال: ((عليَّ بهؤلاء النفر)) فدعاهم فقال: ((قلتم كذا وكذا))، فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب(١). وقال عكرمة في تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللَّهم إني أسمع آية أنا أعنى بها تقشعر منها الجلود وتجبُّ(٢) منها القلوب، اللَّهم فاجعل وفاتي قتلاً في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت. قال: فأُصيب يوم اليمامة فما من أحد من المسلمين إلا وقد وجد غيره(٣). وقوله: ﴿لَا تَعْنَذِرُواْ فَدْ كَغَرَتُ بَعْدَ إِمَنِكُمْ﴾ أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به ﴿إِن نَفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِقَةٌ﴾ أي: لا يعفى عن جميعكم ولا بد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ أي: مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. ] ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضَِّ بَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ أَيَدِيَهُمَّ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمَّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ يقول تعالى منكراً على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء ﴿يَأْمُرُونَ بِلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيَدِيَهُمْ﴾ أي: عن الإنفاق في سبيل الله، ﴿نَسُواْ اللَّهَ﴾ أي: نسوا ذكر الله ﴿فَنَسِيَهُمَّ﴾ أي: عاملهم معاملة من نسيهم كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ أَلْيَوْمَ نَنَسَنَّكُمْ كَّا نَسِيْتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] ﴿إِنَ الْمُنَفِقِينَ هُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طريق الحق الداخلون في طريق الضلالة، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أي: على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم ﴿خَلِينَ فِيهًا﴾ أي: ماكثين فيها مخلدين هم والكفار ﴿هِىَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: كفايتهم في العذاب ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ . 42 ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا فَأَسْتَمْتَعُواْ إِخَفِهِمْ فَأُسْتَمْتَعْتُم بِخَلَقِكُ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ مِخَلَقِمْ وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُوَاْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾﴾ يقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب الله في الدنيا والآخرة كما أصاب من قبلهم، وقوله: ﴿بِخَلَقِهِمْ﴾ قال الحسن البصري: بدينهم . (١) أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة ويشهد له سابقه ولاحقه. (٢) أي تضطرب. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل من طريق أيوب السختياني عن عكرمة، ويشهد له ما سبق من الآثار. (٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن الحسن. ٣١٢ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٠) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَذِى خَاضُواْ﴾ أي: في الكذب والباطل ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾ أي: بطلت مساعيهم فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾؛ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب. قال ابن جريج، عن عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شبَّهنا بهم لا أعلم إلا أنه قال: ((والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جُحَر ضبٍّ(١) لد خلتموه))(٢). قال ابن جريج: وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زياد بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَله: ((والذي نفسي بيده لتتبعنَّ سَنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع وباعاً بباع، حتى لو دخلوا جُحَر ضبٍّ لدخلتموه)) قالوا: ومن هم يا رسول الله، أهل الكتاب؟ قال: فَمَه(٣)) (٤). وهكذا رواه أبو معشر، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ: فذكره، وزاد قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم القرآن ﴿كَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية، قال أبو هريرة: الخِلاق: الدين ﴿وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ﴾ قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم؟ قال: «فهل الناس إلا هم؟)»(٥) وهذا الحديث له شاهد (٦) في الصحيح . ﴿أَلَمَا يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوجٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَهِيمَ وَأَصْحَابٍ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَثِّ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يقول تعالى واعظاً لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل: ﴿أَلَمَّ بَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل؟ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح لعلّلها، ﴿وَعَادٍ﴾ كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هوداً علّله، ﴿وَثَمُودَ﴾ كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحاً،فعَلَّهُ وعقروا الناقة، ﴿وَقَوْمِ إِبْزَهِيمَ﴾ كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم ﴿وَأَصْحَبِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب لفظَّهُ وكيف نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله، (١) خصص بجحر الضب لشدة ضيقه وردائته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لتبعوهم! (ينظر فتح الباري ٤٩٨/٦). (٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج بن محمد به، وفي سنده عمر بن عطاء: ضعيف، ويشهد لآخره الحديث التالي عن أبي هريرة (٣) فمه: مه حرف استفهام بمعنى: ((من)). (٤) أخرجه البخاري من طريق أبي غسان عن زيد بن أسلم به بلفظ: ((فمن)) بدل ((فمه)) وأخرجه مسلم من طريق أبي غسان به مثل لفظ البخاري (صحيح مسلم، العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى ح٢٦٦٩). (٥) أخرجه الطبري من طريق أبي معشر به بدون الخلاق: الدين، وهذا اللفظ أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معشر به، وسنده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي، ويتقوى أغلبه بما سبق. (٦) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ◌َّار: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم)) (ح٧٣١٩). ٣١٣ • سُوَّةُ التَوَتَّةِ﴾ (٧١، ٧٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة؟ ﴿وَالْمُؤْتَفِكَتِ﴾ قوم لوط وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى (63)﴾ [النجم] أي: الأُمة المؤتكفة وقيل: أُم قراهم، وهي سدوم، والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوط عليّله وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ﴿أَنَنْهُمْ رُسُلُهُم بِلْبَيِّنَتِّ﴾ أي: بالحجج والدلائل القاطعات، ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل، ﴿وَلَكِن كَانُّوَاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُؤْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (®)). لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال: ﴿﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)) وشبك بين أصابعه(١). وفي الصحيح أيضاً: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر))(٢). وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣)﴾ [آل عمران]، وقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ﴾ أي: يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه ﴿ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ,﴾ أي: فيما أمر وترك ما عنه زجر ﴿أُوْلَِّكَ سَيَّرْعُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: سيرحم الله من اتَّصف بهذه الصفات ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أي: عز من أطاعه، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإنه له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَّتِ عَلْنٍ وَرِضْوَنٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في ﴿جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبداً ﴿وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه قال: قال رسول الله وَله: ((جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه (١) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري تظلُه (صحيح البخاري، الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد ح (٤٨) وصحيح مسلم. البر والصلة، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ح٢٥٨٥). (٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية ٨٤. ٣١٤ • سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٧٢) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 في جنة عدن))(١). وبه قال: قال رسول الله وقالور: ((إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً في السماء! للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضاً)) أخرجاه في الصحيحين(٢)، وفيهما- أيضاً - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّى: ((من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان، فإن حقاً على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو حبس في أرضه التي ولد فيها)) قالوا: يا رسول الله أفلا نخبر الناس؟ قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن))(٣). وعند الطبراني والترمذي وابن ماجه من رواية زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل به سمعت رسول الله وَّه يقول ... فذكر مثله(٤)، والترمذي عن عبادة بن الصامت مثله(٥) . وعن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله وَ له: ((إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة كما ترون الكوكب في السماء)) أخرجاه في الصحيحين(٦). ثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له: الوسيلة، لقربه من العرش وهو: مسكن رسول الله وَ﴿ من الجنة، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة أن رسول الله وسلّم قال: ((إذا صليتم عليّ فسلوا الله لي الوسيلة)). قيل: يا رسول الله وما الوسيلة؟ قال: ((أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو))(٧). وفي صحيح مسلم من حديث كعب بن علقمة: عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاصٍ، أنه سمع النبي ◌َّ يقول: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلُّوا عليَّ فإنه من صلَّى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة (١) صحيح البخاري، التفسير، سورة الرحمن، باب ﴿وَمِن دُوِنِمَا جَنََّانِ (﴾﴾ [الرحمن] (ح٤٨٧٨) وصحيح مسلم، الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم (ح ١٨٠). (٢) أخرجه البخاري بنحوه (المصدر السابق ح٤٨٧٩)، وأخرجه مسلم بلفظه تقريباً (الصحيح، الجنة وصفة نعیمھا ح٢٨٣٨). (٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مع تقديم وتأخير (الصحيح، التوحيد، باب ((وكان عرشه على الماء)) ح ٧٤٢٣). (٤) المعجم الكبير ١٥٨/٢٠، وسنن الترمذي أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة (٢٥٣٠) وسنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة الجنة (ح٤٣٣١) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٤٩٦). (٥) سنن الترمذي صفة الجنة، باب ما جاء في درجات الجنة (ح٢٥٣١). (٦) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار (ح٦٥٥٥)، وصحيح مسلم، الجنة، باب تراءي أهل الجنة أهل الغرف (ح ٢٨٣٠). (٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٤٠ ح ٧٥٩٨) وضعفه محققوه بسبب ما قيل في ليث وهو ابن أبي سلیم. ٣١٥ • سُورَةُ التَّوَيَّةِ، (٧٢) 2000000000000000000000000000000000000000000000000000000 000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله. وأرجو أن أكون هو، فمن سأل الله ليَّ الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة يوم القيامة))(١). وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ((سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة))(٢). وفي مسند الإمام أحمد من حديث سعد بن مجاهد الطائي، عن أبي المِدلَّه، عن أبي هريرة رضيه قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: ((لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه))(٣) وروي عن ابن عمر مرفوعاً نحوه. وعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي راه قال: قال رسول الله وَله: ((إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها)) فقام أعرابي فقال: يا رسول الله لمن هي؟ فقال: ((لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام)) ثم قال: حديث غريب (٤). ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري كل منهما عن النبي ( 98 بنحوه، وكل من الإسنادين جيد وحسن، وعنده أن السائل هو: أبو مالك الأشعري(٥)، فالله أعلم. وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله وَ له: ((ألا هل من مشمِّر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي - وربّ الكعبة - نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطّرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية)) قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمِّرون لها، قال: ((قولوا: إن شاء الله)) فقال القوم: إن شاء الله. رواه ابن ماجه(٦). وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: رضا الله عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم، كما قال الإمام مالك تَُّ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد (١) صحيح مسلم، الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن (ح ٣٨٤). (٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الأوسط ١/ ٣٧٠ ح ٦٣٧) ويشهد له سابقه. (٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق سعد بن مجاهد به وأطول (المسند ٤١٠/١٣ ح ٨٠٤٣)، وصحح سنده محققوه بطرقه وشواهده. (٤) سنن الترمذي، صفة الجنة، باب ما جاء في صفة غرف الجنة (ح ٢٥٢٧). (٥) المعجم الكبير ٣٠١/٣ (ح٣٤٦٦) وحسن سنده الحافظ ابن كثير، وأخرجه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو، ومن حديث أبي مالك الأشعري وصححهما ووافقه الذهبي (المستدرك ٣٢١/١)، وحسنه المنذري (الترغيب ٤٢٤/١)، وحسنهما الألباني في صحيح الترغيب (ح٩٣٨ و٩٣٩). (٦) سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة الجنة (ح٤٣٣٢) وضعفه البوصيري لجهالة رجل فيه اسمه: الضحاك المعافري (مصباح الزجاجة ٣٢٥/٣). ٣١٦ سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٧٣، ٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 الخدري نظُه، أن رسول الله وَله قال: ((إن الله رمى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)) أخرجاه من حديث مالك(١). وقال أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل [الرخامي](٢) حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَل: ((إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله ريك: هل تشتهون شيئاً فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا ما خير مما أعطيتنا؟ قال: رضواني أكبر))(٣). ورواه البزار في مسنده من حديث الثوري، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه (صفة الجنة): هذا عندي على شرط الصحيح، والله أعلم. ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظُ عَلَّهِمَّ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنَّةٌ وَيِئْسَِ الْمَصِيرُ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوَاْ إِلَّ أَنْ أَغْنَئُهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُرُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرً لَهٍُّ وَإِن يَتَوَلَّوْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِ الدُّنْيَا (VE وَالْآَخِرَةَّ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ أمر تعالى رسوله * بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة، وقد تقدم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول الله وَله بأربعة أسياف(٤): سيف للمشركين ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وسيف لكفار أهل الكتاب ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا حََّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (®)﴾ [التوبة]، وسيف للمنافقين ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾، وسيف للبغاة ﴿فَقَئِلُواْ أَلَتِى تَبْغِى حَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق وهو اختيار ابن جرير. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فليكفهر(٥) في وجهه (٦). (١) صحيح البخاري، الرقاق، باب صفة الجنة والنار وصحيح مسلم، صفة الجنة، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة (ح٢٨٢٩). (٢) كذا في (عم) و(مح) و(حم) وفي الأصل صحف إلى: ((الرحامي)). (٣) أخرجه الحاكم من طريق محمد بن يوسف الفريابي به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٨٢)، وصححه الضياء المقدسي كما نقل الحافظ ابن كثير عنه. (٤) تقدم تخريجه في تفسير الآية رقم (٥) من هذه السورة الكريمة وتبين أنه ضعيف، وقد اقتصر هناك على ذكر السيف الأول عن علي به أما بقية السيوف الأربعة فهي تتمة من الحافظ ابن كثير كما صرح بذلك هناك إذ قال: وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب ... (٥) فليكفهر: أي فليلقه بوجه منقبض عابس، لا طلاقة فيه ولا بشر. (٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن أبي جندب عن ابن مسعود. ٣١٧ • سُوَّةُ التَوَتَّةِ) (٧٣، ٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف؛ والمنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم(١). وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف؛ واغلظ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم (٢) وعن مقاتل والربيع مثله (٣)، وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم(٤). وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا بحسب الأحوال، والله أعلم. وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ﴾ قال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري، فعلا الجهني على الأنصاري، فقال عبد الله للأنصار: ألا تنصروا أخاكم؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأزلَّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ◌َّ﴾، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف باللهِ ما قاله، فأنزل الله فيه هذه الآية(٥). وروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة قال: فحدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك ظبه يقول: حزنت على من أُصيب بالحَرة من قومي، فكتب إلي زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني يذكر أنه سمع رسول الله يقول: ((اللَّهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار)» وشكّ ابن الفضل في أبناء أبناء الأنصار قال ابن الفضل: فسأل أنس بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم فقال: هو الذي يقول له رسول الله وَله: ((أوفى الله له بِأُذُنِه))(٦) قال: وذلك حين سمع رجلاً من المنافقين يقول ورسول الله وَلا يخطب: لئن كان صادقاً فنحن شرٌّ من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق ولأنت شرٌّ من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول الله وَّت، فجحده القائل، فأنزل الله هذه الآية تصديقاً لزيد، يعني قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ الآية، رواه البخاري في صحيحه عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة - إلى قوله : - هذا الذي أوفى الله له بِأُذُنِهِ، ولعلَّ ما بعده من قول موسى بن عقبة، وقد رواه محمد بن فليح عن موسى بن عقبة بإسناده، ثم قال: قال ابن شهاب ... فذكر ما بعده عن موسى، عن ابن شهاب (٧) . (١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس. (٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك ويتقوى بسابقه. (٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. (٤) قول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. (٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويشهد لبعضه الرواية التالية في صحيح البخاري. (٦) صحيح البخاري، التفسير، سورة المنافقون، باب ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧] (ح ٤٩٠٦). (٧) قال الحافظ ابن حجر: وهذا مرسل جيد وكأن البخاري حذفه لكونه على غير شرطه، ولا مانع من نزول الآيتين في القصتين في تصديق زيد (فتح الباري ٦٥١/٨). ٣١٨ سُورَةُ التَّوَيَّةِ (٧٣، ٧٤) 00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 0 والمشهور في هذه القصة أنه كانت في غزوة بني المصطلق، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها(١)، والله أعلم. قال الأموي في مغازيه: حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده قال: لما قدم رسولِ الله وَلّ أخذني قومي فقالوا: إنك امرؤ شاعر فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله وَ له ببعض العلّة ثم يكون ذنباً تستغفر الله منه، وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين ونزل فيه القرآن منهم ممن كان مع النبي ◌َّ الجُلاس بن سويد بن الصامت(٢)، وكان على أم عُمير بن سعد، وكان عُمير في حجره، فلما نزل القرآن وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقاً فيما يقول لنحن شرٌ من الحمير؟ فسمعها عمير بن سعد(٣) فقال: والله يا جُلاس إنك لأحبُّ الناس إليَّ وأحسنهم بلاء عندي وأعزَّهم عليَّ أن يصله شيء يكرهه، ولقد قلتَ مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليَّ من الأخرى، فمشى إلى رسول الله ﴿ ﴿ فذكر له ما قال الجُلاس، فلما بلغ ذلك الجُلاس خرج حتى أتى النبي وَلّ فحلف بالله ما قال ما قال عُمير بن سعد، ولقد كذب عليَّ، فأنزل الله رَك فيه: ﴿يَلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ ... ﴾ إلى آخر الآية، فوقفه رسول الله عليه عليها فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته ونزع فأحسن النزوع(2). (٤) ٠ هكذا جاء هذا مدرجاً في الحديث متصلاً به وكأنه - والله أعلم - من كلام ابن إسحاق نفسه لا من كلام كعب بن مالك(٥) . وقال عروة بن الزبير: نزلت هذه الآية في الجُلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقاً فنحن أشرُّ من حمرنا هذه التي نحن عليها، فقال مصعب: أما والله يا عدو الله لأخبرنَّ رسول الله وَلَّ بما قلت، فأتيت النبي ◌ّه وخفت أن ينزل فيّ القرآن أو تصيبني قارعة أو أن أخلط بخطيئته، فقلت: يا رسول الله أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك، قال: فدعا الجلاس فقال: ((يا جُلاس أقلت الذي قاله مصعب؟)) فحلف فأنزل الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ الآية (٦). وقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة فيما بلغني الجُلاس بن سويد بن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له: عُمير بن سعد فأنكرها فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني(٧) . (١) لقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الإشكال كما في الحاشية السابقة. (٢) وكان ممن تخلف عن رسول الله 18 في غزوة تبوك (السيرة النبوية لابن هشام ٥١٩/١) . . (٣) هو عمير بن سعد الأوسي صحابي جليل (الإصابة ٣٢/٣). (٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن إذ صرح ابن إسحاق بالتحديث عن الزهري به. (٥) بل هو من كلام كعب بن مالك كما في السند السابق وأخرجه بنحوه بسند حسن آخر عن ابن عباس (٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه لكنه مرسل وتشهد له الروايات السابقة. (٧) تقدم تخريجه في الرواية قبل السابقة من رواية ابن أبي حاتم. ٣١٩ • سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٧٣، ٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 وقال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله وليه جالساً في ظل شجرة فقال: ((إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم - بعيني الشيطان - فإذا جاء فلا تكلموه)) فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق(١)، فدعاه رسول الله صل﴿ فقال: ((علام تشتمني أنت وأصحابك؟)) فانطلق الرجل فجاءه بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله وَك: ﴿يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ الآية(٢). وقوله: ﴿وَهَقُواْ بِمَا لَّ يَنَالُواْ﴾ قيل: أنزلت في الجُلاس بن سويد وذلك أنه همَّ بقتل ابن امرأته حين قال: لأخبرن رسول الله وَ﴾(٣)، وقيل: في عبد الله بن أُبي، همَّ بقتل رسول الله وَلَّ(٤). وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله وَ﴾(6) وقد ورد أن نفراً من المنافقين همُّوا بالفتك بالنبي وَّ وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلاً، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية. وذلك بيِّن فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب (دلائل النبوة) من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان ظلبه قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله ◌َر أقود به وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوقه وعمار يقوده حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله وَله بهم، فصرخ بهم، فولُّوا مدبرين. فقال لنا رسول الله وَلجر: ((هل عرفتم القوم؟)) قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال: ((هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا؟)) قلنا: لا، قال: ((أرادوا أن يزاحموا رسول الله وَير في العقبة فيلقوه منها)) قلنا: يا رسول الله أفلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: ((لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم - ثم قال : - اللَّهم ارمهم بالدبيلة)) قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: ((شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك))(٦). وقال الإمام أحمد تَّلُهُ: حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جُميع، عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله وَّر من غزوة تبوك أمر منادياً فنادى: إن رسول الله وَم أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ( * يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله وَله، فأقبل عمار رُله يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله صل﴿ لحذيفة: ((قد قد)) حتى هبط رسول الله وَثار، فلما هبط نزل ورجع عمار (١) أي أزرق العيون. (٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده أحمد شاكر. (٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل. (٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل. (٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل. (٦) أخرجه البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به (دلائل النبوة ٢٦٠/٥ - ٢٦١) وسنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، وأبو البختري وهو فيروز لم يسمع من حذيفة رض ٣٢٠ سُورَةُ التَّوَتَّةِ (٧٣، ٧٤) 0000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 فقال: يا عمار، ((هل عرفت القوم؟)) قال: لقد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال: ((هل تدري ما أرادوا؟)) قال: الله ورسوله أعلم قال: ((أرادوا أن ينفروا برسول الله وَّله فيطرحوه)) قال: فسأل عمار رجلاً من أصحاب رسول الله وَّله فقال: ((نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلاً فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر، قال فعدَّ رسول الله وَلّر منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله صل﴿ وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار أشهد: أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد))(١). وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله وله أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله وصل﴿، فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله وَ لا حذيفة وعماراً بأسمائهم وما كانوا همُّوا به من الفتك به صلوات الله وسلامه عليه وأمرهما أن يكتما عليهم(٢)، وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، إلا أنه سمَّى جماعة منهم، فالله أعلم (٣) . وكذا قد حكي في معجم الطبراني قاله البيهقي، ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة [وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟](٤) قال: فقال له القوم: أخبره إذا سألك؟ فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله صل ﴿ ولا علمنا بما أراد القوم؟ وقد كان في حرَّة يمشي فقال: إن الماء قليل فلا يسبقني إليه أحد، فوجد قوماً قد سبقوه فلعنهم يومئذٍ(٥)، وما رواه مسلم أيضاً من حديث قتادة عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي ◌َّهو أنه قال: ((في أصحابي اثنا عشر منافقاً لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة: سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم))(٦) ولهذا كان حذيفة يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء قد أطلعه عليهم رسول الله وَ ﴿ دون غيره، والله أعلم. [وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روي عن علي بن عبد العزيز، (١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢١٠/٣٩ - ٢١١ ح٢٣٧٩٢)، وقال محققوه: إسناده قوي على شرط مسلم، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٩٥/٦). (٢) أخرجه البيهقي من طريق عمرو بن خالد عن ابن لهيعة به نحوه. (٣) أخرجه البيهقي من طريق أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به. (٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عم) و(حم) و(مح) وصحيح مسلم. (٥) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، صفات المنافقين وأحكامهم ح٢٧٧٥/١١). (٦) المصدر السابق (ح ٢٧٧٥/١٠).